
رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل السابع 7 ج1 بقلم سلمى جاد
وصل كلٌّ من سليم وريحانة إلى المستشفى، بعدما أصرّ سليم على توصيلها بسيارته الخاصة.
كانا في مصعد المستشفى، والصمت مسيطر على المكان، لا يقطعه سوى صوت المصعد وهو يعبر الطوابق المختلفة.
نظر سليم إلى ريحانة، التي كانت تفرك يديها بتوتر، وأنفاسها مضطربة. لم يشعر بنفسه إلا وهو يلتقط كف يدها بين يديه، ويضغط عليه بحنان، قائلًا:
"ريحانة، متقلقيش... إن شاء الله أخوكي هيبقى كويس."
رفعت رأسها ونظرت إليه، وعيناها تلمعان من أثر البكاء المحبوس، ليتفاجأ بها فجأة تضع رأسها على كتفه وتشهق ببكاء.
صمت، وهو يشعر بدقات قلبه تتسارع من قربها، ليرفع يده دون وعي ويحيط خصرها النحيل، بينما راحت يده الأخرى تربت على ظهرها بهدوء.
دوى صوت وصول المصعد إلى الطابق المطلوب، فابتعدت ريحانة عنه فجأة، وهي تنظر إليه بخجل.حمحم بخشونة، ثم خرج من المصعد، وتبعته هي.
كان سليم ما زال يمسك بيدها بين يديه، فتقدم من مكتب الاستقبال وسأل:
"من فضلك، الرائد يزن في أنهي غرفة؟"
استغرقت الممرضة ثوانٍ في البحث على جهاز الحاسب، قبل أن تجيبه بهدوء:
"غرفة رقم 555، يا فندم."
أومأ برأسه، ثم اتجه نحو الغرفة، وهو يمسك بيد ريحانة التي تسير خلفه باستسلام.
وصلا أمام باب الغرفة، ليترك سليم يدها، ويومئ برأسه لها باطمئنان.ابتسمت ريحانة له قليلًا، ثم دخلت الغرفة.
كان الجميع يتواجدون بداخلها؛ أدهم وجميلة وعلي وياسمين، بالإضافة إلى فتون ويزن الراقد على السرير.
ركضت ريحانة نحو سرير يزن، وهي تشهق ببكاء:
"يزن"
ابتسم يزن، وهو يربت على رأسها بحنان، ثم تحدث بمرح، محاولًا إضحاكها:
"معقول يا ريري؟ طلع عندك دم وبتعيطي زينا؟"
رفعت ريحانة رأسها بهدوء نحوه لثوانٍ، قبل أن تلكمه في صدره، ليتأوه بألم:
"آااه يا جماعة! والمصحف ضلوعي مكسورة، ومضروب طلقة جنب قلبي ،أعمل إيه أكتر من كده عشان متضربونيش؟"
ضمت ريحانة شفتيها بحزن، وقالت:
"تستاهل، عشان تقول إني معنديش دم. أنا الحق عليّا إني قلقانة عليك."
ابتسم يزن، وقال:
"خلاص يا ريري، بقت بنكشك. إنتي أحن أخت في الدنيا."
رفع رأسه حين لاحظ سليم الواقف بهدوء عند باب الغرفة، يراقبهم بصمت.
"أهلًا وسهلًا يا سليم بيه، اتفضل ادخل."
تقدم سليم إلى داخل الغرفة بخطوات ثابتة، وقال بصوته الرخيم:
"حمد لله على سلامتك يا سيادة الرائد."
"الله يسلمك... ده سليم بيه، المدير التنفيذي للشركة اللي ريحانة شغالة فيها. طبعًا يا بابا أكيد إنت عارفه."
تقدم أدهم بهدوء من سليم، ثم مد يده ليسلم عليه:
"أهلًا يا سليم، مكانش له لزوم تتعب نفسك."
جزَّ سليم على أسنانه وهو ينظر إليه، لكنه حاول السيطرة على نفسه، وابتسم بهدوء وهو يصافحه.
"مفيش تعب ولا حاجه يا أدهم بيه."
نظر سليم إلى كلٍّ من جميلة وياسمين الجالستين على الأريكة، فحيّاهما بهدوء.
تحدثت جميلة بابتسامة دافئة:
"أهلًا يا ابني، نورت. تعبت نفسك ليه؟"
"مفيش تعب ولا حاجة يا طنط."
تحدثت ريحانة بابتسامة:
"سليم هو اللي وصلني المستشفى عشان مكنتش هقدر أسوق بسبب خوفي على يزن."
ابتسم أدهم بهدوء:
"شكرًا يا ابني."
"أنا معملتش حاجة لكل ده يا جماعة."
تحدثت ياسمين هذه المرة، وهي تنظر إليه بابتسامة واسعة:
"تسلم يا حبيبي على تعبك، ربنا يكثر من الشباب اللي زيك."
نغزها علي في كتفها بغيرة:
"ما تهدي إنتي شوية."
اقتربت فتون من ريحانة الجالسة بجانب يزن، وقالت بهمس حتى لا يسمعها أحد من الموجودين بالغرفة:
"أحم... هو ده بقى سليم؟ ماشي يا عم، وقعتي واقفة."
فتحت ريحانة عينيها بصدمة، ونغزتها في كتفها وهي تهمس:
"شششش... اسكتي .الله يخرب بيتك"
حمحم سليم بخشونة، وقال:
"طيب، استأذنكم أنا بقى، وألف سلامة عليك يا سيادة الرائد."
تحدثت جميلة:
"اقعد يا حبيبي شوية، اشرب حاجة."
رفع أدهم حاجبه لها بغضب، لتعدل كلامها بتوتر من نظراته:
"أقصد... اقعد يعني شوية ترتاح من السواقة."
ابتسم سليم وقال:
"لا، ملوش لزوم. أنا لازم أروح عشان أرتاح، لأننا ورانا سفر بكرة أنا وريحانة."
شهقت جميلة:
"سفر إيه؟"
نظر أدهم باستغراب، وقال:
"سفر إيه؟ وليه معرفتيش حد فينا يا ريحانة؟"
أجابت ريحانة:
"يا بابا وماما، أنا لسه عارفة حكاية السفر دي النهارده عشان تبع الشغل."
وجّهت جميلة حديثها لسليم:
"وإنتوا هتقعدوا قد إيه؟"
"مش عارف يا طنط، والله. موضوع الصفقات بياخد وقت، بس مش أكتر من أسبوعين."
شهقت جميلة:
"أسبوعين؟ هتبعدي عني أسبوعين يا ريحانة؟"
نهضت ريحانة لتجلس بجانبها، ثم قبّلت خدها:
"إنتي عارفة إني مقدرش أبعد عنك ثانية واحدة يا ماما، بس ده شغل... نعمل إيه؟"
تنهد يزن بتعب، موجّهًا حديثه لسليم:
"معلش يا سليم، إحنا عيلة أوفر في مشاعرنا."
ابتسم سليم بجانب فمه، ليكمل يزن حديثه بجدية:
"بجد خد بالك منها يا سليم. ريحانة آه تبان باردة، بس هي متهورة ومجنونة، وموقعة نفسها في مشاكل دايما بسبب جنونها ده."
شهقت ريحانة بغضب:
"أنا مجنونة يا يزن؟!"
ابتسم سليم بخفة:
"أنا عارف من غير ما تقولي. عموما متقلقش، هاخد بالي منها."
لتنظر له ريحانة شزرًا ، ليبتسم بخفة واضعا يده في جيب بنطاله وهو يقول "أنا هستأذن بقى، عن إذنكم."
وقبل أن يخرج من الباب، ناداه أدهم:
"استنى يا سليم، عايز أقولك حاجة برة."
نظر سليم إليه بصمت، لكنه هز رأسه بموافقة، ليخرجا من الغرفة.
وقف أدهم أمام سليم، وتحدث بصوته الرخيم:
"سليم، أنا مش هوصيك على ريحانة. هي أول مرة تبعد عني أنا ومامتها كل الفترة دي، عايزك تاخد بالك منها. وزي ما يزن قالك، على قد ما ريحانة تبين هادية وأعصابها باردة؛ لأنها ورثت الحتة دي مني، في نفس الوقت هي متهورة وبتنفذ اللي في دماغها، حتى لو هتقع في مشاكل."
تحدث سليم بهدوء:
"متقلقش يا أدهم بيه، ريحانة في حمايتي."
ابتسم أدهم بهدوء:
"وأنا واثق إنك هتحميها. بس أنا دلوقتي بكلمك كأب، مش كشريك في الشركة. فاهمني؟"
صمت سليم، وهو يشدد على قبضة يده بقوة، لكنه هز رأسه بهدوء:
"أكيد فاهمك."
ربت أدهم على كتفه، ثم دخل الغرفة، ليبقى سليم مكانه، ينظر إلى الفراغ، وعيناه تشتعلان بنيران غضب تكاد تفتك بالحديد.
همس من بين أسنانه:
"وأنا ميهونش عليا قلقك كأب .. أوعدك يا أدهم السويسي، إني هحسّرك عليها."
ثم انطلق بهدوء من المكان.
______________________________________________________________
في صباح يوم جديد...
المكان: مطار القاهرة الدولي
وصل كلٌّ من سليم وريحانة إلى المطار للقيام بإجراءات السفر، من التفتيش والأوراق وختم جوازات السفر إلى آخره، وأخيرًا استقلا الطائرة التي بدأت في الإقلاع.
كان سليم يجلس بهدوء في مقعده يقرأ كتابًا، وبجانبه ريحانة تتصفح هاتفها. وما إن بدأت الطائرة في الإقلاع حتى تركت هاتفها، وبدأت أنفاسها تتسارع.
لاحظ سليم هيئتها، فعقد جبينه وقال:
"ريحانة، إنتي كويسة؟"
ضمت شفتيها بتوتر، وهي تغمض عينيها وتهز رأسها نفيًا.
ليتحدث الأخر بشك : "إنتي مركبتيش طيارة قبل كده؟"
"لا، ركبتها مرتين لما سافرت أعمل عمرة، بس كان بابا وماما معايا، وأول ما الطيارة كانت بتبدأ تطير، كانوا بيحضنوني عشان مخافش."
صمت سليم برهة، قبل أن يضع كفه فوق كفها الموضوع على الكرسي ويضغط عليه برفق، ثم قال:
"ريحانة، بصيلي."
فتحت عينيها الفيروزيتين ببطء، لتجده ينظر إليها، ضاغطًا على كفها برفق.
"متخافيش، أنا معاكي... خدي نفس عميق."
هزت رأسها ببطء، وبدأت في تنفيذ كلامه.
"وبعدين خرجيه... بس ببطء."
فعلت ما قاله، وبالفعل شعرت بتحسن، لتلتفت فجأة نحو نافذة الطائرة، فتجد أنهما أصبحا بالفعل في الجو.
قالت ريحانة بسعادة:
"إيه ده؟ إحنا بقينا في الجو!"
ابتسم سليم بخفة:
"شوفتي إن الموضوع بسيط؟"
ثم عاد إلى قراءة كتابه، أما هي فنظرت إليه خلسة، وهو يقرأ بهدوء، بهيبة واضحة حتى في صمته. كان يرتدي تيشيرتًا رصاصيًا مع بنطال جينز ثلجي، بينما رفع خصلات شعره الفحمية إلى أعلى بأناقة، لتمنحه مزيدًا من الثقة والكاريزما.
هزت رأسها نفيًا، وعادت للنظر من شباك الطائرة، تتأمل السحاب الأبيض القريب منها، حتى كادت تلمسه، بينما كانت ضربات قلبها تحلّق في السماء.
بعد ساعات ...
هبطت الطائرة في مطار واشنطن عاصمة أمريكا، وبدأ الركاب في النزول على سلالم الطائرة، لكلٍّ منهم وجهته؛ فمنهم من عاد إلى بلاده، ومنهم من بدأ غربته.
أما أبطالنا، فتوجهوا إلى أقرب فندق من المطار، وهو الفندق الذي سيستقرون فيه طوال فترة وجودهم في أمريكا.
تقدم سليم من مكتب الاستقبال، وتحدث بالإنجليزية بمهارة:
"Excuse me, I'd like two rooms for two people, please."
«من فضلك، أريد غرفتين لشخصين.»
نظرت الموظفة إلى شاشة الحاسوب لثوانٍ، ثم قالت بأسف:
"I'm sorry, sir. All the rooms are fully booked because it's the travel and tourism season in America. However, there is one large suite whose reservation was canceled just a few minutes ago. Would you like me to book it for you?"
«أنا آسفة يا سيدي، جميع الغرف محجوزة بالكامل لأن هذا موسم السفر والسياحة في أمريكا. ولكن يوجد جناح كبير واحد أُلغي حجزه منذ دقائق قليلة. هل ترغب أن أحجزه لك؟»
نظر سليم لريحانة دون أن يظهر على وجهه أي تعبير، بينما كانت ريحانة تتسع عيناها باستنكار، ثم التفتت إليه قائلة بتوتر:
"إيه؟! أكيد مش هنعمل كده، صح؟"
ضيّق عينيه بابتسامة، قائلًا بنبرة مكر:
"تفتكري هنعمل إيه؟"
ابتلعت ريحانة ريقها بصعوبة، وقالت بعدم فهم:
"مش فاهمة."
ابتسم بخفة من جانب فمه، وقال:
"أكيد مش هنقعد في أوضة واحدة، إحنا مش أمريكان."
تنفست الصعداء وهي تبتسم بارتياح، لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا، إذ أكمل سليم حديثه بخبث:
"إحنا هنطلع على بيتي."
فتحت عينيها على مصرعيهما، وقالت بتلعثم:
"نعم؟! "
____________________________________________________________
في بيت ياسين، كان يستعد للذهاب إلى عمله، وأثناء انشغاله بإغلاق أزرار قميصه، دوّت رنّة هاتفه، معلنةً عن اتصال من رقم غير مسجّل.
أجاب بهدوء وهو يمشّط خصلات شعره أمام المرآة:
"ألو."
ساد الصمت للحظات.
قطّب جبينه باستغراب وقال:
"ألو... مين معايا؟"
جاءه الرد هذه المرة بصوتها الرقيق:
"دكتور ياسين."
ابتلع ريقه بصعوبة، وهمس بعدم تصديق:
"آيات... قصدي مدام آيات."
"أنا بعتذر إني بكلم حضرتك، لكن لقيت إياد مسجّل رقمك على موبايلي."
تذكّر أنه بالفعل، عندما كانا في السوبر ماركت، أعطى رقمه لإياد بعدما أصبحا صديقين، لكنه لم يتوقع أن يحتفظ إياد بالرقم على هاتف والدته.
"أيوة، أنا فعلًا اديته رقمي عشان بقينا أصحاب، بس أنا ما كنتش أعرف إنه سجّله على موبايلك... احم، أنا آسف لو حضرتك اتضايقتي."
تنهدت بهدوء وهي تستمع إلى كلماته.
ليتحدث بقلق هذه المرة :"مدام آيات... حضرتك كويسة؟"
تحدثت بتوتر:
"هو أنا ممكن أطلب من حضرتك طلب؟"
"أكيد، طلب إيه؟"
"ممكن نتقابل النهارده؟"
فتح عينيه على اتساعهما من شدة المفاجأة.
"نتقابل؟"
"أيوة، عايزة أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم، لو حضرتك معندكش اعتراض طبعًا."
"لا طبعًا. تحبي نتقابل فين؟"
"فيه كافيه اسمه..."
قاطعها قائلًا:
"أيوة، أيوة، عارفه. تمام، نتقابل الساعة تمانية؟ عشان أكون خلّصت العيادة."
"تمام، عن إذنك."
"سلام."
وضع الهاتف على قلبه، وقد تسارعت أنفاسه، ثم نظر فجأة إلى الساعة، وهمس بابتسامة حالمة:
"إمتى الساعة تيجي تمانية؟"
_____________________________________________________________________________
كان يقود السيارة بهدوء في شوارع أمريكا، حيث البنايات الضخمة والبيوت ذات التصميم الرائع، وبما أنهما في العاصمة واشنطن، فكانت معظم المباني خاصة بالشركات الضخمة والمولات التابعة لبراندات عالمية.
بعد مشكلة الفندق واقتراحه بأن يتجها لبيته وصدمة ريحانة، علّل بأن بيته به خادمات وربّة منزل، بالإضافة إلى طباخ وبواب، فلن يكونا بمفردهما، لتوافق أخيرًا ريحانة على مضض.
كانت ريحانة تنظر من شباك السيارة بانبهار، تتأمل الشوارع المنظمة والناس المرتبة، فعندما تراهم تعتقد أنهم على الـريد كاربت بملابسهم الأنيقة وهيئتهم الجذابة.
تحدثت ريحانة بابتسامة دافئة: "الشوارع جميلة أوي ونشطة، مليانة ناس مع إننا لسه الصبح."
أجابها سليم وهو يمسك عجلة القيادة: "ده عشان إحنا في العاصمة بس، لكن في المقاطعات والبلدان الصغيرة بتكون أهدى كتير."
هزت رأسها بفهم: "صحيح. هو إنت كنت مستقر في بيتك ده ومكنتش عايش مع باباك؟"
أجاب سليم بهدوء: "لا، كنت عايش معاه لحد ما اتخرجت، لكن أول ما اعتمدت على نفسي اشتريت فيلا في واشنطن. بيتي اللي كبرت فيه أصلًا مش هنا، بس أنا كنت حابب أعيش في العاصمة، وعشان كده اشتريت فيلا."
فتحت عينيها بانبهار: "واوو! فيلا وإنت لسه متخرج؟ أكيد والدك اللي اشتراهالك."
ابتسم بخفة: "قولتلك، أنا مبعتمدش على حد، بس هنا أسعار الفلل مش غالية أوي زي ما إنتي متخيلة، فهتلاقي معظم الناس هنا عنده فلل أو على الأقل شقة راقية، لكن طبعًا كل ما تقربي من العاصمة الأسعار بتزيد، والإسكان في العاصمة غالي أوي عن باقي البلدان."
أثناء حديثهما، أدار عجلة السيارة ليمر بشارع جانبي عبارة عن مفترق طرق، سار بشكل مستقيم لإحدى الشوارع التي كان في مقدمتها الفيلا.
نظر بجانبه نحوها: "وصلنا."
نظرت ريحانة أمامها لتجد بوابة حديدية تفتح بواسطة سكيورتي يقف، وبمجرد أن رأى سليم أومأ له بترحيب.
دخلت السيارة واجهة الفيلا، والتي كانت عبارة عن أرض عشبية خضراء ممتدة للداخل، ليظهر مبنى ضخم مكون من طابقين، ذات تصميم عصري لونه مزيج من الرصاصي والأبيض، تزينه أضواء صفراء حتى مع وجود نور الصباح. أمام الفيلا تواجد حمام سباحة واسع، واستراحة بها طاولة مستديرة وأريكة.
أوقف سليم السيارة ونزل بهدوء، تبعته ريحانة التي وقفت تتأمل المكان بانبهار، ليقاطعها صوت سليم: "عجبك المكان؟"
أومأت برأسها بحماس: "آه، جدًا! تصميم الفيلا من برّه حلو أوي، كأنه بيت كبير من دورين. وأحلى حاجة الجنينة، بتفكرني بقصرنا اللي في مصر."
ابتسم بخفة: "طيب يلا ندخل."
دخلا من باب الفيلا، لتجد ريحانة في استقبالهما امرأة في منتصف الخمسينيات، يبدو على ملامحها الحنان والطيبة، لتشعر بالألفة نحوها وكأنها من مصر. ثوانٍ، وتأكدت شكوكها حين اقتربت من سليم قائلة بسعادة: "سليم، مصدقتش نفسي لما اتصلت بيا وعرفتني إنك جاي."
ابتسم سليم بحب وهو يربت على كتفها: "عاملة إيه يا دادة سميرة؟ وأشلي عاملة إيه؟"
"كويسة يا حبيبي، وأشلي الحمد لله. ربنا يهدي سرّها مع جوزها. بس زعلانة منك كده، متعرفنيش إنك في أمريكا غير قبل ما تيجي بكام ساعة."
"والله يا دادة، لسه واصل وكنت نازل في فندق عشان شغل، لكن في الآخر جينا هنا."
نظرت سميرة لريحانة التي تقف بهدوء عند الباب تسمع حديثهم: "مين دي يا سليم؟"
أشار سليم لها أن تقترب وهو يقول: "دي ريحانة. تعالي يا ريحانة قربي."
اقتربت ريحانة بخجل لتقف بجانب سليم، ليكمل: "دادة، دي ريحانة، شغالة معايا في الشركة اللي في مصر وجت معايا عشان نخلص صفقة هنا. ريحانة، دي دادة سميرة. كانت شغالة في بيت بابا من وقت ما جينا أمريكا، ولما اشتريت البيت ده ،أنا أصريت تيجي وتعيش معايا فيه."
ابتسمت ريحانة: "أهلًا بحضرتك."
لتتفاجأ بسميرة وهي تحتضنها: "حبيبتي، إزيك؟ ما شاء الله عليكي، زي القمر."
ابتعدت عنها لتلاحظ استغرابها، وقالت بابتسامة: "اعذريني إني من اول مرة نتقابل وتخطيت المسافات بينا، بس إنتي بتفكريني ببنتي أشلي، بس هي هاجرت فرنسا مع جوزها، وكمان أنا وحشني المصريين أوي ومبصدق أشوف حد فيهم."
ابتسمت ريحانة برقة وهي تبادلها الحضن هذه المرة: "لا يا دادة، ولا يهمك، اعتبريني زي بنتك."
ابتسم سليم ليقول: "دادة سميرة مصرية أصلًا، بس اتجوزت أمريكي وسافرت معاه هناك، ومن وقتها وهي عايشة في أمريكا. وبابا اختارها عشان تهتم بينا بما إنها مصرية، وأكيد هتربينا على المبادئ بتاعتنا، وكمان بنتها أشلي كبرت معايا أنا وندى أختي وياسين لحد ما اتجوزت وسافرت فرنسا."
أومأت ريحانة برأسها بفهم: "أنا بردو استغربت، آخر حاجة كنت أتوقعها إني أقابل مصريين هنا."
علقت سميرة بحنين: "المصريين أيا كانوا فين، بيتلاقوا ببعض. سبحان الله، حتى لو مش بينا معرفة أو قرابة، بنرتاح لبعض؛ لمجرد اننا من بلد واحدة."
ابتسمت ريحانة بصفاء، ليتحدث سليم: "طيب يا دادة، إحنا هنموت من التعب. خلي حد من الخدم يطلع شنطتي لجناحي، ويطلع شنطة ريحانة لأوضتها. إنتي مش جهزتي غرفة الضيوف زي ما قولتلك؟"
"متقلقش يا سليم، جهزت لريحانة أوضة."
وجه سليم حديثه لريحانة: "طيب يلا نطلع نرتاح شوية، ورانا اجتماع في شركة الممولين بليل. يلا عشان أوريكي أوضتك."
هزت رأسها بموافقة: "عن إذنك يا دادة."
"اتفضلي يا حبيبتي."
راقبت سميرة سليم وريحانة وهما يصعدان السلالم، لتبتسم: "يارب يا سليم يكون اللي في بالي صح."
في الطابق العلوي، حيث تتواجد طرقة طويلة بها مجموعة من الغرف، تحدثت ريحانة وهي تسير خلف سليم: "شكلك بتحب دادة سميرة أوي، عمري ما شوفتك بتعامل حد كده."
ابتسم: "آه، هي شبه مربياني. في الأول مكنتش متقبلها، لكن مع الوقت اتعلقت بيها بسبب حنيتها وطيبتها. وأول ما اشتريت البيت ده أصريت تيجي تعيش معايا؛ منها عشان توجه الخادمات على نظام حياتي، ومنها عشان مبقاش عايش لوحدي مع الخادمات، لأنهم بيباتوا هنا."
توقفت ريحانة فجأة، وقطبت حاجبيها باستغراب ودهشة: "إنت غريب أوي."
توقف والتفت إليها: "غريب ليه؟"
"يعني إنت شاب وعايش في أمريكا، ومع ذلك متمسك بمبادئك. واحد غيرك كان قال: عادي."
ابتسم بخفة: "مش معنى إني عشت في أمريكا معظم عمري إني أنسى إني مسلم. حتى لو مش ملتزم، مش معناها إني أعمل كل حاجة غلط. لازم يكون فيه مبادئ الإنسان متمسك بيها عشان دماغه متسوحهوش، وخطوط حمرا ميقربلهاش مهما كانت المغريات."
سألته بفضول: "زي إيه؟"
مال برأسه وقال ببساطة: "يعني مثلًا الشرب. أنا عمري ما دوقت الخمرة، رغم إن شغلي بيحتم عليا أبقى موجود وسط ناس بتتعامل مع الخمرة كأنها الشاي، سواء في الحفلات أو في حياتهم العادية."
ثم أكمل بجدية: "وزي الز***."
حمحمت ريحانة بإحراج من جرأة الكلمة، ليلاحظ هو: "إيه؟ اتخضيتي كده ليه؟"
ضمت شفتيها بخجل ممزوج بدهشة: "أصل استغربت واحد زيك، غني وعاش في أمريكا فترة مراهقته وشبابه، ومعملش الفعل ده."
ابتسم بجانب فمه: "قولتلك، لازم الإنسان يبقى عنده مبادئ وخطوط حمرا."
ثم تنهد ليكمل: "صحيح، إحنا اتكلمنا كتير ولسه مورتكيش أوضتك."
فتح إحدى الأبواب وأشار بيده: "اتفضلي، دي أوضتك. أنا خليت دادة سميرة تجهزهالك. هي أوسع غرفة في الفيلا بعد جناحي."
أومأت برأسها، ثم دخلت الغرفة.
كانت الغرفة واسعة، بديكورات عصرية ودهان رمادي غامق، يتوسطها سرير كبير، وأمامه دولاب مزيج بين الأبيض والرمادي، وأريكة جلد في ركن، أمامها تلفاز حديث، مع حمام ملحق وشرفة كبيرة تغطي أحد جوانب الحائط.
كان لا يزال واقفًا خارج الغرفة يتأملها وهي تتنظر للغرفة.
"عجبتك؟"
هزت رأسها: "آه، جدًا. غريبة إنك تبقى مجهز غرف للضيوف بالشكل ده."
ابتسم: "طيب كويس إنها عجبتك. ارتاحي وحاولي تنامي شوية عشان تحضري الاجتماع وإنتي فايقة، وأنا هروح جناحي عشان أرتاح أنا كمان ."
أومأت برأسها بابتسامة، ليقول بهدوء: "تصبحي على خير ياريحانة."
"وإنت من أهل الخير."
غادر المكان بهدوء، أما هي فتنهدت لتبدأ بفتح حقيبتها بعد أن أحضرها إحدى الخادمات، وأخرجت بيجامة مريحة ووضعتها على السرير، ثم التقطت منشفة لتدخل الحمام وتأخذ شاور طويلًا يزيل تعب السفر، وبعدها تذهب في ثبات عميق امتد لساعات.
_____________________________________________________________________________
كان يجلس بتوتر ممزوج بسعادة، وهو ينتظرها في إحدى الكافيهات. تذكر إنه ألغى معاد آخر حالتين بالعيادة حتى يذهب لبيته، يستحم ويتجهز. كان يرتدي تيشرت زيتي أنيق بأزرار من الأمام، اثنان منها مفتوحان لتبرز لون بشرته الخمري الفاتحة وعنقه الطويلة المميزة بختم الرجال، أو ما يسمى بتفاحة آدم، مع بنطال أسود بسيط وكوتش أبيض، بينما ارتدى ساعة معدن بيده لتبرز عروق يده الواضحة.
كان ينظر لساعته بضيق. ما زالت الثامنة وخمس دقائق.
"أوووف، هي اتأخرت كده ليه؟"
ثم نفخ بضيق مرة أخرى: "اتأخرت ايه يا ياسين، ده هي خمس دقايق."
لم يكد ينهي جملته حتى رأى باب الكافيه الزجاجي يفتح ببطء، لتظهر هي، ملاكه الرقيق. بلع ريقه وهو يتأمل فستانها الكحلي المحتشم، مع حجاب أبيض كريمي وحقيبة كروس تضعها على كتفها من نفس لون الفستان.
نظرت للمكان بتوتر، تبحث عنه، ليرفع يده: "احم، تعالي، أنا قاعد هنا."
عندما رأته، ضمت شفتيها الوردية بتوتر، وقد زاد توترها؛ فكرت أن تهرب من المكان بأكمله ، ولكن قد فات الأوان، فهو رآها بالفعل. أخذت نفسًا عميقًا لتقترب من الطاولة وتنشد كرسيًا لتجلس عليه بهدوء.
ابتسم هو ليبدأ الحديث بعدما لاحظ صمتها: "إزيك يا مدام آيات؟ وإياد عامل إيه؟"
هزت رأسها بتوتر، وهي تتفحص المكان بخوف أن يراها أحد: "أ... أنا كويسة، وإياد بخير."
لاحظ خوفها المبالغ فيه، ليتحدث هذه المرة بلهجة هادئة: "مدام آيات."
نظرت له: "نعم؟"
"إحنا قاعدين في مكان عام، ملوش لزوم الرعب ده كله."
أخذ نفسًا عميقًا، لتهبط ببصرها وتبدأ في الحديث: "أنا آسفة إني طلبت أقابلك النهاردة. أكيد أنت استغربت، مش بعيد كمان تكون فكرت إني واحدة مش كويسة عشان أبقى متجوزة و..."
ليقاطعها سريعًا: "أولًا، أنا مجاش في بالي أي حاجة. ثانيًا، ممكن تهدي ونشرب حاجة الأول، وبعدها نتكلم."
أشار للجرسون ليقترب منهم، وتحدث: "تؤمر بإيه يا فندم؟"
"هاتلي قهوة مظبوط." ثم نظر لها: "تشربي؟"
هزت رأسها بحيرة: "عادي، أي حاجة."
ابتسم: "تحبي أطلبلك عصير فراولة؟"
ضمت شفتيها بخجل، وهي تهز رأسها بموافقة.
ليوجه حديثه للجرسون: "تمام، فنجان قهوة مظبوط وعصير فراولة."
غادر الجرسون، لينظر ياسين لها بهدوء، منتظرًا أن تبدأ حديثها، لكنها بقيت صامتة، تفكر في كيفية صياغتها بتوتر.
ظل صامتًا هو الآخر، يعطيها مساحتها لتتحدث عندما تكون مستعدة. مرت دقيقتان لتتحدث أخيرًا ،وتفجر القنبلة :
"أنا عايزاك تساعدني أرفع قضية خلع على جوزي."
#رواية_أسميتها_ريحانة
#الجزء_الثاني_من_رواية_عشقت_محتالة
#الكاتبة_سلمى_جاد
دمتم سالمين أحبابي وأشوفكم على خير الفصل القادم 😙❤️..