
رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل السابع 7 ج2 بقلم سلمى جاد
"أنا عايزاك تساعدني أرفع قضية خلع على جوزي."
ثم أكملت :"عايزة أبعد أنا وابني عن جوزي مازن بأي طريقة."
فتح ياسين عينيه بصدمة، ثم ابتلع ريقه بصعوبة، قائلًا:
"نعم؟"
"أنا عارفة إن حضرتك مش مضطر تساعدني، بس اللي شجعني هو كلامك ليا آخر مرة."
صمت لثوانٍ، لتقول بنبرة منكسره:
"أنا فعلًا بتضرب في البيت."
نظر لها ياسين بصمت، لكنه كان يقبض كف يده بغضب، لتكمل هي:
"بس كل مرة كنت أنا ضحيته، وكنت بستحمل عشان إياد. لكن المرة دي، اللي معندوش قلب ضرب إياد وكأنه هيكسر له دراعه... وكل ده عشان وهو بيلعب، زيه زي أي طفل، وقع كوباية الشاي بتاعته من غير قصد."
"أنا شيلته من تحت إيده بالعافية، وجريت بيه على أوضتي وقفلت بالترباس، وهو قعد يخبط زي المجنون. ولما مفتحناش، فضل قاعد طول اليوم في البيت عشان مستحلف لنا. وآخر ما زهق، خرج النهارده لشغله، وأنا على طول كلمتك."
تنهد ياسين بغضب، متمنيًا أن يرى هذا المدعو مازن، وحينها سيفتك به ويلكمه بقوة على فعلته.
ثم سألها:
"طيب، إنتي ليه طلبتي مساعدتي؟ أقصد انتي متقدريش ترفعي محامي بنفسك؟"
هزت رأسها بضعف:
"مينفعش. مازن مضيق علينا الدنيا. خروجاتنا بتبقى بحساب، ده حتى موبايلي كل يوم بيمسكه يفتشه؛ عشان شاكك إني..."
ضمت شفتيها بخجل، ليكمل ياسين:
"شاكك إنك تعرفي راجل عليه؟"
هزت رأسها بحزن:
"بالظبط."
"اعذريني، ممكن أسألك سؤال؟ هو طول عمره بيشك فيكي؟ يعني إيه اللي مخليه ظالمك بالشكل ده؟"
رفعت آيات بصرها نحوه، وهي تفرك كف يدها بإحراج. لم تستطع إخباره بالحقيقة وسبب شك زوجها بها، كيف تخبره السبب الحقيقي وراء شكّه بها؛ أنها ترفض إكمال زواجهم. لتجيب بتلعثم:
"عشان فاكر إني مبحبوش."
"مبتحبهوش؟"
ضغط ياسين على أسنانه بضيق، ليسألها بغيرة:
"وإنتي فعلًا مبتحبهوش؟ ولا لسه بعد كل اللي بيعمله فيكي عندك مشاعر ناحيته؟"
هزت رأسها نفيًا، وقد بدأت الدموع في الهطول على وجنتيها:
"لا طبعًا... مازن ده أكتر إنسان أنا كرهته في حياتي. أنا اتجوزته أصلًا غصب عني."
قطب ياسين جبينه باستغراب:
"غصب عنك؟ إزاي؟"
تنهدت آيات بحزن، وبدأت تسرد حكايتها المؤلمة:
"أنا كنت بنت عادية من عيلة فقيرة، لكن أهلي ناس طيبين. ماكانش لهم في الدنيا دي غير أنا وأختي الكبيرة أمل، وكانت أكبر مني بخمس سنين."
"أنا كنت بحب الحياة، ودائمًا بضحك. حققت حلمي ودخلت كلية الطب."
رفع ياسين حاجبه بتفاجؤ، وهمس بدهشة:
"طب؟"
هزت رأسها بألم لتكمل:
"أيوة، كلية الطب. لكن حياتي اتغيرت بين يوم وليلة. كنت وقتها وصلت لسنة خامسة، يعني خلاص قربت أتخرج وأبقى دكتورة قد الدنيا. كان عندي أحلام كتير، لكن كل ده اتهد لما أختي الوحيدة أمل ماتت فجأة."
ضمت شفتيها وهي على وشك البكاء، فناولها ياسين منديلًا. أخذته ثم تشكره، وأكملت:
"أمل كانت متجوزة ومخلفة طفل عنده أربع سنين. وفجأة سابت كل ده وماتت."
همس ياسين بصدمة:
"متقوليش إن جوزها ده يبقى مازن، وابنها يبقى إياد، صح؟"
هزت رأسها بتأكيد، لتكمل:
"اتصدمت إن بعد أربعين أختي بأيام، مازن جاي وبيرمي إياد لينا، وبيقول إنه هيتجوز. ولما بابا عاتبه إن أختي ملحقتش على موتها شهرين على بعض، بان وشه الحقيقي. قعد يشتم في أختي الميتة بأبشع الألفاظ. فهمنا وقتها إنها كانت عايشة في كابوس معاه، لكنها عمرها ما اتكلمت عشان متزعلناش."
"طبعًا إحنا كانت ظروفنا المادية سيئة جدًا. أنا كنت بدفع مصاريف جامعتي عن طريق إني كنت بشتغل بعد الجامعة. المهم إننا مكانش هنقدر نربي إياد ولا ندفع مصاريف تعليمه، خصوصًا إن مازن مرتاح ماديًا جدًا، وكمان مدخل ابنه حضانة بمصاريف خمسين ألف في الشهر."
"إحنا وقتها سكتنا، ودفاعنا وقفت، ومكناش عارفين نتصرف إزاي. وهو ادانا يومين نفكر."
"لكن بعد اليومين رجع بكلام مختلف تمامًا، وواضح إن الجوازة اللي كان ماشي فيها باظت. عرض على بابا إنه موافق يربي إياد ويدفع مصاريفه، لكن بشرط واحد."
تحدث ياسين باستنتاج:
"بشرط إنه يتجوزك، طبعًا."
هزت رأسها بتأكيد، لتكمل:
"المهم، الجاحد ده قال إنه لو مش موافقين، هياخد إياد غصب عننا ويرميه في دار أيتام. أنا وقتها كنت بين نارين؛ بين إني أتجوز واحد بكرهه، وبين إني أسيب ابن أختي اللي ماتت يتيتم مع أبوه. وأخدت قراري ووافقت، وأنا قلبي متكسر."
"الجواز تم في أقل من أسبوع، ومن أول يوم المشاكل ظهرت، والوش اللي شوفناه طلع ميجيش حاجة في حقيقته."
"منعني إني أكمل تعليمي، خصوصًا بعد ما بابا وماما توفوا بعد جوازنا بأقل من سنة، وبقى شبه حابسني في البيت. مبخرجش غير بطلوع الروح، ده غير الضرب والإهانة بأبشع الألفاظ. لو بس غلطت غلطة بسيطة، أو حتى لو مغلطتش، ممكن ييجي من برة يدور فيا الضرب والشتيمة لحد ما أقطع النفس، وحتى ميفرقش معاه أنا حية ولا ميتة، ويخرج من البيت ،وإياد حبيبي يروح يجري على الجيران عشان يلحقوني."
تنهد ياسين بوجع على حالها. لم يتوقع أن هذا الملاك قد مرت بهذه الحياة المأساوية من الظلم والقهر والإهانات، بل إنها حُرمت من أبسط حقوقها؛ أن تكمل جامعتها.
تحدث بهدوء وهو ينظر إليها:
"طيب، ليه غيرتي رأيك دلوقتي؟"
"زي ما قولتلك، كل مرة الموضوع كان بيقتصر عليا، وكنت بسكت وأقول أهم حاجة ميلمسش إياد. لكن آخر مرة، لما لقيته بيأذي إياد، أخدت قراري الأخير."
نظر لها بعينيه البنيتين العميقتين، قائلًا بتوتر:
"طيب، ليه اختارتي أنا أساعدك؟ ليه مطلبتيش المساعدة من أي حد تاني؟"
صمتت آيات؛ فسؤاله منطقي، لكنها لا تعرف الإجابة، لتقول بعد تفكير:
"عشان إنت الوحيد اللي حسيت عندك قابلية إنك تساعدني. لما كنا في محل الآيس كريم، قلتلي إني أقدر أرفع قضية وأثبت إني بتعرض للعنف."
هز ياسين رأسه، لكنه التزم الصمت.
فهمت آيات رد فعله، وقالت بخيبة أمل، وهي تشد حقيبتها من على الكرسي:
"جوابك وصلني يا دكتور. إنت مش مضطر تدخل نفسك في المشاكل دي عشان واحدة متعرفهاش. عن إذنك."
نهض ياسين بسرعة، وقال:
"استني، بس إنتي فهمتيني غلط. أنا مقولتش إني مش عايز أساعدك."
حل الصمت قليلًا، ثم قال وهو ينظر إليها بعينين لامعتين:
"أنا موافق... هساعدك تخلعي جوزك وتبقي حرة."
________________________________________________________________________
في قصر السويسي ــ جناح يزن
استلقى يزن بتعب على السرير بعد عودته من المستشفى.
تحدث أدهم وهو يسند يزن: "كده مرتاح؟"
"آه يا بابا، شكرًا."
قال أدهم بضيق: "أنا مش عارف بس ليه معاند ومش عايز تقعد في المستشفى لحد ما تبقى كويس."
"يا بابا، حضرتك عارف إني مبحبش قعدة المستشفى."
تحدثت فتون بصوت ناعم: "خالو عنده حق يا يزن، كان لازم تقعد شوية في المستشفى لحد ما نطمن عليك."
تدخلت جميلة في الحوار: "أيوة يا حبيبي، بس ده أنت واخد رصاصة جنب قلبك، يعني كنت محتاج تقعد في المستشفى لحد ما تتعافى تمامًا."
هز أدهم رأسه بنفي: "سيبكوا منه، عمره ما هيبطل عناد."
سحب جاكيت بدلته، ثم قال: "أنا رايح الشركة عشان ورايا شغل كتير. محتاج حاجة؟"
ابتسم يزن: "متقلقش يا بابا، هحتاج إيه وأنا معايا أميرتين؟"
ابتسمت كل من جميلة وفتون، ليغادر أدهم ومعه جميلة لتوديعه، ويبقى في الجناح يزن وفتون فقط.
جلست فتون على كرسي بجانب سرير يزن مباشرة، ليرفع حاجبه باستنكار: "قعدة بعيد كده ليه؟"
نظرت إليه فتون بدهشة: "بعيد إزاي؟ ما أنا جنبك أهو."
هز يزن رأسه بصمت، ولكن بعد ثوانٍ تشنجت ملامحه بألم، وهو يضع يده على صدره.
نهضت فتون بفزع: " مالك؟"
"آه... مش عارف، الجرح شد عليَّا فجأة."
اقتربت منه وجلست بجانبه على السرير: "إزاي؟ ما أنت كنت كويس دلوقتى!"
شهقت فجأة فتون حين شعرت بيده الموضوعة حول خصرها تشدها بقوة، لتستقر رأسها على صدره.
"يزن!"
قال يزن بشجن: "قلبه... خليكي كده."
"بس يا يزن، ممكن حد يدخل علينا."
"أولًا، بابا خرج، وجميلة تلاقيها بتحضر العشا، يعني محدش هيدخل علينا."
"بس..."
أغمض عينيه بإرهاق: "ششش... مفيش بس. ويلا غمضي عيونك ونامي، عشان أنا كمان تعبان وعايز أنام."
ابتسمت بخفة، ثم أغمضت عينيها. وبعد دقائق، غرقا في سبات عميق، حتى إنهما لم يشعرا بالواقفة عند الباب.ابتسمت جميلة وهي تهز رأسها ، ثم أطفأت الأنوار وأغلقت الباب وخرجت لتجهيز العشاء.
_____________________________________________________________
في نفس الوقت، ولكن بتوقيت أمريكا...
كان يقف أمام المرآة يتأمل مظهره قبل الخروج، مرتديًا قميصًا كحليًا أنيقًا أبرز جسده الرياضي، خصوصًا صدره العريض الذي ظهر من خلال أزرار القميص العلوية المفتوحة، مع بنطال أبيض.
ولإكمال مظهره، ارتدى ساعة رولكس في يده اليسرى، أضافت إلى إطلالته مزيدًا من الفخامة والرقي.
وصفف خصلات شعره الكثيفة بلونها الأسود اللامع، وبالطبع لم ينس عطره الخاص ذي الرائحة الرجولية المميزة.جلس على السرير ليرتدي حزامًا من نفس لون القميص، ثم سحب هاتفه ومحفظته، وخرج من الجناح متجهًا إلى غرفة ريحانة.
في نفس الوقت، في غرفة ريحانة...
كانت تقف أمام المرآة، تضيف اللمسات الأخيرة إلى إطلالتها قبل الخروج.
ارتدت فستانًا أزرق نيليًا يصل إلى بداية ركبتيها، مع حزام عند الخصر أبرز خصرها، وأكمام واسعة تنسدل إلى بداية ساعديها، واكتفت بإكسسوارات بسيطة.
بينما قررت ترك شعرها حرًا دون قيود، رغم أنها لا تفعل ذلك كثيرًا، فانسدلت خصلاتها السوداء على ظهرها بحرية، لتغطيه بالكامل حتى وصلت إلى نهاية خصرها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم التقطت حقيبتها وهاتفها، وخرجت متجهة إلى جناح سليم.
كان يسير بهدوء في الطرقة، يتصفح هاتفه، حتى شعر بخطوات قادمة من نهاية الطرقة. رفع عينيه ببطء ليراها، بينما كانت هي تسير بسرعة، لتتفاجأ به يقف أمامها بهيئته الرجولية.
حمحم سليم بخشونة: «خلصتي؟»
هزت رأسها بإيجاب: «أيوة، خلصت. أنا أصلًا جاية عشان أشوفك، نمشي ولا إيه؟»
أومأ برأسه، محاولًا إبعاد نظره عن شعرها المفرود،لكنه حمحم بخشونه وقال:
«إحم... إنتي ليه مش رابطة شعرك؟»
لامست خصلات شعرها بدهشة: «ليه؟ هو وحش كده؟»
مال برأسه وكأنه يتحدث بعقلانية، لكن حديثه كان يناقض ذلك: «لا، مش مسألة وحش، بس ده اجتماع عادي، مش حفلة يعني.»
ضمت شفتيها بضيق: «طيب، أدخل أربطه بتوكة وخلاص، بس المشكلة إني خايفة يبوظ، وكمان هضطر أسرحه تاني تسريحه مختلفه »
مسح على خصلات شعره بتوتر، ثم قال فجأة: «ممكن تعمليه ضفيرة؟»
رفعت حاجبيها باستغراب: «ضفيرة؟»
أومأ برأسه، ثم اقترب منها قليلًا وقال بتردد: «أنا بعرف أضفر... تسمحيلي؟»
رفعت بصرها نحوه بدهشة، لكنها هزت رأسها بتوهان.
وقف خلفها وبدأ يضع يديه على شعرها، بينما أغمضت ريحانة عينيها بتوتر، وهي تشعر بيديه تلامسان خصلات شعرها، ثم بدأ يجمعه في كفه ويقسمه إلى ثلاثة أقسام، ويبدأ في تجديله على هيئة ضفيرة.
كانت تشعر بأنفاسه الدافئة وهي تلامس رأسها، مما زاد من توترها. انتهى أخيرًا من تجديل آخر عقدة في الضفيرة، ثم نظر حوله باحثًا عن شيء يربطها به.
«عايز توكة.»
«التوك في أوضتي، هروح أجيبها.»
قاطعها: «لا، ملوش لزوم. هاتي الأنسيال اللي في إيدك ده.»
نظرت بدهشة إلى الأنسِيال الملفوف حول معصمها: «هتعمل بيه إيه؟»
«هاتيه بس.»
خلعته بهدوء وأعطته إياه، فبدأ يلف الأنسيال الذهبي ذي الفصوص على شكل قلوب ودلايات صغيرة حول طرف الضفيرة.
أنهى لفه حول آخر أطراف شعرها، ثم ابتعد قليلًا حتى يراه بوضوح، وما زال يحمل شعرها بين يديه.
«تمام... كده حلو.»
التقطت ريحانة خصلة من شعرها بجانب رأسها، لترى الأنسيال الذهبي الملفوف حول أطراف شعرها، مما أعطاه شكلًا خاصًا وجمالًا مميزًا.
«شكله حلو أوي.»
ابتسم بجانب فمه وقال: «طيب، يلا بقى نمشي عشان منتأخرش على الاجتماع.»
أومأت برأسها بابتسامة، فتقدم هو، وتبعته وهي تنظر إلى الأنسيال بإعجاب ودهشة.
أوقف سيارته أمام مقر الشركة، ثم نظر إليها قائلًا بهدوء، وهو يخلع حزام الأمان:
"يلا، وصلنا."
أومأت برأسها، ثم نزلت من السيارة، وهي تتأمل واجهة الشركة بانبهار.
"واو! دي شركة كبيرة أوي... متوقعتش تكون كده."
نظر سليم هو الآخر إلى واجهة الشركة، وقال:
"إنت بس ما تعرفيش طبيعة المستثمرين دول. من أهم رجال الأعمال في أمريكا، وطبيعي الشركة تكون بالحجم ده."
ثم أردف:
" يلا ندخل."
أومأت برأسها بحماس:
"يلا."
دخلا مقر الشركة، فتقدم سليم من مكتب الاستقبال، وتحدث إلى السكرتيرة باللغة الإنجليزية:
"Good evening, I'm Salim Al-Daly."
(مساء الخير، أنا سليم الدالي.)
كادت أن تقاطعه بابتسامة واسعة، وعينين لامعتين من الإعجاب:
"No need to introduce yourself, Mr. Salim. You are one of the most famous businessmen, and I already know about the meeting. Please, come this way. The meeting is being held in this room."
(لا داعي لتعريف نفسك، سيد سليم. فأنت واحد من أشهر رجال الأعمال، وأنا بالفعل على علم بالاجتماع. تفضل من هنا، الاجتماع يُعقد في هذه الغرفة.)
هز سليم رأسه بابتسامة، ثم وجه حديثه إلى ريحانة:
"يلا يا ريحانة."
تقدم هو، وسارت ريحانة خلفه، ولكنها، وعلى غفلة منه، اقتربت من السكرتيرة وهمست لها:
"إيه ياختي المحن ده؟ أول مرة تشوفي رجل أعمال؟"
نظرت إليها السكرتيرة باستغراب، فلم تفهم ما تقوله، ثم أجابتها:
"Sorry, miss. I didn't understand."
(آسفة يا آنسة، لم أفهم .)
كادت ريحانة أن ترد، لكن قاطعها صوت سليم، الذي ناداها باستغراب حين لم يجدها خلفه:
"ريحانة! بتعملي إيه عندك؟"
حمحمت بتوتر، ثم أسرعت خلفه:
"أنا جاية أهو."
وقف بجانبها، ثم همس لها:
"كنتي واقفه بتقوليلها إيه؟"
فتحت عينيها بتوتر، وقالت سريعًا:
"كنت بس بسألها عن نوع البرفيوم اللي حطاه."
أومأ سليم برأسه بهدوء، ثم طرق الباب الموجود أمامه، ودخل بهدوء، لتدخل ريحانة خلفه.
____________________________________________________________
في شركة السويسي
كان أدهم يجلس مع علي، والانفعال واضح على ملامحه.
"قولتلك فيه حد قاصد يبوظلي شغلي."
قال علي بحيرة: "مش عارف يا أدهم، أنا محتار فعلًا. فيه حد مستَقصدنا وعايز يوقعنا.
ثم أكمل :" الصفقات اللي كل شوية تبوظ، ومصنع الأدوية اللي انقطعت عنه الكهربا بفعل فاعل."
خبط أدهم على المكتب بانفعال: "مين؟ أوصله بس، أوصل للي ورا كل ده، ووقتها هيكون آخر يوم في عمره."
قال علي بتفكير: "ممكن حد من أعدائنا في السوق."
هز أدهم رأسه نافيًا، وهو ينظر أمامه بشرود: "لا، كلهم ميتجرأوش يقربوا من شغلي. فيه حد تاني بيكرهني وعايز يأذيني في شغلي، بس يا ترى مين الشخص ده؟"
______________________________________________________________
في قاعة الاجتماعات، كان سليم يجلس بهدوء، يتفاوض مع باقي رجال الأعمال الحاضرين حول الصفقة. كان يتحدث الإنجليزية بمهارة، لكنه توقف عن الحديث فجأة عندما اخترق أذنه همس رجل أعمال يجلس أمامه، وينظر إلى ريحانة بإعجاب:
"She has beautiful long hair. Wow, just like Rapunzel."
"إنها تملك شعرًا رائعًا وطويلًا... واو، مثل روبانزل."
جزّ سليم على أسنانه بغضب، وقال:
"Excuse me, Mr. Jack. What did you say?"
"معذرةً، سيد جاك... ماذا تقول؟"
أجاب جاك بتوتر:
"Nothing."
"لا شيء."
تحدث سليم ببرود:
"Okay, so we've agreed on the terms of the contract. We'll sign it at the signing ceremony once you inform us of the date."
"حسنًا، هكذا اتفقنا على بنود العقد، ونقوم بالتوقيع في حفل التوقيع عندما تخبروننا بالموعد."
أمسك سليم بيد ريحانة فجأة، لتنهض معه، بينما استغربت ريحانة رد فعل سليم، لكنها سارت معه بصمت.
وما إن خرجا من المكان، حتى سألته:
"سليم، فيه إيه؟"
"مفيش."
"أومال ليه خرجنا بسرعة كده؟"
"أنا مش مرتاح للناس دي."
نظرت إليه باستغراب:
"إزاي؟"
"مش عارف... هم معملوش حاجة تثير الشك، بس موافقتهم السريعة على شروطنا وكمان مش مرتاح للي اسمه جاك ده ، وأنا بثق في إحساسي خصوصا في اللي اسمه جاك ده"
صمت قليلًا، ثم قال:
"يلا نروح البيت."
قطبت ريحانة جبينها، وسألته:
"ليه هنروح دلوقتي؟"
تنهد سليم وقال:
"أومال عايزة تعملي إيه؟"
ضمت شفتيها بتفكير، ثم قالت فجأة:
"عايزة أعمل شوبينج، وبالمرة أشوف الشوارع وأتفرج على البلد."
رفع حاجبه وهو يتأمل الساعة في يده:
"دلوقتي؟"
هزت رأسها بحماس، ليتنهد باستسلام:
"ماشي."
ابتسمت، لكنها أضافت:
"بس بشرط."
نظر إليها بضيق:
"هتشرطي كمان؟"
"أيوة... مش هنركب العربية، هنتمشى."
سألها سليم باستغراب:
"اشمعنا؟"
رفعت كتفها وقالت:
"العربية هتكون حبساني، لكن لما نمشي في الشوارع هيكون فيه حرية."
تنهد باستسلام:
"ماشي، بس هنركن بالعربية الأول في الشارع الرئيسي، وبعدين ننزل ونتمشى."
أومأت برأسها بحماس.
ركبا السيارة وانطلقا، لكنهما لم ينتبها إلى السيارة التي كانت تقف في الظلام بانتظارهما.
في داخلها، كان شخص ملثم يتحدث عبر الهاتف، فجاءه صوت الطرف الآخر:
"Follow them, and don't let them get away."
"راقبهم، ومتخليهمش يفلتوا منك."
أجاب الشخص الملثم:
"Yes, Mr. Jack."
"حاضر، مستر جاك."
ثم تحركت السيارة على الفور خلفهما.
_____________________________________________________________
كانا يسيران في شوارع واشنطن المزدحمة، رغم أن الساعة تجاوزت الثانية عشرة بعد منتصف الليل. وعلى الرغم من تأخر الوقت، لم تكن المدينة تعرف معنى الهدوء؛ أضواء المحلات والمطاعم لا تزال مضاءة، وأصوات السيارات تختلط بأحاديث المارة وضحكاتهم، بينما كانت نسمات الليل الباردة تداعب خصلات شعر ريحانة التي كانت تسير بجانب سليم بخطوات خفيفة، تلتفت بين الحين والآخر إلى الشوارع من حولها.
نظر سليم إليها بابتسامة وهو يتأمل سعادتها الواضحة، ثم قال:
— إيه رأيك في الشوارع بليل؟
أجابته بسعادة وهي تنظر حولها:
— الشوارع بليل مختلفة خالص عن الصبح.
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة، وقال:
— فعلًا مختلفة. حتى الناس مختلفين... بيتحولوا من أشخاص كئيبة وعملية ومملة لناس عايزة تنبسط وسعيدة.
نظرت إليه ريحانة، ثم ابتسمت بجانب فمها، فلاحظ ابتسامتها.
— إيه؟ بتضحكي على إيه؟
مالت برأسها قليلًا وقالت:
— أصل كإنك بتوصف نفسك.
رفع حاجبه باستغراب مصطنع:
— أممم... يعني أنا الصبح ببقى عملي وكئيب، وبالليل بتغير؟
هزت رأسها مؤكدة:
— أيوة، إنت بس مش بتشوف نفسك عامل إزاي.
ابتسم وهو ينظر إليها:
— ببقى عامل إزاي يا ست ريحانة؟
أجابته بابتسامة:
— ممل، وكل همك الشغل والصفقات، لكن لما الليل ييجي بتكون اجتماعي وبتضحك.
ضحك بخفة، ثم قال:
— ماشي يا ستي... إيه رأيك تيجي تاكلي آيس كريم؟
هزت رأسها بحماس:
— موافقة طبعًا
أشار لها بيده:
— طيب تعالي.
اقتربا من عربة الآيس كريم الموجودة على جانب الشارع، وطلب سليم النكهتين اللتين اختارتهما ريحانة.
وبينما كان البائع يُعد الآيس كريم، ألقى سليم نظرة عابرة خلفه، فتوقف للحظة عندما لمح شخصًا يقف على مسافة ويراقبهما.كان يرتدي ملابس داكنة ويخفي جزءًا كبيرًا من وجهه.وما إن التقت عيناه بعيني سليم، حتى ابتعد سريعًا وغيّر اتجاهه .
ظل سليم يراقبه لثوانٍ، قبل أن يعيد نظره إلى البائع وكأن شيئًا لم يحدث.دفع النقود، ثم أعطى ريحانة الآيس كريم، وأكملا طريقهما.
كانت ريحانة تأكل بسعادة، ثم قالت:
— اممم... طعمه يجنن
ابتسم سليم بجانب فمه:
— بالهنا والشفا.
سارت بجانبه للحظات، ثم تذكرت شيئًا فقالت:
— صحيح، الحفلة اللي قالوا عليها هتكون إمتى؟
— مش عارف، حسب ما يحددوا.
— أنا مكنتش عاملة حسابي إني هحضر حفلات هنا.
نظر إليها باستفهام:
— اشمعنا؟
— أصل أنا كل اللبس اللي معايا فورمال وكاجوال، فمش معايا حاجة سواريه تنفع لحفلات.
— مش مشكلة، وقتها نبقى نشتري فستان ليكي.
نظرت إليه باستغراب:
— وإنت تعرف بقى تشتري لبس حريمي هنا؟
هز رأسه بثقة:
— أيوة.
ضيقت عينيها وقالت بضيق:
— كنت بتشتري إنت وحبيبتك منهم؟
نظر إليها بابتسامة جانبية:
— تقدري تقولي كده.
قبضت ريحانة كفها بقوة، ثم تقدمت عنه بخطوات سريعة وهي تتمتم:
— مش عايزة أشتري حاجة.
ضحك سليم بقوة، ثم أسرع خلفها وأمسك يدها:
— تعالي هنا.
قطبت حاجبيها وهي تنظر إلى الأرض بضيق:
— نعم؟
ابتسم ابتسامة ماكرة وقال:
— ريحانة، بصيلي.
رفعت عينيها نحوه، وبسبب فارق الطول اضطرت إلى رفع رأسها قليلًا، لتصبح نظرتها أقرب إلى الطفولية منها إلى الغضب.
— نعم؟
ابتسم وقال:
— أنا مرتبطتش قبل كده.
هزت كتفها بتمثيل اللامبالاة:
— وأنا مالي؟ بتقولي ليه؟
ابتسم بجانب فمه:
— بقولك عشان تبقي عارفة إني ماليش في جو البنات ده، ولا بفهم اللي بيكون في دماغهم. فياريت لو فيه حاجة جواكي، أو حاجة عايزة تقوليها، تقوليها على طول.
بلعت ريحانة ريقها بتوتر:
— مفيش حاجة جوايا.
نظر إليها بتركيز، وما زالت يدها بين يديه، ثم قال:
— بس أنا جوايا...
نظرت إليه بتوتر:
— جواك إيه؟
كاد أن يجيبها، لكنه فجأة سحبها دون مقدمات إلى شارع جانبي خالٍ ومظلم، ثم وقف أمامها ليحجبها بجسده عن الطريق.
اتسعت عيناها بخضة:
—سليم في إيه؟
أشار إليها أن تصمت، وقال هامسًا:
— ششش... فيه حد بيراقبنا من بدري.
قطبت جبينها باستغراب:
— بيراقبنا إزاي؟
— مش عارف، بس أنا حاسس من وقت ما خرجنا من الشركة إن فيه حد ماشي ورانا.
نظرت ريحانة حولها بقلق:
— طيب وهنعمل إيه؟
تجولت عيناها في الشارع للحظات، قبل أن تشهق بخجل حين انتبهت إلى شيء آخر.
فقد كان الشارع ضيقًا ومظلمًا، ولم يكونا بمفردهما تمامًا؛ إذ كان على مسافة قصيرة منهما شاب وفتاة ، يقتربان من بعضهما بشكل جرئ جدا .
همست بخجل:
— سليم، يلا نمشي من هنا.
نظر إليها باستغراب:
— فيه إيه؟
أشارت برأسها ،لينظر سليم إلى الجهة التي أشارت إليها، ثوان ثم حمحم بإحراج وأعاد نظره إليها:
— سيبيك منهم، ده عادي في أمريكا.
ثم مال قليلًا نحوها وقال:
— بصي، أنا هميل براسي وأشوف لسه ماشي ورانا ولا لأ.
هزت رأسها بالموافقة، وهي تحاول قدر الإمكان ألا تنظر إلى بقية الشارع.
كاد سليم ينظر تجاه الشارع الرئيسي، لكنه لمح فجأة ظل شخص يقترب منهما.
نظر حوله بسرعة، محاولًا التفكير في طريقة لإخفائهما، لكنه لم يجد أمامه سوى حل واحد.
لمح جاكتًا يخص أحد الشباب ملقى بإهمال على الأرض، فانحنى والتقطه بسرعة ووضعه على ظهره لإخفاء ملابسه. وقبل أن تسأله ريحانة عما يفعل، اقترب منها وحاوطها بذراعيه، حتى كادت تختفي بين جسده والحائط.
اتسعت عيناها بدهشة، وقبل أن تتمكن من الاعتراض، قاطعها سليم هامسًا بصوت منخفض:
"ريحانة، اثبتي."
لتتصنم مكانها عندما اقترب سليم حتى كاد لا يفصلهما مسافة. وضع إبهامه على شفتيها، ثم اقترب منها متظاهرًا بأنه يتصرف مثل الشاب والفتاة الموجودين في الشارع، بينما خلفهما وقف الملثم يراقبهما من بعيد، محاولًا التأكد من هويتهما.
#رواية_أسميتها_ريحانة
#الجزء_الثاني_من_رواية_عشقت_محتالة
#الكاتبة_سلمى_جاد