
رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل السادس عشر 16 بقلم نور إسماعيل
كان السؤال قد خرج من وسام أثقل مما أراد، وسقط بينهما كحجر في ماء ساكن، فأربك شيرين وأعاد إلى وجهها كل ما حاولت سنوات طويلة أن تدفنه تحت ملامح هادئة وحياة جديدة. لم تعد الشقة بالنسبة إليها مجرد مكان تعرضه للبيع، بل صارت فجأة بوابة إلى زمن لم تكن تريد لأحد أن يعرف أنه كان جزءًا منها.
شيرين: ربنا يخليك يا وسام، ها عجبتك الشقه ... انت ومى؟
لم يملك وسام ترف المراوغة؛ فقد كان يريدها لهذا السبب تحديدًا، لأن قرار مى بالرفض جعله يحتاج إلى الحديث معها، وربما لأنه لم يكن يريد أن يترك خلفه شيئًا غامضًا قبل أن يغلق هذه الصفحة.
وسام: والله انا كنت عايزك عشان كده .. هى مى مش مبسوطة بيها
كان في ملامح شيرين شيء من الرضا الممزوج بخيبة صغيرة، كأنها كانت تتوقع أن ترفض مى المكان، ومع ذلك كانت تتمنى في داخلها أن يحدث العكس.
شيرين: انا كنت حاسة (عوجت بوقها)
عاد وسام إلى تردده، فالأمر لم يكن مجرد صفقة بالنسبة إليه؛ كان يريد أن يطمئن إلى قراره، وأن يعرف إن كان المكان يحمل شيئًا لا يراه بعينيه.
وسام: بس انا لسه بصلى استخارة وبشوف
حاولت شيرين أن تنهي الحديث بصورة طبيعية، وكأن كل شيء يمضي في مساره المعتاد، ثم استدارت لتغادر. لكنها لم تكن تعرف أن جملة واحدة من وسام ستجبرها على العودة إلى أكثر نقطة تؤلمها في حياتها.
شيرين: عالعموم خد وقتك خالص انا مش مستعجلة .. انا هقوم اشوف الشغل وبعدين نكمل كلامنا فالبريك (قايمة وماشية )
ظل وسام يراقب ظهرها للحظات، حتى خرج السؤال منه فجأة، بلا تمهيد ولا فرصة للتراجع. كان سؤالًا ظلّ يثقل عقله منذ عرف الحقيقة، ولم يعد قادرًا على تركه معلّقًا.
وسام: (مرة واحدة وهى مدياه ضهرها)
ليه مقولتيش انك كنتى متجوزة فالشقه دى ياشيرين!!
توقفت شيرين دفعة واحدة، وكأن الكلمات لم تصل إلى أذنيها، بل ارتطمت مباشرة بماضٍ كانت تظن أنها أحكمت إغلاق أبوابه. تجمد جسدها، وشحب وجهها، وشعرت للحظة أن كل ما أخفته أصبح مكشوفًا أمام عينيه.
شيرين وقفت مرة واحدة وكأن اتدلق عليها مية ساقعه ؟!
لم تستطع أن تبتعد. عادت إلى مكتب وسام بخطوات مرتبكة، ووجهها يتبدل بين الاحمرار والاصفرار، بينما كان الخوف يسبق سؤالها. لم تكن تعرف ما الذي عرفه تحديدًا، ولا من أين عرفه، لكن أكثر ما أرعبها أن يكون الماضي قد وجد طريقه إليها مرة أخرى.
شيرين رجعت تانى عند مكتب وسام وهى وشها الوان ..
اقتربت منه بصوت خافت، كأنها تخشى أن يسمعها أحد، أو ربما كانت تخشى أن تسمع هي نفسها الحقيقة التي ستخرج من فمه.
شيرين: (بصوت واطى ) وانت عرفت منين انى كنت متجوزة ؟ وكمان فالشقه دى
لم يكن وسام يريد اقتحام حياتها، وكان يعرف جيدًا أن ما حدث قبل أن يعرفها لا يخصه. لكن الأمر بالنسبة إليه كان متعلقًا بالصدق في التعامل؛ هو أخبرها بحقيقة شقته، ولم يخفِ عنها شيئًا، ولذلك كان ينتظر منها المعاملة نفسها.
وسام: انا طبعآ ماليش حق انى اتدخل فحياتك الشخصية ، بس انتى عرضتى شقتك عليا للبيع
زى م انا كنت صريح معاكى من البداية وقولتلك ان شقتى لو هتشتريها انها مقفولة ومحدش سكن فيها
يبقى انتى كمان كان المفروض تبقى صريحة معايا
كانت لا تزال أسيرة للسؤال نفسه. لم تكن تريد تفسيرًا طويلًا، بل كانت تريد أن تعرف كيف انكشف سرها الذي ظنت أنه دُفن معها.
شيرين: طب انا عايزة اعرف انت عرفت منين
أخرج وسام صورة من حقيبة الحاسوب، ووضعها أمامها. لم يكن في الصورة شيء يمكن إنكاره؛ وجه شيرين في يوم زفافها، وبجوارها رجل يكبرها بسنوات طويلة. صورة واحدة كانت كافية لتسقط ستارًا كاملًا من الأسرار.
وسام: (طلع من جيب شنطة اللاب صورة ) واضح انك لما كنتى بتشيلى حاجتك..اثناء نقل العفش
وقعت دى عند سور البلكونة
(صورة زفاف ليها ومعاها راجل كبير نوعآ ما )
تسللت يد شيرين إلى الصورة، وكأنها تلمس قطعة من حياتها القديمة لا تريد حتى أن تتذكر أنها عاشتها. لم تستطع أن ترفع عينيها إلى وسام، واكتفت بإجابة قصيرة تحمل خجل سنوات كاملة.
شيرين: (خدتها منه وهى مكسوفه خالص ) اه .
لم يفهم وسام سبب إخفائها. لم يكن يرى في الزواج عيبًا، ولم يكن يريد أن يحاكمها على ماضٍ لم يكن طرفًا فيه. كل ما أراده كان أن يعرف لماذا لم تقل الحقيقة منذ البداية.
وسام: ممكن اعرف ليه خبيتى ؟ ده حلال ربنا
ليه مقولتيش.. ده مكانش هينزل من الشقه قدامى يعنى لو عرفت انك كنتى ساكنة فيها
عند تلك الجملة، انكسر شيء داخل شيرين. لم تعد قادرة على الاحتمال، ولا على الاستمرار في تقديم الماضي بصورة مهذبة ومقبولة. انفجرت الحقيقة من بين أسنانها، لا دفاعًا عن نفسها، بل كصرخة امرأة تعبت من حمل ما حدث لها وحدها.
شيرين:(مرة واحدة بنرفزة ) مقولتش عشان عايزة انسي!
سكت وسام. لم يحاول مقاطعتها، ولم يدافع عن سؤاله، وكأن شيئًا في نبرة صوتها أخبره أن وراء تلك الجملة قصة أكبر بكثير من مجرد زواج انتهى.
وسام سكت ومنطقش ب ولا كلمة ..
وجدت شيرين أخيرًا مساحة للكلام، فبدأت تفتح أبوابًا أغلقتها طويلًا. كانت الكلمات تخرج منها مثقلة بالمرارة، وكأنها تستعيد أمامه امرأة كانتها هي، لكنها لم تعد تريد أن تكونها مرة أخرى.
شيرين: انا واحدة يا وسام .. يوم م لبست الفستان الابيض
مفرحتش
زى البنات!
بالعكس ..كنت بمثل تمثليه
الراجل الى فالصورة ده (طلعتها وعيونها احمرت ) الى هو جوزى
متجوزنى للوجاهه الاجتماعيه بس
مجرد جواز كده وخلاص .. واحد اكبر منى ب25 سنة بالظبط
وكل م يتجوز واحدة من طبقته الاجتماعيه بتسيبه وبيتطلقو والسبب مش معروف
انا بقى كنت بالنسبة له لقطه عمرى م هسيبه وهو كمان بردو كده
غنى جدآ فوق م تتصور.. شافنى وجرى ورايا فالوقت الى كنت فيه مرتبطة بحد ومتفقين عالجواز
كان وسام يصغي إليها بكل جوارحه. لم يكن يبحث عن ثغرة في روايتها، ولا عن تفسير لما فعلته، بل كان يسمع فقط؛ يسمع وجع امرأة اكتشفت أن الزواج الذي ظنه الجميع نعمة لم يكن بالنسبة إليها سوى سجن مغلف بالذهب.
وسام: (بيسمع وهو مصتنت جدآ لكلامها )
ازدادت مرارة صوتها وهي تتذكر كيف وقف الجميع ضدها، وكيف بدا رفضها لذلك الرجل في أعين الناس ضربًا من الجنون. كان المال وحده كافيًا ليجعلهم يغضون الطرف عن كل شيء آخر.
شيرين: عارف انت لما يبقى كل الناس جايه عليك عشان شايفين انه عريس ممتاز
وانى هبلة عشان بتعلق بواحد مش هيعملى ربع الى هيعمله المليونير ده
كل الى بعد كده مقدرش اوصفه لك.. وجع وقرف وذل
استحملت كتير
جوازة والسلام
رغم ان كل فلوسه وحياته دى مكانتش بتسعدنى ، كنت خلاص سبت حلمى الوحيد انى اتجوز الى بحبه
وبقيت حرم المليونير فلان..
ثم ظهرت على ملامحها لمحة قصيرة من ابتسامة حزينة، كأنها تتذكر أن الله أرسل إليها وسط ذلك الخراب شيئًا جعلها تتمسك بالحياة قليلًا. لكن حتى ذلك الأمل لم يترك لها طويلًا.
شيرين: لغاية م ربنا عوضنى بحاجة يمكن تفرحنى شويه
اتسعت عينا وسام، وقد فهم من صمتها أن هناك شيئًا آخر في القصة، شيئًا لا يعرفه.
وسام: خلفتى ؟!
مسحت شيرين دموعًا بدأت تهرب من عينيها، وحاولت أن تبتسم، لكن ابتسامتها كانت أشبه بجرح يحاول أن يتظاهر بأنه شُفي.
شيرين : (بتمسح دموعها وبتبسم) ملحقش افرح بيه
يوم م فجاته انى حامل ضربنى وبهدلنى قدام الناس وطردنى فنص الليل بيجامه وحافيه
عشان هو مش بيخلف!
تغير وجه وسام بالكامل. لم يعد يسمع قصة امرأة عن زواج فاشل؛ صار يسمع عن طفل، وعن أب تخلّى عن قطعة منه، وعن إنسان اختار أن يعاقب زوجته لأن الحقيقة لم توافق رغباته.
وسام : (تعبيرات وشه اتغيرت وصعبت عليه جدآ )
وكأنها كانت تعرف السؤال الذي سيأتي، أكملت قبل أن يمنحها فرصة لطرحه. كانت الحقيقة أكثر قسوة مما يستطيع العقل أن يتخيل.
شيرين: انت طبعآ هتسأل.. هو مكانش بيخلف فعلا؟
هقولك لا كان بيخلف .. بس هو كان عايز يخلص منى عشان فيه صيده جديدة قدامه
خرجت الصدمة من وسام في صورة كلمات غاضبة، فقد بدا له الأمر فوق احتمال العقل؛ أن يفرط إنسان في ابنه لمجرد نزوة، أو امرأة جديدة، أو حياة أخرى.
وسام: ياساتر يارب يستحيل يكون فيه بنى آدم كده
ازاى يفرط ف ابنه ؟ حتة منه لمجرد نزوة تانيه
اعوذ بالله من الناس دى
رفعت شيرين عينيها إليه، ثم عادت إلى سرد ما فعلته بعدما وجدت نفسها أمام ظلم لا تستطيع احتماله. لم تكن تملك إلا القانون، وإصرار أم تريد أن تثبت أن طفلها لم يكن كذبة كما أراد أبوه أن يجعله.
شيرين: رفعت قضية عليه .. وربنا اراد ان ابنى يعيش رغم الضرب والاهانة
وعملت تحليل DNA
واثبت انه ابنه وانا حامل مستنتش الولادة
والمحكمة حكمت بطلاقى واخدت الشقه عشان كانت باسمى ..واخدت حجات كتير منه
كان وسام يحاول أن يستوعب كم الألم الذي يمكن لإنسان واحد أن يحمله دون أن ينهار. لكن سؤالًا واحدًا بقي عالقًا في صدره، سؤال لم يستطع تجاوزه.
وسام: (باين عليه التأثر) وابنك ؟
انطفأت آخر ذرة مقاومة في وجه شيرين. كانت هذه الكلمة تحديدًا هي التي تخشاها، لأن خلفها ذكرى فقد لا تزال حية مهما مرّ عليها الزمن.
شيرين: ابنى مات !
بعد م ولدت ب اسبوع مات
وكأن ربنا كان بيخلصنى من كل حاجة من ريحة الراجل ده
مد وسام يده إلى منديل، وقد عجز عن العثور على كلمات تصلح لهذا النوع من الألم. بعض الأحزان لا تحتاج إلى نصائح، بل إلى حضور صامت يخبر صاحبها أنه ليس مضطرًا للبكاء وحده.
وسام : (طلع منديل واداهولها ) طيب اهدى
واصلت شيرين اعترافاتها، وكأنها تريد أن تضع أمامه آخر قطعة من الماضي ثم تغلق الباب إلى الأبد. المال الذي تركه لها زوجها لم يكن بالنسبة إليها ثروة، بل بقايا حياة حاولت أن تتخلص من كل ما يربطها بها.
شيرين: الفلوس الى معايا فالبنك الكتير الى قولتلك عليها ،فلوس هو حاططها باسمى
من يوم جوازنا
لما فوقت من الى انا فيه .. قررت انى اخلص من اى حاجة بتفكرنى بالايام دى
ابيع الشقه
وكل حاجة متعلقه بيه، حرقت كل صوره معايا
معرفش ازاى دى نستها ولا ايه ؟
كان قرارها بالبدء من جديد أشبه بمحاولة ولادة أخرى، بعد أن أخذت منها الحياة كل ما كانت تظنه حلمًا. حتى الشخص الذي أحبته قبل ذلك الزواج لم يبقَ لها منه سوى ذكرى بعيدة لا تعرف أين انتهت.
شيرين: وقدمت فالشغل هنا عشان ابتدى من جديد
حتى الشخص الى كنت بحبه لما دورت تانى عليه..سافر ومحدش عارف طريقه
شعر وسام بعجز حقيقي أمام هذا الكم من الخسارات. لم يكن يعرف كيف يواسيها، ولا كيف يخفف عنها سنوات لا يمكن إعادتها، لكنه كان يعرف أن اعتذاره وحده لن يكفي.
وسام: متعرفيش الخير فين ياشيرين ، انا آسف انى اضطريتك تتكلمى عن حاجة فاتت كانت ...
لم تسمح له أن يكمل. كان وجوده بالنسبة إليها مختلفًا عن الآخرين، ولذلك لم ترَ في حديثها أمامه انكشافًا أو ضعفًا، بل شعورًا نادرًا بالأمان.
شيرين : (قاطعته) متقولش كده يا وسام.. انت بالذات حاجة خاصة عندى
تعرف الى عايز تعرفه عنى وقت م تحب
حاول وسام أن يضع علاقته بها في إطار واضح وآمن، وأن يمنحها كلمة طيبة دون أن يفتح بابًا آخر للتأويل.
وسام: ربنا يخليكى ياشيرين احنا اخوات طبعآ، متعرفيش الخير فين يا شيرين
يمكن ربنا عمل كل ده عشان يبدلك بالاخير منه
ابتسمت شيرين ابتسامة باهتة، ثم تذكرت أنها أثقلت عليه بما يكفي. لكنها قبل أن تغادر، أرادت أن تطلب منه شيئًا واحدًا، شيئًا لا يتعلق بالمال ولا بالشقة، بل بستر ماضٍ لم تعد تريد أن يخرج من هذا المكتب.
شيرين: دوشتك بقصتى الممله دى ، بس عايزة اطلب منك طلب
رفع وسام عينيه إليها، منتظرًا ما تريد.
وسام: اتفضلى
كانت تتمنى ألا يتحول ما قالته إلى حديث في الممرات، وألا يصبح ألمها مادة لفضول أحد. أرادت أن تبقى قصتها في المكان الذي اختارت أن تحكيها فيه، وبين الشخص الذي وثقت به.
شيرين: ممكن محدش ابدآ يعرف بالكلام ده
أجابها دون تردد؛ فقد أصبح ما سمعه أمانة في عنقه.
وسام: طبعآ
وقبل أن تنصرف، ترددت للحظة، ثم عادت إليه بنظرة تحمل معنى لم يكتمل. كانت تريد أن تقول شيئًا، وربما كانت الكلمات القادمة أهم مما سبقها.
شيرين: وسام كنت عايزة اقولك حاجة مهمة
لم يلحظ وسام أن نبرة صوتها تغيرت، فاستعد لسماعها بكل هدوء.
وسام: قولى
كانت عيناها تحملان شيئًا يشبه التلميح، شيئًا لا تعرف هي نفسها إن كان اعترافًا أم مجرد جملة خرجت من قلب مثقل.
شيرين: فعلا انا معرفش الخير فين .. وانت كمان متعرفش الخير فين بردو
استدارت ومضت، تاركة خلفها جملة ظلت معلقة في الهواء. وما إن ابتعدت حتى شعر وسام بحاجة إلى إيقافها، كأنه لم يفهم تمامًا ما الذي أرادت قوله.
(مشيت راح منادى عليها)
وسام: شيرين!... (قام من ع مكتبه)
انا اسف.. مش هقدر اخد الشقه بتاعتك
توقفت شيرين، لكنها لم تبدُ متفاجئة؛ كانت تتوقع أن تغير قصتها شيئًا في قراره، وإن كانت لا تعرف ما الذي يفكر فيه تحديدًا.
شيرين: عشان الى قولتهولك؟
أراد أن ينفي عنها هذا الظن فورًا. لم يكن رفضه للشقة عقابًا لها، ولا اشمئزازًا من ماضيها، بل لأن شيئًا داخله لم يعد مرتاحًا لفكرة الزواج في مكان حمل كل ذلك الألم.
وسام: لا والله مش كده.. تعرفى ان انا كمان مرتاحتش.. وبعدين فال وحش انى اتجوز فيها بعد كل الى حصل فيها ده
شعرت شيرين بضيق صغير، لكنه كان ضيقًا متفهمًا أكثر منه غاضبًا؛ فقد كانت تعرف أن المكان لم يعد بالنسبة إليها وإليه مجرد عقار.
شيرين : (بضيقه) عندك حق
ثم تذكر وسام المال الذي دفعته شيرين في المستشفى، وأراد أن يعيده إليها فور أن يبيع شقته. كان يرى أن من حقها أن تسترد ما لها، حتى وإن كان بينهما ما هو أكبر من الحسابات.
وسام: اما بالنسبه للمبلغ الى دفعتيه فالمستشفى، ف انا اول م ابيع شقتى هردوهولك
رفضت شيرين أن تسمح للمال بأن يفسد المعنى الذي انتهت إليه علاقتهما في هذه اللحظة. لقد قال بنفسه إنهما أخوان، والأخوة لا تُقاس بما يدفعه أحدهما للآخر.
شيرين: متقولش كده.. انت لسه قايل
احنا اخوات
عاد وسام إلى مكتبه، لكن جسده وحده هو الذي عاد؛ أما عقله فظل هناك، في تلك القصة التي كشفت له أن الوجوه ليست دائمًا كما تبدو، وأن الإنسان قد يحمل خلف ابتسامته خرابًا لا يراه أحد.
وسام رجع لمكتبه بيفكر ف الى اتقال والكلام بيتعاد فذهنه ..
اد ايه الناس مش زى م بنشوفها من برة اوى ... ف ناس بتلبس اقنعه عشان تخبى وشوش مشوهه من جوه !
====•••======
وبعد فترة، كانت الحياة قد عادت إلى ضجيجها المعتاد، بينما كانت مؤامرة صغيرة تُحاك في الخفاء، لا تحمل شرًا بقدر ما تحمل رغبة في إشعال شرارة جديدة في قلب منة. كانت أمنية وغادة قد قررتا أن تمنحا صديقتهما دفعة في اتجاه لم تفكر فيه من قبل، وكان سامح، دون أن يدري، قد أصبح بطل الخطة.
امنية : مش ملاحظين يابنات ان سامح متغير اليومين دول ؟
التقطت غادة التغيرات التي أشارت إليها أمنية، فقد بدا سامح أكثر اهتمامًا بمظهره، وكأن شخصًا ما بدأ يحتل مساحة جديدة في تفكيره.
غادة: مممممم بقى بياخد باله من لبسه .. واخدة بالك انت من الشعر والدقن
أما مى، فلم ترَ في الأمر سرًا أصلًا؛ بالنسبة إليها كان سامح لطيفًا ومهندمًا دائمًا، لكن صديقتيها كانتا تنظران إلى الموضوع بعينين مختلفتين تمامًا.
مى: لا يا جوماعه سامح امور لوحده من زومان
كانت منة تستمع بصمت، لكن الكلمات بدأت تعمل داخلها ببطء. رفعت عينيها في اللحظة التي مر فيها سامح في الطريق، فوجدت نفسها تراقبه دون قصد.
منة بتفكر فكلامهم وبتبص ناحيته وهو معدى فالطرقه..
وللمرة الأولى، سمحت لنفسها أن تنظر إليه بطريقة مختلفة، لا كزميل اعتادت وجوده، بل كرجل يمكن فعلًا أن يكون جديرًا بأن يُرى.
منة: فعلا شكله احلو
لم تستطع غادة إخفاء انتصارها الصغير، فصفقت بيدها كأنها أعلنت نجاح أول خطوة في الخطة.
غادة: ههع .. العب العب (بتسقف ع ايدها)
حاولت منة أن تغطي ارتباكها بحجة بسيطة، لكنها كانت قد بدأت بالفعل تتحرك بدافع فضول لم تعترف به حتى لنفسها.
منة: طب انا هقوم اشوفهم هيتغدوا ايه
التقطت مى الأمر بسرعة؛ فالزيارة لم تكن تبدو ضرورية إلى هذه الدرجة، خصوصًا أن الشباب اعتادوا أن يسألوا عنهن بأنفسهم.
مى: غريبة يا منة تروحى تساليهم .. م هما بيسالونا ع طول
أطلقت منة ضحكة مدللة محاولةً إخفاء ما يدور في رأسها.
منة : (بسهوكة ) مجاتش من مرة يعنى
لم تترك غادة الفرصة تمر، فأخذت تضحك عليها وتدفعها إلى الأمام.
غادة: روحى يانحنوحة
أما أمنية، فكانت ترى علامات نجاح الخطة أمام عينيها، فالصنارة لم تعد في الماء فقط؛ بدا أن هناك من بدأ يقترب منها فعلًا.
امنية: شكل الصنارة غمزت
ضحكت غادة بثقة، وأشارت إلى منة بأن تترك الأمر لها ولأمنية.
غادة: طبعآ يابنتى .. منة زوقيها انتى وهى تتفاعل ومالكيش انتى دعوه
لكن مى أساءت فهم المقصود للحظة، فظنت أن الحديث عن ممدوح، لتفتح غادة عليها بابًا جديدًا من السخرية.
مى: انتو بتظبطو منة مع ممدوح ولا سامح
اشتعل اعتراض غادة فورًا، فقد كان ممدوح نفسه خاطبها منذ زمن، ولم تكن مستعدة لسماع هذا النوع من النسيان.
غادة: ايه يامى غباء الابل ده ؟! خبطت فقفايا دى ع فكرة
ماهو ممدوح خاطبنى ولاانا مش عجباكى
رفعت مى يديها معتذرة، ثم ضحكت على نفسها وعلى طول المدة التي جعلتها تنسى.
مى: اووووووه سورى مش كنت افتكرت يا غدغود اصلكم مخطوبين من زومان بئى
تنهدت غادة بضيق، فقد كان مرور الزمن دون خطوة من ممدوح قد بدأ يثقل قلبها، حتى صار انتظارها نفسه مادة للمزاح.
غادة: اه ياختى متفكرينيش .. ده ابو الهول قرب ينطق
وممدوح لسه معملش خطوة واحدة
حاولت أمنية أن تدافع عنه قليلًا، وأن تذكر غادة بما يهم فعلًا: أنه ثابت معها، وأنها لا تعيش كل يوم على خوف من تغيره.
امنية: ياستى يكفى انه متغيرش معاكى .. ولا بيوعدك ومتلاقيش واثقه انه مهما حصل بيحبك، وغلبان
مش زى واحد
بطل يتصل بيا نهائى ..
او يتطمن عليا
ولما اكلمه انا بليل .. الاقيه ويت!
لكن الجملة الأخيرة جعلت غادة ومى تتوقفان عن المزاح. كانت هناك نبرة وجع واضحة في صوت أمنية، كأنها كانت تخشى أن يكون صمت شريف مقدمة لشيء أسوأ.
مى : اوبس!! ويت
لالالالا ده انتى لازم تشوفى الموضوع ده ايه
أطرقت أمنية قليلًا، وقد غلبها خوفها. كانت تخشى أن يكون إحساسها في محله، وأن يكون الرجل الذي أحبته قد بدأ يبتعد عنها دون أن يملك الشجاعة ليخبرها.
امنية: (بتتكلم بخنقه) والله خايفه يكون الى فبالى
مش عارفه ساعتها ممكن اموت
انا بجد بحب شريف اوى
حاولت غادة أن تستوعب ما تعنيه، لكن الخوف نفسه جعلها لا تريد نطق الاحتمال.
غادة: خايفه يكون يعنى ....
تشبثت أمنية بوعد شريف القديم، وكأنها تحاول أن تقنع نفسها قبل أن تقنع صديقاتها بأنه لا يمكن أن يخون ذلك الوعد.
امنية: بس ياغادة بعد الشر .. شريف بيحبنى
وعمره م هيبص لغيرى
هو وعدنى ان بعدى مافيش حد.. وانه كان غبى لما كان بيصاحب زمان قبل م يلاقينى
نظرت غادة إلى الاثنين المرتبطين بها وبصديقاتها، وشعرت أنها لا تجد رجلًا كاملًا في تلك الدائرة؛ كل واحد يحمل شيئًا يجعلها تتساءل عن معنى الطمأنينة في الحب.
غادة: والله الواحد نفسه يشوف حد عدل فالاساتذة الى احنا مخطوبين لهم دول
ان كان شريف ولا ممدوح ولا وسام..
اعترضت مى فورًا، وكأن مجرد وضع وسام في المقارنة إهانة لا تسمح بها.
مى : لا يا موزة ! نونونو وسام طلعيه من الحسبه
ده سيدهم كلهم
مش زى الرجالة ال سنكايح بتوعكم
التقطت غادة الفرصة لتعاكسها، فقد كانت ترى بعينيها كيف تحول دفاع مى عن وسام إلى شيء يشبه الغيرة الفخورة.
غادة: لا واضح ان مش منة بس الى نحنونة.. دى الاخت مى كمان دخلت فالحسبة
(بتبص ناحية الباب)
لمحت الباب، ثم تنهدت وهي تتخيل منة وقد تستغرق في مهمتها الجديدة أكثر مما ينبغي.
هى البت منة هتبات عندهم
صبرنى يارب عالشله دى
وفجأة رن هاتف مى، فتبدلت ملامحها فورًا، كما يحدث دائمًا حين يكون المتصل هو الشخص الذي يملك مفتاح فرحتها.
مى : (فونها رن ) ويسووووووو
أطلقت تحية سريعة، ثم استعدت للانطلاق.
سولااااااام يابناويت
رفعت أمنية رأسها إليها باستغراب، فقد بدا أن شيئًا مهمًا حدث.
امنية: رايحة فين يابت
كانت الفرحة تسبق خطوات مى وهي تخبرهن عن الشقة الجديدة، وكأنها لا تزال تحمل في قلبها صورة البيت الذي رأته في أحلامها قبل أن تراه بعينيها.
مى: هنزل لويسو عشان هنشوف شقه جديدة ! ادعووووووووولى (نازله عالسلم)
دعت لها غادة وهي تبتسم، بينما كانت مى تنزل الدرج بقلب يسبقها إلى موعد جديد مع حلمها.
غادة: ربنا معاكى يا ختى
=============
وجدت مى وسام في انتظارها، فذاب تعب اليوم كله أمام ابتسامته. كان مجرد وجوده كافيًا لأن يعيد إلى قلبها ذلك الشعور الطفولي بالأمان، وكأنها لا تحتاج إلى أكثر من رؤيته حتى يصبح كل شيء بخير.
مى: حبيبى يا ويس وحشتنى بقى وكتا
استقبلها وسام بابتسامة واسعة، فقد كان ينتظر هذه اللحظة مثلها، وربما كان يحمل في داخله مفاجأة يعرف أنها ستجعلها أكثر سعادة.
وسام: وانتى كمان وحشتينى اكتر.. مستعدة؟
لم تكن تعرف بعد إلى أين يأخذها، فرفعت حاجبيها بفضول طفولي.
مى: مستعدة لايه ياحبى
ابتسم وسام، وكشف لها أخيرًا عن سبب فرحته.
وسام: نشوف شقتنا الى انتى عايزاها.. زى م بتحلمى بيها بالظبط
أضاء وجه مى بالكامل، وكأنها سمعت جملة انتظرتها منذ زمن. لم تمنحه فرصة لإكمال شيء آخر، وانطلقت معه بحماس طفلة عثرت أخيرًا على هديتها.
مى: شوقتنى ..يلا بينااااااا
انطلقت السيارة، وكانت الموسيقى والأغاني تحيط بهما كأن الطريق نفسه يحتفل ببداية جديدة. ظل وسام يقود، بينما كانت مى تراقب الطريق بقلب متحمس، حتى وصلا أخيرًا إلى المكان الذي سيحمل جزءًا من حلمهما.
طلع وسام بالعربية واغانى حب وبتاع .. لحد م وصلو لمكان الشقه ..
صعدا مع البواب والسمسار، وما إن دخلت مى حتى توقفت مذهولة. كانت الشقة أقرب إلى الصورة التي رسمتها في خيالها من أي مكان رأته من قبل.
طلعهم البواب والسمسار يتفرجو ..
مى: (مذهوله من جمالها من اول م دخلت) وااااااااااااااااااااااو يا ويسو
ابتسم وسام، فقد كان ينتظر هذه اللحظة تحديدًا؛ لحظة أن يرى الحلم في عينيها قبل أن تراه في الجدران.
وسام: انتى لسه شوفتى حاجة .. ادخلى جوه واتفرجى براحتك
راحت مى تتنقل بين الغرف كأنها طفلة اكتشفت عالمًا جديدًا، بينما كان وسام يتابعها ضاحكًا، سعيدًا لأن فرحتها أصبحت جزءًا من فرحته.
مى بتلف فيها وهى مبسوطة وبتجرى ووسام بيضحك عليها.
توقفت أمام إحدى المساحات، وقد ازدادت دهشتها كلما اكتشفت تفصيلة جديدة.
مى: يا نهار ابيض! ايه الجمال ده
لاقيتها ازاى دى يا وسومى ؟!
رفع وسام حاجبيه استنكارًا من الاسم الذي أطلقته عليه، ثم قرر ألا يفسد اللحظة بالتعليق طويلًا.
وسام: (عقد حواجبه استنكار) وسومك! مش مهم ماعلينا
سمسار موصيه بقالى فترة وقولتله بالظبط انتى عايزة ايه وجبهالى
تعلقت مى بيده وسحبته نحو المكان الذي تخيلت فيه أول تفاصيل حياتهما.
مى: دى متتسابش .. بص بص تعالى (بتشده من ايده)
هنا اودتنا .. عشان واسعه وفيها الباث رووم الخاص بيها
هز وسام رأسه موافقًا، وهو يراها تضع مستقبلًا كاملًا في كل غرفة.
وسام: اها
أخذت تتخيل الديكور والصور والتفاصيل، وكأن البيت أصبح ملكًا لها قبل أن يوقعا عقده.
مى: هى الشغل بتاع الدهانات تحفه .. بس انا كنت عايزة بوستر كبير ليا انا وانت بتحط هنا
ابتسم وسام، ولم يكن أمامه إلا أن يوافق على كل أحلامها التي بدأت تتكاثر أمامه.
وسام: (مبتسم) حاضر
سحبته إلى غرفة أخرى، وفي ذهنها كانت الغرفة تحمل اسمًا قبل أن تحمل أثاثًا.
مى: وتعالى كده (بتشده لاوضه تانيه)
وهنا اوضه كادى
رفع وسام حاجبيه بدهشة، فقد انتقلت من اختيار الشقة إلى اختيار أسماء أطفالهما قبل أن يبدأ الزواج أصلًا.
وسام: كادى مين؟
ضحكت مى، وأجابته بثقة امرأة رأت مستقبلها كاملًا في خيالها.
مى: كادى بنتنا ياحبيبى
ضحك وسام، لكنه لم يستطع مقاومة تلك الصورة الجميلة التي رسمتها له.
وسام: كادى !! لما تيجى ان شاء الله نشوف كادى واوشك كمان وافعال المقاربه دى
كانت مى قد قررت بالفعل كيف ستبدو الغرفة، وكيف ستغمرها الألوان الوردية والصور التي توثق كل مرحلة من حياتها القادمة.
مى: هنعملها بينكات ف بيستاج هتبقى تحفه
وبوستر بردو هنا ليا وانا حامل فيها
رد عليها وسام بمزاح، كأنه يحاول أن يعيدها من المستقبل إلى الحاضر.
وسام: طب ده انا هحطه ازاى قبل م تيجى الانسه كادى دى
لكنها لم ترَ في الأمر مشكلة؛ بالنسبة إليها، كل شيء له موعد، وكل حلم له صورة تنتظر أن تُلتقط.
مى: ولا يهمك .. لما نتجوز واحمل فيها صورنى واعملها...يلا يلا
ضحك وسام أمام إصرارها الذي لا يترك مساحة للمناقشة.
وسام : كل حاجة عندك ليها حل انتى مافيش مشكله
انتقلت مى إلى الغرفة التالية، وكأنها تحاول أن تضع لكل فرد في الأسرة مكانه منذ الآن.
مى: وهنا... الليفنج روم
وهنا اودة مكتب ليك عشان كادى وعاصم يلعبو بعيد عن بابى وهو بيشتغل او لو قاعد بيقرا حاجة يعنى عشان بابى عبقرينو زمانه
توقف وسام عند الاسم الثاني، فقد كان يتذكر حديث والده عن الاسم الذي يرغب فيه.
وسام: (باستغراب وبسمة ع وشه) عاصم؟
أجابته مى فورًا، فذاكرتها كانت تحتفظ بالتفاصيل الصغيرة التي يظن الآخرون أنها تُنسى.
مى: ايون، مش انت قلت ان عمو عايز يسمى عاصم
خلى بالك انا مش بنسي حاجة انا
اقترب منها وسام وهمس بمزاح، مستغلًا خلو المكان من أي أحد، لولا وجود البواب الذي كان حاضرًا في الجوار.
وسام (بهمس ) طب تعرفى لولا وجود البواب كنت عملت حاجة متهورة دلوقتى
شهقت مى ووضعَت يدها على فمها، ثم نظرت حولها بخجل مصطنع.
مى : (حطت ايدها ع بوقها قال مخضوضة ) طب امشى ياعمو البواب امشى
انفجر وسام بالضحك أمام جنونها اللطيف.
وسام: ههههههههه يامجنونة
لكن شيئًا من القلق عاد إلى قلب مى حين فكرت في السعر؛ فكل ما حولها بدا فاخرًا أكثر مما توقعت، والمكان نفسه يحمل قيمة كبيرة.
مى: بس دى شكلها غالى اوى .. والمنطقه كمان
والبرج الى مبنيه فيه
طمأنها وسام، فقد كان قد حسب الأمر جيدًا. بيع شقته سيمنحه القدرة على شراء هذه الشقة، وتأمين ما تحتاجه من أثاث دون أن يضعهما في ضيق.
وسام: الحمدلله ف مشترى لشقتى بسعر كويس جدآ هنجيب منها الشقه دى بأذن الله وكمان هنجيب كل الحجات والموبيليا المودرن الى انتى عايزاها
نظرت إليه مى بحب صادق، فقد لم تكن ترى في المال مجرد أرقام، بل رأت فيه حجم ما يفعله الرجل الذي اختارته ليكون شريك حياتها.
مى: كل ده عشانى يا وسام ؟ (بتتكلم بحب ورقه ع غير العادة)
كان جواب وسام خارجًا من مكان عميق في قلبه؛ هو لم يكن يرى نفسه ينفق من أجلها، بل كان يرى أنه يبني حياة الشخص الذي سيصبح عالمه كله.
وسام: ان مكنتش اسعد الى هتبقى كل دنيتى
حبيبتى .. ومراتى ومامت عاصم
اعترضت مى بدلال سريع، وكأنها لن تسمح له بأن ينسى ابنتها التي قررت اسمها بالفعل.
مى: وكادى (مدت شفتها الى تحت)
ابتسم وسام واستسلم، فقد أصبحت كادى جزءًا رسميًا من حديثهما قبل أن تأتي إلى الدنيا.
وسام: وكادى ياستى .. هسعد مين؟
انا ماليش فالدنيا غيرك انتى وبابا وماما
وربنا يقدرنى واعمل كل حاجة انتو عايزينها يا روح قلبى
أغمضت مى عينيها من شدة التأثر والحب، ثم عادت إلى خفة دمها قبل أن تفقد السيطرة على نفسها.
مى: يالهوووووووى (غمضت عيونها) طب اسكت عشان مش هعمل حساب لا لبوابين ولا نجاريين بعد كده
وهعمل انا حركة متهورة لوحدى
ضحك وسام، فقد كان يعرف أنها حين تزداد سعادتها تصبح أكثر جنونًا.
وسام: ههههههههه انتى هتقوليلى .. ها؟
تمام خلاص نكتب العقد
ولم تحتج مى إلى وقت لتفكر. بالنسبة إليها، كان الحلم قد اكتمل بمجرد أن قال إنه اختار المكان الذي يرضيها.
مى: دلوقتى حالا
===========
وهكذا اتخذ وسام قراره؛ الشقة أصبحت جزءًا من خطتهما، وبدأت معها الاستعدادات الحقيقية للزفاف. وبينما كان الحب يملأ تفاصيل أيامهما، اختارا أن يحتفلا في المكان الذي ارتبط في ذاكرته بذكريات جميلة، المطعم الذي يذهب إليه وسام كلما امتلأ قلبه بالفرح.
وسام خلاص... هياخد الشقه وهيبتدى بقى ف تحضيرها عشان الزفاف
وبالمناسبة دى بيروحو لمطعم اليوم الوسامى ، الى بيحب وسام يروحو لما يكون مبسوط ..
كان المساء هادئًا، والموسيقى تنساب من المكان برقة، بينما جلسا متقابلين وقد بدا على وجهيهما ذلك النوع من السعادة الذي لا يحتاج إلى كلمات كثيرة. كانت مى تطعمه بيدها، وهو يستقبل منها الطعام بابتسامة لا تفارقه.
وهما بيتعشو سوا ، وبتأكله مى فبوقه
والكمان بتعزف مع البيانو لحن هااااااايل.. لحن تانجو
الى بيحبه وسام!
وحين انطلقت النغمات التي يعرفها جيدًا، التفتت مى إليه، وكأن الموسيقى أعادت إليهما ذكرى قديمة لا تزال حية في قلب كل منهما.
مى: معزوفه الملوك
فاكر؟
رفع وسام عينيه إليها، وقد عرف اللحن من أول نغمة.
وسام: طبعآ
أخبرته أن الموسيقى لم تعد بالنسبة إليها مجرد أصوات؛ منذ ذلك اليوم، أصبحت لغة أخرى تتحدث بها مع نفسها، لغة تشبه ما كان يقوله لها عن روح الموسيقى ورقيها.
مى: من يومها وانا بخلى الميوزك الى من النوع دى تكلم روحى زى م انت بتقول كده ، بسمع منها كتيييير
ابتسم وسام، فقد أسعده أن شيئًا أحبه استطاع أن يجد مكانًا في قلبها هي أيضًا.
وسام: هى لغه راقيه جدآ ع فكرة
ضحكت مى وهي تستعيد حديثًا قديمًا، ثم نظرت إليه وكأنها لا تصدق أن الحياة قادتهما إلى هذا المكان من جديد، لكن هذه المرة وهما يحملان وعدًا حقيقيًا بالمستقبل.
مى: فاكر لما قولتلك انك برنس .. هههه
لو اعرف ان الدنيا هتلف واجى معاك فنفس المكان وانا وانت لسه حاجزين عشنا الصغير وبنحضر للزفاف
كان وسام ينظر إليها كمن يرى نعمة لم يكن يتوقع أن يحصل عليها. بعض الأشياء لا نفهم قيمتها إلا بعد أن نفقد طريقًا كاملًا ونكتشف أن الله كان يقودنا إلى طريق أفضل.
وسام: ده عشان ربنا بيحبنى يا مشمش، كتبلى تكونى معايا
تعلقت عينا مى به، وقالت كلماتها من قلب امرأة شعرت أن عوضها جاء في صورة إنسان.
مى: انا بحبك وبحب ربنا اوى عشان عوضنى بيك
(بتبص ناحية البيست)
تيجى نرقص؟
لم يتردد وسام. مد يده إليها، وكأن النغمة نفسها كانت دعوة إلى أن يتركَا كل شيء خلفهما ويرقصا فقط.
وسام: يلا
تشابكت أيديهما، وبدأت خطواتهما تتحرك مع الموسيقى. لم يكن الرقص بالنسبة إليهما مجرد حركة على إيقاع؛ كان استعادة لوعد، واحتفالًا بطريق طويل أوصلهما أخيرًا إلى بعضهما.
وسام ومى مسكو ايدين بعض وبدآو يرقصو وعيونهم بتقول كلام فرحة جواهم
الابتسامة مش غايبه عن وشوشهم خااالص.. مى اتعلمت وبقت هايله فالرقصه دى
ووسام فرحان بيها وكان مبسوط اوى معاها وهما بيعيدو ذكرى يوم حلو عاشوه سوا..
انتهى المساء وعاد كل منهما إلى بيته، وقد تركا خلفهما ليلة ستظل في ذاكرتهما؛ ليلة لم يكن فيها شيء سوى الحب والطمأنينة والحلم.
وبعد العشا رجع كل حد فيهم شقته بعد م وسام اتطمن ع مى ودخلت تنام ..
وتانى يوم
كان صباح اليوم التالي مختلفًا في داخله رغم اعتياد المكان على تفاصيل العمل. جلس وسام مع شريف في وقت الاستراحة، لكن غياب شيرين جعل الحديث بينهما أكثر هدوءًا، وأعطى وسام مساحة ليحكي عن سعادته دون أن يعرف أن صديقه يحمل في صدره شيئًا أثقل بكثير.
كان وسام يتحدث بحماس رجل يشعر للمرة الأولى أن الله عوّضه عن طريق لم يكن من نصيبه، وأن كل ما ظنه يومًا خسارة ربما كان مجرد تأخير للخير.
وسام: عارف بجد حاسس ان ربنا كان شايل حاجة ليا حلوة لما مش اتجوزت دنيا وخطبت مى عشان تكون مراتى
ظل شريف يأكل، لكن عقله لم يكن مع الطعام. كانت كلماته تصل إليه كأنها تأتي من مكان بعيد.
شريف : (بياكل وسرحان شويه) ممممم
واصل وسام حديثه، ولم يكن يريد أن ينتقص من الماضي، لكنه كان يتحدث عن إحساس حقيقي يملأه الآن؛ ذلك الشعور الذي يجعلك تعرف أنك في المكان الصحيح.
وسام: الفرحة الى ببقى فيها مع مى، مستحيل اكون حستها مع دنيا فيوم
انا مبحبش المقارنات
بس فعلا ربنا بيعملنا الخير دايمآ واحنا المستعجلين
لكن شريف لم يضحك. لم يعلّق بطريقته المعتادة، ولم يطلق نكتة واحدة. كان صامتًا بصورة أثارت انتباه وسام.
شريف: (ساكت مش بيهزر زى عادته)
أخذ وسام يستعيد تفاصيل الأيام الماضية؛ الشبكة، الشقة، الأثاث، الاستعداد للزفاف. كل شيء كان يمنحه شعورًا بالتحليق، وكأن حياته أخيرًا تسير في الاتجاه الذي تمناه.
وسام: من وانا بجيب الشبكة للشقه.. للمشاوير الى هتبتدى بتاعت العفش وخلافه
كل دى حجات مخليانى طاير فالسما ..
هز شريف رأسه موافقًا، لكن الصمت ظلّ يضغط على ملامحه. كان يخفي قرارًا بدا أنه استقر داخله منذ وقت، قرارًا لن يكون من السهل على وسام أن يسمعه.
شريف : (بيهز راسه) اكيد
توقف وسام عن الكلام، ونظر إليه طويلًا. كان يعرف شريف جيدًا، ولذلك أدرك أن هناك شيئًا غير طبيعي. لم يكن هذا صمت رجل شارد فحسب؛ كان صمت شخص يحمل خبرًا يخشى أن ينطق به.
وسام: مالك ياشريف؟ انت مش معايا خالص ع فكرة
ايه مالك لا اسكت الله لك حسآ؟
رفع شريف عينيه إليه أخيرًا. وفي نظرته كان شيء جعل وسام يشعر بأن كل ما قاله عن سعادته منذ لحظات أصبح فجأة بعيدًا جدًا.
شريف : (بصله وركز جامد وقال )
انا مش هكمل يا وسام !..