
رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل الخامس عشر 15 بقلم نور إسماعيل
لم تكن ليلى تذاكر بقدر ما كانت تحاول أن تُبقي عقلها مشغولًا عن أشياء كثيرة لا تعرف كيف تواجهها. كان صوت الهاتف يقتحم سكون الغرفة، ومعه تسلّل إلى قلبها ذلك الإحساس الغامض الذي يسبق المعرفة؛ نبرة مألوفة، وذكرى بعيدة أخذت تستيقظ في داخلها ببطء، كأن أحدهم أدار مفتاحًا في باب أغلقته منذ سنوات.
ليلى:يعنى كنت بذاكر وكده ، بس الصوت مش غريب
---------: مانا عارف انك هتعرفى ع طول
كانت الدهشة تتشكّل على ملامحها شيئًا فشيئًا، فيما راحت تحاول أن تجمع شتات الصوت والذاكرة، وأن تصل بين الحاضر وذلك الخيط القديم الذي ظنّت أنها قطعته منذ زمن. لم تكن تخشى أن تعرفه بقدر ما كانت تخشى أن تكون قد عرفته فعلًا؛ فبعض الوجوه حين تعود إلينا، تعيد معها أعمارًا كاملة دفناها تحت ركام الأيام.
ليلى : (عملت ايموشن استغراب ) والله بحاول اجمع
---------: طب جمعى ، بس ع فكرة الاتصال ده بقاله اسبوع بيلح ع دماغى ولسه دلوقت واخد قرار
كانت الكلمات الأخيرة كافية لتدفع قلبها خطوة أخرى نحو الحقيقة. أسبوع كامل من التردد، ثم مكالمة جاءت أخيرًا، وكأن صاحبها لم يكن يحارب رغبته في الاتصال، بل كان يحارب كل ما يمكن أن يترتب عليه. أما ليلى، فكان عليها أن تواجه الآن ذلك الاحتمال الذي ظلّ بعيدًا حتى هذه اللحظة.
ليلى : ع فكرة عرفتك .. بس خايفه اكون استنتجت غلط
----------: لا استنتجتى صح مش غلط ، عاملة ايه
وحين تأكد لها الأمر، انفلتت من داخلها دهشة السنوات دفعة واحدة. ثلاث سنوات لم تكن كافية لتمحو صوته، ولا تلك الذاكرة التي بقيت مختبئة في زاوية بعيدة من قلبها. ارتجفت فرحتها قبل أن تنطق، وكأن الزمن نفسه عاد بها إلى يوم الخطوبة، إلى اللحظة التي لم تكن تعرف فيها أن ذلك اللقاء سيظل عالقًا في ذاكرتها كل هذه المدة.
ليلى : (عرفته ) يانهااار ابيض!! ازيك
من يوم الخطوبة كنت مستنيه المكالمة دى
--------: انا الى مصدقتش انى شوفتك يوم الخطوبة بجد!
كان في صوته شيء يشبه فرحة من عثر على شيء ظن أنه فقده إلى الأبد. وربما لم يكن اللقاء يوم الخطوبة عابرًا كما حاول كلاهما أن يقنع نفسه؛ فبعض اللحظات تمرّ أمامنا كلمحة، لكنها تستقر في الذاكرة كأنها اختارت مكانها فيها منذ البداية.
ليلى: الدنيا صغيرى اوى.. عاملة ايه انت واخبارك
-------: انتى الى هتحكى انتى عاملة ايه من 3 سنين لحد دلوقت
دول 3 سنين ياليلى
أغمضت ليلى عينيها لحظة، وكأن السنوات الثلاث لم تعد سنوات بعد أن نطق بها. كانت مدة طويلة بما يكفي لتتغير الوجوه، وتتبدل الأحلام، وتنضج القلوب، لكنها بدت في تلك اللحظة قصيرة على نحو موجع؛ كأنها لم تكن سوى فاصلة بين حكايتين لم تنتهِ إحداهما تمامًا.
اتنهدت ليلى وبدأت تلعب فشعرها وانبسطت اوى وهتبدآ تحكى ...
ليلى: فعلا 3 سنين ، يااااااه تعرف انى طول ال 3 سنين دول رغم انى كنت بدرس
ومشغوله،بس كل حاجة بينا رغم انها كانت صغيره لسه فبالى
كان استرجاع الذكريات أشبه بفتح نافذة على زمن لم يمت كما اعتقدت. كل تفصيلة صغيرة كانت قادرة على العودة كاملة، بصوتها ورائحتها ومشاعرها، وكأن القلب لا يعرف كيف ينسى ما كان صادقًا، حتى وإن أقنع العقل نفسه طويلًا بأنه فعل.
-----: دى اصلا الفترة الى انا عايش عليها لحد دلوقتى
فاكرة الجيبة الفاتحة (ضحك ضحكة خفيفة)
ضحكت ليلى، وانفتح في ذاكرتها مشهد قديم بكل تفاصيله؛ يوم لم يكن يحمل سوى وجعها وحزنها، ثم جاء هو ليترك فيه ذكرى أخرى لم تستطع السنوات أن تنتزعها منها. كانت بعض الذكريات تضحكنا لا لأنها كانت مثالية، بل لأنها كانت تخص أشخاصًا كنا نحب وجودهم في حياتنا.
ليلى: ههههههههه كنت اول يوم الون فيه بعد وفاة ماما وجيت انت عمتهالى بمية الشارع طين هههههههه
كان يبتسم وهو يستعيد تلك الحادثة، غير أن خلف ابتسامته شيئًا أعمق؛ فقد كان يتذكر تفاصيل لم تتذكر ليلى أنها كانت جديرة بالبقاء. وربما كان ذلك أكثر ما أربكها؛ أن تعرف أن شخصًا آخر حمل من ماضيها أشياء ظنت أنها لم تعنِ له شيئًا.
-------: كل حاجة حلوة معاكى بفتكرها، بس مش بنسى ابدآ اول مرة اتعرفت عليكى بسبب غلطتى انى من غير م اقصد
بهدلت هدومك وانا سايق
حاولت أن تزيح الحديث عن تلك المنطقة التي بدأ دفؤها يربكها، فهناك أسئلة كثيرة لا تريد أن تسمع إجاباتها الآن، ومشاعر لم تستعد بعد للاعتراف بوجودها. لذلك اختارت أن تسأل عن حياته، كأن الحديث عن الحاضر أكثر أمانًا من الغوص في ماضٍ لا تعرف إلى أين سيقودها.
ليلى : مممم ذكريات ، انت عامل ايه فحياتك وكدة
كان صوته يحمل رضا رجل استطاع أن يجد مكانه في الحياة، لكنه حين وصل إلى الجانب الآخر منها، ذلك الجانب الذي لا يُقاس بالعمل ولا بالنجاح، خفتت نبرته قليلًا. وكأن كل ما استطاع أن يحققه لم يكن كافيًا ليملأ الفراغ الذي تركه شخص بعينه.
-----: الحمدلله بشتغل كويس ومبسوط بشتغل حاجة بحبها
دى بقى ياستى حياتى العملية
انما العاطفيه .. صفر
غيّرت ليلى الموضوع سريعًا، ليس لأنها لم تفهم ما بين السطور، بل لأنها فهمته أكثر مما ينبغي. بعض الإجابات حين تأتي في توقيت خاطئ، تصبح أخطر من الأسئلة نفسها، ولذلك كان الهروب منها أحيانًا هو الطريقة الوحيدة لحماية القلب من التورط.
ليلى: (بتغير الموضوع) انت جبت رقمى منين بقا؟
كان بحثه عنها اعترافًا صامتًا بأن السنوات لم تكن متساوية عندهما. ربما عاش حياته ومضى، لكنه ظل من وقت إلى آخر يفتح نافذة صغيرة على الماضي، يبحث عن اسمها، عن أثر لها، عن أي شيء يثبت أن تلك الفتاة التي عرفها يومًا ما زالت موجودة في مكان ما.
-------: من الفيس، انا من فترة للتانيه بدور عنك بحاول الاقى ليكى اى حاجة
وبعدين لما شفتك فالخطوبه .. حاولت ادور عليكى تانى وكان عندى امل جامد معرفش ليه
ولاقيتك الحمدلله
شعرت ليلى بأن شيئًا دافئًا مرّ في قلبها، لكنه لم يكن فرحًا خالصًا. كان مزيجًا من الدهشة والحنين والخوف، كأنها تقف أمام باب قديم تعرف جيدًا ما وراءه، لكنها لا تملك الشجاعة الكافية لتفتحه.
ليلى : يااااااااااه للدرجة دى
كان اعترافه بسيطًا، لكنه أصاب مكانًا حساسًا في داخلها. لم يطلب منها شيئًا، لم يضغط عليها، فقط قال ما ظلّ يخفيه لسنوات؛ وربما كانت صراحة كهذه أخطر من أي محاولة مباشرة للاقتراب.
-----: نفسي اشوفك تانى
تراجعت ليلى خطوة إلى الخلف، لا بجسدها، وإنما بذلك الجزء الخائف من قلبها. لم تكن مستعدة لأن تمنح الماضي فرصة أخرى، حتى وإن كان الماضي هذه المرة يقف أمامها بصوت مختلف، وحياة مختلفة، وقلب ربما لم يتغير كما ينبغي.
ليلى: سيب الامور تيجى براحتها ، انا هسيبك بقى عشان اكمل الى كنت بعمله..بذاكر وكده
انتهت المكالمة، لكن شيئًا منها ظل معلقًا في الغرفة. بقي صوتُه يرنّ في ذاكرتها، وبقيت الكلمات الأخيرة تدور في رأسها، بينما كانت تحاول إقناع نفسها بأن الأمر مجرد مكالمة من الماضي، وأن الماضي لا يملك عليها سلطانًا بعد اليوم.
-----: طيب تصبحى ع خير
ليلى: وانت من اهله
وظلت ليلى بعد المكالمة غارقة في شرود طويل؛ تحدق أمامها دون أن ترى شيئًا، وتستعيد كل كلمة قيلت، وكل نبرة، وكل ذكرى عادت فجأة من مكان دفنتها فيه منذ زمن. لكن ما كان يضج داخلها لم يكن قلوبًا وعصافير كما قد يتخيل أحد؛ فلو كان الأمر كذلك، لما قطعت الوصل من الأساس. كان في داخلها شيء أكثر تعقيدًا، شيء لم تكن هي نفسها قادرة على تسميته بعد.
هو مين ؟ هتعرفو لوحدكم..
========
وفي مكان آخر، كانت ليلى لا تزال تحاول أن تستعيد أنفاسها من أثر الماضي، بينما كان وسام يجلس أمام مى محاولًا أن يشرح لها شيئًا لم تكن مستعدة لسماعه بسهولة. كان يعلم أنها لا ترفض لمجرد الرفض، وأن وراء اعتراضها شعورًا حقيقيًا بأنها تدخل حياة جديدة وتريد أن تكون لها فيها كلمة، لا أن تعيش داخل اختيارات صنعها الآخرون.
وسام: يا مى يا حبيبتى مش كل حاجة بفرضها عليكى انتى جبتى الكلمة دى منين ؟
كانت مى تحمل داخلها إصرارًا لا يخلو من خوف؛ فهي لا تريد أن تبدو جاحدة أو مرهقة له، لكنها في الوقت نفسه كانت تبحث عن مكان تستطيع أن تسميه بيتها دون أن تشعر أنها تسكن ذاكرة امرأة أخرى. كانت فكرة الشقة القديمة أثقل عليها مما استطاعت أن تشرح، لأنها لم تكن جدرانًا وأثاثًا فحسب، بل تاريخًا لم يكن لها.
مى: اول م اكون مش عايزة حاجة تروح انت تصمم اننا ننفذها حتى لو انا رافضاها، بس دى هتبقى شقتى
وانا الى لازم اكون مرتاحه فيها وهى مش مريحة خالص
أطرق وسام لحظة، وفي داخله صراع بين ما يريده لمستقبلهما وبين ما تريده هي. كان يعرف أن المال ليس أمرًا سهلًا، وأن كل خطوة جديدة في حياتهما تحتاج إلى حساب، لكنه كان يعرف أيضًا أن راحة من يحب لا ينبغي أن تكون رقمًا في حساباته.
وسام: (بيفكر فكلامها) حقك وانا عارف ، بس انا لازم عشان اكمل بقى مجايب حجات شقتنا ع اكمل وجه لازم مبلغ جامد
شقتى الى فالتجمع غاليه هدخلها فشقه شرين والفرق هيكون كتير عشان نجيب الموبيليا والحجات الازمه
حاولت مى أن تتحدث بعقلانية، لكنها لم تستطع إخفاء التردد في صوتها. كانت تخشى أن تثقل عليه، وأن تبدو وكأنها لا تقدّر ما يبذله من أجلها، لذلك كانت كل كلمة منها تبدأ باعتذار غير معلن، وتنتهي برغبة في ألا تجرحه.
مى: يا وسام اناااا... مش عايزة اتقل عليك و كده بس الشقه مش عجبانى خالص
بس.. هه
ساد بينهما صمت قصير، وكان وسام يعرف أن بعض المعارك لا تُحسم بالمنطق. نظر أمامه كمن يطلب من الله أن ييسر له الطريق، ثم حاول أن يخفف عنها بما يستطيع، حتى لو كان في داخله شيء آخر يشغله.
وسام : (سرح وهز راسه ) الله المستعان يا مى.اشربي التشوكليت
رفعت مى عينيها إليه، وكأنها لم تستطع أن تصدق أنه مستعد فعلًا للتراجع عن الأمر. لم يكن السؤال عن الشقة وحدها؛ كانت تريد أن تعرف هل يستطيع أن يضع راحتها قبل كل شيء، وهل سيكون بيتهما حقًا مكانًا يشبههما معًا.
مى: مش هناخدها ؟
تنهّد وسام، ولم يكن في تنهيدته ضيق منها بقدر ما كان ثقل المسؤولية التي يحملها وحده. كان يريد أن يطمئنها، لكنه كان يعرف أن القرار سيعيد ترتيب حسابات كثيرة.
وسام: (اتنهد ) حاضر افكر واشوف
استعادت مى شيئًا من خفتها، وكأن مجرد احتمالية تغيير الشقة أعاد إليها شعور السيطرة على مستقبلها. كانت تريد بيتًا لا يربطها بماضٍ لا يخصها، بيتًا يبدأ من الصفر، وتكون كل زاوية فيه شاهدًا على حكايتهما وحدهما.
مى: يارب بعد م تفكر تلاقى انك بتكرهها بقى ، وانا هكلم بابى وصحباتى ع انهم يشوفو شقه تكون كويسه وقريبه وسعرها حنين
لكن وسام لم يكن يريد أن تتحول المسألة إلى مهمة جماعية. كان يريد أن يحمل الأمر على عاتقه، وربما كان خلف إصراره سبب آخر لم يخبرها به بعد؛ شيء لم يجد له الكلمات المناسبة، أو لم يجد الوقت المناسب ليقوله.
وسام: متكلميش حد، انا هتصرف
اتأكدى يامى انى مش هعمل حاجة غير لما تكونى انتى مرتاحة فالاول
اتطمنى
لان قلبها صدّق كلماته قبل أن تبحث عن تفسير لها، اندفعت مى بعفوية الحب التي تجعل الإنسان أحيانًا أكثر صدقًا مما ينبغي. في تلك اللحظة لم تكن ترى إلا الرجل الذي تحبه، ولا تريد أن ترى خلف عينيه ذلك الشرود الذي ظلّ عالقًا منذ بداية الحديث.
مى: طب بحبك بئى
ضحك وسام في خفة، وردّ عليها بما يشبه وعدًا صغيرًا بأن كل شيء سيكون بخير، بينما كان يخفي في داخله أفكارًا لم تنتهِ بعد.
وسام: وانا بموت فيكى ياعمرى بئى
كانت مى تلاحظ شروده، ذلك الشرود الذي كان يجيء إلى عينيه ثم ينسحب قبل أن تتمكن من الإمساك به. لكنها اختارت ألا تسأل؛ لأن الحب أحيانًا يجعلنا نمنح من نحب فرصة الصمت، لا ثقةً بأن كل شيء بخير، بل خوفًا من أن تكون الإجابة شيئًا لا نريد سماعه.
مى ملاحظة ان وسام سارح شويتين، لكن مسألتش!
===========
كانت شيرين تقف أمام محاولة جديدة من شريف، وقلبها يتأرجح بين الفضول والحذر. لم تكن تجهل خطورة الطريق الذي يفتح أمامها، لكنها كانت تريد أن تفهم لماذا يصرّ هذا الرجل على الاقتراب منها رغم كل الحواجز. وفي أعماقها كان سؤال واحد يلحّ: هل يريدها حقًا، أم يريد منها إجابة عن شيء آخر؟
"فيها ايه لو تجربى ؟ "
كان شريف يحاول أن يهدم الجدار بينهما للمرة الألف، لا بالقوة، بل بذلك الإصرار الذي يترك صاحبه حائرًا أمام نوايا الطرف الآخر. كان يعلم أن شيرين لن تمنحه موافقة سهلة، لكنه لم يكن يبحث عن السهولة أصلًا؛ كان يبحث عن يقين.
شيرين: (بتضحك) معرفش انت عايز منى ايه ياشريف؟
كان صوته هذه المرة أكثر جدية، وكأن المزاح لم يعد قادرًا على تغطية ما يريد قوله. هناك رغبة في التغيير، وربما رغبة في معرفة حقيقة مشاعره هو نفسه قبل أن يخطو خطوة لا يستطيع التراجع عنها.
شريف: كل خير والله ، ياشيرين انا بجد عايز اى حاجة
تتغير بينى وبينك
لكن شيرين كانت تعرف الحقيقة التي يحاول تجاوزها. هو مرتبط، وله خطيبة، وأي خطوة أخرى معه ستضعها في منطقة رمادية لا تريد أن تقف فيها. لذلك كانت تعيده دائمًا إلى السؤال نفسه، كأنها تحاول إجباره على مواجهة ما يهرب منه.
شيرين: بس مليون مرة اقولك انت مرتبط عايز منى ايه ؟
لم يكن شريف مستعدًا للتراجع. كان هناك شيء يريد التأكد منه، شيء لم يكتمل في داخله بعد، وكأنه يطارد إجابة قد تغير شكل حياته كلها.
شريف: وانا هرد عليكى مليون وواحد مافيش مشكله،سيبك من حكاية الارتباط دى دلوقت
اتسعت عينا شيرين قليلًا، فقد بدا لها الأمر أكثر خطورة من مجرد تجربة عابرة. كانت تريد أن تعرف كيف يمكنه أن يفصل بين وجود خطيبته وبين ما يطلبه منها، وكيف يمكن لقلبه أن يقبل هذه المنطقة المعلقة بين الاثنين.
شيرين: ازاى يعنى وخطيبتك؟
أجابها وكأنه يحمل في داخله سرًا لم يكتمل بعد، وأن كل اعتراضاتها ليست إلا أسئلة مؤجلة حتى يصل إلى يقينه الخاص.
شريف: ياستى انا عايز اتأكد من حاجة معينه ووقت م اتأكد ... كـــــل اسئلتك دى هتكون ليها حلول
توقفت شيرين للحظات، وكان عقلها يزن المخاطرة، بينما كان فضولها يدفعها إلى الأمام. لم تكن تثق به تمامًا، لكنها كانت تريد أن تعرف ما الذي يخفيه وراء كل هذا الإصرار، ولذلك اتخذت قرارها، ولو لمرة واحدة.
شيرين : (سرحت 5 ثوانى وخدت نفس ) انا هقبل المرة دى بس عشان اشوف وراك ايه يا شريف
استقبل شريف موافقتها بخفة جعلت التوتر الذي ملأ المكان ينكسر فجأة. كان يعرف كيف يسرق الضحكة من قلب المواقف الثقيلة، وكأنه يملك دائمًا طريقة للهرب من جدية اللحظة.
شريف: النبي عسل وسكر وزبيب ومكسرات
انفجرت شيرين في الضحك، وتحوّل الجو المشحون إلى لحظة عابرة من المرح، قبل أن يتذكر الاثنان أن عليهما العودة إلى العمل وكأن شيئًا لم يحدث.
شيرين: هههههههه (بتضحك بصوت عالى )
شريف: لا احنا كده هنترفد ،يلا عالشغل ونأجل الضحكة دى بعدين
تحركت شيرين نحو مكتبها، وهي تهز رأسها في استسلام أمام شخص لم تكن تعرف إن كان مصدرًا لمشكلة قادمة أم لشيء آخر لم تجرؤ على تسميته بعد.
شرين: (ماشيه ع مكتبها ) انت مصيبه ع فكرة
========
كان الحديث عن عاصم يحمل في المكان ذلك النوع من الصمت الذي لا يقال، لكنه يُفهم. الجميع يعرف أن المرض لا يوجع صاحبه وحده؛ إنه يمتد إلى من يحبونه، فيسكن في نظراتهم، ويظهر في تنهداتهم، ويترك أثره حتى على الذين يقفون عاجزين عن فعل شيء سوى الدعاء.
امنية: عامل ايه عمو عاصم يابت يا مى ؟
أجابت مى وهي تحاول أن تبدو ثابتة، لكن مجرد الحديث عنه كان كافيًا لتظهر في صوتها غصة صغيرة. كانت ترى أثر مرضه على وسام، وتعرف أن الرجل الذي تحبه يحمل أوجاع أبيه في صمته أكثر مما يحملها في كلامه.
مى: والله بدآ يتابع جلسات الكيماوى ربنا معاه ، بيتعب شوية وبيتأثر وسام لما بيكون معاه وبيشوفه كده
حاولت غادة أن تمنح الكلام نهاية مطمئنة، فالأمل أحيانًا لا يكون أكثر من جملة بسيطة نتمسك بها كي لا يغلبنا الخوف.
غادة: مممم فترة وتعدى وربنا يشفيه
سرعان ما انتقل الحديث إلى أمر الزواج والشقة، وكأن الحياة لا تمنحنا وقتًا طويلًا لنقف عند وجع واحد؛ فبين المرض والفرح، بين الخوف والاستعداد لبداية جديدة، تستمر الأيام في دفعنا إلى الأمام.
منة : ها ؟ اخدتو شقه ولا لسه ؟
ارتسمت على وجه مى ملامح سخرية خفيفة وهي تتذكر الشقة التي اختارتها شيرين، وربما كان في وصفها محاولة لتخفيف جدية الحديث أيضًا.
مى: احنا شوفنا شقه العروسة باربى دى شراايين افندى
انفجرت غادة في الضحك، وكأن الاسم الذي أطلقته مى على شيرين كان كافيًا لفتح باب جديد من السخرية.
غادة: ههههههه شرايين!
لكن مى لم تكن تمزح حين تحدثت عن الشقة؛ كان رفضها نابعًا من شعور عميق بأنها لا تريد أن تبدأ حياتها في مكان لا يشبهها، ولا تريد أن تحمل معها إلى بيتها ظلال امرأة أخرى.
مى: ومعجبتنيش نهااااائى
مالت الفتيات نحوها بفضول، فالرفض كان واضحًا، لكن السبب هو ما أرادت كل واحدة منهن أن تعرفه.
امنية: طب ليه؟
كانت مى ترى الأمر أبعد من مجرد أثاث وجدران. كانت تريد أن تشعر أن بيتها اختير لها، وأن ذكريات حياتها المقبلة ستُكتب في مكان لم يسبقه إليها أحد بقصة أخرى.
مى: هو كده مرتاحتش.. وهندور ع واحدة جديدة ان شاء الله
قالت منة رأيها ببساطة، غير مدركة أن بعض الأماكن تحمل من الذكريات ما يجعلها أثقل من أن تُسمى مجرد شقة.
منة: متتجوزى فشقته القديمة عادى يعنى
رفعت مى عينيها إليها بنظرة امتزج فيها الضيق بالغيرة، فقد لمست منة دون قصد أكثر نقطة حساسة في الأمر.
مى : (بصت لمنة بصة رخمة كده وهى متغاظة منها ) لا مش عادى يعنى ، انا مش اتجوز ف مكان اختارته غيرى وبنت احلامها عليه
وافقتها أمنية، لكن صوتها حمل شرودًا لم يكن بعيدًا عن الألم. كانت تعرف أن الزواج من شخص يحمل ماضيًا كاملًا داخل المكان قد يجعل الماضي حاضرًا رغم غياب أصحابه.
امنية: فعلا عندك حق، كفايه انها هفكره بيها(بتتكلم بسرحان شوية وخنقه)
تدخلت غادة سريعًا قبل أن يتحول الحديث إلى نار تأكل فرحة مى، فبعض الموضوعات يكفي أن تُفتح قليلًا حتى يصعب إغلاقها.
غادة: خلاص قفلو عالسيرة قبل م مى تتحول
حاولت مى أن تبدو أكثر ثقة مما تشعر، وأن تؤكد لنفسها قبل صديقاتها أن وجود أي امرأة أخرى في حياة وسام لا يعني شيئًا ما دام قلبه لها.
مى: نو نو نو مش اتحول انا ، ويسو حبيبى انا واثقه انه بيموت ف مى
مش مهم عندى سيرة اى حد تانى (فونها رن )
وبمجرد أن ظهر اسمه على الهاتف تبدلت ملامحها بالكامل، كأن العالم كله أصبح فجأة أخف وأجمل بمجرد أن اتصل بها. حملت الهاتف وخرجت لترد، تاركة خلفها ثلاث صديقات يراقبنها بابتسامات ذات مغزى.
مى: ويسوووووووو حبيبى
(خرجت ترد عليه برة )
تبادلت غادة وأمنية نظرة سريعة؛ تلك النظرة التي تقول الكثير قبل أن تبدأ الكلمات. كانت منة تجلس بينهما، غافلة عن أن صديقتيها بدأتا بالفعل مهمة جديدة لا تعرف عنها شيئًا.
غادة: بقولك ايه يابت يا مونى
رفعت أمنية عينيها إليها، وقد فهمت من النبرة أن هناك فكرة جديدة على وشك أن تولد.
امنية: نحم
كانت الفكرة بالنسبة لغادة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل قدرًا لا بأس به من العبث والفضول. أرادت أن تجد لشيرين شخصًا آخر يشغلها، ويُبعدها عن مى، ولو قليلًا.
غادة: احنا عايزين نشوف حد مُز كده للبت منة عشان تخف هرية ونكته من جواها وبوتوجاز كده من ناحية البت مى
احتجت منة فورًا، فقد فهمت التلميح وأدركت أن الحديث عنها لا يسير في الاتجاه الذي تريده.
منة : ايه!! انا مش بغير من حد ايه الى بتقوليه ده يا غادة
لكن أمنية لم ترَ في اعتراضها سوى تأكيد إضافي، فاستسلمت للفكرة بحماس جعل الأمر أكثر وضوحًا.
امنية: طب والله عندك حق ، مين مين ؟
اشتعلت مقاومة منة، ورفضت أن تمنح الاثنتين فرصة للاستمرار في هذه اللعبة.
منة: مين فعينك انتى وهى
وفي اللحظة التي كانتا تستعدان فيها لاستكمال خطتهما، دخل سامح حاملًا الأوراق، دون أن يدرك أن دخوله جاء في توقيت جعله فورًا جزءًا من نظراتهما المتبادلة.
سامح: الورق اهو .. خلصو بقى
التقت عينا غادة وأمنية في اللحظة نفسها، وكأن الإجابة عن السؤال الذي كانتا تبحثان عنه قد دخلت من الباب بنفسها.
غادة: وصلك الى وصلى ؟
أجابتها أمنية بنظرة تحمل من المعنى أكثر مما تستطيع الكلمات قوله، ثم حاولت أن تخفف من وقعها بطريقتها المرحة.
امنية: ايون يا موزتى عييييييييب
======
كان وسام في مكتبه، غارقًا في أوراق العمل، بينما كانت شيرين تقترب بخطوات هادئة. لم تكن تعرف أن هذه الزيارة ستفتح بابًا من الماضي ظل مغلقًا طويلًا، ولم يكن هو يعرف أن سؤالًا واحدًا منها سيقلب شيئًا في داخله لم يكن مستعدًا لمواجهته.
شيرين: ازيك ياوسام انهاردة واخبار عمو ايه؟
رفع وسام عينيه إليها، وابتسم ابتسامة هادئة تحمل لطفًا معتادًا، لكنه لم يكن يعلم أن هذه المحادثة ستتخذ بعد لحظات مسارًا مختلفًا تمامًا.
وسام: (ابتسم ) اهلا ياشيرين كويس بفضل الله
ترددت شيرين لحظة قبل أن تطلب الجلوس، وكأنها تريد أن تعرف أولًا إن كان الوقت مناسبًا، ثم دخلت إلى مكتبه وهي تحمل في داخلها شيئًا لم تحدد إن كان مجرد حديث عابر أم فرصة طال انتظارها.
شيرين: ممكن اقعد
رحب بها وسام، لكنه كان في الحقيقة يريد الحديث معها أصلًا، فموضوع الشقة لم ينتهِ بعد، وكان يحتاج إلى أن يعرف بعض التفاصيل قبل أن يتخذ قراره النهائي.
وسام: اتفضلى طبعآ، انا كنت عايزك
شعرت شيرين بفرحة صغيرة تسللت إلى قلبها دون استئذان. لم تكن الكلمة في ذاتها كبيرة، لكنها كانت المرة الأولى التي يبادر فيها بالسؤال عنها، عن حياتها، عن شيء يتجاوز حدود العمل. وربما كانت تلك البادرة الصغيرة كافية لتوقظ داخلها أملًا حاولت طويلًا أن تخفيه.
شيرين : (ابتسمت )
كان وسام يسألها ببساطة، لكنه لم يكن يدرك مقدار ما يمكن لسؤال عابر أن يتركه في قلب امرأة انتظرت طويلًا أن تشعر أنها مرئية في عينيه.
وسام: اخبارك ايه انتى ودنيتك عاملة ايه؟
أضاء السؤال وجهها من الداخل قبل أن يظهر على ملامحها. لم تكن تريد أن تبالغ في تفسيره، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من الشعور بالسعادة؛ فربما كانت هذه أول مرة تشعر فيها أن اهتمامه بها ليس مجرد مصادفة.
شيرين: (فرحت اوى لانه اول مرة يسألها عن احوالها) انا تمام جدآ
ابتسم وسام وتمنى لها الخير، دون أن يدرك أن كلماته البسيطة كانت تفتح في قلبها مساحة جديدة من الأمل.
وسام: يارب دايمآ
ثم عادت شيرين إلى الأمر الذي جمعهما، لكن نبرتها هذه المرة كانت أكثر هدوءًا. كانت تريد أن تعرف إن كان قد أعجب بالشقة، وإن كان قرار الزواج سيُبقي شيئًا من الماضي قريبًا منهما.
شيرين: ربنا يخليك يا وسام، ها عجبتك الشقه ... انت ومى؟
أجابها وسام بما يشبه الاعتراف بأنه لم يحسم الأمر بعد. كان رأي مى هو العامل الأهم، ومع ذلك ظل في داخله شيء يدفعه إلى التريث والتفكير.
وسام: والله انا كنت عايزك عشان كده .. هى مى مش مبسوطة بيها
لم تتفاجأ شيرين؛ ربما كانت تعرف من البداية أن مى لن تشعر بالراحة في ذلك المكان، فالشقة بالنسبة إليها لم تكن مجرد مكان، بل فصلًا قديمًا من حياة وسام.
شيرين: انا كنت حاسة (عوجت بوقها)
ظل وسام مترددًا، وكأنه يزن قرارًا أكبر من مجرد اختيار شقة. كانت هناك تفاصيل كثيرة لا تزال عالقة في ذهنه، وأشياء لم يقلها لأحد، وربما لم يكن مستعدًا بعد لأن يقولها حتى لنفسه.
وسام: بس انا لسه بصلى استخارة وبشوف
أرادت شيرين أن تمنحه الوقت، وأن تخفي أي شيء قد يكشف مقدار اهتمامها بالأمر. نهضت من مكانها، واتجهت نحو الباب، بينما بقي وسام يتابعها بصمت.
شيرين: عالعموم خد وقتك خالص انا مش مستعجلة .. انا هقوم اشوف الشغل وبعدين نكمل كلامنا فالبريك (قايمة وماشية )
خطت شيرين خطوات قليلة فقط، وكان وسام خلفها يحمل سؤالًا ظلّ يثقل صدره حتى لم يعد قادرًا على ابتلاعه. لم يعرف لماذا اختار هذه اللحظة تحديدًا، وربما لم يعرف إن كان يريد جوابًا أم اعترافًا، لكنه شعر أن السكوت لم يعد ممكنًا.
وسام: (مرة واحدة وهى مدياه ضهرها)
انطلقت كلماته من مكان غائر في داخله، مكان لم يكن يعرف أنه يحمل كل هذا الاضطراب. لم يكن السؤال عن الشقة في الحقيقة؛ كان عن الحقيقة التي أخفتها عنه، وعن شيء اكتشفه أو شعر به متأخرًا، وعن ماضٍ كان يظن أنه يعرفه، فإذا به يقف أمامه فجأة.
وسام:
ليه مقولتيش انك كنتى متجوزة فالشقه دى ياشيرين!!
توقفت شيرين في مكانها دفعة واحدة، وكأن الكلمات لم تصل إلى أذنيها فقط، بل سقطت على قلبها كالماء البارد. تجمدت ملامحها، وانحبس الهواء في صدرها، ولم تعد تعرف أي شيء أشد قسوة: السؤال نفسه، أم أن وسام عرف الحقيقة أخيرًا.
شيرين وقفت مرة واحدة وكأنها غمرت بماء مثلج فجأة ؟..