رواية الوصية ونور النجع الفصل السادس عشر 16 بقلم ولاء عمر


رواية الوصية ونور النجع الفصل السادس عشر 16 بقلم ولاء عمر


ــ قولتلك أحترم نفسك.

وقف واحد من الرجالة الكبار التقال في البلد وقال:

ــ يا راجل بقالك سنة كل يوم نقول يمكن يحس بالناس والعياذ بالله، وإحنا اتكلمنا معاك مرة وعشرة بالذوق وأنت معندكش ولا أدب ولا ذوق.


علا طاهر صوته:

ــ إلزم حدودك يا راجل أنت..


قاطعته وأنا بزعق له:

ــ أنت اللي تلزم حدودك وتتعدل لأحسن نعدلك إحنا، وتتكلم مع أبوي بأدب إحترام، ده في مقام أبوك، بس أبوك بقى مكلفش نفسه يربيك وبلىٰ نجع كامل بواحد زيك .


ــ أنا مش هسكت على المهزلة دي.


ــ المهزلة الحقيقة إنك لسة عمدة لحد دلوقتي! بس عموماً اخرك أسبوع لو مسيبتش العمودية لحد غيرك يستحق المنصب ساعتها هتندم أشد ندم.


طلع وهو بيلم في جلابيته وبينفضها بعصبية وهو بيقول بعنتظة ( تكبر):

ــ أعلى ما في خيلكم إركبوه، أنا مش هتنازل.


قعدنا واتكتبت الشكاوي والمذكرات فيه علشان تروح لمدير الأمن وجبنا تقرير للراجل اللي كان شغال عنده وضربه لحد ما مات،وشكاوي أهالي البنات اللي هو اتجوزهم ورماهم وطلقهم كانوا متجمعين خمس رجالة من كل بيت راجل من أهل البنات اللي رماهم .


ــ يا زيدان بيه أنت مش قابل شكوتنا ليه؟


رديت على اللي سأل:

ــ علشان إنتو أصلاً هتتسألوا وهتتجازوا، مفيش حاجة اسمها نتغدى بيه قبل ما يتعشى بينا، وقت ما هيسألوكم في التحقيق هيبقى انتو ليه قبلتوا تعملوا كده في بناتكم، يعني كل حاجة هتوصل في الشكوى.


ــ يعني قابل إن إحنا اللي  نقدمها؟


ــ لاه، هتكون من واحد مننا بيشتكي من الظلم اللي بيحصل.


بعد أسبوعين الناس آخر النهار كانت ماشية رايحة لأرضها بس الدحلاب ده جمع الناس وعلا صوته وجعر كيف الحمار.


الراجل الدحلاب جه قدام بيتي والناس بدأت تتجمع، وأنا طلعت أنا وأبوي واخواتي على صوته.


كان ماسك الورق والشكاوي اللي معرفش وصلته منين وطلع الولاعة من جيبه وبدأ يحرق في الورق وهو بيضحك..


ــ هو انتوا مفكريني عبيط؟ ده أنا وسايطي كتير ومسنود، والورق ده جالي لحد عندي.


قال واحد من الناس اللي واقفة بكل هدوء:

ــ بتضيع كل حاجة كانت هتخليك تمشي بكرامتك، ودلوقتي هتشوف غضب الناس الغلابة هيعمل فيك إيه.


في لحظة كانت الناس بتمسك الطوب وبتحرجمه ( بترميه) عليه، حتى الغفر اللي كانوا جنبه جريوا وسابوه، وجاب دم من كل حتة في جسمه وهدومه اتقطعت وبعدين سابوه، وقفت قدامه وأنا شمتان.


ــ شوفت إنهم مش عايزينك؟ امشي أحسن لك.


ــ مش همشي غير لما اذلكم واحد واحد.


كان بيقولها وهو بيتنفس بالعافية فقولت:

ــ طب خد نفسك الأول بس وبعدين إبقى اتكلم.


ــ مبقاش غير العاطل الاعمي ويتكلم؟!


كنت لسة هزعق له واشتمه بس لقيت واحد ماسك عصايته وبيضربه باقوى ما عنده وهو بيقول :

ــ إلزم حدودك يا راجل يا ناقص ولما تتكلم عن واحد من أسيادك تحترم نفسك.


قولت بضحكة:

ــ ليه كده بس يا أشرف؟ مش حرام عليك الراجل يجراله حاجة!


نادم ( نادى) علينا أبوي وقال:

ــ أشرف وزيدان، منتوش صغيرين لشغل العيال ده، يلا ورانا شغل متلتل.


سيبناه مكانه بيصرخ من الألم ومشينا، وعلى بالليل كنا متجمعين على العشا وبنأكل وسط زيطة العيال الصغيرة فقالت أمي:

ــ وهيعمل إيه طاهر المقندل ده بعد اللي اتعمل فيه؟


رد أيمن أخوي:

ــ ربنا يستر، بس طالما الناس في النجع إتحدت يبقى يتخاف عليه مش منه. .. أنتِ مشوفتيش ده خد علقة مخدهاش حمار في مطلع.


كلنا ضحكنا على كلامه.


قال أبوي بعد ما سكتنا:

ــ الناس راحو اشتكوا النهاردة وهيروحوا كل يوم.


قولت:

ــ كويس، حلو إن الناس بقت واخدة موقف وبتدافع عن نفسها.


كمل:

ــ وقدموا طلب إن أنت اللي تبقى العمدة مش طاهر ...


سيبت المعلقة اللي في إيدي وقولت:

ــ وأنا مقولتش إني عايز أبقى العمدة!


ــ أومال هتفضل قاعدة كده من غير شغل؟


خدت نفس عميق، حاولت أذكر نفسي إن ده والدي ومينفعش أعلى صوتي عليه فقولت:

ــ بعد إذنك يا أبوي لما اجي واطلب من حد قرش يبقى ساعتها حد يشتكي ..


قاطعني:

ــ مش ده اللي أقصده يا زيدان، مفيش حاجة تمنع إنك تترشح للعمودية طالما كده كده هتستقر هنا وهتبقى معاي في الأرض.


قال أيمن:

ــ أبوك معاه حق يا زيدان.


رديت عليه:

ــ حقك يا أيمن ما أنت مش مضطر تقعد في النجع فـ علشان كده عتتكلم.


ــ محدش فينا يقصد كل الكلام اللي أنت عتقوله، كل اللي نقصده يا زيدان إنك بعد ما كنت خلاص حابب تغير النجع دلوقتي مش عايز تمسك العمودية ولا عايز تساعد الناس.


ــ محدش فاهم ولا عارف أنا تعبان كد إيه علشان بدل ما أبقى شايل شيلتي اشيل شيلة ناس تاني معاي؟ ده أنا ساعات بحتاج اللي يسندني!


قولت بقهر وسكتت وأنا الصداع هيفرتك رأسي وطالع من عينيا.


فـ رد أبوي بهدوء:

ــ بكرا هتتعافى وتكون أحسن إن شاء الله، والقوة في العقل يا ولدي،وأنت قدرت تحكم من قبل ما تمسك العمودية وتحبب الناس فيك.


ــ يا أبوي أنا تعبان، افهموني..


ــ يا ولدي كلنا فاهمين والله، بس لازم يكون في حاجة لاهياك، لو فضلت قاعد كده هتتعب على تعبك، القعدة كده من غير شغلة ولا مشغلة وحشة، الفضا يا ولدي بياكل في العقل زي ما السوس بياكل في الخشب. طول ما أنت قاعد حاطط يدك على خدك، هتفضل أفكارك تطحن فيك وتفكّرك باللي خسرتُه، والوجع هيركبك أكثر.

الحزن محتاج شغل يكسره، والانشغال هو العلاج الوحيد.. العمودية دي مش مجرد هيبة ووجاهة، دي شغلة هتاخد يومك من طلعة الشمس لغيابها، هتشغل بالك بناس ومشاكل وأرض ومصالح، ومش هتسيبلك دقيقة واحدة تقعد فيها مع حزنك ولا تفكر في اللي راح.

يا زيدان، اليد الفاضية هي اللي بتمسك الجمر، لكن اليد الشغالة ما بتفضاش للوجع. اقبل بالعمودية وخليها تلهيك، التعب بتاع الشغل والانشغال أرحم مية مرة من تعب القعدة والفضا اللي بيموّت بالبطيء.


اتنهدت، وسكت لأني عارف إن هو معاه حق في كل كلمة، بس حاسس إني مش قادر لأي حاجة...


خلصنا وطلعنا ننام.


ــ يعني العيال عيعيطوا وأنتِ كل شوية تبصيلي وتضحكي، إيه وشي مكتوب عليه نكت؟!


ضحكت فـ خدت صالح منها علشان تغير لصلاح.


ــ من أربع أو خمس سنين اتعرض مسلسل في رمضان فكرني بيك، حاسة إني بشوف الشخصية الحقيقية أو القصة الحقيقية بتاعته.


كنت بطبطب على صالح لما لاحظت انه بدأ ينعس وسألتها فقالت:

ــ لن أعيش في جلباب أبي، أنت عبدالوهاب عبدالغفور البرعي.


قالتها وفضلت تضحكت فسكت ومتكلمتش فقالت:

ــ أعمل إيه يعني طيب مضحكش؟ افتكترت المسلسل وانتو بتتكلموا على العشاء.


ــ ده كويس إنك مضحكتيش بقى وإحنا تحت!


ضحكت فقولت:

ــ أحزاني بتضحك كده؟ والله اسيبك مع عيالك لوحدك..


ــ ليه يا حبيبي وهما كانوا عيالي لوحدي؟ ما عيالك زي ما هم عيالي، وبعدين أنا مالي بقى أنا اتكلمت وإحنا تحت؟


ــ يا زينة دول بيحطوني قدام الأمر الواقع، راحو اتجمع كذا حد من النجع وراحوا لمديرية الأمن وللحكمدار، كبار الناس في النجع والبلاد جنبينا.


كانت هي كمان بتنيم صلاح اللي بدأ يعيط وقالت:

ــ وبعدين؟ علشان مبقتش عارفه لأني مسحولة مع العيال وأنت مش بشوفك يا نايم يا برا يا مصدع.


ابتسمت وكملت:

ــ الورق اللي كان معاه مكانش الورق الحقيقي لما اتضرب من الناس، الورق إتعرض على الحكمدار، أنا مش متخيل إن في عشرة أو خمستاشِر يوم يحصل كل ده!


ــ كل ده إيه؟ في حاجات أنا منعرفوهاش؟


ضحكت:

ــ ده صعيدي ولا اسكندراني؟


ــ التنين.


ضحكنا من بين زن العيال اللي اشتغلوا عياط مع بعض في نفس الوقت..


ــ كبار البلد والقرى والنجوع قاطعوا المقندل ودي حاجة قلت منه، ده غير العلقة اللي خدها والجزا، يا أبوي أنا مش قادر أصدق والله مدى السرعة دي.


ردت بابتسامة:

ــ مَا بَيْنَ غَمْضَةِ عَيْنٍ وَانْتِبَاهَتِهَا يغَيِّرُ اللهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالِ.


ــ ونعم بالله.


سكتنا سكوت، كان محبب لقلبي، علاقتنا غريبة، بدايتها كانت غريبة، وكل حاجة فيها مكنش متخطط ليها بتعريفة حتى..


ــ عارف يا زيدان إننا قربنا نكمل سنتين متجوزين؟ وصالح وصلاح قربوا يتموا السنة؟


ضميتها وأنا بقول:

ــ لو قبل السنتين دول بيوم بس واحد كان حد قالي إن حياتي هتتغير وتتقلب 180 درجة كنت هقوله ابعد عن وشي وأروح أشوف شغلي.


اتنهدت بتقل بعد كلمة شغلي فقالت:

ــ هنقعد كل شوية نعمل زي ستي اللتاتة؟!


ــ قصدك إني لتات؟ ده أنا لسة كنت هحسدنا وأقول مش بنتخانق!


بعد يومين جه شيخ البلد لينا وقال إنه عايزنا في المندرة عنده علشان الكل متجمع عنده في الليل  علشان اخر التطورات....


روحنا وكان كل الكبار، سلمت عليهم أنا وأبوي وقعدنا فقالوا:

ــ دلوقتي في الكام يوم اللي فاتوا الحكومة بعتوا واحد يتطقس ويشوف هل بلاغاتنا دي صادقة ولا كدب وبعدها اتوقف العمدة طاهر مؤقتاً وأنا بقيت مكانة لحد ما العمدة الجديد يتعين.


سأل واحد:

ــ ومين العمدة الجديد؟


الشيخ حاول يتوه في الكلام وقال:

ــ لسة مش عارفين.


رد عمدة القرية اللي جنبنا وقال:

ــ الكل عارف إن الناس هتثور لو بقي حد غير زيدان ..


ــ بس مش الناس اللي عتختار!


ــ في الوقت ده وبعد الظروف دي بالذات لو مبقيش زيدان النجع هيقف ميقعدش..


رد واحد تاني:

ــ حتى اللي مش مسموع لهم صوت هيبقى ليهم رأي؟


قولت أنا بعد ما سمعتهم وأنا سايبهم يتكلموا:



« اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ».


يتبع..


              الفصل السابع عشر من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

   

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة