
رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل الرابع عشر 14 بقلم نور إسماعيل
وساد الصمت للحظات، قبل أن يقطع وسام هدوء المكان بلهجة ساخرة، وكأنه يستحضر مشهدًا سينمائيًّا من زمن الكوميديا القديمة.
وسام: ايه مشهد فيلم ابن حميدو ده .. افتحى الباب يا مناخوليا
اقتربت مى منه بخطوات متعمدة، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة مشاكسة، وكأنها قررت أن تزيد ارتباكه ارتباكًا.
مى : (بتقرب عليه ) حبيبى انت يا فليسوف ، يابونضارات عينهم منى
تراجع وسام قليلًا، محاولًا أن يحافظ على ما تبقى له من هيبة أمام عبثها المتواصل، ثم صحح كلماته على عجل.
وسام: عيب ياحميدة !! قصدى عيب يا مى افتحى الباب
ازدادت مى دلالًا، وأخذت تتلاعب بالكلمات كما لو كانت تختبر إلى أي حد يستطيع احتمال جنونها اللطيف.
مى : حبيبى يااسمر احبك يااسمر... ابيض .. اخضر
لم يجد وسام أمام هذا السيل من العبث سوى أن يتراجع أكثر، حتى انتهى به الأمر ساقطًا على الفوتيه، وهو يحدق فيها بدهشة لا تخلو من الضحك.
وسام: (بيبعد لورا ووقع ع فوتيه ) اتجننتى يابت ولا ايه الله يخربيتك
مالت مى عليه، وقد لمعت في عينيها نظرة من يخفي مفاجأة كبرى، ثم خفضت صوتها وكأنها تستعد لإفشاء سر خطير.
مى : (ميلت عليه ) اقولك ع سر
وسام: اه
كشفت مى عن سرها أخيرًا، ولم تستطع أن تخفي نشوة انتصارها وهي تعترف بما فعلته.
مى : انا الى بوظت النور ومتفقه مع عم سليمان نياهاهاها
رفع وسام حاجبيه، ثم قرر أن يرد عليها بما يناسب تلك المؤامرة الصغيرة التي حيكت من وراء ظهره.
وسام: اقولك انا ع حاجة
مى: قول
قالها وسام ببرود متعمد، وكأنه أصدر حكمًا نهائيًّا لا يقبل النقاش.
وسام: اقسم بالله انتى هبلة
ضحكت مى باستخفاف، وكأن وصفه لها لم يكن يعنيها في شيء، ثم أعلنت أن اللحظة التي انتظرتها قد جاءت أخيرًا.
مى: متفرقش ! هاهاهاهاها وقد حانت اللحظة
لوّح وسام بيده في ضيق، فقد بدا له أن هذه الليلة لن تمر بسلام، وأن ما تفعله مى ليس إلا بداية لمصيبة جديدة.
وسام: نباهاهاها ايه بس ، يخربيتك ويخربيت عمايلك السودا
رفعت مى رأسها بثقة المنتصر، وكأنها وجدت أخيرًا الفرصة التي ظلت تبحث عنها، ولم تكن تنوي إضاعتها مهما حدث.
مى: يا ويسو لقد حانت لى الفرصة ولابد من استغلالها
نظر إليها وسام في حيرة، متسائلًا عن طبيعة الاستغلال الذي تتحدث عنه، بينما كانت ملامحها تنبئ بأنه لن يخرج من الأمر سالمًا.
وسام: استغلالها ف ايه بالظبط؟
ابتسمت مى ابتسامة واسعة، ثم ألقت بقنبلتها الأخيرة في وجهه دون أدنى تردد.
مى:ف انى ادبسك يا حياتى
وبينما كان وسام لا يزال ممددًا على الكرسي، بدا وكأنه قد استسلم تمامًا لهذه المعركة التي لم يختر خوضها من الأساس.
وسام: (لسه واقع عالكرسى ) وهو انا هتدبس اكتر من التدبيسه السودا دى ايه ياروحى اذا كنت كاتب كتابى ع واحدة مناخوليا وخلاص خلص الموضوع
تغيرت ملامح مى قليلًا، وتسلل الخوف إلى صوتها رغم محاولتها إخفاءه خلف المزاح؛ فقد كان أكثر ما يؤرقها أن تخسره بعد أن اقتربت منه إلى هذا الحد.
مى: اصل انا خايفه تسيبنى وتروح لاى واحدة من الى عيونهم عليك
نهض وسام عن الكرسي، وأخذ يتأوه من أثر سقوطه، ثم حاول أن ينهي الحديث قبل أن يتحول المزاح إلى مأساة حقيقية.
وسام: والله م حتهبب (بيقوم ) اوعى بقى ضهرى اتقطم الله يصلح حالك
اقتربت مى منه بخطوة أخرى، وكأنها تريد أن تنتزع منه اعترافًا واضحًا لا يحتمل التأويل.
مى: يعنى انا لو سبتك تروح من غير م ادبسك فأى حاجة ، هتتجوزنى !
تحرك وسام ناحية الباب، وقد أدرك أن أسهل طريقة للخلاص من أسئلتها هي أن يؤجل الإجابة قليلًا.
وسام: طب اقولك (ماشى عند الباب ) افتحى الاول واقولك
تعلقت عينا مى به، ولم تصدق أن يتركها تفتح الباب قبل أن تعرف الحقيقة.
مى: لا هتهرب
ابتسم وسام بثقة، وأشار لها بأنه لن يفعل ما تخشاه.
وسام: لا هقولك صدقينى
ترددت مى لحظة، ثم قررت أن تسايره، لكنها أبقت حذرها حاضرًا.
مى: طيب خليك عندك ادورلك عليه
اتجهت مى نحو الشرفة تبحث عن المفتاح، وظلت تقلب الأشياء بعينيها حتى لمحته أسفل كنبة الأنتريه. انحنت والتقطته سريعًا، ثم عادت به وكأنها عثرت على كنز ثمين.
مى: اهو هفتحلك وبعدها تجاوبنى
مدت يدها إلى الباب وفتحته، لينتهي بذلك الحصار الذي فرضته عليه طوال الوقت.
وسام : (فتح الباب وواقف ) عايزة اجاوبك
اتسعت عينا مى، وارتفع حماسها فجأة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ بداية الحديث.
مى: ااااه دلوقتى دلوقتى دلوقتى
أخذ وسام نفسًا عميقًا، ثم قرر أن يواجه حماسها بطريقته الخاصة، محاولًا تهدئة ثورتها قبل أن يضربها آخر ما تبقى من عقلها.
وسام: روحى خدى دوش سخن ومج كاكاو بلبن وهدى اعصابك عشان واضح ان بقيى الفيوز الى لسه فيهم امل ضربو خلاص وعليه العوض ومنه العوض
قفزت مى من مكانها في اعتراض طفولي واضح، فلم تستطع إخفاء خيبة أملها من مراوغته.
مى: يووووووووووووه بردو مجاوبتنيش (بتتنطط زى الاطفال )
لم يستطع وسام مقاومة منظرها، فرفع يده إلى وجهه، ثم أعلن استسلامه أمام إصرارها وضحكتها التي لم تترك له فرصة للهرب.
وسام: هتجوزك والله هتجوزك هتجوووووووزك (لطم ع وشه بهزار وهى ضحكت )
وانطلقت ضحكة مى صافية، كأنها كانت تنتظر هذه الكلمات تحديدًا لتطمئن أخيرًا.
مي ضاحكة
عاد وسام إلى هدوئه، ثم ألقى عليها نظرة طويلة قبل أن يقرر الرحيل، لكنه لم يستطع أن يغادر دون أن يوجه إليها نصيحته الأخيرة.
وسام: روحى نامى يامجنونة يابنت الناس الكويسين ،(ممشى خطوة ورجع ) اه كنت عايز اقولك لولا انى عارفك كويس وعارف اخلاقك وادبك ... كنت زمانى اخدت موقف تانى منك بسبب الحركة دى لان ده ميصحش
خفضت مى رأسها قليلًا، وقد فهمت تمامًا ما قصده، لكنها لم تجد ما تقوله سوى إيماءة صغيرة.
مى : (مدت شفتها وقالت اه )
اقترب وسام منها، ثم قرص أذنها قرصة خفيفة، وهو يضحك على حالها، وكأنه بدأ يوقن أن حياته معها لن تخلو أبدًا من المفاجآت.
وسام: (قرصها من ودنها خفيف) شكلى كده والله واعلم مش هاخد زوجه .. لا هربى طفلة والله المستعان
نظرت إليه مى بعينين ممتلئتين بالحب، ثم ألقت عبارتها الأخيرة وهي تضحك على طريقته في وصفها.
مى: بحبك يا ويسو والله المستعان ضاحكا
رفع وسام يده نحو السماء، وكأنه يناشدها أن تمنحها شيئًا من التعقل، بينما لم تتمالك مى نفسها من الضحك.
وسام: (شاور للسما يارب عقلها وهى ضحكت ) الله المستعان تصبحى ع خير
وقبل أن يبتعد، سارعت مى إلى إغلاق الباب في وجهه، ثم ألقت كلمتها من خلفه وهي تضحك.
مى : لالالالالا استنا (رزعت الباب فوشه ) وانت من اهله
ارتفعت ضحكة وسام، ثم هز رأسه مستسلمًا لجنونها الذي بات يعرف أنه جزء لا يمكن فصله عن حياته.
وسام: ضاحكا الله يهديكى ليا يا خُلل انتى
=======•••========
حلّ اليوم التالي، وحملت ساعات العمل في بدايتها مفاجأة لم تكن مى تعلم أنها في انتظارها، بينما بدا كل شيء من الخارج هادئًا على غير ما تخفيه القلوب.
امنية : معرفش شريف مالو اليومين دول ، دايمآ مشغول وبطل يكلمنى ويقولى كلام حلو مش عارفه ايه جراله
كانت أمنية تحاول أن تفهم التغير المفاجئ في شريف، فقد صار فتور اهتمامه يثير داخلها أسئلة كثيرة لا تجد لها جوابًا.
غادة: بقولك ايه فمرة اعملى عليه كبسة من الى هى وشوفى هو بيعمل ايه بالظبط
نظرت أمنية إلى غادة بحيرة، فهي تشعر أن شيئًا ما قد تبدل، لكن الاعتراف بحقيقة مخاوفها كان أصعب من مجرد الشك فيها.
امنية: انا متأكدة ان فيه حاجة مغيراه من ناحيتى ، بس خايفه اصدق
أجابتها غادة بحزم، وكأنها تريد أن تنتزعها من دوامة التفكير التي لا تنتهي.
غادة: بصى يا تواجهيه ، ياتبلى تفكير المهم تعملى حاجة
ابتلعت أمنية قلقها، ثم تحدثت وكأنها تخشى أن تنطق بما يدور في رأسها.
امنية: عارفه لو طلع الى فبالى ... هيبقى نهاره اسود
غادة :
وفي الجهة الأخرى من المكتب، كانت مى تعيش صباحًا مختلفًا تمامًا؛ فقد بدت السعادة واضحة على ملامحها، وكأن قلبها لم يعد يعرف للحزن طريقًا.
مى : (بتشتغل ومبسوطة وبتغنى مع الاغانى الى مشغلاها ) ممدوح وسامح تسلم ايديكم ياعيال الاجهزة بقت هايلة الواحد بقى عارف ينجز عن الاول
التفتت إليها منة، وقد أثارها هذا الابتهاج المفاجئ، فبادرتها بالسؤال وهي لا تزال تراقبها باستغراب.
منة : وانتى مالك مبسوطة اوى كده ليه ؟ اللهم اجعله خير
رفعت مى عينيها إليها، وكانت ابتسامتها تحمل خبرًا تعرف أن منة لن تكون سعيدة بسماعه.
مى: (بتبصلها بغيظ ) انتى معرفتيش
عقدت منة حاجبيها، فهي لم تفهم ما الذي تقصده صديقتها.
منة: اعرف ايه
ابتسمت مى بانتصار، ثم ألقت الخبر الذي كانت تتوق إلى إعلانه.
مى: مش انا ويسو اتصالحنا
تغيرت ملامح منة للحظة، لكنها أسرعت باستعادة ابتسامتها حتى لا تكشف ما شعرت به في داخلها.
منة: (كشرت ورجعت ابتسمت تانى ) مممم طب كويس عالله ربنا يهديه بقى من ناحيتك ويبطل عط
لم تتأثر مى بكلامها، بل راحت تؤكد ثقتها في وسام وحبه لها، وكأنها تريد أن تضع حدًا لأي شك يمكن أن يراود منة.
مى: لا يا منة ، وسام مش بتاع عط .. عمره ما شاف غيرى ولا عايز غيرى دا انتى ماشوفتيش صالحنى ازاى قدام باباه ومامته انا مش عايزة اوضح بصراحة ... اصلك لسه سنجل (جواها بتطلع لسانها ليها )
حاولت منة أن تبدو طبيعية، لكنها لم تستطع منع الفضول من الظهور في كلماتها.
منة: احم.. ايه سنجل دى ، عادى يعنى هيكون صالحك ازاى باسك مثلا
رفعت مى حاجبها، وكأنها وجدت الفرصة لتزيد استفزازها قليلًا.
مى: مثلا
تأففت منة، فقد شعرت أن الحديث تجاوز حدود ما تحبه.
منة: ع فكرة انتى فظيعه يامى .. مبحبش الكلام ده
ابتسمت مى بثقة، وكأنها متأكدة أن منة لن تنال ما تريد مهما حاولت.
مى: ولا هتحبيه يا منة ..
استفزت العبارة منة، فرفعت عينيها إليها مطالبة بتفسير واضح.
منة: يعنى ايه بقى ان شاء الله
ولأن الجدال بدأ يأخذ منحى لا يليق بمكان العمل، تدخلت غادة سريعًا لتضع حدًا للمشادة قبل أن تتسع.
غادة: بــــــــــس خلاااااااااااااص فيه ايه هتتخانقو ماتشوفو شغلكم
اضطرت منة إلى التراجع، لكنها لم تفوت فرصة إلقاء جملة تحمل ما تخفيه في صدرها.
منة: طيب ياستى مبروك عالصلح ويارب مترجعيش تعيطي لنا تانى (جواها مفرووووسه)
أجابت مى بثقة، وقد بدا أنها تعلم الآن أن ما حدث معها لم يكن إلا درسًا قاسيًا في الثقة والاختيار.
مى: هو انا عيطت اولانى عشان اعيط تانى ، هو بس كنت غبية وصدقت كل الى بيتقال من غير م افكر ف ان ف شياطين انس حواليا
ارتبكت منة، وشعرت أن الكلام يحمل إشارة مباشرة إليها.
منة: ايه ده قصدك ايه
ولمنع الأمور من التصاعد، أسرعت أمنية إلى أخذ مى بعيدًا عن المكان.
امنية : (قامت قومت مى وخدتها برة ) والنبى خلاص
وبمجرد أن ابتعدتا عن المكان، عادت منة إلى ما يشغل عقلها، وكأنها عاجزة عن تقبل حقيقة أن وسام عاد إلى مى مرة أخرى.
منة: شايفه ..رجعت لوسام بردو بعد م حظرتها
حاولت غادة أن تنهي الأمر بكلمات حاسمة، مؤكدة أن الواقع واضح مهما حاولت منة مقاومته.
غادة: ماتشيلى الموضوع من دماغك بقى يا منة ، وسام بيحبها وخطبها وهيتجوزو ارتاحى بقى
وبقيت منة وحدها مع أفكارها، تردد في داخلها أمنية لم تستطع أن تقولها لأحد.
منة : (بتكلم نفسها ) يارب مايتمها ابدآ
========•••========
وفي خضم يوم العمل، جاء دور شريف في استقبال مكالمة جديدة من إحدى العميلات، ولم يكن يعلم أن هذه المكالمة القصيرة ستنتهي بموقف لا يُحسد عليه.
شريف: الو شركة .... شريف مع حضرتك يافندم
جاءه صوت العميلة من الطرف الآخر غليظًا على نحو أربكه منذ اللحظة الأولى.
العميلة : (ست صوتها وحش اوى ) الوووو
رفع شريف سماعة الهاتف عن أذنه للحظة، ثم ضرب بها المكتب من شدة المفاجأة، قبل أن يحاول استعادة مهنيته.
شريف : (قلع الهيد فون وخبطه عالمكتب ) ياساتر يارب ، ايوة يافندم اتشرف بأسم حضرتك
أمْلت عليه العميلة اسمها كاملًا، دون أن تدرك أن طول الاسم زاد من ارتباكه.
العميله: هنادى داود عبدالسيد شعبان
أجابها شريف سريعًا، وكأنه يريد اختصار الطريق.
شريف: خلاص خلاص هو انا هطلعلك بطاقه
استنكرت العميلة طريقته، وسألته عما يزعجه.
العميلة: فيه ايه يااستاذ
تنحنح شريف، ثم حاول العودة إلى الأسلوب الرسمي.
شريف: احم .. ايوة يافندم اتصالك بخصوص الخط ده ولا خط تانى
أجابته العميلة بأنها تتحدث بشأن الخط نفسه.
العميلة: لا بخصوص خط ده
أعطاها شريف المجال لتشرح مشكلتها.
شريف: اتفضلى حضرتك
بدأت العميلة في سرد مشكلتها، وكانت تتحدث عن عرض لم تحصل على مميزاته رغم عودة الخط للعمل.
العميلة: يااستاذ انتو عاملين عرض لو رجعت خطك القدين هتاخد مكالمات هدية ، وانا رجعته من اول امبارح ومجاتش هدايا ولا حاجة
حاول شريف أن يتأكد من مدة توقف الخط قبل أن يفحص بياناته.
شريف: حضرتك معطلاه من امتى
جاءت الإجابة لتزيد الأمر غرابة بالنسبة إليه.
العميلة: من 5 شهور
وبينما كانت العميلة تنتظر، أخذ شريف يفكر في الأمر بطريقته الساخرة، ثم عاد إلى حديثه معها.
شريف : (بينه وبين نفسه ) دى اكيد سيد قشطة وعامل نفسه ست ، طيب يافندم ثوانى حضرتك علانتظار
لم تتحمل العميلة الانتظار، فاعترضت سريعًا.
العميلة: انا لسه هستنى عالاتظار ..
نفد صبر شريف، فانفجر غضبه، ونسي للحظة أنه يتحدث إلى عميلة وأن كل كلمة محسوبة عليه.
شريف:( بعصبيه ) اومال اتزفت اعرف ازاى ان حضرتك عندك مشكله ؟ مش اتنيل ع عين اهلى وافحص الخط
جاء رد العميلة غاضبًا، فلم تتردد في توبيخه قبل أن تغلق المكالمة في وجهه.
العميله: انت قليل الادب وعديم الذوق .. غور انت وشركتكم الا م عارفين تشتغلو كويس، جاتكم القرف
وأغلقت الخط في وجهه، تاركة شريف يحدق أمامه لحظات قبل أن يخلع السماعة بعصبية.
شريف : (قلع الهيد فون ) جاتك نيله بالعه عجل فزورك .. قال وعايزة تاخد هدية ، انتى تاخدى ع قفاكى مش هدية
ولأن المكالمات كانت تُسجل وتصل إلى المديرين، لم تمر الواقعة كما ظن شريف، وسرعان ما جاءه صوت المدير من بعيد.
المدير : (من بعيد ) شريف !!
انتفض شريف في مكانه، ثم أجاب سريعًا وهو يحاول أن يبدو بريئًا.
شريف: ايوة يافندم
اقترب المدير منه وقد بدا الغضب واضحًا على وجهه.
المدير: ايه التهريج الى بيحصل ده ، ازاى تكلم العميلة كده
حاول شريف التنصل من الأمر، وكأنه لا يصدق أن المقصود هو شخصه.
شريف: عميله !! انا لا اكيد حضرتك غلطت.. ممكن يكون ياسر
أنهى المدير محاولته للمراوغة، وأخبره أن الأمر موثق بالكامل.
المدير: لا انت المكالمات كلها بتوصلنا جوه ، شريف انا هكتفى المرة دى بخصم يومين من مرتبك المرة الجاية لو حصل فصل زى ده مع احد العملاء.. هيبقى فيه اجراء تانى
استدار المدير وغادر المكان وهو لا يزال غاضبًا، بينما بقي شريف يحدق في أثره، وكأن كلمة "خصم" وحدها كانت كافية لإفساد يومه.
مشى المدير وهو متنرفز
شريف: (خصم ! ، خصم خصم يلا اهم حاجة انى مكسبتهاش الهديه ضاحكا
وفي الوقت الذي كان فيه شريف يتحسر على خصم يومين من راتبه، كانت شيرين تتجه نحو مكتب وسام، تحمل في جعبتها أمرًا جديدًا تريد الحديث معه بشأنه.
شيرين: ازيك يا وسام .. اخبار عمو ايه انهاردة
رفع وسام عينيه إليها، ثم أجابها بهدوء مطمئن.
وسام: الحمدلله افضل
ابتسمت شيرين، ودعت لعمه بالشفاء، ثم انتقلت مباشرة إلى الأمر الذي جاءت من أجله.
شيرين: ربنا يقومه بالسلامة ان شاء الله ، ها امتى هتيجى تتفرج عالشقه ؟
أجابها وسام ببساطة، مؤكدًا أنه قد يذهب في اليوم نفسه إذا سمح وقته.
وسام: لو فاضيه انهاردة ...
اتسعت ابتسامة شيرين، وأكدت له أن الشقة ستكون متاحة في أي وقت من أجله.
شيرين: فاضيه جدآ عشان خاطرك
شعر وسام ببعض الحرج من اهتمامها، لكنه سرعان ما ذكر اسم مى، وكأنه يضع الأمور في نصابها الصحيح.
وسام: (بيتكسف منها ) اوك هكلم مى تيجى نشوفها سوا ، اصل دى هتكون شقتها قبل م تكون شقتى لازم تشوفها معايا
تبدلت ملامح شيرين قليلًا، ولم تستطع إخفاء ضيقها، لكنها أجابت باقتضاب.
شيرين : (اتدايقت ) اه طبعآ، اوك شوف وقولى
عادت شيرين إلى مكتبها، بينما أجرى وسام اتصالًا بمى وأخبرها بأمر الشقة، واتفقا على أن تذهب لرؤيتها بعد انتهاء العمل مباشرة.
وبعد انتهاء ساعات العمل، جاءت مى، وانطلقت مع شيرين نحو المنطقة التي تقع فيها الشقة، بينما كان وسام يقود سيارته، متتبعًا وصف شيرين للمكان.
توقفت شيرين أمام المكان وأشارت إليهما، معلنة وصولهما.
شيرين: بس هنا ... اتفضلو .
نظرت مى إلى المنطقة من حولها طويلًا، ولم تبدُ عليها علامات الإعجاب الأولى.
مى: (بتبص ع المنطقه ) مممم حتة شبه مقطوعه .. تمام تمام
أوضحت شيرين أن المنطقة لا تزال حديثة، وأن هدوءها يعود إلى حداثة نشأتها.
شيرين: اصله حى جديد ..
صعد الثلاثة إلى الطابق المطلوب، ثم أخرجت شيرين المفتاح وفتحت باب الشقة.
شيرين: اتفضلو يا جماعة
دخل وسام ومى، وراحا يتفقدان المكان غرفةً غرفة، ويتأملان تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة. كان التشطيب أنيقًا، والتقسيم عمليًا، وكل زاوية تحمل أثر عناية واضحة.
مى بتدور فيها بشوزتها الى بكعب عملت صداع ... عشان فاضيه طبعآ
أما وسام، فوقف أمام النافذة يتأمل المشهد الممتد أمامه. كان يطل على نادٍ تقريبًا، بينما بدت المنطقة من حوله شبه خالية، وارتفع الجبل خلفها كأنه حاجز طبيعي يحيط بالمكان.
وسام: محدش ساكن فالعمارة ؟
أجابته شيرين، ثم بدأت تتحدث عن إقامتها السابقة في الشقة، لكنها توقفت قبل أن تكمل عبارتها.
شيرين: لا فيه.. انا لما كنت ساكنة هنا (قطعت كلامها)
التقطت مى الجملة الناقصة فورًا، فلم تدعها تمر دون سؤال.
مى: انتى كنتى عايشة هنا بقى ، مش شقة جديدة ومقفولة زى م قال وسام
حاولت شيرين أن تشرح الأمر، مؤكدة أن ما قالته لم يكن مقصودًا به ما فهمته مى.
شيرين: لا مش قصدى ، انا قعدت فيها فترة وبعدين رجعت تانى لشقة بابا عشان مش اقعد وحدى بس بجد هى مريحة
لم تبدُ مى مقتنعة تمامًا، وظلت تنظر إلى المكان بنظرة فاحصة، وكأنها تبحث عن شيء لا تعرف هي نفسها ما هو.
مى: (مش عجباها اوى ) مممممم
أما وسام، فكان أكثر ميلًا إلى الشقة، وقد أخذ يتأمل تفاصيلها بعين الرجل الذي يبحث عن بيت يستقر فيه مستقبلًا.
وسام: كويسة .. ان شاء الله
واصلت شيرين عرض تفاصيل المكان، محاولة أن تلفت انتباههما إلى باقي المساحات.
شيرين: اتفضلو شوفو بقيه الاود والهول ده هيعجبكم كتير
أجابت مى بلهجة تحمل شيئًا من الضيق، وكأنها لا تحتاج إلى من يذكرها بأنها جاءت بالفعل لمعاينة المكان.
مى: م احنا بنتفرج اهو (عوجه بوقها)
ابتسمت شيرين ابتسامة متكلفة، ثم أكدت أن القرار في النهاية لهما، وأن الأمر يتعلق بمكان سيصبح بيت العمر.
شيرين: براحتكم الاختيار ليكم .. دى شقة العمر
ردت مى، وفي صوتها رسالة واضحة بأنها لن تقبل بأي اختيار متسرع أو مجاملة على حساب مستقبلها.
مى: ايوة فعلا لازم الاختيار يبقى بالظبط مش بركاوى وخلاص
كانت كلمات مى تزداد استفزازًا لشيرين، حتى شعرت الأخيرة أن صبرها بدأ ينفد، بينما ظل وسام بعيدًا عن تلك المناوشات، منشغلًا بتفاصيل الشقة.
شيرين كانت هتطق من مى ومن تحكماتها .. انما وسام كان بيتجول وبيبص ع ادق التفاصيل فيها ... بس لقى حاجة غريبة واقعه عند سور بلكونه اودة النوم !
وفي طريق العودة، افترق الاثنان في سيارتيهما، لكن الحديث بينهما لم ينقطع، إذ كان لكل منهما رأي واضح في الشقة وما أثارته من شكوك.
وهما مروحين .. رجعت مى واخدت عربيتها ، وفالطريق كانو بيتكلمو فون ..
كانت مى قد حسمت موقفها تقريبًا، ولم تكن مستعدة للتراجع عن إحساسها الأول مهما حاول وسام إقناعها.
مى: لا انا مش مرتاحة لشقه العروسة البلاستك دى
حاول وسام أن يخفف من حدة موقفها، مقترحًا أن يلجآ إلى الاستخارة قبل اتخاذ قرار نهائي.
وسام: طب نصلى استخارة ونشوف
لكن مى لم تكن في حاجة إلى مزيد من التفكير؛ فقد شعرت أن قلبها اتخذ قراره بالفعل.
مى: بقولك مش عايزاها يا وسام .. مش لسه هصلى انا خدت قرار
أدرك وسام أن الأمر أعمق من مجرد عدم إعجاب بالشقة، فحاول أن يوضح لها أن هناك أمورًا أخرى لم يخبرها بها بعد.
وسام:ياحبيبتى انا مش هجبرك، بس ف حجات لازم تفهميهاعشان مينفعش افضل ده كله شايلها وحدى
هدأت مى قليلًا، ثم وافقت على أن يستكملا الحديث بعيدًا عن الهاتف.
مى: اوك نروح ونتكلم
اقترح وسام أن يذهبا إلى أحد المقاهي، حيث يمكنهما الحديث بهدوء ودون أن يقاطعهما أحد.
وسام: لالالا تعالى نطلع ع اى كافيه نتكلم احسن
وافقت مى دون تردد، وبدت مستعدة لسماع ما يخفيه وسام عنها.
مى: وهو كذلك.. بينا يابرنس
وفي الوقت الذي كان فيه وسام ومى يتجهان إلى المقهى، كانت ليلى تعيش مساءً مختلفًا تمامًا في بيت خالها، غير عالمة بأن مكالمة واحدة ستفتح أمامها بابًا من الماضي.
كانت ليلى تساعد خالها في تناول دوائه، ثم انتظرت حتى يغلبه النعاس لتدخل غرفتها وتبدأ مذاكرتها.
ليلى: عايزين منى حاجة يا طنط
أجابتها والدتها بهدوء، مطمئنة إياها إلى أنه لا حاجة إليها في شيء.
الام: لا يا حبيبتى ادخلى انتى ذاكرى
تنهدت ليلى، ثم ألقت عبارتها الساخرة عن رحلة الدكتوراه التي استنزفت طاقتها.
ليلى: ادعولى بقى عشان تحضير الدكتوراه ده هيقطم وسطى انا عارفه
دعا لها والدها، متمنيًا لها التوفيق في الطريق الذي اختارته رغم مشقته.
الاب: ربنا معاكى ياليلى يابنتى
حملت ليلى كتبها، ثم استأذنت قبل أن تغادر إلى غرفتها.
ليلى: كله ع الله ياخالو (بترد الباب عن اذنك ياخالو )
أغلقت ليلى الباب خلفها، وفرشت كتبها ومذكراتها، ثم أشعلت التلفاز الصغير القابع إلى جوارها دون أن تنتبه إليه كثيرًا.
قفلت ليلى وفرشت كتبها ومذكرتها .. وفتحت التى فى يدش جمبها وهى مش منتبهه
وبينما كانت تحتسي كوب الكابتشينو، بدأت تغوص شيئًا فشيئًا في عالم المذاكرة، حتى استحوذ عليها التركيز تمامًا.
ومع مج الكابتشينو .. بتبدآ
وفي منتصف اندماجها، رن هاتفها فجأة، فقطع عليها سكون الغرفة وأخرجها من تركيزها.
ووسط الانهماك الشديد والتعمق الى راحت فيه .. فونها رن
نظرت ليلى إلى الرقم الغريب للحظات، ثم قررت الإجابة دون تردد، فلم ترَ سببًا يمنعها من ذلك.
ليلى : (مع انها نمرة غريبة بس ردت عادى مافيش مشكلة) الو
جاءها صوت من الطرف الآخر، هادئًا ومقتضبًا، وكأن صاحبه يخفي شيئًا وراء تلك المكالمة.
------: الو
رفعت ليلى حاجبيها، ثم سألت عن هوية المتصل.
ليلى : ايوة مين
جاءها صوت يحمل شيئًا من الألفة، فناداها باسمها مباشرة.
-------: ازيك ياليلى
أجابته ليلى بتحفظ، فهي لا تزال عاجزة عن معرفة صاحب الصوت.
ليلى: الحمدلله ، مين انت
سألها المتصل إن كان قد عطلها عن شيء، وكأنه يعرف أنها كانت مشغولة.
-----: عطلتك عن حاجة ؟
أخبرته أنها كانت تذاكر، ثم اعترفت بأن صوته يبدو مألوفًا لها.
ليلى:يعنى كنت بذاكر وكده ، بس الصوت مش غريب
جاءها صوته محملًا بابتسامة خفية، وكأنه كان ينتظر اللحظة التي ستتعرف فيها إليه.
---------: ( صوت ابتسامة) مانا عارف انك هتعرفى ع طول
حاولت ليلى جمع خيوط الذاكرة، لكن الصورة لم تكتمل بعد.
ليلى : (عملت ايموشن استغراب ) والله بحاول اجمع
تركها المتصل تفكر على راحتها، ثم كشف أن هذا الاتصال ظل يراوده منذ أسبوع كامل قبل أن يحسم أمره أخيرًا.
---------: طب جمعى براحتك ، بس ع فكرة الاتصال ده بقاله اسبوع بيلح ع دماغى ولسه دلوقت واخد قرار
شعرت ليلى أنها اقتربت من معرفة الحقيقة، لكنها خافت أن تكون قد أخطأت في استنتاجها.
ليلى : ع فكرة بقى عرفتك .. بس خايفه اكون استنتجت غلط ولا حاجة
ضحك المتصل ضحكة خفيفة، ثم أكد لها أن حدسها كان في مكانه.
----------:(ضحكة خفيفة تانى ) لا استنتجتى صح مش غلط ، عاملة ايه
وفجأة اتضحت الصورة كاملة أمام ليلى، فانطلقت منها صيحة دهشة ممزوجة بفرحة لم تستطع إخفاءها.
ليلى : (عرفته ) يانهااار ابيض!! ازيك من يوم الخطوبة كنت مستنيه المكالمة دى
أخبرها المتصل أنه هو الآخر لم يصدق أنه رآها يوم الخطوبة، وكأن تلك اللحظة أعادت إليه سنوات غابت ثم عادت دفعة واحدة.
--------: انا الى مصدقتش انى شوفتك يوم الخطوبة بجد!
ابتسمت ليلى، وأخذت تتحدث عن قصر المسافات مهما طال الغياب، ثم سألته عن أحواله.
ليلى: الدنيا صغيرى اوى.. عامل ايه انت واخبارك
لكن صوته حمل عتابًا خفيفًا، وكأنه يريد منها أن تحكي له كل ما جرى في السنوات الماضية.
-------: انتى الى هتحكى انتى عاملة ايه من 3 سنين لحد دلوقت دول 3 سنين ياليلى
اتسعت ابتسامة ليلى، وشعرت وكأن السنوات الثلاث الماضية قد انكمشت فجأة أمام صوت تعرفه جيدًا، صوت أعاد إلى قلبها شعورًا ظنت أنه غاب إلى الأبد.
ليلى : يانهاااااارى بجد مش مصدقة ..انت فعلا
جاءها صوته محملًا بالاشتياق، بكلمة واحدة كانت كفيلة بأن تربك قلبها وتفتح أبواب الذكريات دفعة واحدة.
-----: انتى الى وحشتينى
تنهدت ليلى طويلًا، ثم أخذت تعبث بشعرها في سعادة واضحة، وقد غمرتها فرحة لم تستطع إخفاءها. وراحت تستعد لتحكي له عن السنوات الثلاث الماضية، بينما كان قلبها يسبق كلماتها إلى حكاية لم تبدأ فصولها بعد.
اتنهدت ليلى وبدأت تلعب بشعرها وقد سعدت وستبدأ الحكي....