رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل التاسع 9 بقلم نور إسماعيل


رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل التاسع 9 بقلم نور إسماعيل


لم يكن الحب وحده هو ما يدفعهما إلى التفكير الدائم في الآخر، بل تلك الرغبة الطفولية الصافية في إسعاده بأبسط الأشياء، وكأن الهدية لم تعد مجرد غرضٍ يُشترى، وإنما صارت ترجمةً صامتة لما تعجز الكلمات عن قوله. كانوا جميعًا في العمل، غير أن عقل "مي" كان قد غادر المكتب منذ الصباح، يجوب المحال، ويقلب عشرات الأفكار، باحثًا عن شيءٍ يليق بقلبٍ أحبها دون ضجيج، واحتواها دون أن يطلب منها أن تتغير.


كسرت صمت المكتب فجأة وهي تقول بحيرةٍ صادقة:


_يا عيال عايزة أجيب هدية حلوة ومش عارفة.


التفتت إليها الرؤوس دفعةً واحدة.


أمنية: عايزة تجيبي هدية لوسام؟


مي: لا... أجيب لعم سليمان!


ضحكت "غادة"، ثم قالت وهي تهز رأسها:


غادة: مممم... استني نفكرلك، عشان الواد وسام ده جنتل وابن ناس، ولازم هدية تليق بيه يعني.


منة: إنتِ جبتي هدية إيه للممدوح بعد الخطوبة؟


نفخت "غادة" بضيق.


غادة: ياختي بلا نيلة أجيبله! مش لما هو يجيبلي الأول.


قالت "أمنية" بفخرٍ واضح:


أمنية: أنا جبت لشريف أول ما اتخطبنا برفيوم، بس كان ماركة فرنسية خطييير.


ثم التفتت إليها "منة" بمكرٍ تعرفه صديقاتها جيدًا.


منة: صحيح يا أمنية... مين البنت اللي كان لازقلها امبارح دي؟


رفعت "أمنية" كتفيها بلا مبالاة.


أمنية: معرفهاش، بس بيقول زميلته في الشغل... بس والله ما هعديها. أنا بس مهدية الحوار بمزاجي، لكن لو عايزة أقلبها... هقلبها.


هزت "غادة" رأسها وهي تعترض.


غادة: بصراحة متزعليش مني... لازقته للبنت البلاستيك دي غريبة شوية، ده مكانش واخد باله منك قد ما كانت عينه مش متشالة من عليها.


ابتسمت "منة" ابتسامةً خبيثة، وقالت وهي تنظر إلى "مي":


منة: آه... شريف لازق لبت بلاستيك، ووسام عندهم ليلى في البيت عادي.


توقفت "مي" عن الابتسام، والتفتت إليها.


مي: إيه يعني؟ قصدك إيه يا منة؟


أجابتها بنبرةٍ ملغومة.


منة: عادي يعني... بس غريبة. تعرفي إيه اللي بيحصل بينهم وإنتِ وهما في شقة واحدة كده؟


ساد صمتٌ قصير، شعرت خلاله "مي" بوخزةٍ صغيرة في قلبها، لكنها لم تدم طويلًا، إذ سارعت "غادة" إلى إخماد تلك الشرارة قبل أن تتحول إلى نار.


غادة: منة... تطعيمات! مش عارفة كمية الشر اللي بقت فيكي دي. أبوه وأمه قاعدين معاهم، وبعدين البنت من تعاملاتنا امبارح كيوت خالص وحبوبة كده، ووسام بيتعامل معاها أخته فعلًا.


ابتسمت "مي" ابتسامةً خفيفة، وعادت الطمأنينة تستقر داخلها، ثم صفقت بكفيها قائلة:


مي: سيبكم من ليلى وبتاع دلوقت... أجيب إيه؟


❈-❈-❈


وفي الجهة الأخرى من المدينة، كان المشهد يتكرر بصورةٍ مختلفة؛ حيرةٌ أخرى، لكن بطلها هذه المرة كان "وسام". جلس في مكتبه يقلب هاتفه بين يديه، وقد استولى عليه التفكير كما استولى على "مي". كان يعلم أن الهدايا لا تُقاس بثمنها، وإنما بما تحمله من معنى، لكنه كان يريد شيئًا إذا وقعت عليه عيناها ابتسمت، وإذا احتضنته شعرت أنه هو من يحتضنها.


رفع الهاتف واتصل بـ"ليلى"، فقد اعتاد أن يجد عندها رأيًا مختلفًا، أو فكرة لا تخطر على البال.


وسام: أيوة... ماهو أنا عايز أجيب الهدية وأنا مروح، وأحطهالها قدام شقتها أول ما تيجي تشوفها، بس مش عارف أجيب إيه؟


فكرت "ليلى" قليلًا قبل أن تجيب.


ليلى: مممم... مش عارفة يا وسام... هات مثلًا...


وسام: آه؟


ليلى: هاتلها... بمناسبة إنها لبست الطرحة جديد... طرحة كده بنت ناس وشيك.


قطب حاجبيه وهو يبتسم ابتسامةً باهتة.


وسام: مممم... طب شوفي غيرها.


وفي الوقت نفسه، كانت "مي" ما تزال محاصرةً بالاقتراحات التي لا ترضيها.


أمنية: هاتي له قميص جديد من النوع اللي بيلبسه، ولون مش عنده.


لوحت "مي" بيدها معترضة.


مي: بقول عايزة هدية غريبة... تقولي قميص!


ضحكت "غادة".


غادة: طب إنتِ متعرفيش بيحب إيه وقالك عليه قبل كده تجيبيه؟


تنهدت "مي" في استسلام.


مي: كل الكلام طار من دماغي مرة واحدة... مش فاكرة خالص.


وفي تلك اللحظة، دخل "سامح" المكتب وهو ينظر إليهم باستغراب.


سامح: هنطلب أكل... هتتغدوا إيه؟


ما إن رأته "مي" حتى اتسعت عيناها، وكأنها وجدت طوق النجاة.


مي: سامح!


توقف مكانه.


سامح: نعم!!


ابتسمت وهي تشير إليه بإصبعها.


مي: أنا وقعت من السما... وإنت اتلقيتني!


رمقها بحيرة.


سامح: خييييييير؟


أما "ليلى"، فلم تستسلم بسهولة، وأكملت التفكير بصوتٍ مسموع.


ليلى: ماهو أصل واحدة زي مي دي... عايزة حاجة غريبة زيها.


ضحك "وسام" وقال ساخرًا:


وسام: أيوة يعني... جبتِك يا عبد المعين.


انفجرت ضاحكة.


ليلى: ... طب فكر بطريقتها، مش بطريقتك. يعني سيبك من اللي بتحبه كل البنات... البنات كوم... ومي كوم تاني.


ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال في حيرةٍ حقيقية:


وسام: أول مرة أحتار كده... مكانتش هدية دي.


ابتسمت "ليلى" وهي تستمتع بذلك العجز الذي أصابه لأول مرة.


ليلى:  معلش يا عريس... إنت ارتبطت بأكثر البنات غرابةً على الكرة الأرضية... استحمل.


هز رأسه ضاحكًا.


وسام: ... ماشي يا أستاذة ليلى... ها؟ أجيب إيه؟


❈-❈-❈


ظل السؤال معلقًا في الهواء، وكأن اختيار هديةٍ لمن نحب أصعب من الاعتراف بالحب نفسه. فالأشياء الكثيرة قد تُشترى، أما ما يلامس القلب فلا يُعثر عليه كل يوم، ولهذا ظل كلٌ منهما يبحث عن شيءٍ يحمل شيئًا من روحه، لا مجرد قطعةٍ تُلف بورقٍ أنيق.


في مكتب "مي"، كان الجميع لا يزال غارقًا في اقتراحاته، حتى رفع "سامح" رأسه فجأة، وكأن فكرةً أضاءت في ذهنه.


سامح: ساعة!


اتسعت عينا "مي" وهي تصفق بحماس.


مي: واااااااااااو... ساعة!


لكن "أمنية" لم تبدُ مقتنعة.


أمنية: ساعة؟! بس يعني... عادية الهدية دي أوي.


ابتسم "سامح" بثقة.


سامح: لا، مش عادية بالعكس... هدية شيك كده في حدود سبعمية، سبعمية وخمسين جنيه، وعلبة شيك كده... من أحلى الهدايا اللي بتتقدم للشباب.


رفعت "منة" حاجبها.


منة: طب وهو وسام أصلًا بيلبس ساعات؟


رمقتها "غادة" بنظرة استنكار.


غادة: أومال عميتي يا منة! إش حال ماهو لابس منبه، مش ساعة!


ضحكت "مي"، ثم نهضت وهي تشير إلى "سامح".


مي: طب أنا بعد الشغل هاخدك يا ض يا سامح معايا... تختار إنت اللي ممكن يعجب وسام، أوك؟


ابتسم وهو يهز رأسه.


سامح: ماشي يا بت يا مي.


ثم عاد إلى مهمته الأولى.


سامح: ها... هتاكلوا إيه؟


في الجهة الأخرى، كان "وسام" قد رفض أكثر من اقتراح، حتى ألقت "ليلى" بفكرةٍ جديدة جعلته يقطب جبينه.


ليلى: دبدوب!


حدق فيها غير مصدق.


وسام: دبدوب!! إيه التفاهة دي!


ضحكت حتى كادت تختنق.


ليلى: لاااااا خالص! دبدوب بالنسبة ليك إنت يا أستاذ وسام عاصم، المفكر، القارئ، العبقري... تافه! لكن بالنسبة لميوش، البنت المطرقعة المجنونة... حاجة كيوت جدًا.


ظل مترددًا.


وسام: بس دي هدية تقليدية أوي... أنا كنت عايز أجيب حاجة تانية.


لوحت بإصبعها أمامه وكأنها تؤنبه.


ليلى: لا والله اسمع كلامي... مش إنت اتصلت بيا تستشيرني؟


ابتسم وهو يستسلم أخيرًا.


وسام: ولا خاب من استشار.


ضحكت برضا.


ليلى: تمام... دبدوب كبيييير بطولها كده، واكتبلها كلمتين حلوين.


ساد صمتٌ قصير، ثم رق صوته وهو يقول:


وسام: احم... لا... الكلمتين دول... أنا من زمان مبعتلهاش جواب. هكتب جواب دلوقتي وأجهزه، وأبقى أديهولها مع الدبدوب.


أشرق وجه "ليلى" بالفكرة.


ليلى: لا، حطه جواه، وأبقى قولها إنت بطريقتك تفتش عن حاجة جوه الدبدوب... بس أصل دي ممكن تقطعه عشان تدور!


انفجر ضاحكًا.


وسام: جرى إيه يا ليلى! هكون واخد واحدة من السرايا الصفرا رايحة منها للدرجة دي؟


ضحكت وهي ترفع كتفيها.


ليلى: مش قصدي والله... طب تمام، عايزني معاك ولا؟


هز رأسه نافيًا.


وسام: لا... أنا هروح بعد الشغل على طول... ثانكس لولا.


ابتسمت وهي تجيبه بلغتها المعتادة.


ليلى: You're welcome.


أغلق الهاتف، لكن الابتسامة بقيت معلقةً على شفتيه. ولأول مرة منذ دقائق، شعر أن الحيرة بدأت تنقشع، وأنه وجد الهدية التي تشبهها؛ بسيطة في ظاهرها، لكنها تخبئ في قلبها رسالةً لا يقرأها إلا من أحب.




❈-❈-❈


أغلق "وسام" هاتفه، لكن حديث "ليلى" ظل يتردد في رأسه كصدىً لطيف. كان من النوع الذي لا يؤمن بقيمة الأشياء في ذاتها، بل بما تحمله من أثرٍ في النفس، ولذلك لم يعد يفكر في الدبدوب باعتباره لعبةً من القماش، وإنما صار يراه وسيلةً يخبئ داخلها رسالةً من قلبه، لتكتشفها "مي" بنفسها، وكأنها تعثر على قطعةٍ صغيرة من روحه بين يديها.


تنهد ابتسامةً خافتة، ثم أعاد تركيزه إلى شاشة الحاسوب، محاولًا أن يفرغ ما تبقى من عمله، غير أن قلب العاشق لا يعرف الانضباط الذي تعرفه المكاتب، ولا يخضع لساعات الدوام، فكان عقله يتنقل بينها وبين الهدية في كل لحظة.


وبينما كان غارقًا فيما يفعل، لمح بطرف عينه "شريف" يغادر مكتبه متجهًا نحو مكتب "شيرين". انعقد حاجباه تلقائيًا، ثم اعتدل في جلسته وهو يراقبه في صمت.


اقترب "شريف" من مكتبها مبتسمًا.


شريف: إزيك يا شيرين؟


رفعت رأسها إليه.


شيرين: أهلًا يا شريف.


حك مؤخرة رأسه في شيءٍ من التردد، ثم قال:


شريف: إيه رأيك نتغدى النهارده في البريك سوا؟


نظرت إليه باستغراب.


شيرين: وسام هييجي معانا؟


هز رأسه وهو يجيب:


شريف: مش عارف... بس أنا حابب أكون أنا وإنتِ يعني... بس المرة دي.


ازدادت دهشتها.


شيرين: ليه يعني؟


ابتسم ابتسامةً خفيفة.


شريف: عايز أحكي مع حد في حاجة كده...


قالت وهي تعقد ذراعيها:


شيرين: طب وسام صاحبك يعني... متحكي معاه هو.


تنفس ببطء ثم قال:


شريف: آه مانا عارف... بس دي حاجة كنت عايز أخد رأيك إنتِ فيها.


أومأت برأسها في هدوء.


شيرين: أوك... مفيش مشكلة.


ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا.


شريف: تمام... في البريك هستناكي.


وحين دقت ساعة الاستراحة، نهض الموظفون تباعًا، وبدأت المكاتب تخلو شيئًا فشيئًا من أصحابها، إلا أن "وسام" لم يغادر مكانه. كانت أمامه ورقةٌ بيضاء، لكنها في عينيه بدت أوسع من العالم كله، لأنه كان على وشك أن يكتب فوقها شيئًا لن تستطيع الهدايا مجتمعةً أن تعوضه.


في تلك اللحظة، لمح "شريف" يقترب من "شيرين" ليغادرا معًا، فما كان منه إلا أن استوقفه بصوتٍ مرتفع.


وسام: تعالى هنا يا ض!


التفت "شريف" إليه مبتسمًا.


شريف: نعم يا قلبي؟


نظر إليه "وسام" نظرةً ممتزجة بالضيق والسخرية.


وسام: جاتك وجع قلبك يا بعيد... رايح فين إنت والحيزبونة دي؟


ضحك "شريف" غير آبهٍ باستيائه.


شريف: رايحين نتغدى... إن مكانش عند حضرتك مانع.


تنهد "وسام" وهو يهز رأسه.


وسام: وحياة أمك! الموضوع كده بدأ يسخف... وخلي عندك شوية من الأحمر.


رفع "شريف" كفيه في استسلام.


