رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل العاشر 10 بقلم نور إسماعيل


رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل العاشر 10 بقلم نور إسماعيل


كانت الأسرة تجلس في هدوء، قبل أن يقتحم وسام المنزل على غير عادته، وقد بدا الذعر واضحًا على ملامحه، وأنفاسه متلاحقة، حتى صاح بصوت مرتفع:


وسام: مراتى... فى القسم!!


ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يهتف الجميع معًا بصدمة:


الجميع: القسم؟!


انتفضت والدته من مكانها وهي تضع يدها على صدرها.


الأم: إيه يا ابني؟! فى إيه؟


أما ليلى، فاقتربت منه سريعًا وهي تنظر إليه بقلق.


ليلى: ليه؟! فيه إيه؟


أجاب وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:


وسام: خبطت ست تقريبًا... وخدوها على القسم.


ولم ينتظر ثانية، بل استدار متجهًا إلى الباب.


ليلى: أنا جاية معاك... استناني.


قالها وهي تسرع لترتدي حجابها، إلا أنه أوقفها فورًا.


وسام: لا... لا... مينفعش. ده قسم، ومش عاوزك إنتِ وهي تتبهدلوا معايا.


ثم اندفع خارج المنزل بأقصى سرعة، وقلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه.


وفي الطريق، التقط هاتفه واتصل بشريف.


وسام: شريف... تعالى على القسم بسرعة. متسبنيش لوحدي.


بعد دقائق...


وصل وسام إلى القسم، وصعد الدرج مسرعًا، يبحث بعينيه عنها حتى لمحها تجلس على مقعد خشبي بإحدى الزوايا.


كانت تحتضن حقيبتها بقوة، والدموع أغرقت وجهها، بينما سالت مساحيق التجميل فوق خديها.


وما إن رأته حتى نهضت تصرخ باسمه.


مى: (ببكاء) وساااااام... أعاااااااا... أنا موتت ناااااس!


هرول إليها وجلس أمامها، ممسكًا كتفيها.


وسام: موتتي مين بس؟! اهدي... واحكيلي إيه اللي حصل.


أجهشت بالبكاء وهي تتحدث بصعوبة.


مى: أنا كنت سايقة... وبعد كده كنت بغني ومبسوطة... أصل أنا جبتلك هدية، وكنت فرحانة وعايزة أوريهالك... مكنتش أعرف إن هيحصل كده.


أمسك يديها بين كفيه محاولًا تهدئتها.


وسام: طب اهدي... وكملي.


تنهدت وهي تمسح دموعها.


مى: كنت بجيب ريموت الـ(MP3)... وقع تحت الكرسي... بصيت أجيبه، لقيت ست وكلب قدامي... غمضت عيني... وخبطتهم!


شهقت وهي تكمل.


مى: معرفتش أفرمل!


عقد وسام حاجبيه.


وسام: خبطتي الاتنين؟


هزت رأسها بالإيجاب.


مى: أيوه... والشاب الضخم اللي هناك ده كان معاهم... جه فتح باب العربية، وخرجني بالعافية، وشدني من هدومي.


في تلك اللحظة تبدلت ملامح وسام تمامًا.


اختفت الحيرة...


وحل محلها غضب هائل.


اقترب منها ببطء وسأل بصوت منخفض، لكنه كان يحمل من الغضب ما يكفي لإشعال المكان.


وسام: عمل إيه؟!


أشارت بيد مرتجفة نحو الشاب.


مى: شدني، وقال لي: اطلعي يا آنسة... وزعق فيا... وبعدها مسكني وزقني أركب الناحية التانية... وأنا ضربته، وقلتله: متتمدش إيدك عليا... راح دخلني بالعافية... وقعد الست ورا... هي والكلب.


قالت جملتها الأخيرة وهي تبكي بطريقة طفولية أثارت شفقة وسام أكثر.


رفع وسام رأسه ببطء، وحدق في الشاب.


ثم سألها:


وسام: ده... اللي مد إيده عليكي؟


هزت رأسها بالإيجاب.


لم ينتظر ثانية...


بل اندفع نحوه، والعصبية تكاد تفقده السيطرة على نفسه.


وأمسكه من مقدمة قميصه بعنف.


وسام: بتمد إيدك عليها لييييه؟!


تراجع الشاب خطوة للخلف وهو يحاول إبعاد يد وسام عن قميصه، ثم صاح بضيق:


الشاب: وإنت مين إنت كمان؟! أوعى كده.


ولم يمهله وسام فرصة لإكمال حديثه...


هوى بقبضته على وجهه، وهو يهتف بعصبية انفجرت دفعة واحدة:


وسام: أنا جوز اللي إنت ضربتها دي! بتستعبط إنت؟! بتمد إيدك على واحدة ست؟! ده أنا هطلع عينك النهارده... دي مراتي يا ابن...


تراجع الشاب وهو يتحسس وجهه، ثم صاح بغضب:


الشاب: مراتك واحدة مش محترمة... تدوس أمي والكلب بتاعها، وعايزة تهرب!


اشتعلت عينا وسام أكثر، ورد عليه بانفعال:


وسام: تصدق إنك بني آدم حيوان؟! مين قالك إنها كانت هتهرب؟! بعد ما خبطتهم هتجري إزاي يا بني آدم؟!


لوح الشاب بيده بضيق.


الشاب: بقولك إيه... أنا مش ناقص صداع، وحياة أمي اللي بين الحياة والموت دي، لأبيتلك المدام في الحجز النهارده.


اقترب منه وسام مرة أخرى.


وسام: إنت بتهددني يا روح أمك؟!


وأمسك به من جديد.


في تلك اللحظة، خرج صوت مى وسط كل هذا التوتر، وهي تضحك ضحكة بلهاء لا تناسب الموقف إطلاقًا.


مى: هيهيهي... وسام هيبات في الحجز معايا!


وفي التوقيت نفسه...


وصل شريف.


وما إن لمح المشاجرة حتى اندفع بخطوات واسعة، وأصبح هو في مواجهة الشاب.


شريف: عنك إنت يا ويس... الأشكال دي أنا عارفها كويس.


ثم أشار إليه بإصبعه.


شريف: في إيه يا ض يا حمار إنت؟


نظر إليه الشاب باستهجان.


الشاب: آه... إنتوا شلة بلطجية باين عليكم!


وقبل أن يتطور الأمر أكثر...


ارتفع صوت العسكري داخل القسم.


العسكري: بــــــــس... إنت وهو! حضرة الظابط جه.


ساد الصمت...


وتفرق الجميع فور دخول الضابط.


ـــــــــــــــــــــ ✦ ـــــــــــــــــــــ


جلس الضابط خلف مكتبه، ثم نظر إليهم واحدًا تلو الآخر.


الضابط: إيه اللي في إيه؟


بادر الشاب بالحديث.


الشاب: يا فندم، المدام دي خبطت والدتي والكلب بتاعنا. الكلب مات... ومامتي في المستشفى، ولسه مش عارف فيها إيه. أنا جبتها قبل ما تهرب.


رفع وسام رأسه وقال بهدوء يحاول أن يتمالك به أعصابه:


وسام: لو سمحت يا فندم، أنا عايز أعمل محضر إن الأستاذ ده اتعدى على مراتي بالضرب.


رفع الضابط يده مقاطعًا.


الضابط: واحدة واحدة... عشان أفهم.


ثم نظر إلى مى.


الضابط: فين المدام اللي عملت الحادثة؟


تقدمت مى بخطوات مترددة، وهي ما تزال تحتضن حقيبتها بقوة.


وقف وسام بجوارها تلقائيًا، وكأنه يحاول أن يطمئنها بوجوده.


قالت بصوت خافت:


مى: أ... أنا يا فندم.


نظر إليها الضابط باهتمام.


الضابط: إيه اللي حصل بالظبط؟


وبدأت مى تحكي ما حدث من بدايته.


ـــــــــــــــــــــ ✦ ـــــــــــــــــــــ


وفي منزل وسام...


كان القلق يسيطر على الجميع.


جلست والدته ترفع كفيها إلى السماء، تتمتم بالدعاء.


الأم: يا رب... جيب العواقب سليمة.


أما ليلى، فكانت تمسك هاتفها، وتحاول الاتصال مرة بعد الأخرى.


ثم قالت بقلق:


ليلى: أنا بتصل... محدش منهم بيرد عليا.


تنهد الأب وهو يردد:


الأب: لا حول ولا قوة إلا بالله.


هزت ليلى رأسها بضيق.


ليلى: أنا من الأول قلت مى مصيبة، وبتجر مصايب وراها... ماله وسام بكل ده بس؟


نظرت إليها والدتها بهدوء.


الأم: إحنا يا بنتي منعرفش حاجة لحد دلوقتي.


تنهدت ليلى.


ليلى: مش معايا رقم شريف... كنت خليته يروح عندهم، أكيد وسام محتاجه.


اعتدل الأب في جلسته.


الأب: أنا معايا رقمه... استني أروح أجيبهولك.


نهض متجهًا إلى غرفته...


لكن قبل أن يخطو خطوات قليلة...


توقف فجأة.


وضع يده على بطنه، وانحنى متألمًا، ثم أسرع إلى الحمام.


وبعد لحظات...


وصل إليهم صوت تقيؤه العنيف.


انتفضت الأم.


الأم: عاصم! إيه يا عاصم؟


وأسرعت ليلى نحوه، تحاول مساعدته.


ليلى: خالو... قوم يا خالو... ألف سلامة عليك.


كانت ملامحه شاحبة بصورة أقلقت الجميع.


أحضرت الأم منشفة، وساعدته حتى عاد إلى غرفته ليستلقي على الفراش.


وقفت ليلى تنظر إليه بحيرة.


ليلى: أنا مش عارفة أعمل حاجة سخنة ولا لأ... عشان معدته دي.


أما الأم...


فاكتفت بالوقوف صامتة.


والدموع تملأ عينيها...


تدعو الله أن يحفظ زوجها وابنها في ليلة واحدة أثقلت قلبها بالخوف.




بعدما استمع الضابط إلى أقوال الطرفين، شبك أصابعه فوق المكتب، ثم قال بهدوء:


الضابط: ممم... هنفتح محضر، وهناخد فيه كل الكلام اللي اتقال.


رفع الشاب يده معترضًا.


الشاب: حضرتك، أنا عايز تعويض عن الكلب اللي مات. ده كلب جريت دان... عارف يعني إيه جريت دان؟! يعني ٢١ ألف جنيه، وماما بتحبه جدًا.


لم يتمالك شريف نفسه، فتمتم ساخرًا:


شريف: يا حبيب أمك...


ضرب الضابط بيده على سطح المكتب بقوة.


الضابط: بـــس!


نظر إليه وسام مجددًا وقال بإصرار:


وسام: وأنا برضه لسه عايز أعمل محضر بالتعدي يا فندم... ده ضرب مراتي.


التفت الضابط إلى الشاب.


الضابط: ضربتها؟


هز الشاب رأسه نافيًا.


الشاب: أنا مضربتهاش.


رفعت مى صوتها سريعًا.


مى: لا... ضربني.


رد عليها بضيق:


الشاب: أنا ضربتك؟! ولا إنتِ اللي ضربتيني بالشلوت، وقعدتي تخبطي فيا؟


شهقت مى وهي ترد بعفوية:


مى: أيوه... أومال أسيبك تضربني؟!


نفد صبر الضابط.


الضابط: اسكتوا... منك ليها.


ساد الصمت.


ثم أكمل حديثه بنبرة رسمية:


الضابط: هيتفتح محضر بالحادث... مش علشان الكلب، علشان الست اللي في المستشفى. لحد ما نعرف حالتها هتستقر على إيه.


ثم أردف وهو ينظر إلى مى:


الضابط: ولو علاجها طال أكتر من واحد وعشرين يوم... هنضطر نحجز المدام.


تجمدت ملامح وسام.


والتفت إلى مى، التي اتسعت عيناها من الخوف.


أما الشاب، فعاد يسأل بإلحاح:


الشاب: طيب يا فندم... والكلب؟


أجابه الضابط ببرود:


الضابط: الكلب تقدروا تسووا حكايته بينكم وتشوفوا هتحلوها ودي ولا لأ.


ثم أشار إلى الشاب.


الضابط: لكن هي مفيش عليها أي خطأ جنائي بخصوصه.


وأردف بجدية:


الضابط: المهم دلوقتي حالة والدتك... مش الكلب.


ثم التفت إلى وسام.


الضابط: عايز تعمل محضر؟ الأمين النوبتجي بره... اتفضل.


خرج الجميع من المكتب.


واتجه وسام مباشرة لتحرير محضر ضد الشاب بتهمة التعدي على زوجته.


ــــــــــــــــــــ ✦ ــــــــــــــــــــ


وقف شريف بجوار وسام وهو يهز رأسه باستغراب.


شريف: يعني هي دلوقتي هتتحبس علشان كلب؟!


زفر وسام بضيق.


وسام: إنت مسمعتش الظابط؟ قال علشان الست... مش الكلب.


حك شريف رأسه وهو يفكر.


شريف: طب أجيب محامي ولا إيه؟


تنهد وسام.


وسام: مش عارف أتصرف... نستنى لما الست تفوق.


رفعت مى يدها بخجل.


مى: طب... والتعويض اللي طالبه الهلف ده؟


مرر وسام يده على وجهه بإرهاق.


وسام: أنا مشحط... والله العظيم معيش سيولة نهائي. الخطوبة طلعت عين أهلي.


كشرت مى شفتيها.


مى: يعني خسارة فيا يا ويسووو؟


نظر إليها شريف بضيق.


شريف: والله مش وقت دلع يا عمتي... إحنا في قسم.


التفت إليها وسام سريعًا.


وسام: مش قصدي... أنا بقولك بس.


هزت رأسها.


مى: وأنا كمان معيش المبلغ ده... روح لبابا على قلبه قد كده، خد منه الفلوس.


تنهد شريف.


شريف: طب استنوا... أنا هروح أكلم الحيطة ده، يمكن يتنازل.


قاطعه وسام فورًا.


وسام: متتكلمش مع حد.


ثم نظر إلى شريف وإلى مى.


وسام: أنا هروح أتصرف وأجيب الفلوس... وإنت خليك معاها لحد ما الست تفوق، وأنا هكون على اتصال بيكم.


نظرت إليه مى بقلق.


مى: هتسيبني؟


اقترب منها قليلًا وقال برفق:


وسام: هروح يا مى... أجيب فلوس تعويض الزفت الكلب ده، علشان أخرجك من الورطة اللي إنتِ فيها.


ربت شريف على كتفه.


شريف: خلاص... روح إنت، ومتقلقش.


ــــــــــــــــــــ ✦ ــــــــــــــــــــ


وفي منزل وسام...


كانت ليلى تمسح العرق عن جبين خالها، بينما يجلس مستلقيًا على الفراش وقد بدا عليه الإرهاق الشديد.


قالت الأم بحزم امتزج بالخوف:


الأم: إنت من بكرة تروح المستشفى تتحجز... مينفعش نستنى أكتر من كده.


أومأت ليلى موافقة.


ليلى: يستحسن برضه... شكل الموضوع بيتدهور معاه.


أمسك والد وسام بمنديل، وسعل داخله، ثم ألقاه بجواره.


وبالصدفة...


وقعت عينا ليلى على المنديل.


تجمدت في مكانها.


كانت هناك...


بقعة دم واضحة.


ارتجف قلبها.


خرجت من الغرفة بسرعة، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى انفجرت في البكاء، حتى لا تنهار أم وسام أمام زوجها.


وفي تلك اللحظة...


كان وسام يفتح باب المنزل.


نظر إليها بصدمة.


وسام: إيه ده؟! مالك يا ليلى؟


قالت بصوت مختنق بالبكاء:


ليلى: خالو تعبان أوي يا وسام... رجع من شوية...


ثم شهقت وهي تكمل:


ليلى: رجع دم... يا وسام.


شحب وجه وسام فجأة.


وسام: دم؟!


واندفع إلى غرفة والده وهو يناديه بلهفة:


وسام: بابا... بابا... مالك يا حبيبي؟


كان عاصم يحاول إخفاء ألمه قدر استطاعته، وما إن رأى ابنه حتى رسم ابتسامة باهتة على وجهه، وقال بصوتٍ متعب:


— مافيش يا حبيبى... مى فين؟ وعملت إيه فى مشكلتها؟


لم يمهله وسام ليستكمل حديثه، بل اقترب منه سريعًا وأردف بلهجةٍ حاسمة امتزجت بالخوف:


— سيبك من مى دلوقت... قوم... قوم معايا.


هز عاصم رأسه فى وهن وقال:


— يا بنى أروح فين؟ أنا مش قادر.


جثا وسام أمامه، وأمسك بيده برفق، ثم قال برجاء:


— عشان خاطرى يا بابا...


ثم التفت إلى والدته مردفًا:


— ماما، لو سمحتى غيرى هدوم بابا... وأنا مستنى بره.


سألته والدته بقلق وقد بدأت تتوجس من الأمر:


— هتروحوا فين يا بنى؟


أجابها دون تردد:


— هنروح مستشفى الدكتور أسامة دلوقت... عشان يعمل العملية فى أقرب وقت.


هزت رأسها بالموافقة وقالت:


— ماشى يا بنى... حاضر.


فى تلك اللحظات...


لم يعد وسام يفكر إلا فى والده.


نسي مى تمامًا، لا لأنه أراد ذلك، وإنما لأن المشهد الذى رآه لوالده وهو ملقى على الفراش، عاجزًا يتألم، شلّ كل ما بداخله.


كان يحبس دموعه بصعوبة، ويتمسك بقوته حتى لا ينهار أمامهم.


ساعد والده على تبديل ملابسه، ثم نزل معه برفقة والدته وليلى، واستقلوا السيارة متجهين إلى المستشفى.


داخل المستشفى...


أنهوا إجراءات الحجز بناءً على تعليمات الطبيب المعالج، ثم نُقل عاصم إلى الداخل انتظارًا للكشف المبدئى.


اقترب موظف الاستقبال من وسام وقال بعملية:


— مبلغ لو سمحت حضرتك تحت الحساب... عشان يقدروا الدكاترة يبصوا على المريض.


تنهد وسام، ثم قال فى حرج بالغ:


— طب... ممكن حضرتك تدينى ساعة؟ أدبر أى مبلغ وأرجع.


ابتسم الموظف ابتسامة بسيطة وأجاب:


— مافيش مشكلة يا فندم.


تنفس وسام الصعداء، ثم قال:


— بس لو سمحت... أول ما الدكتور أسامة يوصل، ياريت تبلغه إن حالة والدى وصلت.


أومأ الموظف برأسه قائلاً:


— حاضر.


التفت وسام إلى ليلى وقال:


— خليكى مع بابا... وأنا هروح أتصرف فى الفلوس وأرجع بسرعة.


أومأت ليلى بالموافقة، بينما خرج هو من المستشفى بخطوات متسارعة.


كانت الدنيا تدور برأسه.


زوجته محتجزة داخل القسم...


ووالده يرقد فى المستشفى ينتظر عملية عاجلة.


أما هو...


فكان يقف فى منتصف الإعصار، لا يعرف بأى كارثة يبدأ.


راتبه لم ينزل بعد على بطاقة الفيزا، وحتى إن نزل فلن يكفى الورطتين.


كل ما كان معه من سيولة أنفقه على الشبكة وحفل الخطبة.


ولم يبق أمامه سوى شقته المغلقة.


أما وديعة والده فى البنك...


فلم يكن مستعدًا أبدًا لكسرها من أجل مبلغ كهذا.


توقف للحظة، وأغمض عينيه.


لقد شُلَّ عقله تمامًا.


حتى شريف...


يعرف جيدًا أنه يصرف راتبه أولًا بأول، ولن يجد عنده شيئًا.


ثم إنه...


لم يعتد يومًا أن يستلف من أحد.


فماذا يفعل الآن؟!


══════ ••• ══════


أما داخل القسم...


فكانت مى تنظر إلى باب القسم كل دقيقة، ثم قالت بقلق:


— وسام اتأخر!


حاول شريف تهدئتها وقال:


— الغايب موبايله معاه... استنى أتصل بيه طيب.


أخرج هاتفه واتصل به.


لكن قبل أن يأتيه رد...


وصل تقرير المستشفى.


أخبرهم بأن السيدة لم تُصب بأى إصابة تُذكر، وأنها بخير، وكل ما حدث أنها فقدت الوعى من شدة الفزع لأنها سيدة مسنة.


بمعنى آخر...


انتهى الأمر، وكانت الحادثة أهون مما توقع الجميع.


لكن الشاب لم يهدأ، وصاح بغضب:


— والضرر النفسى اللى حصل لوالدتى ده هعمل فيه إيه؟! إنتوا عارفين يعنى تموتوا باركر؟! الكلب بتاعها!


ضرب شريف كفًا بكف وقال ساخرًا:


— والله مكانش قصدنا نموت باركر أفندى... وبعدين خلاص قلنا هنتهبب ونديك تعويض... اخرس بقى عشان صوتك مزعج، وروح اطمن على أمك... يلا يا قلب أمك.


صر الشاب على أسنانه وقال:


— والله لأدفعكم التمن... والله لأوريكم!


لوح له شريف بيده فى استخفاف وقال:


— يا عم اجرى.


تنهدت مى، ثم قالت بصوتٍ يكاد يحمل البكاء:


— أنا مش معايا غير  ألف وخمسمية و٤٥ جنيه فكة.. ومش معايا تانى أصلًا لآخر الشهر.


قال شريف محاولًا التخفيف عنها:


— ما هو فاضل أربع أيام على آخر الشهر طيب.


ردت بقلق:


— طب شوف أى فلوس ندفعها... خلينى أمشى من هنا، أنا اتخقت.


حاول شريف الاتصال بوسام مرة أخرى...


ثم عبس وهو ينظر إلى شاشة هاتفه.


— موبايله مقفول!


اتسعت عينا مى وقالت فى ذهول:


— نعم؟!


══════ ••• ══════


فى تلك الأثناء...


كان وسام يجلس فى صالة شقة أنيقة، يغمرها هواء المكيف البارد، لكنه كان يشعر بحرارة الخجل تلتهم وجهه.


كان أمام مديره فى العمل.


ولم يكن قد طرق هذا الباب يومًا.


لكن الظروف هذه المرة كانت أقوى منه.


كارثتان وقعتا فوق رأسه فى يومٍ واحد...


وهو وحده من يحمل ثقلهما.


دخل المدير بعد لحظات، وفى يده مبلغ من المال.


اقترب منه ومد يده قائلًا:


— اتفضل يا وسام.


ووضع فى يده خمسة آلاف جنيه.


وقف وسام سريعًا وقال فى امتنان بالغ:


— يا فندم... أنا متشكر جدًا... والله أنا متأسف إنى جاى فى الوقت ده و...


قاطعه المدير بابتسامة أبوية:


— وسام... إنت زى أخويا الصغير، ولازم نقف جنبك. بعد كده أى حاجة تعوزها، ما تترددش لحد ما تيجى... إنت فاهم؟


أطرق وسام رأسه وقال فى خجل:


— والله يا فندم، لولا الخطوبة وكده... أنا عمرى ما وقعت فى مطب زى كده.


ابتسم المدير وربت على كتفه:


— ولا يهمك... كلنا بتحصلنا مواقف زى دى. يلا روح شوف هتعمل إيه.


ابتلع وسام غصته وقال:


— أنا مش عارف أشكر حضرتك إزاى... صدقنى أول ما المرتب ينزل...


ابتسم المدير مقاطعًا حديثه:


— يا ابنى اسكت... يلا عشان تلحق مراتك.


صافحه وسام بحرارة، ثم انطلق مسرعًا.


لكن وجهته الأولى...


لم تكن القسم.


بل المستشفى.


دفع ألفى جنيه تحت الحساب، ثم اطمأن على والده بعد أن كشف عليه الدكتور أسامة، وبدأ الفريق الطبى فى تجهيز الفحوصات اللازمة لتحديد موعد العملية.


واستقرت حالة والده قليلًا، فتنفست والدته وليلى الصعداء.


سألته ليلى فجأة:


— مى خرجت ولا إيه؟


اتسعت عينا وسام فجأة، وصفع جبهته بكفه وهو يقول:


— مى!!... يا نهار أبيض!


ثم التفت إليها بسرعة:


— طب يا ليلى... أنا هروح بسرعة ليها، خليكى إنتِ... وهرجع أخدك.


هزت ليلى رأسها وقالت:


— لا... روح إنت، وأنا هاخد تاكسى.


مرر وسام يده فوق رأسه بإرهاق وقال:


— والله دماغى متدربكة... متلخبط على الآخر.


ابتسمت ليلى بحزن وقالت:


— الله يكون فى عونك... ولا يهمك، يلا روح وطمنى.


أخرج هاتفه وهو يسرع نحو الخارج...


لكنه فوجئ بأن البطارية قد نفدت تمامًا.


══════ ••• ══════


وفى الوقت نفسه...


كان شريف قد اتصل بأمنية وأخبرها بكل ما حدث، وأنهم بحاجة إلى ثلاثة آلاف جنيه فى الحال.


ولم تتردد أمنية لحظة.


تصرفت فى المبلغ من والدها، وجاءت إلى القسم، وسددت المال، لتنتهى الأزمة أخيرًا.


أُغلِق الأمر أخيرًا بالتراضى، وبعد سلسلةٍ طويلة من التحقيقات والمشاحنات، خرج الجميع من القسم وقد بدت علامات الإرهاق على وجوههم.


وما إن تجاوزوا البوابة، حتى لمحوا وسام يهرول نحوهم، يلتقط أنفاسه بصعوبة وقد بدا وكأنه جاء راكضًا دون توقف.


قطب شريف حاجبيه وقال باستغراب:


— إنت فين يا وسام من الصبح؟


أخذ وسام نفسًا عميقًا، ثم قال وهو يحاول استجماع أنفاسه:


— الموبايل شحنه قاطع... والمصحف...


وفي تلك اللحظة، خرجت مى من باب القسم برفقة أمنية.


أشار شريف إليها ثم قال بضيق:


— أمنية جابت الفلوس من عمو فهمي  ودفعلنا للزفت بتاع الكلب ده... وأمه كويسة، مافيهاش تعويرة حتى. وخلاص اتنيل سكت بعد ما لهف الفلوس ومضى التنازل ... يعنى كان عامل بوليكا عشان الكلب، مش عشان أمه!


ثم أكمل وهو يزفر بضيق:


— وعمل هو كمان محضر إنك اتعديت عليه، وأنا رضّيت المواقف وخليت محضرك ضده يسقط قصاد محضره... وخلاص اتعشت.


ثم نظر إليه مليًا وسأله:


— إنت كنت فين ده كله؟!


لكن وسام لم يُجبه.


فقد كانت عيناه معلقتين بزوجته.


كانت تسير بخطوات سريعة، وما إن وقعت عيناها عليه حتى أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى، وكأنه غير موجود، وأكملت طريقها.


تقدم إليها بسرعة، وأمسك يدها برفق.


وقال باستغرابٍ امتزج بالألم:


— إيه... مش شايفانى؟


نزعت يدها من بين أصابعه ببرود وقالت دون أن تنظر إليه:


— عن إذنك.


انعقد حاجباه، وقال محاولًا تفسير ما حدث:


— والله أنا فى مصايب من ساعة ما سبتكم... فى إيه؟


توقفت لحظة، ثم قالت بجمود:


— خلاص... اوعى لو سمحت من قدامى.


تدخلت أمنية وهى تنظر إليه بعتاب واضح:


— إيه يا وسام؟ إزاى تسيبها فى ظرف زى ده؟


هز رأسه سريعًا نافيًا، وقال بانفعال:


— ما سبتهاش والله... غصب عنى... هى مش راضية تسمع.


قاطعتهم مى بنبرة حاسمة:


— طب خلاص... انتهينا. ممكن تسيبنى أمشى؟


اقترب منها خطوة أخرى، وقد بدأ القلق يتسلل إلى نبرة صوته:


— مى... استنى.


لكنها انفجرت فجأة، وصاحت بصوتٍ عالٍ أمام باب القسم:


— ابعد عنى!!


ساد الصمت.


ارتخت يد وسام إلى جواره، ولم يحاول الإمساك بها مرة أخرى.


ظل واقفًا مكانه، ينظر إليها بصمتٍ موجع، بينما مضت هى فى طريقها دون أن تلتفت، وأمسكت بيد أمنية وانصرفت معها.


أما شريف، فظل ينظر إلى المشهد فى حيرة.


ثم أخرج من جيبه صورة المحضر ولوّح بها أمام وسام وهو يقول:


— دى الفلوس اللى اتدفعت.


رفع وسام بصره إليه، ثم أخرج المبلغ الذى كان لا يزال يقبض عليه بقوة، وقال بصوتٍ خافت اختلط فيه التعب بالمرارة:


— أنا... كنت جاى أدفعلها الفلوس... عشان أنا مش ندل!...

             الفصل الحادي عشر من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة