
رواية الوصية ونور النجع الفصل الخامس عشر 15 بقلم ولاء عمر
ــ إزاي نشيله من العمودية ده تجبر قوي؟
رد أبوي:
ــ لازم الناس تقدم شكاوي للكبار في النجع والكبار يوصلوا صوتهم لمدير الأمن.
ـــ يعني أنت هتكون معاهم يا أبوي؟
ــ لازم أكون موجود، منظر الناس يصعب على الكافر.. المشكلة يا ولدي إنه بجح وغلّاط، لامم كل الخِصال العِكرة وواخدها ملك لنفسه.
ضحكت على كلام أبوي وقولت:
ــ يعني يا أبوي كنت عايزه يبقى كريم في الحتة دي؟ ده الحمد لله إنه طمع فيها لوحده.
كنت حاسس بصداع شديد طالع من عيني فقولتلهم عايز أطلع، قومت علشان أطلع الأوضة بس الصداع خلاني مش قادر أقوم.
أول ما قومت ومشيت خبطت في الكنبة علشان حاسس إن كل حاجة مش في مكانها الطبيعي .
ــ سَنِّد أخوك يا أيمن.
بعدت بعند وأنا بحاول أمشي بس مكنتش قادر فسندني لحد الأوضة ودخلني.
بعد ما خرج اتكومت مكاني وأنا بقاوم حسرتي وزعلي على نفسي.
دخلت زينة وهي بتجري:
ــ مالك يا زيدان؟ أنت كويس؟ عمي قال إنك تعبت وطلعت.
معنديش طاقة أتكلم أصلا فقولت:
ــ كويس مفيش حاجة.
ــ شكلك مش بيقول كده.
ــ يقول ولا ميقولش، ممكن تسيبيني لوحدي؟
قعدت جنبي وقالت:
ــ أنا سيبت العيال معاهم تحت وجيتلك وأنت بتطردني؟ مكنش العشم يا جوزي.
ــ زينة، أنا حقيقي مخنوق، والله ما حاملة خالص.
ــ ممكن تهدأ طيب؟
ــ ممكن تسيبيني لوحدي طيب؟
ــ لو سيبتك لوحدك هتتعب أكتر يا حبيبي.
ــ مش فارقة صدقيني، هي موته ولا أكتر!
قربت وقعدت كويس وقالت:
ــ إسند رأسك على رجلي.
ــ يوه، بقولك عايز أبقى لوحدي.
ــ وأنا قولت مش هسيبك، فشوف بقى هتعمل إيه.
ــ يا زينة مصدع والله.
ــ منا قولتلك إسند رأسك، وبعدين ثواني إحنا اتغدينا وفي علاج مخدتهوش حضرتك؟!
ــ مش عايز حاجة.
استسلمت ليها وسندت رأسي، فبدأت تملس على شعري بهدوء وتعملي مساج على رأسي .
ــ أنت ليه مستسلم يا زيدان؟ من يوم ما عرفتك وأنت مش بتستسلم بسهولة، ليه المرة دي مستسلم؟ وليه مُصر تسيب نفسك للشيطان يدورلك على أي حاجة يزعلك بيها؟
حاولت أسيطر على القهرة وقولت:
ــ فاكرة آخر مرة كنت بكلمك قبل الحادثة كنت بقولك إيه؟
ــ كنت بتقولي إنك بتحب شغلك قوي.
كملت وقالت:
ــ بس عارف إن الإنسان بيبتلى في ما يحب ؟
ــ وهل يُبتلى الإنسان إلا فيما يحب؟ بس ليه؟ ليه الإنسان ابتلائه يكون في أكتر حاجة هو حبها؟ اخسر شغلي وعيني؟
جابت العلاج من الدرج ومدته واتعدلت علشان اخده وبعدين رجعت مكاني تحط لي القطرة.
ــ عارف طيب ليه الإنسان يُبتلى فيما يحب؟
ــ ليه؟
سألت وأنا مغمض عينيه بعد ما خدت القطرة فقالت:
ــ يا زيدان، ربك لما بيحب يعلّم العبد أو يقرّبه منه، مش بيبتليه في الحاجة اللي مش فارقة معاه.. الابتلاء بيبعته في أكتر حاجة معلقة قلبه، وفي أكتر حاجة روحُه فيها.
عارف ليه؟
علشان القلب دا كنز، وما يصحش يتملى بغير صاحب الملك. لما بنحب حاجة بزيادة وبنمسك فيها بقوة، بننسى إنها أمانة، وبنفتكر إنها ملكنا للأبد. بيجي الابتلاء في أحب ما لينا علشان يصحّينا.. عشان يفكرنا إن الدنيا دي كلها على بعضها دار ممر مش دار مقر، وإن الحبل لما بيتشد بين العبد وربه، مش بيبقى علشان يقطعه، دا علشان يشدّك ليه تاني!
يمكن اللي بتحبه دا لو كان كمل بالطريقة اللي أنت عايزها، كان هيكون فيه هلاكك وأنت مش داري. ربنا بياخد منك اللي بتحبه مش بخل ولا قساوة — حاشاه — بس علشان يكفيك شر خفي أنت مش شايفه، أو علشان يحوّشلك اللي أحسن منه في الآخرة، أو يكبرك ويقويك بالصبر.
القلب اللي بيتوجع في اللي بيحبه يا زيدان، بيبقى قدامه سكتين: يا إما يقسى ويظلم، يا إما ينضف ويرجع لربنا ويقول: "أنا راضي".. وأنت أصلك طيب، والرضا هو اللي هينورلك العتمة دي كلها.»
ــ جبتي الثبات ده منين تتكلمي بيه عن ابتلاء المرء فيما يحب يا زينة وأنتِ ربنا اختبرك في أحب حاجة لقلبك؟
إيدها اللي في شعري هديت لحظة، وطلعت منها تنهيدة طويلة حرقت الصمت اللي بينّا، بس مسكة إيدها التانية على كتفي فضلت ثابتة. بصت لي بعمق وقالت بصوت هادي :
ــ من نفس البئر اللي شربت منه المر يا زيدان.. من الجرح ذاته.أول ما أبوي وأمي فارقوا الدنيا وسابوني، كنت فاكرة إن الصدر ده مش هيدخله هَوا تاني، وإن ربنا قسي عليّ. كنت بقوم في نص الليل ألتفت حواليا أدوّر على صوتهُم، فلا ألاقي غير السكات بياكل في الجدران. ساعتها كنت بصرخ في سري وأقول: ليه أنا يا رب؟ ليه يتشال السند كله مرة واحدة؟
بس لما الوجع كل فيا وما بقاش فيا حيل أعافر، فهمت.. فهمت إن ربنا لما بياخد الأمانة، مش بياخدها قساوة — حاشاه — ده بيفضّي المكان اللي في القلب علشان ما يتمليش بغيره. عرفت إن السند البشري مهما طال زائل، وإن الحامي الحقيقي هو اللي حي لا يموت.
أنا مكنتش قوية يا زيدان، ولا اتولدت بجبل جُوايا.. أنا سلمت للمقادير لما لقيت إنها صعبة عليا قوي. قُلتله: يا رب، أمانتك ورجعتلك، وأنا مالِيش غيرك يجبر الكسر.. فجبرني.
مالت عليّ شوية، وضغطت بصوابعها على شعري بحنية أم:
ــ إلابتلاء في المحبوب بيكسر الظهر الأول يا زيدان.. بس الكسرة دي هي اللي بتعدل عوجة الشوف، بتخليك تفهم إن الدنيا دي كلها عارية ومستردة، وإن اللي سبقونا راحوا للمكان الأحسن اللي مفيش فيه تعب ولا قسوة. ربنا مش بياخد عشان يوجعنا.. بياخد عشان يشدنا ليه، ولما يفضي قلبك من كل حاجة، هتلاقي الثبات نزل عليك لوحده.
نمت بعد كلامها وتأثير العلاج، حسيت بيها وهي بتقولي إنها نازلة للعيال تحت نام أنت واستريح.
بعد أسبوع كنت حاسس إني بقيت أحسن فروحت مع أبوي.
ــ شوف يا ولدي لو حاسس إنك لسة تعبان متضغطش على نفسك اهاه اديني بقولك من قبل ما نطلع.
ابتسمت:
ــ بقيت أحسن والله.
ــ متأكد؟
ــ أيوا يا أبوي متأكد، ده أنا واخد مسكنات مخصوص علشان مصدعش وأنا برة، وأدي النضارة بتاعة الشمس اللي الدكتور مأكد عليها .
ضحك وقال:
ــ والله زين، زيدان بنفسه هو اللي بقى عايز يروح القعدات دي.
ضحكت بهدوء وروحنا عند واحد من البلد والناس متجمعة.
كلهم سلموا عليا ورحبوا بيا بطريقة أنا مكنتش متخيلها.
ومكنتش متوقع حتى، حتى لما عملت الحادثة؛ لما رجعت النجع كلهم يعتبر جُم، حتى العيال الصغيرة اللي كانت بتشتغل في الأرض جات تسأل عليا.
قعدنا واتكتبت الشكاوي اللي المفروض تروح لمدير الأمن، بس دخل العمدة اللي بنكتب فيه المذكرة .
سند على عكازه ووقف بعنتظة( تكبر ) وقال:
ــ عادي إعملوا اللي تعملوه، مهتقدروش تعملوا حاجة.
واحد من اللي قاعدين قال:
ــ يا أخي حسبي الله ونعم الوكيل فيك، أنت واحد ظالم، مش كفاية إنك قاتل واحد مننا وبناتنا واخدهم.
قال:
ــ والله أنا قولتلهم حاجة مقابل حاجة، يعني ما اخدش الأرض بتاعتهم مقابل إني اتجوز واحدة من بناتهم.
رديت عليه:
ــ مش عيب عليك تبقى راجل وكبير والمفروض ليك مكانتك وتكدب؟ إيه أهلك معرفوكش وأنت صغير إن الكدب حرام وإن الكداب بيروح النار؟ مش عيب لما تبقى كده تفضح وتجرس؟!
خبط بعكازه وقال:
ــ حتى الأعمى بيتكلم!
كنت عارف إنه بيستفزني فقولت:
ــ أنا مش أعمى يا طاهر، حتى الأعمى والعمى دول بيكونوا في القلب والبصيرة والتربية .
ــ مش بتعرف تحترم الأعلى منك سناً ومكانة؟
ربعت إيديا وسألته ببرود:
ــ قصدك أبوي والناس اللي قاعدة؟
رفعت رأسي أتلفت لكى للي حواليا وكملت وأنا بوجه كلامي للناس اللي قاعدة:
ــ أنا آسف ومحقوق لكل واحد فيكم لو كنت غلط فيه، إنما أنت يا اللي فرحان بمنصبك زي العيل اللي معاه لعبة جديدة؟ بس العيل ده عبيط بقى.
قال بعصبية:
ــ قولتلك أحترم نفسك.
وقف واحد من الرجالة الكبار التقال في البلد وقال:
ــ يا راجل بقالك سنة كل يوم نقول يمكن يحس بالناس والعياذ بالله، وإحنا اتكلمنا معاك مرة وعشرة بالذوق وأنت معندكش ولا أدب ولا ذوق.
علا طاهر صوته:
ــ إلزم حدودك يا راجل أنت..
(اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم).
يتبع..