شريف: فيه إيه يا وسام؟ بقولك رايحين نتغدى والله، مش شادد بيها على المقطم. وبعدين ما إحنا كنا بنتغدى زمان مع منى زعبولا... ولا دي كوخة؟


أجابه "وسام" بحزم.


وسام: منى أختنا ومحترمة.


قطب "شريف" حاجبيه.


شريف: يعني دي اللي رقاصة؟


قال "وسام" وهو يزفر بضيق:


وسام: أنا مش برتاح للبني آدمة دي... طريقة لبسها وحركاتها كده...


ابتسم "شريف" في خفةٍ لا تفارقه.


شريف: يا عم أنا برتاح... إنت شريكي؟


رمقه "وسام" بنظرةٍ ذات معنى.


وسام: وأمنية بقى إن شاء الله؟


وقبل أن يجيبه، وصلت "شيرين" إليهما، فأوقفت الحديث.


شيرين: يلا يا شريف... إزيك يا وسام؟


أجابها باقتضاب.


وسام: آه... إزيك.


ابتسمت وهي تقول:


شيرين: تعالى نتغدى كلنا سوا.


هز رأسه معتذرًا.


وسام: لا... اتغدوا إنتوا، أنا هاكل هنا... معايا حاجة مهمة هعملها.


أومأت برأسها.


شيرين: أوك.


لوح "شريف" بيده وهو يبتعد.


شريف: سلام يا يا ويس.


ظل "وسام" يتابعهما بعينيه حتى اختفيا خلف باب المكتب، ولم يكن ارتياحه لتلك المعرفة قد ازداد، بل بقي شيءٌ غامض يزعجه كلما رأى "شريف" قريبًا من "شيرين". ثم عاد ببطء إلى مكتبه، وسحب الورقة البيضاء نحوه، وأخذ نفسًا عميقًا، استعدادًا لأن يكتب ما عجز لسانه عن قوله، فبعض المشاعر لا تليق بها المحادثات العابرة، وإنما تستحق أن تُخلَّد فوق الورق، بحبرٍ يبقى أثره طويلًا، كما يبقى أثر الحب في القلب.


❈-❈-❈


وفي الجهة الأخرى، كانت المدينة تمضي في صخبها المعتاد، بينما جلس "شريف" و"شيرين" إلى إحدى الطاولات داخل مطعمٍ هادئٍ قريب من مقر الشركة. كان المكان يعج بأحاديث الموظفين وضحكاتهم، ورائحة الطعام تعبق في الأرجاء، إلا أن حديثهما بدا منفصلًا عن كل ما حولهما، كأنه مساحة صغيرة اقتطعاها من زحام النهار.


تناولت "شيرين" قائمة الطعام سريعًا، ثم أغلقتها دون تردد.


شيرين: واحد سكالوب وبوم فريت لو سمحت.


أومأ الجرسون باحترام.


الجرسون: أوك يا فندم.


ثم التفت إلى "شريف"، الذي طلب طعامه على عجل، قبل أن يشيح بنظره نحوها مبتسمًا، محاولًا كسر ذلك الصمت الذي بدأ يفرض نفسه بينهما.


شريف: قوليلي بقى يا ستي... إنتِ إيه أخبارك؟


ارتشفت قليلًا من الماء ثم أجابت بهدوء.


شيرين: تمام.


هز رأسه مبتسمًا.


شريف: ممم... الحمد لله.


نظرت إليه بعينين ضيقتين، وكأنها التقطت تردده.


شيرين: المفروض إننا جايين هنا عشان إنت تتكلم.


ضرب كفه بجبهته بخفة.


شريف: آه... مانا نسيت!


انفجرت ضاحكة.


شيرين: ههههه... دي كانت حجة بقى!


أسرع ينفي عنها ذلك.


شريف: لا عادي... قوليلي إنتِ حلوة كده فعلًا؟


رفعت حاجبيها في دهشة، ثم ضحكت.


شيرين: وكمان بتعاكس! إنت غير وسام خااالص... إزاي أصحاب معرفش.


ابتسم في شيءٍ من الزهو.


شريف: وفيها إيه؟ أنا حاجة وهو حاجة... مش لازم نشبه بعض.


هزت رأسها وهي تقول بإعجابٍ صادق:


شيرين: بس وسام كده... غريب. مبقاش فيه منه كتير الزمن ده.


ابتسم ابتسامةً جانبية، ثم قال ممازحًا:


شريف: ويعني أنا اللي الموديل بتاعي مرطرط في السوق؟


ضحكت بصوتٍ عالٍ هذه المرة.


شيرين: موديل! ... إنت عربية ولا إيه؟


ضحك معها، ثم قال وهو يعد على أصابعه:


شريف: أصل يعني... وسام غريب... وسام مريب... وسام عندليب... ومافيش كلمة للغلبان اللي قاعد ده!


ابتسمت بخبث.


شيرين: خلي أمنية تقولك!


وما إن سمع اسم "أمنية" حتى تبدلت ملامحه على نحوٍ طريف، وانخفض صوته قليلًا.


شريف: احم... إيه المفاجأة دي!


ابتسمت وهي تشير إلى الأطباق التي وُضعت أمامهما.


شيرين: الأكل جه... يلا عشان ناكل ونمشي بقى.


هز رأسه وهو يلتقط شوكته.


شريف: آه... ماشي.


وفي تلك الأثناء، كان "وسام" قد أغلق على نفسه باب مكتبه، وانفصل عن العالم كله. ساد المكان هدوءٌ عجيب، لا يُسمع فيه إلا صوت أجهزة التكييف، وحفيف الأوراق، ونقرات أصابعٍ متباعدة على لوحات المفاتيح في المكاتب المجاورة. أما هو، فقد جلس أمام الورقة البيضاء، يتأملها طويلًا، وكأنها تنتظر اعترافًا مؤجلًا منذ زمن.


أمسك القلم برفق، ثم أخذ يخط أولى الكلمات، ولم يكن يكتب بعقله، بل بقلبه؛ فالكلمات التي تخرج من المحبة الصادقة لا تحتاج إلى كثيرٍ من التفكير، وإنما تحتاج إلى شعورٍ خالص.


كان يبتسم كلما كتب سطرًا، ثم يتوقف ليعيد قراءته، وكأنه يتذوق أثره قبل أن يصل إليها. ولم يكن الجواب مجرد رسالة، بل كان قطعةً من روحه، يطويها بين السطور لتسكن بين يديها.


وقبل أن يفرغ منه تمامًا، اهتز هاتفه معلنًا وصول رسالةٍ جديدة.


تناوله سريعًا، فإذا بها من "مي".


كتبَت:


"لو حد قالك فالهوا راحة،


يبقى يا قلبي بيكدب عليك.


كل اللي حبوا قالوا بصراحة...


إن الهوا صعب يريح عنيك."


ما إن قرأها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ عريضة، وغرقت عيناه في دفءٍ لم يستطع إخفاءه. بقي للحظات ينظر إلى الشاشة، يعيد قراءة كلماتها مرةً بعد أخرى، ثم نظر إلى الورقة أمامه، وأدرك أن أفضل ردٍ لن يكون في رسالة هاتفٍ عابرة، وإنما في ذلك الجواب الذي سيصل إليها بيده.


فأمسك القلم من جديد، وكتب أسفل كلماتها، وكأنه يحاورها عبر الورق:


"الحب عامةً مش بيريّح... ماهو المرض اللذيذ اللي الناس كلها بتتمنى تعيا بيه... زي ما أنا عيان بيكي كده."


قرأ ما كتبه مرةً أخيرة، ثم ابتسم في رضا، وأعاد طي الرسالة بعنايةٍ شديدة، كأنها شيءٌ ثمين يخشى عليه من النسيم قبل أن يخشى عليه من الأيدي. وبعد أن انتهى، أعاد القلم إلى مكانه، وعاد إلى عمله، لكن قلبه ظل معلقًا بتلك اللحظة التي ستفتح فيها "مي" الدبدوب، وتعثر بين ثناياه على رسالةٍ لم تُكتب بالحبر وحده، بل كُتبت بكل ما في قلبه من حب.




❈-❈-❈




وفي الجهة الأخرى من المدينة، كانت "مي" قد انتهت من دوامها، لكنها لم تتجه إلى المنزل مباشرة، بل خرجت بصحبة "سامح" كما اتفقا، وما زال شغلها الشاغل أن تعود وفي يدها شيءٌ يستحق أن يُهدى إلى "وسام". كانت تسير بين واجهات المحال بعينين تلمعان بالحماس، تتأمل كل ما يُعرض أمامها، ثم تهز رأسها رافضة، وكأن قلبها وحده هو الذي يملك حق الاختيار.


أما "سامح"، فقد كان يسير إلى جوارها في صبرٍ واضح، يتنقل معها من واجهةٍ إلى أخرى، ومن محلٍ إلى آخر، حتى دخلا أحد محال الساعات الراقية.


وقفت "مي" أمام واجهةٍ زجاجية طويلة، تتلألأ خلفها عشرات الساعات بألوانها وتصميماتها المختلفة، وظلت تتأملها في تركيزٍ شديد، حتى رفعت يدها فجأة تشير إلى واحدةٍ منها.


مي: حلوة دي!


نظر إليها "سامح"، ثم هز رأسه مترددًا.


سامح: هو ذوقه إيه؟


رمقته بنظرةٍ مستغربة.


مي: أومال أنا جبتك ليه؟ عشان تقولي إيه أحلى حاجة في دول.


ابتسم وهو يمرر بصره على المعروضات.


سامح: طيب استنى... هو مغرم إنه يلبس زي الممثلين أو كده؟


ضحكت "مي" وهي تهز رأسها بقوة.


مي: لا لا لا لا... وسام مبيحبش الأفورة والتقليد... أصله مش عيل كوكو... ده راجل يا ابني.


ابتسم "سامح" بإعجاب.


سامح: لا مانا عارف... ما شاء الله عليه. هنلاقي اللي يليق ليه، متقلقيش.


وبينما كان يقلب نظره بين الساعات، توقفت عيناه عند واحدةٍ ذات تصميمٍ هادئ، تجمع بين الأناقة والبساطة، فابتسم وهو يشير إليها.


سامح: أهييييييييه!!


اقتربت "مي" منها، وما إن وقعت عيناها عليها حتى اتسعت ابتسامتها.


سامح: صح كده... دي تحفففففة!


التفتت إلى البائع بحماسٍ طفولي.


مي: لو سمحت...


ابتسم صاحب المحل.


صاحب المحل: أيوة يا فندم.


قالت وهي لا تزال تنظر إلى الساعة بإعجاب.


مي: لف الساعة دي في علبتها... وووو... علبة شيك كده، ولو في ورق سوليفان ياريت.


أومأ الرجل باحترام.


صاحب المحل: حاضر تحت أمرك... اتفضلي حضرتك استريحي.


كادت تقفز من فرط فرحتها وهي تصفق بكفيها.


مي: هييييييه! جبت هدية حلوة... جبت هدية حلوة... جايالك يا ويسوووو!


ضحك "سامح" وهو يراها تفرح بتلك البساطة، فبعض القلوب لا تحتاج إلى أسبابٍ عظيمة كي تسعد، وإنما يكفيها أنها وجدت ما كانت تبحث عنه.


وفي الوقت نفسه، كان "وسام" يغادر مقر الشركة بعدما انتهى من عمله، وقد حمل معه رسالته المطوية بعناية، وكأنها كنزٌ صغير يخشى عليه من أن تناله يدٌ قبل يد صاحبته.


ما إن خرج من الباب حتى لحق به "شريف"، واضعًا يديه في جيبيه كعادته.


شريف: هتروح على طول ولا نلفلف شوية، نروح نلعب جيم؟


ابتسم "وسام" وهو يخرج مفاتيح سيارته.


وسام: لا... رايح مشوار الأول، وبعدين أروح.


ربت "شريف" على كتفه.


شريف: ماشي يا برنس... خد بالك من نفسك.


ابتسم له في ود.


وسام: خد إنت بالك من نفسك... سلام.


لوح له بيده، ثم استقل سيارته، وأدار المحرك، وانطلق في الطريق، بينما كانت أفكاره تسبقه إلى "مي". كان يشعر بحماسٍ لا يقل عن حماس طفلٍ يحمل مفاجأةً ينتظر لحظة تقديمها، ولم يكن يرى في الطريق سوى محطةٍ واحدة؛ محل الهدايا، حيث ينتظره ذلك الدبدوب الكبير الذي أقنعته "ليلى" بأنه سيكون أجمل وسيلةٍ لإخفاء رسالته داخل قلبٍ من القطن، حتى تصل إلى قلبٍ من البشر.


❈-❈-❈




كانت شوارع المدينة في ذلك الوقت تضج بالحركة، والسيارات تتقاطع في الطرقات كأنها أنهارٌ من الحديد، بينما كان "وسام" يقود سيارته وقلبه يسبقه بخطواتٍ طويلة نحو المفاجأة التي أعدها لمن أحب. لم يكن معتادًا على شراء مثل تلك الهدايا، بل كان يشعر بشيءٍ من الحرج كلما وجد نفسه داخل متجرٍ تمتلئ رفوفه بالدُّمى والورود والألعاب، لكنه اليوم كان مستعدًا لأن يفعل أي شيءٍ من أجل أن يرى الابتسامة التي يعشقها ترتسم على وجه "مي".


أوقف سيارته أمام أحد أكبر محال الألعاب والهدايا، ثم ترجل منها بخطواتٍ مترددة، وأخذ يجول ببصره بين الواجهات الزجاجية التي ازدانت بألوانٍ زاهية، ودباديب بأحجامٍ مختلفة، وورودٍ صناعية، وصناديق هدايا ملفوفة بعناية.


ما إن دلف إلى الداخل حتى شعر أنه غريبٌ عن هذا العالم؛ فحولَه آباءٌ يشترون الهدايا لأطفالهم، وأمهاتٌ يحملن صغارهن، وفتياتٌ يتأملن المعروضات بفضول، أما هو فكان يقف وحده، طويل القامة، يبدو وسطهم كمن دخل المكان بالخطأ.


ابتسم في خجل، ثم أخذ يتذكر كلمات "ليلى" حرفًا حرفًا:


"دبدوب كبيييير... بطولها تقريبًا."


راح يتنقل بين الدباديب واحدًا تلو الآخر، يحمل هذا، ويعيد ذاك، وينظر إلى ثالث، ثم يهز رأسه غير مقتنع.


حتى استوقفت عينيه دميةٌ ضخمة تكاد تضاهي قامته، بيضاء اللون، ناعمة الملمس، وما إن رفعها بين ذراعيه حتى اختفى نصف جسده خلفها.


ضحك وحده، وقال بصوتٍ خافت لا يسمعه سواه:


وسام: الله يسامحك يا ليلى... أشيل ده كله إزاي بس!


ورغم ذلك، لم يتردد، بل حملها إلى صندوق المحاسبة، ودفع ثمنها، ثم خرج بها بصعوبة، وسط نظراتٍ متعجبة وابتساماتٍ عابرة من الموجودين.


وضعها في المقعد المجاور له داخل السيارة، فبدت وكأنها راكبٌ يشاركه الطريق، فضحك مرةً أخرى، ثم انطلق نحو منزله.


وما إن وصل حتى صعد الدرج على عجل، وطرق الباب طرقةً خفيفة، ثم ابتعد خطوة، ورفع الدبدوب أمامه حتى أخفى وجهه بالكامل.


فُتح الباب ببطء.


ليلى: أيوة... مييييييييين...


ثم توقفت فجأة، واتسعت عيناها.


ليلى: ها! دبدوب! 


أنزل "وسام" الدبدوب قليلًا، فأطل برأسه من خلفه مبتسمًا.


وسام: إيه رأيك؟ حلو كده؟


صفقت "ليلى" بفرحةٍ واضحة، وأمسكت بالدبدوب تحتضنه.


ليلى: عز الطلب... دي هتفرح بيه أوي... الله... يا خلاااااااصي!


وبينما كانت تتحسس نعومة الدبدوب بإعجاب، خرجت والدته من الداخل بعدما سمعت الأصوات.


الأم: إنت جيت يا وسام؟


ابتسم لها.


وسام: آه يا ماما.


اقتربت منه وهي تقول:


الأم: طب تعالى عشان بابا بيسأل عليك من الصبح... اتأخرت كده ليه؟


أجابها وهو يشير إلى الدبدوب.


وسام: كنت بجيب هدية لمي.


ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ دافئة، تحمل رضا الأمهات ودعواتهن الصادقة.


الأم: ربنا يخليكوا لبعض يا ابني، ويتم فرحتك ويهنيك.


ثم نظرت إلى الدبدوب الضخم بين يدي "ليلى"، وقالت باستغرابٍ لطيف:


الأم: هو ده؟


ضحك "وسام".


وسام: ههه... آه، شوفتي؟


هزت رأسها وهي تبتسم.


الأم: بس ده كبير عليها أوي... مش كنت تجيبلها حاجة صغننة كده؟


ضحكت "ليلى" قبل أن يجيب.


ليلى: يا طنط، البنات بيعشقوا الحجم ده... عشان تحضنه وهي نايمة، وهي قاعدة، وفي كل وقت.


ابتسمت الأم في هدوء.


الأم: والله يا بنتي مانا عارفة... على العموم مبروك عليها.


حمل "وسام" الدبدوب من جديد، ثم اتجه إلى غرفة والده ليطمئن عليه، ويسأله عن موعد دخوله المستشفى واستعداداته للعملية، بينما بقيت المفاجأة تنتظر لحظتها المناسبة، ورسالة الحب ما زالت مطويةً بعناية، تنتظر أن تجد مكانها داخل الدبدوب، قبل أن تجد مكانها في قلب "مي".


❈-❈-❈




قالت الأم وهي تشير إليه أن يتبعها إلى الداخل:


_طب تعالى عشان بابا بيسأل عليك من الصبح، أتأخرت كده ليه؟


أجابها وسام وهو يخلع سترته في هدوء، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة لا تخلو من الشوق وهو ينظر إلى الدبدوب الضخم:


_كنت بجيب هدية لمى.


ابتسمت الأم ابتسامة أمٍّ لا يسعها إلا الدعاء لأبنائها، ثم قالت بمحبة صادقة:


_ربنا يخليكم لبعض يا ابني ويتم فرحتك ويهنيك.


ثم التفتت تنظر إلى الدبدوب الذي كانت ليلى تحتضنه بين ذراعيها، وقالت باستغراب:


_هو ده!


ضحك وسام بخفة وهو يحك مؤخرة رأسه.


_ههه... آه، شوفتي.


هزت الأم رأسها وهي تتأمل حجمه الهائل.


_بس ده كبير عليها أوي... مش كنت تجيبلها حاجة صغننة كده؟


تدخلت ليلى سريعًا وهي تربت على الدبدوب كأنه طفل صغير:


_يا طنط، البنات بيعشقوا الحجم ده... عشان تحضنه وهي نايمة، وهي قاعدة، وفي كل وقت.


ابتسمت الأم وهي تنظر إليها، ثم قالت:


_والله يا بنتي مانا عارفة... على العموم مبروك عليها.


ابتسم وسام شاكرًا، ثم تركهم واتجه إلى غرفة والده، فقد كان أول ما يشغل قلبه بعد الاطمئنان على هدية "مى" هو الاطمئنان على أبيه، والجلوس معه قليلًا، وسؤاله عن موعد دخوله المستشفى للاستعداد للعملية. كان يحمل همّين في قلبه؛ فرحةٌ يتهيأ لاستقبالها، وقلقٌ يخشى أن يثقل أيامها.


وفي الجهة الأخرى...


كانت "مى" قد انتهت من شراء الساعة بعد رحلة بحث طويلة، ثم اشترت بعض الأغراض والطعام، وانطلقت بسيارتها عائدة إلى المنزل، وقلبها يكاد يسبقها فرحًا، وهي تتخيل ملامح وسام حين يرى هديتها.


في تلك الأثناء...


اتصل بها وسام، وعرف منها أنها أصبحت في الطريق ولم يتبقَّ على وصولها سوى دقائق معدودة.


أغلق الهاتف، ثم اتجه إلى الدبدوب الكبير، وأخرج الخطاب الذي كتبه بيده، وأخفاه بعناية داخله، ثم قرر أن يضعه أمام باب شقتها حتى تقع عيناها عليه فور وصولها، فتكون المفاجأة أول ما يستقبلها قبل أن تطرق الباب.


أما "مى"...


فكانت تقود سيارتها في قمة السعادة، تكاد الفرحة تتطاير من ملامحها كما تتطاير أشعة الشمس على زجاج الطريق.


كانت تشغل الأغاني بصوت مرتفع، وتغني معها بكل اندماج، تضرب بأصابعها على عجلة القيادة في انسجام طفولي، كأن الدنيا كلها ترقص معها في تلك اللحظة.


رددت مع إليسا بصوت عالٍ:


_شو هو اللي خلاني ليلى اتلاقى فيك... أنسى الكل وتنسانى وأقعد حاكيك...


ثم أكملت وهي تبتسم بعفوية:


_يمكن مش ذنبك ولا ذنبي... يمكن أحلوت لنا اللعبة... آااه...


كانت غارقة تمامًا في عالمها الصغير، لا ترى سوى الطريق الممتد أمامها، ولا تسمع إلا الأغنية التي تملأ السيارة دفئًا وبهجة.


وفي أثناء سيرها...


كانت هناك سيدة في منتصف الخمسينيات تقريبًا تقف على جانب الطريق، تمسك بيدها سلسلة كلب، وإلى جوارها شاب ينتظر معها حتى تمر السيارات ليعبرا الشارع.


وفي لحظة خاطفة...


اندفع الكلب فجأة بكل قوته، وشد السيدة خلفه دون سابق إنذار.


وفي التوقيت نفسه...


سقط ريموت الـ MB3 من يد "مى".


انحنت سريعًا تلتقطه من أسفل المقعد، ولم تستغرق سوى لحظة واحدة...


لكنها كانت كافية.


ما إن رفعت رأسها حتى وجدتهما أمامها مباشرة.


اتسعت عيناها في ذعر، وتجمد الدم في عروقها.


صرخت وهي تمسك المقود بكلتا يديها في ارتباك شديد:


_الكلب ولا الست... الكلب ولا الست... اااااااااااااااااااااه!


وفي اللحظة نفسها...


دوّى صراخ السيدة أمام السيارة:


_اااااااااااااااااااااه...


...وفجأة!!!


❈-❈-❈


في شقة وسام...


كان يقف بين الحين والآخر عند الشرفة، ثم يعود إلى الداخل، وقد بدأ القلق يتسلل إليه شيئًا فشيئًا.


قال وهو ينظر إلى الساعة:


_البت دى اتأخرت كده ليه؟


ابتسمت ليلى وهي تراقب اضطرابه، ثم قالت ممازحة:


_يا عم استنى، تلاقيها بتجيب حاجة... يعني إيه يا ويسو؟ وحشتك؟


هز رأسه سريعًا.


_لا والله مش كده... هي بجد اتأخرت، دي مكلماني من نص ساعة بتقول إنها خلاص قربت توصل.


رفع والده رأسه ونظر إليه قائلًا:


_طب قوم كلمها شوفها فين.


أخرج وسام هاتفه في الحال، واتصل بها.


مرّت رنة...


ثم ثانية...


حتى جاءه صوتها.


_مى... إنتِ فين؟


جاءه صوتها مختلطًا بالبكاء والهلع:


_ااااااااااع... أنا في القسم يا وساااااام!!


انتفض واقفًا دفعة واحدة، وشحب وجهه.


_القسم؟! ليه؟


كانت كلماتها تخرج متقطعة من بين شهقاتها:


_خبطت ست... مش عارفة ولا كلب... مش عارفة حاجة فيها روح وخلاص... ومعاها شاب ضخم جه كده لفحني من قفايا، وشدني على القسم... اعععااااااااااااااا... الحقني!


لم يسمح للخوف أن يسيطر على نبرته، فأجبر نفسه على التماسك وقال بسرعة:


_طب خلاص... اهدي... أنا جاي... اهدى.


أغلق الهاتف في التو، وانطلق كالإعصار.


ارتدى ملابسه في أقل من دقيقة، حتى إنه كان ينتعل حذاءه على عجل؛ ارتدى فردة، وأخذ الأخرى في يده وهو يسرع نحو باب الشقة، يفتح الباب قبل أن يكتمل ارتداؤه.


انتفضت الأم من مكانها وهي تراه بهذه الهيئة، وقالت بخضة:


_إيه يا ابني؟! في إيه؟


التفت إليهم وهو يغادر مسرعًا، ولم يقل إلا جملة واحدة خرجت لاهثة، لكنها كانت كافية لتزرع الرعب في القلوب:


_مراتي في القسم!!


وفي لحظة واحدة...


تسمرت الوجوه، واتسعت الأعين، وخرج صوت الجميع معًا ممتلئًا بالذهول:


_القسم!..


                   الفصل العاشر من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة