رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم نور إسماعيل


رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم نور إسماعيل


توقف وسام فجأة، وكأن الكلمات التي وصلت إلى مسامعه قد انتزعت خطواته من مكانها وأجبرته على التراجع أمام شيء لم يكن مستعدًا لمعرفته. ظل للحظات واقفًا في مكانه، يحاول أن يستوعب ما سمع، ثم اقترب بخطوات مترددة من باب الغرفة، متحاشيًا أن تشعر ليلى بوجوده.

كان يمشي بحذر، لكن داخله لم يكن يعرف شيئًا عن الهدوء؛ فقد كانت كل خطوة يخطوها تقرّبه من حقيقة مجهولة، وتفتح أمامه بابًا من الأسئلة لم يكن يعلم حتى بوجودها. لم يكن يصغي إلى حديث عابر، بل إلى كلمات بدأت تهدم في داخله صورة كاملة ظل يحملها عن دنيا سنوات طويلة، وتعيد ترتيب الماضي أمامه على نحو لم يفهمه بعد.

وقف خلف الباب في صمت، وأنصت.

كانت الكلمات تتسلل إلى أذنه واحدة تلو الأخرى، وكل كلمة منها كانت تترك أثرًا أثقل من سابقتها، حتى شعر أن شيئًا ما في صدره بدأ يضيق، وأن الماضي الذي ظن أنه يعرفه جيدًا لم يكن سوى نصف حكاية، وأن النصف الآخر كان مخبأً عنه طوال تلك السنوات.

ليلى : انا عارفه ان ربنا مقدر ده ، بس انتى اديتينى الامل ان الكانسر ليه علاج وناس بتتعالج منه
محستش للحظة انى ممكن مش اشوف خالو تانى
كان نفسي اوى يفضل معانا

سكتت ليلى قليلًا، وكأنها شعرت بثقل ما تقوله، أو احتاجت إلى لحظة تستجمع فيها قدرتها على الاستمرار. كانت الكلمات تخرج منها محمّلة بحزن لم يهدأ بعد، وبوجع فقدٍ ما زال قريبًا منها، فاستجمعت أنفاسها، ثم عادت إلى متابعة حديثها.

ليلى: انا اسفه انى بقولك كلام ى ده بس احنا اخوات ، محتاجة افضفض معاكى
والله
ربنا يتم شفاكر ع خير ومحدش يشوف فيكى الى شوفناه مع خالو يادنيا

كان اسم دنيا كافيًا وحده ليقلب شيئًا في داخله.

توقف كل شيء في وسام للحظة؛ الحركة، التفكير، وحتى محاولته فهم ما يسمعه. اتسعت عيناه، وكأن عقله احتاج إلى لحظة أطول ليستوعب أن الاسم الذي خرج من فم ليلى لم يكن مصادفة، وأن الحديث الذي سمعه يخفي خلفه أمرًا أكبر بكثير مما تخيل.

وسام: (فسره ) دنيا!

أغلقت ليلى الهاتف، وما إن فعلت حتى جاءها وسام من خلف الباب، وفتحه عليها.

لم تمنحها المفاجأة فرصة لتستوعب وجوده؛ فقد كان واقفًا أمامها بملامح مختلفة، ونظرة حادة تحمل ذلك النوع من الأسئلة الذي لا يقبل المراوغة. وفي اللحظة التي التقت فيها عيناها بعينيه، عرفت أنه سمع.

وسام: (بيبص لليلى جاااامد) متقوليش ان دنيا كان عندها كانسر !!

تجمدت ليلى تمامًا.

لم تكن صدمتها في السؤال وحده، وإنما في الحقيقة التي أدركت معها أن السر الذي حملته طوال الوقت لم يعد سرًا. كانت تعرف أنها وعدت دنيا بألا تخبر أحدًا، وكانت تعرف أيضًا أن وسام تحديدًا هو آخر شخص كان ينبغي أن تصل إليه تلك الحقيقة بهذه الطريقة.

بقيت تحدق فيه للحظات، عاجزة عن العثور على إجابة تنقذها من الموقف، بينما كانت ملامحه تخبرها أنه لم يعد يبحث عن تفسير بسيط، بل عن سنوات كاملة من الإجابات.

ليلى : انت صاحى من امتى ؟

وسام: (بعصبية) ردى عليا ، دنيا كانت مريضة كانسر

كانت نبرته تحمل غضبًا لم يكن غضبًا خالصًا؛ كان تحته ألم، وصدمة، وارتباك، وشعور جارح بأنه كان آخر من عرف شيئًا يخص المرأة التي أحبها يومًا. لم يكن السؤال بالنسبة إليه سؤالًا عن مرض فحسب، بل عن كل ما حدث بعد ذلك، وعن كل اللحظات التي عاشها وهو يجهل السبب الحقيقي وراء رحيلها.

ليلى: بليز يا وسام انا اديتها وعد..

وسام: بس انا سمعت كل حاجة ، انا سمعتك
مش هتعرفى لا انتى ولا هى تخبى

كانت كلماته قاطعة، لأن ما سمعه لم يعد يسمح له بالعودة إلى جهله السابق. لم يعد يريد أن يحمي أحدٌ سرًا من أجله؛ كان يريد أن يعرف، حتى لو كانت المعرفة مؤلمة، وحتى لو حملت إليه إجابات قد تزيد جرحه بدلًا من أن تغلقه.

ليلى : بس دى حاجة خاصة بواحدة تانيه وائتمنتنى ع سر اعتقد انك ملكش علاقة بيه

حاولت ليلى أن تتمسك بوعدها، لا لأنها تريد إخفاء الحقيقة عنه، وإنما لأنها كانت ترى نفسها أمام أمانة وضعتها دنيا بين يديها. كانت ممزقة بين أخٍ يطالبها بالحقيقة، وامرأة ائتمنتها على أكثر ما تخفيه ألمًا.

أما وسام، فلم يعد يرى الأمر من الزاوية نفسها.

أغلق الباب خلفه، وكأنه أراد أن يعزل الحديث عن العالم كله، وأن يجعل ما سيقال بعد ذلك محصورًا بينهما فقط.

وسام: (دخل ورد الباب وراه) يعنى دنيا كانت عيانة بكانسر
وبعدها حاوللت تكرهنى فيها منفعش.. راحت سابتنى مرة واحدة
وانا كل ده مش فاهم حاجة
عشان خايفه انى ارتبط بيها وتموت .. ولا خايفه ع صورتها قدامى تتحول من حبيبة لواحدة بشفق عليها؟!

كانت الأسئلة تتدافع من داخله قبل أن تخرج من فمه، وكأن السنوات الماضية كلها قررت أن تطالبه بإجاباتها في لحظة واحدة. كان يبحث عن تفسير لكل ما عجز عن فهمه، لكل محاولة منها لدفعه بعيدًا، ولكل قسوة ظنها يومًا رفضًا له.

وكان أصعب ما في الأمر أنه بدأ يرى احتمالًا آخر؛ احتمالًا يجعل كل ما عاشه معها مختلفًا تمامًا.

ليلى: انت عايز ايه ياوسام ؟ بليز انت عامل عليا ضغط انا مش مستحملاه

كانت ليلى تشعر بثقل المواجهة، وبأنها لم تعد قادرة على حمل هذا السر فوق ما تحمله أصلًا. لم يكن ضغط وسام وحده ما يرهقها، بل خوفها من أن تخون ثقة دنيا، وخوفها في الوقت نفسه من أن تترك أخاها غارقًا في أسئلة لن يستطيع التخلص منها.

وسام: يبقى تحكيلى كل حاجة من غير مقدمات ومن غير م تقعدى تناهدينى قصادك
انا مش ناقص
مالها دنيا

كان صوته يحمل إرهاق رجل لم يعد يحتمل المزيد من الغموض. لم يكن مستعدًا لمزيد من المقدمات أو الالتفاف حول الحقيقة؛ كان يريد دنيا كما هي، يريد القصة كاملة، ويريد أن يعرف لماذا تركته، ولماذا حملت كل ذلك وحدها.

جلست ليلى على الكرسي، وكأن ساقيها لم تعودا تحملان ثقل اللحظة، ونظرت إليه بتردد.

كان الصمت بينهما أثقل من الكلام.

أما وسام فظل واقفًا أمامها، بعينين لا تسمحان لها بالهرب، وبملامح أنهكها الحزن والغضب والحيرة. وفي تلك اللحظة، بدا له أن الماضي الذي عاشه مع دنيا لم ينتهِ كما ظن، وإنما ظل مفتوحًا في مكان ما، ينتظر هذه اللحظة تحديدًا كي يعود ويطالبه بإجابة.

=========•••==========

بدأت مي تعود إلى عملها بصورة طبيعية، وتحاول، قدر استطاعتها، أن تتأقلم مع الوضع الجديد.

كانت تعود إلى مكانها، إلى الأوراق والعمل والأحاديث اليومية التي كانت في السابق قادرة على جذبها بسهولة، لكنها الآن كانت تفعل كل شيء وكأنها تؤدي واجبًا ثقيلًا لا يملك قلبها رفاهية التوقف عنه.

فقد تبدلت الأيام فجأة، وتبدلت معها مي.

كان الحزن ظاهرًا على وجهها إلى حد ما، ولم تعد تتحدث كثيرًا، حتى حيويتها التي اعتادها الجميع بدأت تخفت شيئًا فشيئًا. ذلك الحضور المليء بالحركة والضحك أصبح أكثر هدوءًا، وكأن شيئًا ما استنزف منها جانبًا كبيرًا لم تستطع استعادته بعد.

وكان الجميع يلاحظ ذلك.

لم تكن بحاجة إلى أن تقول إنها حزينة؛ كان وجهها يقول ما تعجز هي عن قوله، وكانت ابتسامتها حين تظهر تبدو كأنها محاولة منها لطمأنة الآخرين أكثر من كونها شعورًا حقيقيًا يسكنها.

ممدوح: مى .. معلش بس انا هسافر كام يوم ضرورى و انتى الوحيدة الى بتفهمى فالشغل بتاعى
هتخلصيلى كل ده

مى : اوك يا ممدوح .. سيبهولى

حاولت مي أن تتعامل مع الأمر ببساطة، وأن تمنح نفسها شيئًا يشغلها عن التفكير. فالعمل، مهما كان ثقيلًا، كان أرحم من الفراغ الذي يتركه التفكير في وسام.

امنية: ميوش

مى: نعم

التفتت إليها مي، دون أن تحمل ملامحها تلك الحيوية المعتادة.

امنية: فكى بقى واضحكى .. هتفرج والله

مى: مانا بضحك اهو (ابتسمت ابتسامة صفرا)

كانت ابتسامتها أقرب إلى استجابة واجبة منها إلى ضحكة خرجت من القلب؛ ابتسامة حاولت بها أن تقول إنها بخير، بينما كان كل شيء في داخلها يقول عكس ذلك.

غادة: طيب اتكلمتى انتى ووسام فموضوع الفرح هيتأجل لامتى ؟

كان السؤال طبيعيًا في ظاهره، لكنه بالنسبة إلى مي لمس أكثر نقطة تؤلمها؛ فالفرح الذي كان قريبًا منها حتى وقت قريب، والذي كانت تستعد له بكل تفاصيلها، أصبح الآن أمرًا معلقًا لا تعرف له موعدًا ولا مصيرًا.

مى: وسام مش بيتكلم معايا اصلا، ده من كتر سكوته نسيبت صوته كان عامل ازاى

خرجت كلماتها بهدوء، لكن خلف ذلك الهدوء كان هناك وجع واضح؛ فهي لا تفتقد موعدًا أو حفلًا فقط، بل تفتقد الرجل نفسه، صوته، حضوره، وكلامه معها.

منة: معلش يا ميوش فترة وهتعدى

حاولت منة أن تمنحها شيئًا من الطمأنينة، وأن تقول لها إن هذه الأيام، مهما بدت طويلة، ستنتهي.

امنية: صح زى م قالت منة .. هتعدى بس اهم حاجة تكونى جمبه الفترة دى

مى: والله ياجماعه انا مقدرة ده .. باباه اتوفى ع فجأة ومحدش متوقع بعد م بدأ يتحسن
وفرحنا اتفشكل

كانت مي أكثر الناس إدراكًا لوجع وسام؛ لأنها تعرف أنه لم يفقد موعدًا للزفاف، بل فقد أبًا كان جزءًا أساسيًا من حياته. ولهذا لم تكن غاضبة من صمته بقدر ما كانت عاجزة عن الوصول إليه.

سامح: متنسيش ان ده تانى فرح ليه يتفشكل يا مى .. الصدمة مش ساهلة ع واحد زيه

مى: وانت ايه الى عرفك ياسامح انه مش اول فرح ؟!

فجأة تغيرت ملامحها قليلًا، وكأن المعلومة استوقفتها، وأخرجتها من حزنها للحظة إلى سؤال آخر لم تكن تعرف إجابته.

سامح: (ارتبك وبص حواليه) تقريبآ حد من البنات قال قبل كده

غادة: لا محدش فينا قال اساسآ لحد منكم حاجة زى دى

امنية: واضح انكم بتلمعو اوكر عندنا هنا ياض منك ليه

منة: لالا متظلمهوش يابنات .. يمكن فعلا حد فينا قال فبل كده

مى: (هزت راسها يعنى فهمت) خلاص اصلا تقريبا مصر كلها عارفه بحكايات وسام

عادت مي إلى هدوئها، وكأن الأمر لم يعد جديدًا عليها. فقد أصبحت تعرف أن حياة وسام السابقة ليست شيئًا مجهولًا عن الناس، وأن ما يحيط به من حكايات أكبر من أن يظل خافيًا.

غادة: طيب بصى بعد ال 40 حاولى تقعدى معاه وتشوفى هتمشو موضوع فرحكم ده ازاى ماشى

امنية: لا ياغادة مينفعش، كده هيحسب انها مش بيهمها غير مصلحتها وبس
لازم هو الى يقول مش هى

منة: انا اعرف بنت جارتى حصلها نفس الظرف بتاع مى ووسام ده ، كان فاضل ع فرحها اسبوعين وعم خطيبها اتوفى
اجلو 3 شهور وبعدين عملو فرح عادى

غادة: ههههههه اهى اتحلت ياستى وفات الكتير م بقى الا القليل

تتابعت الكلمات حول مي، وكل واحدة منهن تحاول بطريقتها أن تجد لها مخرجًا من هذا الانتظار؛ واحدة ترى أن تتحدث، وأخرى ترى أن تصمت، وثالثة تمنحها تجربة مشابهة لتقول لها إن الحياة قد تستعيد مسارها بعد الصدمات.

أما مي، فكانت تسمع الجميع، لكنها لم تكن تملك في داخلها جوابًا.

كانت تتمنى أن يعود كل شيء كما كان، لا لأنها تريد حفل الزفاف فحسب، وإنما لأنها تريد وسام نفسه أن يعود إليها، أن يتحدث معها، أن تشعر أنها ما زالت جزءًا من حياته في هذه الأيام الثقيلة.

عادت إلى عملها من جديد.

كانت مخنوقة، تائهة، مكسورة.

وكانت تشعر أن صدرها ضاق بكل الأسئلة التي لا تجد لها إجابة، وأن انتظارها أصبح عبئًا لا تستطيع مشاركته مع أحد.

كانت تتمنى، أكثر من أي شيء، أن يكون الشخص الذي تحتاج إليه ليواسيها موجودًا إلى جوارها.

لكن كيف يمكن أن يكون هو من يواسيها، وهو نفسه يحتاج إلى من يواسيه؟

==========================••==

كان هناك من يقترب من مكتب وسام في العمل.

خطوة...

ثم ثانية...

ثم ثالثة...

كان شريف يقترب منه، بينما بدا وسام غارقًا في عالمه الخاص، كأن وجوده في المكتب لم يكن سوى جسد حاضر، أما عقله وقلبه فكانا لا يزالان في مكان آخر، عند تلك اللحظة التي تغير فيها كل شيء.

جلس إلى جواره، بينما كان وسام شبه واضع رأسه على المكتب، غارقًا في اكتئاب ثقيل، وكأن جسده موجود هنا، بينما كل ما فيه عالق في مكان آخر.

شريف: ايه يا وسام ؟

وسام: (بيرد بصعوبة) نعم

كان الرد ضعيفًا، خاليًا من أي رغبة في الحديث، وكأن حتى الكلمات أصبحت تحتاج منه إلى جهد لا يملكه.

شريف: لو تعبان مكنتش قطعت اجازتك وجيت ، كان ممكن عادى تنزل لما تبقى كويس

وسام: انا اصلا محتاج اخرج من الى انا فيه بس مش عارف

كان اعترافًا بسيطًا، لكنه كان يحمل عجزًا كبيرًا؛ فهو يريد أن يخرج من حزنه، لكنه لا يعرف الطريق، ولا يملك القدرة على إجبار قلبه على تجاوز ما حدث.

شريف: مسألة وقت .. متقلقش
الله يرحمك ياعم عاصم
ع فكرة هو لو عايش مكانش هيعجبه الى انت عامله ده

وسام: هو لو كان عايش مكنتش هبقى كده اصلا يا شريف

كانت الجملة أقرب إلى حقيقة مؤلمة لا يستطيع تغييرها. وجود أبيه كان وحده كافيًا ليمنحه ذلك الشعور بالأمان الذي لم يعد يعرف كيف يستعيده بعد غيابه.

شريف: اومال الناس الى بتطلع ع وش الدنيا من غير اب ومن غير ام يعملو ايه ؟ ينتحرو ولا يروحو يشدو كولا تحت الكوبرى

وسام: بيبقى ربنا منزل عليهم سكينه الامر الواقع ، ان اصلا ابهاتهم ولا امهاتهم مش موجودين
لكن بابا..
كان معايا وموجود فكل لحظة فحياتى

كان الحديث عن الأب يفتح داخله مساحة أخرى من الوجع؛ مساحة لا علاقة لها بالموت بوصفه غيابًا فقط، وإنما بفقدان ذلك الحضن الذي كان يعيد إليه شعوره بطفولته مهما كبر.

عارف لما كنت بقعد جمبه ويحاوطنى بدراعه يحضننى وانا شحط كده اد الباب
بحس انى ولا حاااااااااجة رجعت بيبى صغير تانى
ومحتاجله اكتر من اى وقت تانى

لم يكن وسام يتحدث عن أب رحل فقط، بل عن سندٍ كان وجوده يخفف عنه ثقل العالم كله. كان في حضن أبيه يجد نفسه أصغر من كل شيء، وأكثر احتياجًا، وأكثر أمانًا، ثم جاء الغياب ليكشف له كم كان ذلك الاحتياج عميقًا.

شريف: طيب وربنا ادالكم امانة ورجع اخدها تانى ، ايه تكون انت عشان تعترض

وسام: اللهم لا اعتراض ع حكمك يارب

خرجت كلماته مثقلة بالرضا الذي يحاول أن يتمسك به رغم الألم؛ فهو يعلم أن الاعتراض لن يعيد أباه، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يمنع قلبه من الشعور بالفقد.

شريف: ع فكرة انا رحت القاعة الى اكن هيبقى فيها فرحك
عشان اخد الفلوس الى انت دافعها
ولاد الجزم اخدو النص بالظبط قال عشان التجهيزات شفت!

وسام :

ظل صامتًا.

لم يجد حتى تعليقًا يرد به، وكأن تفاصيل المال والقاعة وكل ما كان متعلقًا بالفرح قد فقدت قيمته أمام ما حدث. كان هناك عالم كامل يتحدث عن ترتيبات الحياة، بينما هو ما زال يحاول فقط أن يستوعب غياب أبيه.

شريف: صحيح .. انت هتعمل ايه مع مى ؟

وسام: القصة دلوقتى مش مى ..

شريف: اومال ؟

وسام: هتعرف ..

كانت إجابة مقتضبة، لكنها تركت شريف أمام سؤال أكبر. نظر إليه باستغراب، يحاول أن يفهم ما يخفيه خلف هذا الهدوء الغريب، بينما كان وسام قد عاد إلى عمله بصورة طبيعية، وكأن شريف لم يكن جالسًا إلى جواره.

=============••=========

"عايز تقابلنى انا !! "

كانت الجملة تحمل قدرًا هائلًا من الاستغراب والدهشة، تختلط فيها مشاعر كثيرة لم تعرف دنيا كيف تفسرها حين اتصل بها وسام ليخبرها أنه يريد أن يراها.

لم تكن تتوقع أن يأتي هذا الاتصال، ولا أن يكون هو المبادر إليه. ولذلك ظلت كلماته تدور في داخلها، تحمل إليها أسئلة أكثر مما تحمل إجابات، وتعيد إلى قلبها ارتباكًا ظنت أنها تعلمت كيف تخفيه.

كان قد عرف كل شيء من ليلى.

أخذ يومًا، ويومين، وثلاثة، وهو يفكر فيما سيفعله مع دنيا، وما الذي يمكن أن يقوله لها بعد كل تلك السنوات.

لم يكن الأمر بالنسبة إليه لقاءً عابرًا؛ فقد صار يحمل في داخله حقيقة جديدة، حقيقة جعلت الماضي كله يبدو مختلفًا. وكان يحتاج إلى أن يواجه دنيا، لا ليبحث عن الماضي فقط، بل ليفهمه.

وفي النهاية قرر أن يقابلها.

وربنا يعدى بقى المقابله ع خير.

وسام: ايوة .. عايز اشوفك

دنيا: انت واثق من الطلب ده (جواها قلقان)

وسام: ايوة

دنيا: طيب ومى ، انا مش حابة مشاكل يا وسام

وسام: اظن قلت .. عايز اقابلكوبس
خلصنا
اه ولا لأ

كانت دنيا تسمع إصراره، وكلما حاولت أن تجد منفذًا لتأجيل الأمر، عاد هو ليغلق عليها أبواب التردد. لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها في ذلك اللقاء، ولذلك كان القلق يتسرب إلى داخلها رغم محاولتها الحفاظ على هدوئها.

دنيا: حاضر .. شوف الوقت والمكان وهكون ف انتظارك

أغلقت الهاتف، وهي لا تعرف ما سبب هذه المقابلة.

بقي السؤال معلقًا في داخلها؛ لماذا الآن؟ ولماذا بعد كل هذه السنوات؟ وماذا عرف وسام حتى أصبح يريد رؤيتها؟

أما ليلى، فوفقًا لتعليمات وسام، لم تقل لها كلمة واحدة.

حتى عندما حاولت دنيا أن تفهم منها ما يحدث، راوغتها ليلى في الحديث، ولم تصارحها بشيء.

وكانت ليلى تعرف أن الحقيقة التي انكشفت لوسام لم تعد تخصها وحدها، لكنها في الوقت نفسه كانت تحاول أن تلتزم بما وعدت به دنيا، وأن تترك لهما مواجهة الحقيقة بأنفسهما.

=========•••=========

طُرق الباب.

فتحت ليلى.

ما إن رأت مي أمامها حتى ظهرت الصدمة على ملامحها، وكأن حضورها في هذا التوقيت جاءها على غير انتظار.

ليلى : مى ! تعالى (مخضوضة)

مى: ايه مالك يااليلى

ليلى: لا عادى مافيش حاجة
ادخلى

دخلت مي، لكنها لم تكن تبحث عن زيارة عادية؛ كان كل ما تريده أن ترى وسام، أن تطمئن عليه، وأن تجد فرصة ولو قصيرة لتقترب منه بعد هذا الغياب الطويل.

مى: وسام هنا ؟

ليلى: وسام!! هو انتى قايلاله انك جايه؟

مى: لا .. انا عارفه انه بيخرج من الشغل وبييجى ومش بيطلع تانى غير تانى يوم
اصله مش بيرد ع فوناتى فحبيت اطمن عليه بنفسى
وعرفت من شريف انه روح من بدرى

كانت مي تحاول أن تبرر حضورها، لكن السبب الحقيقي كان أبسط وأعمق؛ لقد افتقدته، وقلقها عليه أصبح أكبر من قدرتها على الانتظار.

ليلى: طيب تعالى (دخلتها وقعدتها)

مى: هو مش هنا ولا ايه ؟

ليلى: هو... راح مشوار
استنى وزمانه جاى

مى: مشوار ايه ؟ هو مش بيخرج غير مع شريف
وشريف قال انه روح
قلت بسرعه اروح وهو صاحى قبل م يتقوقع وينام ومعرفش اشوفه زى كل مرة

كانت تتشبث بأي فرصة تتيح لها رؤيته، حتى لو لدقائق، قبل أن يغلق على نفسه أبوابه مرة أخرى.

الام: (معدية وهى متغاظة مى عالاخر ) والله راح يشوف نصيبه!

مى: ايه ؟!!

توقفت الكلمة داخل مي كأنها اصطدمت بشيء لم تفهمه بعد. لم تكن تعرف ماذا تقصد الأم، لكن نبرة صوتها وحدها كانت كافية لتزرع في داخلها قلقًا مفاجئًا.

===========•••=========

قطعة سكر...

توضع في الفنجان، ثم تُقلّب.

وصوت النيل وطيوره يملأ المكان، بينما كانت دنيا تنظر إلى النيل بجوارها، ثم تعود لتلقي نظرة خجلى على وسام، رغم أنه لم يرفع عينيه عنها منذ أن جلسا.

كان المكان هادئًا، لكن داخل دنيا لم يكن هناك شيء هادئ. كانت تجلس أمام رجل ظنت في وقت من الأوقات أنها استطاعت أن تخرجه من حياتها، فإذا به يعود إليها الآن بنظرات تحمل أسئلة الماضي كلها.

أما وسام، فكان يجلس أمامها بعينين ثابتتين عليها، وكأنه يحاول أن يقرأ في وجهها كل السنوات التي مرت، وكل ما لم يعرفه، وكل ما ظنه يومًا حقيقة.

كانت المسافة بينهما تحمل ثقل سنوات كاملة؛ سنوات لم تختفِ، وإنما بقيت كامنة في الذاكرة، تنتظر لحظة كهذه لتعود بكل ما فيها.

دنيا: عامل ايه ياوسام دلوقتى ؟

وسام: (بصه عميقه لفت كل ملامح وشها) مش مهم انا
ع اد مانتى الى مهمة اعرف عاملة ايه دلوقتى

كانت نظرته تحمل عناية لم تستطع دنيا أن تتجاهلها، وكأن السؤال عن حالها لم يكن مجرد مجاملة، بل رغبة حقيقية في معرفة ما حدث لها، وما أصبحت عليه بعد كل تلك السنوات.

دنيا: احم.. انا (اتكسفت ووشها احمر)
الحمدلله كويسة

وسام: مستغربة ؟1

دنيا: بصراحة اوى .. اصل اخر مرة شوفتك فيها قبل عزا بابا عاصم الله يرحمه

وسام: الله يرحمه

دنيا: مكنتش طايق حتى تبص فوشى
فاكر

وسام: (عمل براسه اه)

كانت تتحدث عن آخر لقاء بينهما، بينما كان هو يستعيد في ذهنه صورة ذلك الماضي الذي لم يعد يراه بالطريقة نفسها. كان بينهما تاريخ كامل، وكل كلمة منها كانت تفتح نافذة على ذكرى بعيدة.

دنيا: فمعرض الكتاب.. لما احنا ال 2 كنا بندور ع نفس الكتاب
تعرف

وسام: (نفس البصة العميقة الى متحولتش..مع هزة سؤال ايه ؟

دنيا: انا يومها يعنى .. (بتبص فالارض واحمرت اوى مع ابتسامة خجل) صليت العصر وجيت انت فبالى
مع انك مش بتغيب وقلت يارب اشوفه .. يارب
ولما شوفتك مكنتش مصدقه ان ربنا ساتجاب دعوتى فالحال

كان اعترافها يحمل خجلًا قديمًا لم يختفِ رغم مرور السنوات. كانت تتحدث وهي تستعيد لحظة صغيرة بالنسبة إلى الزمن، لكنها بقيت كبيرة داخلها، لحظة ربطتها بالدعاء، ثم برؤيته، وكأن قلبها وقتها صدّق أن الدعوة استُجيبت أمام عينيها.

وسام: (مسك ايدها بعطف من غير م يحس) ليه ايدك متلجه دايمآ كده ؟!

كان لمس يده لها عفويًا، لكنه حمل في تلك اللحظة شيئًا من الحنان الذي لم تستطع هي أن تتجاهله.

دنيا: (شالت ايدها بكسوف ورعشه) زى اول مرة قابلتك فالمترو
كانت ايدى متلجه .. لما قمتلى من عالكرسى وقعدتنى
زى اول مرة جيت بيتنا تقرا فاتحتى

وسام: (ابصة اتحولت لحب بعطف)

دنيا: ولما لبستنى دبلتى ..وقولتلى مبروك

فكل مرة بشوفك فيها ، كأنها اول مرة
نفس الرعشة.. نفس تلج اطرافى.. نفس الهزة الى بتمتلكنى لحد م تمشى من قدامى

كانت كلماتها تخرج من ذاكرة مليئة بالتفاصيل، وكأن الزمن لم يستطع أن يمحو أثر تلك اللحظات منها. كل لقاء ظل في داخلها بداية جديدة، وكل نظرة منه كانت تعيد إليها الإحساس ذاته، بكل ارتباكه ورعشته وخوفه.

وسام: (قاطعها) ليه عملت كده فيا ؟ قصرت معاكى ؟!

تحولت ملامحه عند السؤال، لأن ما يسمعه لم يعد مجرد ذكريات جميلة، بل طريقًا يقوده إلى السؤال الذي ظل يطارده منذ عرف الحقيقة.

دنيا: (ارتبكت روجعت تبص حواليها كالعادة ) عملت ايه ؟

وسام: انتى عارفه ، ازاى يوصل بيكى تشيلى كل ده لوحدك
ازاى تحسسينى بندم وقرف من نفسي من ساعه م عرفت
ازاى توقفينى قدام نفسي متهم.. وقاضى وجلاد

كان يتحدث من مكان موجوع في داخله؛ من إحساس رجل اكتشف أنه عاش سنوات وهو يفسر أفعالها بطريقة خاطئة، ثم اكتشف أن وراءها ألمًا لم يعرف عنه شيئًا.

وسام: ازاى تعملى كده فيا لما اعرف انك كان جواكى حمل حبيتى تكونى انانية فيه وتشيليه لوحدك
ومش عايزة تعرفينى
ومش عايزة تكملى معايا

كانت الكلمات تتساقط منه محملة باللوم والوجع، وكأنه لا يلومها لأنها مرضت، وإنما لأنها حرمته من معرفة حقيقتها، وتركت قلبه يواجه رحيلها دون أن يعرف السبب.

دنيا: (بتعض ع شفتها الباهته من الدمويه) عشان عارفه انك مش هتسيبنى ، وهتفضل جمبى
وهتكمل

وسام: وليه لا

كانت إجابته قصيرة، لكنها خرجت وكأنها تحمل سؤالًا أكبر: لماذا ظنت أنه سيتركها؟ ولماذا قررت وحدها أن ما بينهما لا يمكن أن يستمر؟

دنيا: وليه اه يا وسام.. ازاى اكون معاك مش ست بجد
لو شفتنى من غير طرحه تتفزع منى ! (عيونها فيها دموع )
من غير اى معالم لست جزء منى متشال بالجراحة
هكمل معاك بتاع ايه
عمرى م هكون ام بجد

خرجت الكلمات منها مثقلة بالخوف؛ خوفها من نظرة وسام إليها، ومن أن تتحول صورتها في عينيه من امرأة أحبها إلى امرأة يشعر تجاهها بالشفقة.

وسام: هتكملى عشان عارفه ان القلب الى حبك.. مش هيعرف يتغير عليكى حتى لو جدت ايه ظروف

كان رده يحمل تمسكًا بما شعر به تجاهها، وكأنه يرى أن الحب الذي كان موجودًا لا يصبح شيئًا آخر لمجرد أن الظروف تغيرت.

دنيا: الى حبنى !!

بقيت الكلمات معلقة بينهما، تحمل دهشة وألمًا وحنينًا في آن واحد، بينما كانت دنيا تحاول أن تستوعب أن ذلك القلب الذي تتحدث عنه ما زال حاضرًا أمامها.

==========•••==========

مى: يعنى ايه ياطنط؟! ايه يشوف نصيبه دى

لم تكن مي قادرة على تجاوز العبارة، فقد علقت في ذهنها منذ لحظة سماعها، وأشعلت داخلها خوفًا لم تعرف له تفسيرًا. أرادت أن تفهم، لا لأنها تبحث عن شجار، وإنما لأنها شعرت أن هناك شيئًا يُقال من خلفها.

الام: يعنى بالعربى كده ومن غير كسوف
انتى قدمك وحش علينا
يكفى عاصم الله يرحمه عمره م اشتكى من البرد!... جيتى انتى وهلت بشايرك
وابنى من يوم م عرفك وهو فكوارث
بصراحة بقى يابنتى انتى متنفعيش لابنى .. وكل واحد يروح لحاله احسن

كانت الكلمات قاسية، وقعت على مي في أكثر موضع هشاشة لديها. لم تكن تسمع مجرد رأي في علاقتها بوسام، وإنما تسمع اتهامًا لها بأنها جلبت الشر على بيت لم تكن تتمنى له إلا الخير.

مى: (اتنرفزت) ايه ده !! انتى سامعه ياليلى

التفتت إلى ليلى، وكأنها تبحث في عينيها عن نفي لما سمعته، أو عن شخص يقول لها إن ما يحدث ليس حقيقيًا.

ليلى: يا طنط بليز الكلام ده مينفعش وسام هيزعل لو عرف بالحوار ده ارجوكى.. وانتى يامى معلش من الى حاصل زى مامتك بردو

الام: وسام لو كان هيزعل عليها، مكانش راح يقابل البنت الى تنفع تكون مراته
مش دلوعه وبابى ومامى ومن يوم م عرفها فمصايب
بالعكس .. كان قدمك والله خير علينا يادنيا

بمجرد أن خرج اسم دنيا، تغير شيء في وجه مي.

مى: (اتعصبت واتنططت) دنيا ايييييييييه!! فهمينى ياليلى

كانت الكلمة وحدها كافية لإشعال كل مخاوفها دفعة واحدة. فكل ما حاولت أن تتجاهله منذ بداية الأزمة، عاد الآن إلى الواجهة في لحظة واحدة.

ليلى: ياطنط ارجوكى متبوظيش الدنيا، مافيش حاجة يا مى

حاولت ليلى أن تمنع الأمر من الانفجار، لكن مي لم تعد قادرة على الاكتفاء بنصف الحقيقة.

الام: لا فيه، بالمحسوس كده انسحبى من حياته عشان هو هيرجع لدنيا خلاص
وراح يقابلها
واطلعى من حياته بقى انتى ووشك الى قطع الضحكة من البيت ده!

كانت كلمات الأم تزيد الجرح اتساعًا، وتضع أمام مي صورة لم تكن تريد رؤيتها.

مي: (بتصرخ بصوت عالى ) لاااااااااااااااااااا كده مينفعش انا ساكته من بدرى عشان خاطر وسام تقومى تقولى رايح يقابل دنيا وزفت
(بتبص لليلى) انتى هتفهمينى كل حاجة ولا اطلع عميانى فالشوارع ادور عليه واخليها ليلة سودا ع الكل؟!

كان الغضب قد وصل إلى ذروته، لكن خلف الصراخ كان هناك خوف أعمق؛ خوف امرأة تشعر أن الرجل الذي تحبه يبتعد عنها دون أن تعرف إلى أين، وأنها على وشك أن تخسر شيئًا لم تكن مستعدة لخسارته.

ليلى: (بتلطم) يانهار اسود يانهار اسود .. هو يوم باين من اوله

========•••=========

وسام: (بيبص بعيد وهى بتحكى ورجع بصلها)

ظل وسام صامتًا يستمع إليها، وكانت عيناه تبتعدان عنها للحظات ثم تعودان إليها، كأنه يحاول أن يواجه ما يسمعه دون أن يترك مشاعره تقوده.

دنيا: كل مكالمة ليك سجلتها عشان اسمع صوتك لما يوحشنى ، لما قالتلى هويدا انك كنت مع واحدة وبترقص فكافيه
مصدقتش ان ده وسام الى حبيته
وبعدين قلت انك لازم تعيش حياتك بس مقدرتش.. بحبك ومش قادرة احس انك مع غيرى

بس ازاى
التفكير كان هيجننى

كانت تعترف بما عجزت عن قوله في الماضي؛ بأنها حاولت أن تتخيل حياته بعيدًا عنها، لكنها لم تستطع أن تمنع قلبها من التعلق به.

وسام: غلطتك من الاول

دنيا: لا .. انا صح عشان النظرة الى فعيونك دى مكنتش هستحملها
ف فرق م بين انى اعيش ع انى حببتك
وبين ان من الواجب تفضل معايا عشان بتشفق عليا

كانت ترى أن اختيارها، مهما كان مؤلمًا، كان محاولة منها لحماية نفسها من حياة تقوم على الشفقة. كانت تخشى أن يبقى وسام لأنه يشعر بالواجب، لا لأنه يريدها.

وسام: انتى عارفه انا فضلت تعبان اد ايه ؟ كام سنة بسببك

لم تكن السنوات بالنسبة إليه مجرد زمن مضى، بل كانت سنوات عاشها وهو يحمل سؤالًا بلا إجابة، ويبحث عن تفسير لرحيل لم يفهم سببه.

دنيا: (بتغير الموضوع) بس مى شكلها فعلا بتحبك.. ربنا يخليهالك
انا لما عرفت من ليلى ان كان يوم فرحكم لما بابا عاصم توفى
متسيبهاش
حسيت باحساسها.. حاجة صعبة عالبنت فعلا .. لاوم توقف جمبها

كانت تحاول أن تغيّر اتجاه الحديث، ربما لأنها لم تعد تحتمل البقاء طويلًا أمام الألم الذي يصنعه الماضي بينهما. وفي الوقت نفسه، كان واضحًا أنها رغم حبها له، تفكر في مي أيضًا، وفي الألم الذي أصابها في اليوم الذي كان يفترض أن يكون يوم فرحها.

==========•••===========

كانت مي قد أصبحت تحمل في داخلها شكًا لا تستطيع إسكات صوته، ولهذا عادت إلى ليلى تبحث عن إجابة واضحة.

مى: انتى الى جيبتيها هنا للعزا، عشان يشوفها
عشان يرجع الحنين من تانى
صح؟!

لم يكن السؤال مجرد اتهام؛ كان خوفًا من أن تكون يد أخرى قد دفعت الماضي إلى العودة، وأن تكون ليلى قد ساهمت، ولو دون قصد، في إعادة شيء ظنت مي أنه انتهى.

ليلى: لا مش انا
انا اصلا ليلة وفاة خالو.. كان ف مسجات كتير فيس وواتس اب عندى لانى كنت مش فتحت وكنت مواعده اصحابى انزلهم صور فرحكم .. فنزلت صورة ان خالو اتوفى
وهى عرفت من ضمن الى عرفه
لكن 100 مرة قولتلك انا ماليش دعوة بدنيا ووسام ومش بقربهم لبعض ولاحاجة ولا ليا مصلحه فكده

مى: ماشى .. هما بقى قاعدين فين

ليلى: ارجوكى يامى بلاش مشاكل

كانت ليلى تعرف أن الإجابة قد تقود إلى مواجهة لا تريدها، ولذلك حاولت أن تمنع مي من الاندفاع وراء غضبها.

أما مي، فلم تعد تريد تفسيرات عامة؛ كانت تريد مكانهما، وتريد أن تعرف الحقيقة بعينيها.

مى: ورحة عمو عاصم م هعمل حاجة .. متخافيش
قوليلى هما فين بالظبط؟

=============•••===========

جلسا أمام النيل، بينما بقي السؤال الذي جاء بوسام إلى هذا اللقاء حاضرًا بينهما.

دنيا: طب وايه لازمة قعدتنا دى

كان في صوتها شيء من الحذر؛ فهي لا تعرف لماذا استدعاها بعد كل هذه السنوات، ولا ماذا يريد منها أن تقول.

وسام: عايز افهم حاجة عدت عليها سنين يا دنيا فهمك فيها غلط

دنيا: ياسيدى انا راضيه، انا مش عايزة تبصلى البصة دى يا وسام

كانت تخشى تلك النظرة أكثر من الكلام نفسه؛ لأنها كانت تشعر أن عينيه تحملان ما لا تستطيع مواجهته بسهولة.

وسام:دنيا.. انا من ساعه م عرفت بانك كنتى مريضه كانسر فمنطقة خطيرة زى دى
واتعالجتى سنين وشوفتى نفس الى شافه بابا
فوقت فيه انا كنت غبى ودوست ع مشاعرى واتهمتك بانك انتى الغلطانة فحقى ومتستاهلنيش
حسيت بانى عاجز وبانى بجد صغير اوى لانك حسيتى كل الالم ده لوحدك

كان اعترافه يخرج من مكان ممتلئ بالندم؛ فهو لم يكن يتحدث عن مرضها فقط، وإنما عن نفسه كما كان في الماضي، عن حكم أصدره عليها دون أن يعرف الحقيقة، وعن سنوات قضاها وهو يحمّلها مسؤولية شيء لم يكن يعرف أسبابه.

دنيا: وسام.. انا كنت متعمدة انك تحس كده
وافضل جواك زى مانا
ومش عايزة اعيد الكلام تانى بقى لانى بتعب بجد

كانت تقول إنها تعمدت، لكن الكلمات حملت في داخلها تعبًا واضحًا؛ تعب امرأة عاشت سنوات وهي تحمل سرًا ثقيلًا، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى فتحه أمام الشخص الذي أرادت أن تحميه منه.

وسام: (مسك ايدها ال 2 بحنيه) طيب اهدى

كان يحاول تهدئتها، بينما كانت مشاعر كثيرة تمر بينهما في صمت.

وفي ذلك الوقت، كانت مي قد أخذت سيارة أجرة، ووصلت إليهما مسرعة.

لم تكن تعرف ما الذي ستراه، لكنها كانت تعرف أنها تريد الوصول إليه، وأن القلق الذي استقر في صدرها لم يعد يسمح لها بالانتظار أكثر.

بحثت عنهما في المكان، حتى وجدتهما جالسين في الأماكن القريبة من النيل.

ثم رأتهما.

كان وسام يمسك يدي دنيا، بينما كانت هي تمسح دموعها.

في تلك اللحظة، شعرت مي وكأن كل ما حاولت أن تصمد به طوال الأيام الماضية انهار دفعة واحدة.

انهارت مي...

وللمرة الأولى!

اختارت أن تكون عاقلة.

لم تصرخ، ولم تواجه، ولم تسمح لغضبها أن يقودها كما اعتاد منها الجميع.

رأتهما، وكتمت كل شيء في داخلها، كما كانت تفعل قديمًا في أيام مرض والدتها، ثم أخذت نفسها وغادرت.

كانت خطواتها تحمل ما لم تستطع الكلمات حمله؛ وجعًا صامتًا، ودموعًا محبوسة، ومحاولة أخيرة منها أن تحتفظ بكرامتها أمام مشهد مزقها من الداخل.

عادت إلى بيت وسام، وطلبت من ليلى أن تنتظره هناك حتى يأتي.

كانت تريد أن تعرف ما الذي حدث، لكنها في الوقت نفسه لم تكن قادرة على الكلام.

حاولت ليلى أن تعرف ما الذي حدث، لكن مي لم تجب.

لم يكن هناك سوى دموعها التي كانت تترجم كل ما رأته.

كانت دموعها أصدق من أي حكاية يمكن أن تقولها؛ لأنها حملت في صمتها كل الصدمة وكل الألم وكل ما عجز لسانها عن نطقه.

وبعد وقت ليس طويلًا، دخل وسام البيت.

وجد والدته في مواجهته.

الام: ازيك يابنى عملت ايه ؟

وسام: (باس راسها وساكت)

كان الصمت ما يزال يرافقه، وكأن اللقاء الذي خاضه لم يمنحه إجابات سهلة، بل حمل إليه مشاعر جديدة لم يكن يعرف كيف يرتبها.

الام: الهانم مراتك هنا

وسام: مى !

تغير شيء في ملامحه عند سماع اسمها، ثم دخل يبحث عنها.

دخل، فوجدها جالسة ومبتسمة.

كانت ابتسامتها هادئة على نحو غريب، لا تشبه ابتسامتها المعتادة، ولا تحمل راحة حقيقية. كانت ابتسامة امرأة قررت أن تخفي خلفها كل ما حدث، وأن تجعل كلماتها وحدها هي التي تتكلم.

مى: حمدلله عالسلامة .. انا هنا من بدرى

وسام: طيب مكلمتنيش ليه ؟

مى: مانا بكلمك بس انت مش بترد، انا همشى بقى لانى اتأخرت

كانت تتحدث بهدوء شديد، بينما كانت ليلى تراقبها وتراقب وسام، وكأنها تنتظر في كل لحظة أن ينكشف ما تخفيه مي خلف ذلك الهدوء.

كانت ليلى واقفة على أعصابها، تراقب ردود أفعال الاثنين.

وسام: انا ملحقتش اقعد معاكى يامى

مى: معلش يا وسام.. ماهو انا كده كده لما باجى مش بتقعد معايا
اعتبرها مرة زى دول

كان في كلامها عتاب خافت، لكنه كان أعمق من أن يظهر في نبرة غاضبة. كانت تقول له ما اعتادت أن تفعله، لكنها في الحقيقة كانت تذكّره بأنها لطالما انتظرته، ولطالما شعرت أنه بعيد عنها حتى حين تكون أمامه.

وسام: (خد نفس) طب ثوانى انزل اركبك التاكس

وصلا إلى عند الباب.

كان كل شيء يبدو هادئًا من الخارج، لكن داخل مي لم يكن هناك هدوء واحد. كانت تحمل في صدرها صورة لم تستطع إخراجها من رأسها، ويدًا كانت تمسك بيد دنيا، ودموعًا رأتْها بعينيها.

توقفت مي لحظة.

وكأنها كانت تجمع ما تبقى من قوتها، وتستدعي شجاعتها كي تقول جملة واحدة فقط، جملة لم تكن تعرف كيف سيكون وقعها، لكنها كانت تعرف أنها خرجت من مكان موجوع داخلها.

ثم قالت:

مى: هو انا مقولتلكش؟

وسام: ايه؟

كانت لحظة قصيرة، لكنها بدت كأن الزمن توقف فيها.

رفعت مي عينيها إليه، بينما كانت كل المشاعر التي أخفتها منذ رأته مع دنيا تقف خلف نظرتها.

ثم قالت:

مى: طلقنى !!!...




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة