رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل الثامن عشر 18 بقلم نور إسماعيل


رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل الثامن عشر 18 بقلم نور إسماعيل


رضوى: ابلة امنية انتى بتعيطى ؟

امنية: لا خااالص (بتمسح دموعها) انا تمام اوى .. يمكن دى اكتر مرة كنت مبسوطة فيها (بتضحك والدموع فعنيها)
والله العظيم انا كويسة خالص

كان إنكارها أضعف من أن يخفي شيئًا؛ فقد كانت دموعها تفضح ما عجز لسانها عن الاعتراف به، وكانت ابتسامتها المرتجفة أشبه بمحاولة يائسة لإقناع الجميع بأنها بخير، بينما كان قلبها في مكان آخر، غارقًا في صدمة لم يستطع أن يستوعبها بعد. كانت تقول إنها سعيدة، لكن عينيها كانتا تقولان شيئًا مختلفًا تمامًا؛ شيئًا موجعًا، ثقيلًا، لا تستطيع الكلمات أن تحمله.

وسام: (وهو متضايق) طب يلا بينا .. اركبو

حاول وسام أن ينهي الموقف سريعًا، فقد كان يرى أمامه إنسانة محطمة تحاول التماسك أمام الناس، ولم يكن يعرف كيف يخفف عنها هذا الألم الذي بدا أكبر من أي مواساة. لم يكن غاضبًا منها بقدر ما كان غاضبًا من الموقف كله، ومن صديقه الذي أوصلها إلى هذه الحالة، ومن العجز الذي جعله يقف أمام دموعها ولا يملك لها إلا كلمة أو يدًا تمتد لتسندها.

امنية: انتى هتروحنى يا وسام ؟

وسام: اه هوصلكم الاول .. ليه ؟ عايزة تروحى حتة

امنية: لا ده سؤال عادى .. يلا بينا

تحركت أمنية معهم، لكنها لم تكن تتحرك بإرادتها كاملة؛ كانت خطواتها مثقلة بما حدث، وكأن كل خطوة تبعدها عن المكان لا تقرّبها من النجاة، بل تدفعها أعمق في ذلك الفراغ الذي خلّفه شريف داخلها. كانت تحاول أن تبدو طبيعية، إلا أن انكسارها كان ظاهرًا في ملامحها مهما حاولت إخفاءه.

ومع الطريق، ظل الصمت يرافقهم كضيف ثقيل، حتى بدا أن كل واحد منهم يخشى أن يقول كلمة قد تفتح عليها أبوابًا جديدة من البكاء.

امنية: ممكن تستنى هنا يا وسام

وسام: عايزة تقعدى عالكورنيش؟

امنية: مخنوقه ومش عايزة اروح البيت كده

وسام: حاضر

لم يحتج وسام إلى مزيد من الأسئلة؛ كان يعرف أن العودة إلى البيت في تلك اللحظة تعني أن تواجه أمنية نظرات أهلها وأسئلتهم، وأن تحاول تفسير ما حدث وهي نفسها لا تزال عاجزة عن فهمه. لذلك وافق دون تردد، وأوقف السيارة حيث طلبت، وكأنه يمنحها بضع دقائق إضافية قبل أن تضطر إلى العودة إلى عالمها الحقيقي.

جلسوا على الكورنيش، وكان الليل من حولهم هادئًا على نحو مؤلم؛ ذلك الهدوء الذي يجعل الإنسان يسمع ما يدور داخله بوضوح أكبر. وبينما كان الجميع يحاول استعادة أنفاسه، فتحت أمنية حقيبتها، وأخرجت صورتها القديمة لشريف، تلك الصورة التي احتفظت بها رغم كل شيء، كأنها تحتفظ بقطعة صغيرة من حياة كانت تظن أنها ستظل لها.

ظلت تحدق في الصورة طويلًا، وكأنها تبحث في ملامحه عن إجابة واحدة: كيف استطاع الرجل الذي أحبته أن يصبح غريبًا عنها إلى هذا الحد؟

لكن الريح كانت أسرع من يدها، فانتزعت الصورة من بين أصابعها، وحملتها بعيدًا ناحية الطريق، حيث اندفعت السيارات بلا اكتراث.

نهضت أمنية مسرعة خلفها، وكأنها لم ترَ أمامها سوى الصورة، ولم تسمع سوى صوت الريح، ولم يعد في العالم كله شيء يعنيها سواها.

وسام: خلاص سيبيها هتجيبها ازى .. يلا بينا ياجماعه

امنية : (معيطة ) لا هجيبها ياوسام

وسام: (يابنتى مينفعش

امنية: معلش سابونى براحتى .. هاروح اجيبها قبل م تبعد اكتر من كده

اندفعت أمنية نحو الطريق، غير أن الصورة لم تكن هي الشيء الذي تسعى إليه حقًا؛ فقد كانت الصورة مجرد ذريعة تختبئ خلفها رغبة أكثر ظلمة، وأكثر ألمًا، وأكثر خطورة. كانت تريد أن تضع حدًا لهذا الوجع بأي ثمن، وأن تنام مرة واحدة دون أن تستيقظ على الحقيقة نفسها، دون أن تتذكر أنها خُذلت، ودون أن ترى في المرآة وجه امرأة لم تعد تعرف كيف تعيش.

كانت عيناها معلقتين بالصورة، لكن قلبها كان معلقًا بشيء آخر تمامًا.

ذهبت أمنية نحو الطريق، متظاهرة بأنها تحاول اللحاق بالصورة، بينما كانت في الحقيقة تنتظر سيارة واحدة فقط؛ سيارة تأتي مسرعة بما يكفي لتُنهي كل شيء.

كانت تقف في مكان بالغ الخطورة، لا تبحث عن صورة بقدر ما تبحث عن نهاية. وفي تلك اللحظة المظلمة، بدا الموت في عينيها أسهل من مواجهة صباح جديد بالحقيقة نفسها.

لكن وسام لمحها من بعيد، وفهم في اللحظة الأخيرة ما الذي تنوي فعله. انطلق نحوها مسرعًا، ولحقت به مى، وقد تجمد الدم في عروقهما من هول ما رأيا.

وسام: انتى ايه بتعمليه ده ؟ اتفضلى يلا بينا اروحك

امنية: (منهارة) سيبونى اموووووت انا عايزة امووووت

انهارت أمنية تمامًا، وسقطت عنها آخر طبقات التماسك التي كانت تحاول ارتداءها منذ خروجها من المطعم. لم تعد قادرة على التظاهر بالقوة، ولا على إخفاء وجعها، ولا على إقناع نفسها بأن الأمر سيمر كما تمر الأشياء الأخرى. كانت تصرخ من شدة الألم، لا من أجل شريف وحده، بل من أجل نفسها التي شعرت أنها فقدت قيمتها حين فقدت الرجل الذي علقت عليه أحلامها.

مى: (بصوت عالى ) تعالى هنا .. مين ده الى تموتى عشانه . ده حتة شوز ولا يسوى البسه فرجلى اسبوعين!
والله انتى الكسبانه مليون مرة كمان
كده احسن. ان شاء الله بكرة ربنا يكرمك بواحد يعرف قيمتك ويحبك وميخونكيش خالص

حاولت مى أن تنقذها بطريقتها الخاصة؛ بالكلمات الحادة التي تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا عليها، وبالسخرية التي أرادت بها أن تنتزعها من قاع اليأس الذي سقطت فيه. كانت تعرف أن أمنية الآن لا تحتاج إلى محاضرة، وإنما تحتاج إلى يد تمسك بها بقوة وتذكرها بأنها ما زالت تملك حياة كاملة لم تبدأ بعد.

امنية: انا مش عايزة اتنيل تانى !! كفاية مرة

وسام: خلاص ياامنية يلا بينا لان تقريبآ الناس بتتفرج علينا

عادوا بها إلى السيارة، وكانت أمنية قد فقدت القدرة على مقاومة بكائها. جلست في مقعدها منهارة، تبكي بحرقة لا تشبه بكاء الغاضبين، بل بكاء من أدرك فجأة أن شيئًا كان يظنه أبديًا انتهى إلى الأبد.

كانت تتمنى لو أن ما حدث كله لم يكن سوى كابوس عابر؛ أن تغمض عينيها، ثم تفتحهما فتجد شريف كما كان، وتجد خاتمها في يدها، وتجد أحلامها في مكانها، ولا تجد تلك المرأة جالسة أمامه.

لكن يا للأسف...

لم يكن كابوسًا.

كانت تلك الحقيقة بكل قسوتها.

عادت مى مع أمنية إلى المنزل، ولم تسمح لها بأن تصعد وحدها أو تواجه أحدًا وهي في تلك الحالة. صعدت معها بنفسها، وأدخلتها غرفتها، ثم جلست إلى جوارها دون أن تثقل عليها بكلمة واحدة. أحيانًا يكون الصمت أبلغ من كل العبارات، ويكون وجود شخص إلى جوارك كافيًا ليخبرك أنك لست وحدك في أسوأ لحظاتك.

كانت رضوى في الخارج تحكي لوالدتها تفاصيل ما حدث، بينما بقيت مى إلى جوار أمنية، تمسح دموعها بيديها، وتهدهدها كأنها طفلة صغيرة أنهكها البكاء.

ثم التفتت إلى صور شريف المعلقة في الغرفة؛ تلك الصور التي كانت بالأمس جزءًا من أحلام أمنية، وأصبحت الآن كالسكاكين المغروسة في قلبها. نزعتها واحدة تلو الأخرى، وجمعتها معها، ثم خففت إضاءة الغرفة وأغلقت الباب، وكأنها تحاول أن تغلق معها كل ما يؤلمها.

قبل أن تغادر، أوصت أهلها ألا يتحدث أحد معها في تلك الليلة عن أي شيء، وأن يتركوها تهدأ بعيدًا عن الأسئلة والشفقة والكلمات التي قد تزيد جرحها اتساعًا.

ثم نزلت إلى وسام الذي كان ينتظرها في الأسفل.

كان الحزن ظاهرًا على وجهه، وكان يحمل في داخله صراعًا مريرًا؛ فالرجل الذي تسبب في كل هذا هو صديق عمره، لكن الفتاة التي دُمرت أمام عينيه كانت أيضًا إنسانة لا ذنب لها سوى أنها أحبت بصدق.

وكان الظلم، في تلك اللحظة، أوضح من أن يُجادَل فيه.

========•••======

وفي اليوم التالي مباشرة، قررت مى ألا تترك أمنية وحيدة أمام حزنها. أخذتها إلى شقتها، وحاولت أن تصنع حولها مساحة آمنة تستطيع فيها أن تلتقط أنفاسها بعيدًا عن كل ما يذكّرها بما حدث.

جلست معها اليوم الأول كاملًا، ثم بدأت تنزل إلى عملها في الأيام التالية، وتتركها في الشقة بعد أن تطمئن عليها. لكن أمنية لم تكن تعيش أيامها بقدر ما كانت تهرب منها؛ كانت تنام ساعات طويلة متواصلة، لا رغبة لها في الاستيقاظ، ولا رغبة في رؤية شيء، ولا قدرة لديها على مواجهة صباح جديد.

كانت تنام كي يمر اليوم.

وحين يأتي اليوم التالي، تنام من جديد.

وكأن النوم أصبح ملجأها الوحيد من حقيقة لا تستطيع احتمالها وهي مستيقظة.

وفي المكتب، كان الحزن على أمنية قد صار حاضرًا في حديث الجميع، حتى أولئك الذين لم يكونوا قريبين منها بما يكفي ليروا حجم ما انكسر داخلها.

غادة: والله صعبانه عليا اوى مونى ، مين يصدق ان كل ده يحصل

مى: ( بتشتغل ) هى كان قلبها حاسس من الاول

منة: اساسآ شريف والى زيه مالهمش امان (بتلقح ع مى ووسام )

مى: فعلا .. ربنا يهد كل حد زيه .. ويهده
ويهد الى بيفكر يخرب مابين 2 بيحبو بعض

غادة: اللهم امين .. يوقع كده تنقطم رقبته

دخل سامح وممدوح إلى المكتب في تلك اللحظة، فقطعا الحديث الذي كان يدور بين الفتيات، ولم يكونا يعلمان أن حديثهما سيأخذ منحى آخر تمامًا.

سامح: ياساتر يارب ، ده مين الى بتدعو عليه عالصبح ده

غادة: اهو واحد وخلاص.. جبت السى ديهات ؟

ممدوح: جبناها اهيه (بيديهالها)

منة: قلبى معاكى يا مونى  اد ايه حاجة صعبة عالواحدة
انها تنخدع فحد بتحبه .. ولا ايه رائيك ياسامح؟

سامح: (بيحط ورق جوه فولدر ) اه طبعآ، يلا ربنا يكرمها بالاحسن منه

منة: ع فكرة انت جدع ياسامح لانك مش ارتبطت لحد دلوقتى ، الارتباط وجع دماغ بصراحة

سامح: ليه بتقولى كده يامنه ؟ (سرح فالجملة الجايه) ده الارتباط احلى حاجة فالدنيا
بيبقى ف حد تطمنى عليه ويطمن عليكى
حد واخد باله من نفسه عشان فحياة التانى

رفع سامح عينيه عن الأوراق، وبدا للحظة وكأنه لا يتحدث عن الحب من باب الحديث العابر، بل عن شيء يعرفه جيدًا، شيء ربما عاشه أو ما زال ينتظره. خرجت كلماته هادئة، لكنها حملت من الصدق ما جعل الجميع ينتبه إليها.

غادة: الله الله ده الاستاذ سامح بقى شاعر وبيقول كلام يوزن دهب اهو

مى: شكله بيحب (بتغمز لغادة)

منة: ايه ده ؟! الكلام ده صحيح

سامح: هو كل من قال كلمتين كويسين عن الحب .. يبقى بيحب
مش يمكن حب ولا طالش

ممدوح: مثلا

سامح: وبعدين انا معنديش وقت احب.. انا بفكر اسافر ع فكرة

منة: رايح فين  مش كفاية غياب امنية .. انت كمان هتغيب

سامح: لا مش اغيب .. امشى خالص
اسافر برة مصر

مى: ممممم واضح ان الاخ سامح عمل خميرة حلوة من المكتب ورايح يستثمر فلوسه فسويسرا

ممدوح: ضاحكًا حلوة دى

سامح: والله ي اخت مى منكرش انى عايز ابتدى بداية عمليه فبلد جديدة
وحاجة تانيه بستئنف فيها حياتى

غادة: سيبنا الحب وقلبناها محاكم وقضايا واستئناف

منة: طب والناس الى هنا .. الى بيحبوك (بسهوكة)

سامح: انا بفكر.. مش اخدت قرار خلاص يعنى

مى: ياسيدى عالعموم كل حد عايز يعمل حاجة يعملها وميقلبش دماغنا احنا مش ناقصين

خرج سامح وممدوح من الغرفة، وعاد الهدوء إلى المكان، لكن همسات الفتيات لم تنتهِ.

غادة : اقطع دراعى ان مكان سامح بيحب

مى: ممم وانا شاكة فكده برضو يابت يا ضوضو

غادة: ههع هع عيب يا ميمو

منة: ياسلاام! طب اكيد يعنى
بيحبنى انا طبعآ

تبادلت مى وغادة نظرة قصيرة، ثم نظرتا إلى منة بنظرة تحمل من السخرية ما يغني عن أي تعليق؛ فقد كانت منة تتحدث بثقة وكأنها حسمت الأمر وحدها، بينما الحقيقة لا تزال بعيدة تمامًا عن يقينها.

غادة: اه اه .. يلا نشتغل يا جماعة واحنا عاملين زى موظفين الحكومة كده
شوية واجيب بامية اقمعها

مى: اوك يا طنط بامية..اشتغلوااا

غادة: اوكشات

========•••=======

وفي الجهة الأخرى من البيت، كان جسد عاصم قد بدأ يدفع ثمن العلاج بقسوة؛ فالكيماوي والأدوية أنهكا قوته شيئًا فشيئًا، وبدأ شعره يتساقط، وبدت علامات المرض أكثر وضوحًا على جسده الذي كان يزداد ضعفًا يومًا بعد يوم.

كانت زوجته تجلس إلى جواره، تؤدي واجبها معه بحب لا يعرف التعب، وتعطيه دواءه كما تفعل كل مرة، محاولة أن تخفي خوفها خلف صوت هادئ ودعوات لا تنقطع.

الام: بالشفا يارب
الاب: تسلمى ياام وسام .. تعبتكم معايا

الام: احنا كلنا هنا لراحتك انت ياعاصم .. اهم حاجة ربنا يكمل شفاك ع خير

الاب: هى ليلى فين ؟

الام: راحت الجامعه بتاعتها .. مش عارفه تستعين بحد من دكاترتها فحاجة مش فهماها فالرسالة بتاعتها

الاب: اه

الام: زمانها جايه .. عايز منها حاجة؟

الاب: لا بتطمن عليها ... نفسي اطمن عليها هى كمان قبل ...

الام: بعد الشر عليك ، ان شاء الله ربنا هيطول فعمرك وتجوز وسام وتجوزها
وتفرح بولادهم ياعاصم

الاب: يارب .. هو وسام المعاد الى قايل عليه لابو مى بتاع زفافهم امتى ؟

الام: فاضل شهر ونص ع فرحهم .. ليه ياخويا

الاب: بتطمن عليه ، مبلحقش اشوفه اليومين دول
ولا اتكلم معاه

الام: بيجهز ياخويا فشقته عقبال شقة ليلى ان شاء الله
بييجى كل يوم مهلوك
ويدخل ينام

الاب: كان الله فعونه .. الواد ده شقى كتير فحياته

الام: اه والله ربنا يسعده .. صعبان عليا
كل م يفرح يطلعله فالخرابة عفريت

كان الحديث يجري بينهما في هدوء، لكن خلف الكلمات كان هناك خوف خفي لا يريد أي منهما الاعتراف به. كانت الأم تتشبث بالأمل كما يتشبث الغريق بخشبة في بحر عاتٍ، بينما كان الأب يتحدث عن أبنائه وكأنه يريد أن يطمئن عليهم جميعًا قبل أن يطمئن إلى نفسه.

وفي تلك اللحظة، ارتفع أذان العصر، فبدّل نبرة الحديث، وكأن النداء جاء في موعده ليمنح القلب فرصة أخرى للسكينة.

الاب: (اذان العصر بيدن) ساعدينى اروح الحمام اتوضا للصلاة

الام: حاضر

نهضت الأم لتساعده، ولم تكن تدري أن قلبها كان يسبقها إلى شيء لا تعرفه. ساعدته على الوضوء، ثم عادت إليه وأعطته سجادة الصلاة.

وما إن همّت بالجلوس حتى وضعت يدها على قلبها فجأة، وقد شعرت بانقباض غامض لم تعرف له سببًا.

الام: (مسكت قلبها مرة واحدة) اللهم اجعله خير يارب

الاب: مالك

الام: قلبى انقبض مرة واحدة كده مش عارفه

الاب: جيب العواقب سليمة يارب

ظل الدعاء معلقًا في أرجاء الغرفة، بينما بقي ذلك الشعور الغريب في قلبها، كأن شيئًا ما يقترب ولا تملك له اسمًا.

========•••========

ومرت الأيام ثقيلة، حتى جاء وقت لم يتخيل أحد أن يأتي يومًا؛ فقد وقعت أول قطيعة حقيقية بين شريف ووسام منذ أن جمعتهما الصداقة.

كانا قد اعتادا أن يكون كل واحد منهما أول من يسأل عن الآخر، وأول من يشاركه تفاصيل يومه، وأقرب من يلجأ إليه في الأزمات. لكن هذه المرة، كان الجرح أعمق من أن يسمح للصداقة بأن تتدخل سريعًا.

مر وقت طويل وهما لا يتبادلان السؤال، ولا الحديث، حتى في العمل؛ وكأن المسافة التي صنعتها الأزمة أصبحت أكبر من أن يعبرها أحدهما بسهولة.

وفي يوم استثنائي، كان وسام عائدًا من دورة المياه، حين أوقفته شيرين في الطريق.

شرين: ايه يا وسام ؟ مالك
مش بتكلمنى لا انا ولا شريف ولا بتصبح.. هو حصل حاجة منى دايقتك

وسام: (بيحاول يقفل عشان يمشى ) مافيش عن اذنك

شيرين: كل ده عشان هرتبط بشريف يا وسام ؟ هو حرام عليا يعنى

وسام : (رجع لها) وهو ده ينفع يعنى ؟ اذا كنتى انتى مقبلتيش جوزك يتجوز حد تانى او يعرف حد غيرك ورفعتى قضيه وسيبتيه
اومال هى الى كانت بتحب خطيبها وبترسم خطة لجوازهم وتيجى انتى ...

شرين: (قطعته) يعنى انا كنت ضربته ع ايده لما جه وقالى انه بيحبنى وانه عايز يرتبط بيا انا

وسام: حتى لو قال .. انتى مش ممكن توافقيه
يابنت الناس متبنيش سعادتك ع تعاسه غيرك
عمرك م هتكونى مبسوطة كده

انا هسألك سؤال وتجاوبينى وبعدها انا مش عايز منكم اى حاجة

شيرين: اتفضل

وسام: انتى بتحبى شريف ؟

شرين: (ارتبكت) مع الوقت ...

وسام: مع الوقت ايه ؟ ها
يعنى مش بتحبيه وخدتيه من خطيبته..

شرين: انا ماخدتش حد من حد .. ويعنى كنت عملت ايه لما الى بحبه منطقش
خلاص شريف ينفع !!

اشتدت حدة النقاش شيئًا فشيئًا، وبدأت الأصوات ترتفع في الممر، حتى لم يعد الحديث مجرد مواجهة عابرة بين شخصين، بل تحول إلى اعترافات وأسرار لم يكن أحد يتوقع أن تخرج في ذلك المكان.

وفي تلك اللحظة كان شريف قد صعد من الطابق السفلي، فتوقف على الدرج حين سمع صوتيهما. لم يتدخل، بل بقي بعيدًا، يصغي إلى الحديث دون أن يراه أحد.

وكانت الجملة الأخيرة كفيلة بأن تشعل في داخله ألف سؤال.

لم يكن غبيًا، وكان يعرف أن في كلام شيرين شيئًا لم تخبره به.

وسام: متغيريش الموضوع

شرين: لا هو ده الموضوع ، قعدت احب فشخص 4 سنين وفجأة مشى من حياتى واتجوزت غيره بالغصب والضرب

تجمد شريف في مكانه عند سماعه تلك الكلمات.

اتسعت عيناه، وكأن عقله احتاج إلى لحظات ليستوعب ما سمعه.

«اتجوزت؟!»

كان السؤال وحده كافيًا ليقلب كل شيء في داخله.

شرين: ولما حاولت ارجعله ملاقتوش.. بس لاقيتك انت يا وسام
انت الى لو جبت اى حد هيقولى حتة وانقسمت نصين من حبيبى ده
الشكل... الشخصية
حتى صوتك
حتى ارتباكك لما اقولك حاجة
كل حاجة فيك هو ... تعرف انى عارفه انه مالوش تؤام كنت صدقت انك اخوه

وسام: انتى مجنونة ! انتى لازم تتعالجى
الى بتقوليه ده هبل

شيرين: هبل عشان بحبك !

لم يكن وسام مستعدًا لهذه الجملة، ولم تكن شيرين نفسها قد عادت قادرة على إخفاء ما بداخلها. خرج اعترافها صريحًا، عاريًا من أي محاولة للتجميل، كأنها وصلت إلى اللحظة التي لم يعد فيها لديها ما تخسره.

وسام: وشريف الى خلتيه يفسخ خطوبته واتسببتى فانهيار عصبى لخطيبته
وحالة عامة من النكد ده يبقى ايه

شيرين: اهو اى حاجة اعيش بيها حياتى وابتديها مع شاب فسنى بدل العجوز المكحكح الى خلى حياتى جحيم
وبيحبنى

وسام: كل مرة يعنى هترتبطى فيها ، لازم يكون فيها مصلحة
مينفعش نمشى الحياة ساهلة زى ماهى كده

ومن فوق الدرج، لم يتمالك شريف نفسه، فتمتم بصوت خافت وهو يستوعب الإهانة الجديدة التي تلقاها.

شريف: (بصوت واطى) عجوز مكحكح.. كل مرة ترتبطى ؟!
ده انا طشط بقى ؟

كانت شيرين قد بدأت تبكي، لكن بكاءها لم يوقف اعترافاتها، بل جعلها أكثر اندفاعًا في كشف كل ما ظل حبيسًا داخلها.

شيرين: (هتبدى تعيط) ارجوك يا وسام سيبنى فحالى فعيشتى الى انا حباها تكون كده
وان كان ع صاحبك فهو مبيحبش خطيبته لانه من اول م شافنى وهو هيموت عليا
اوعى تكون فاكر انى مش فاهمة !
الست بتحس بالراجل الى بيحبها بجد
بس الى مش فاهماه بجد... اعمل اكتر من كده ايه عشان تحبنى انا يا وسام

مى فيها زيادة عنى

وسام: لولا ياشيخة ان ربنا نزل فكتابه الكريةم " ليس عالمريض حرج" كنت رزعتك قلم فوقتك من جنانك ده
وشطانك الى مسلسل عقلك ودماغك للدرجة دى

شرين: انا مش زعلانه اضربنى !! اضربنى بس خليك معايا
انا بحبك اكتر من مى والله

وسام: اييييييييييه انتى مبيد حشرى .. كل علاقه عاوزة تفشكليها
لمجرد قصتين فحياتك فشلو .. مى مراتى يستحيل اشوف غيرها مهما حصل
وانا الاول كنت مش مرتاح لك ولما عرفت قصتك صعبتى عليا
لكن اتضح لى دلوقتى انك افعى كل الى يقرب منك عايزة تسميه

شيرين: وسام! انا مش هعمل حساب لمكان شغل ولا ناس وهقولك
تقبل عرضى ف انى ابقى مراتك
ولو يوم واحد؟!... ارجوك

وسام: والله بجد انتى فعلا مجنونة ، والواحد يشفق عليكى
وع المتخلف الى مصدقك وهيتنيل ويتوحل ويتجوزك

شيرين: بقولك ايه ؟! ملكش دعوة بشريف
اوعى تقوله حاجة

وفي اللحظة التي ظنت فيها شيرين أن وسام سيبقى وحده أمام اعترافاتها، ظهر شريف من بعيد بهدوء شديد، لكن الهدوء الذي سبق ظهوره لم يكن إلا مقدمة لعاصفة جديدة.

تقدم بخطوات ثابتة، ثم ألقى كلمته التي جعلت الاثنين يلتفتان إليه في ذهول.

شريف: الجردل جه!!

تجمدت شيرين ووسام في مكانهما، بينما وقف شريف أمامهما وقد اجتمعت على وجهه علامات الصدمة والسخرية والمرارة في آن واحد.

شريف: يعنى انتى طلعتى متجوزة .. ومكحكح ومش عارف ايه
والى زاد وغطى بتحبى صاحبى عشان شبه حبيبك
وطلعتى مجنونة ومناخوليا

شيرين: بقولك ايه انت كمان .. انت مش حاجة فحياتى عشان تقاضينى

شريف: لا ازاى ؟ انا جردل
انا مغفل
ازاى مش حاجة فحياتك
هيهيهيهي ، انا ضحكت ع نص بنات مصر
تيجى واحدة زيك تضحك عليا

شيرين: انا مضحكتش عليك يا شريف ، انا الى مسمعتش ظروفى وكنت بترشقلى فكل مكان اروحه

شريف: بقى انا بحبك وانتى بتحبيه وهو بيحب واحدة تانيه وشغالين دوخينى بالمونة ورا بعض

وسام: احنا زودناها والزملاء بيتفرجو علينا .. خلاص قفلو عالموضوع وبعدين نتكلم

شريف: لا استنى يا ساحبى ! انت دورك جاى

وسام: بقولك ايه ياشريف .. انا مش ناقص جنانك وحياة ابوك

لم يعد المكان يحتمل المزيد من الأصوات، فقد بدأ بعض الموظفين يلتفتون إليهم، وأصبح الموقف على وشك التحول إلى فضيحة داخل العمل.

لكن شريف، الذي كانت الصدمة قد قلبت مزاجه رأسًا على عقب، لم يتراجع.

أمسك بيد شيرين وأدخلها إلى الداخل، وكأنه قرر أن يجعل الجميع يعرفون القصة كاملة، أو على الأقل الجزء الذي يراه هو مضحكًا من شدة مرارته.

شريف: تعالى يا انسة شيرين كده

دخل بها إلى مكان العمل، ثم رفع صوته أمام الموظفين، فالتفتت الوجوه واحدًا تلو الآخر.

كان الجميع يتساءل عما يحدث، بينما وقف وسام في الخلف وقد أدرك أن الأمور خرجت تمامًا عن السيطرة.

شريف: يا اساتذة يا زملاء يا موظفين .. خدو بالكم معايا لو سمحتم

الموظفين انتبهو !!

شريف: معلش يعنى .. كنت عايز اقولكم حاجة عن الانسة شيرين

وفي تلك اللحظة، ظهر السوبر فايزر من بعيد، وقد بدا عليه الاستغراب من المشهد غير المعتاد.

سوبر فايزر: سكران ياشريف ولا ايه ؟ اتفضل معايا

شريف: لا والله مش سكران .. كنت عايز انعنش جو الشغل وافرفش الزملاء
واقدم فقرة عن الاستاذة شيرين كعب الغزال ضاحكًا

سوبر فايزر: كده!! طب تعالى معايا انت متحول للتحقيق

شريف: اصل انت مش فاهم حضرتك ..ضاحكًا اصل انا ووسام كنا بنتخانق ع شيرين وكده
مين بيحبها اكتر

بدأ الموظفون يتهامسون فيما بينهم، فقد تحولت أجواء العمل إلى مشهد لا يشبه مكانًا يفترض أن تسوده المهنية والانضباط.

وسام: ايه ياشريف السخافه الى انت بتقولها ده ، انت اكيد لسعت ولا جرالك حاجة

شيرين: انت متخلف ع فكرة ..(مشيت بسرعه وخدت شنطتها وطلعت وسابت الشغل)

غادرت شيرين المكان سريعًا، تحمل حقيبتها وتجر خلفها خليطًا ثقيلًا من الإهانة والارتباك والدموع. لم تلتفت إلى أحد، ولم تنتظر إذنًا، وكأنها لم تعد قادرة على مواجهة نظرة واحدة إضافية من أي شخص.

وفي اللحظة نفسها، وصل المدير، وقد بدا عليه الغضب الشديد مما يحدث.

الديركتور: ايه ده ايه ده ! ايه الى بيحصل هنا ده

السوبر فايزر : استاذ وسام واستاذ شريف ! اتفضلو انتو الاتنين متحولين للتحقيق

وسام: حضرتك انا بجد ماليش اى طرف فالموضوع ده

السوبر فايزر: خلاص يا وسام اتفضل قول فالتحقيق الكلام ده

الديركتور: ايه .. قلبناها من شركة لخاطبه ولا ايه
2 من الموظفين يتخانقو ع زميلتهم هنا؟
فالشغل
دى بقت سويقه مش شركة محترمة

اتفضل يا استاذ يا محترم منك ليه ..

اقتاد السوبر فايزر وسام وشريف إلى مكتب المدير للتحقيق في تصرفاتهما، بينما كانت شيرين قد غادرت العمل دون استئذان، تاركة خلفها حالة من الارتباك والهمسات والأسئلة.

وفي دقائق قليلة، تحولت قصة عاطفية بدأت في الخفاء إلى أزمة داخل مكان العمل، وأصبح مستقبل الثلاثة معلقًا بين الاعترافات والفضائح والقرارات التي قد تغيّر حياتهم جميعًا.

أما وسام، فكان أكثر ما يؤلمه أنه وجد نفسه داخل مشكلة لم يخترها، لكنه يعلم في قرارة نفسه أن صديقه هو من بدأها، وأن شيرين لم تكن سوى الشرارة التي أشعلت كل ما كان مخفيًا تحت الرماد.

وأما شريف، فكان يسير نحو التحقيق وفي داخله ألف سؤال، بعد أن اكتشف أن المرأة التي ظن أنه اختارها بإرادته تحمل وراءها قصة أخرى لم يكن يعرف عنها شيئًا.

وهكذا انتهى يوم العمل على واحدة من أكثر الفوضى التي عرفها المكان، ولم يعد أحد يعرف هل ستنتهي المسألة عند حدود التحقيق، أم أن الإدارة ستتخذ قرارًا أشد قسوة.

وربما كان الفصل هو أقرب الاحتمالات.

وربما كانت هذه الفوضى مجرد بداية لما هو أكبر...




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة