
رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل الرابع عشر 14 بقلم سلمى جاد
كانت نائمة بتعب من أثر سهرها الليلة الماضية لوقت متأخر بالشركة، دوّى صوت المنبه معلنًا حلول الساعة العاشرة. فتحت عينيها الفيروزية ببطء، لترمش ثواني قبل أن تستوعب ما حولها، وتمد يدها لتطفئ المنبه.
نهضت من السرير وهي تتمطأ بتعب، فظهرها بات يؤلمها كثيرًا في الآونة الأخيرة، أثر جلوسها لفترات طويلة على المكتب. التقطت منشفة ودخلت الحمام استعدادًا لأخذ شاور كعادتها كل صباح قبل الذهاب للشركة.
بعد ثلث ساعة، كانت تقف أمام المرآة تتأكد من تناسق مظهرها، فاليوم ستحضر اجتماعًا مهمًا بالشركة، ويجب أن يبدو مظهرها أنيقًا.
كانت ترتدي قميصًا حريريًا باللون البني،ذو أكمام طويلة، بأزار مغلفة، باستثناء الزرارين الأماميين تركتهما بدون غلق، لتظهر عظمتي الترقوة لديها بشكل جذاب، مع سكيرت صاق باللون الأسود تصل لنهاية ساقها،وجزمة كعب سوداء زادت طولها وأعطتها مزيدًا من الثقة.
وعندما جاء الدور على شعرها، كادت أن ترفعه لأعلى في ذيل حصان كعادتها، ولكنها فجأة تركته ينساب خلفها، وبدأت في تمشيط خصلاتها الحريرية ذات التموجات البسيطة، لتنتهي أخيرًا، حيث تركت شعرها حرًا بدون قيود، ينساب على ظهرها كسلاسل الحرير، وجمعت بعض الخصلات من الأمام وجدلتها على هيئة ضفيرة، بينما تركت بعض الخصلات أسفل أذنها لتلمس رقبتها الناعمة وتعطيها مظهرًا ساحرًا.
لتضع اللمسة الأخيرة، حيث التقطت كحلًا أسود وبدأت بتكحيل عينيها الفيروزيتين كعادتها الأيام الأخيرة، ثم رشت بعض قطرات العطر. أخذت نفسًا عميقًا وهي تتأمل مظهرها بالمرآة.
لتضع فجأة يدها على قلبها، وهي تشعر بشعور غريب يتملكها، مزيج من الخوف والرهبة، وكأنها تتوقع حدثًا ما، والمربك شعورها وكأنه توجد فراشات بمعدتها تتراقص.
استغربت هذا الشعور، لكنها لم تهتم كثيرًا، وسحبت حقيبتها وخرجت سريعًا، فقد تأخرت بما فيه الكفاية.في المساء
بعد دقائق كانت تقود سيارتها الخاصة في شوارع القاهرة . كان اللطقس لطيف خصوصا مع اقترب الخريف فكانت نسمات الهواء الباردة تداعب خصلات شعرها السوداء، لتتطاير خلفها بشكل جذاب.
شعرت بحركة غريبة بجانبها، لتنظر فجأة وتجد شابًا يقود سيارته بجانبها، وينظر لها بابتسامة إعجاب.
الشاب: «هاي يا قمر.»
رفعت طرف شفتيها العلوية بامتعاض، لتنظر له شزرًا، قبل أن تزيد سرعة السيارة وتنطلق بسرعة على الطريق، وتسبق سيارة الشاب بمسافة كبيرة.
مدت يدها وضغطت على زر الكاسيت، لتشتغل بالصدفة أغنية لشرين عبدالوهاب، فصدر صوت مقطع من أغنية وكان :
"لما إنت قادر ع البعاد قربت ليه يا حبيبي؟"
"من بعد شوقي في قلبي ما زاد بتسيبني ليه يا حبيبي؟"
ابتسمت بسخرية، وأغلقت الموسيقى وهي تتنهد، ثم انطلقت بسرعة أكبر، وعيناها الفيروزيتان تلمعان بالحزن والألم.
وصلت الشركة أخيرًا، لتترجل من السيارة وتسير خطوات بسيطة على الطريق. كادت أن تدخل الشركة، حتى شعرت بعيون تراقبها. التفتت حولها باستغراب، لكنها لم تجد أحدًا. حركت رأسها بعدم اكتراث، ودخلت الشركة.
كانت الشركة من الداخل عبارة عن واجهة واسعة للاستقبال، ذات حائط من الزجاج الأزرق القاتم، وبها بعض المكاتب الخاصة بالموظفين، وفي نهاية الطرقة مصعد يمر على طوابق الشركة العشرين.
خرجت من المصعد بهدوء، وهي تسير بخطوات ثابتة، وكعب حذائها يرتطم بالأرضية الرخامية، ليصدر صوتًا جعل كل من حولها يلتفت إليها. بعضهم ينظر لها بإعجاب، والبعض الآخر بحقد، لكنها كانت تسير ورأسها مرفوع بثقة، وابتسامة خفيفة على وجهها، لتصل أخيرًا إلى مكتبها الموجود في نهاية الطرقة، وتدخل وتغلق الباب خلفها.
بعد دقائق معدودة، دخلت السكرتيرة قائلة بأدب:
«ريحانة هانم، الضيوف وصلوا قاعة الاجتماعات.»
أومأت ريحانة برأسها:
«تمام، أنا جاية حالًا.»
نهضت بهدوء، والتقطت ملفات المشروعات، ثم توجهت إلى غرفة الاجتماعات.
وأثناء طريقها، سمعت همسات الموظفات:
«يالهوي، ده مز أوي وكاريزما»
موظفة أخرى:
«بيقولوا عايش في إيطاليا بقاله فترة، ورجع مصر النهارده.»
موظفة أخرى بحالمية:
«يارب الصفقة تتم عشان نشوفه في الشركة كل يوم.»
توقفت ريحانة فجأة، ونظرت لهن شزرًا قائلة بغضب:
«إيه جو المراهقات اللي بتعملوه ده؟ يلا، كل واحدة تروح على شغلها.»
انتفضن بخضة، وذهبت كل واحدة إلى عملها، بينما همست ريحانة بسخرية:
«لما نشوف اللي مدوب قلوب العذارى ده، حكايته إيه هو كمان.»
لتصل أخيرًا إلى غرفة الاجتماعات. دقت الباب، ثم دخلت بهدوء واقتربت منهم.
كان يوجد شخصان بالغرفة، أحدهما عزام الألفي، الذي نهض سريعًا فور رؤيتها.
تقدمت ريحانة بثقة لتقف أمامه:
«أهلًا وسهلًا يا عزام بيه، نورت الشركة.»
«بنورك يا ريحانة هانم. أنا جبت شريكي زي ما وعدتك عشان نمضي العقود.»
نظرت إلى الجالس على الكرسي أمام الطاولة، معطيًا لها ظهره، لتقول بابتسامة:
«أهلًا وسهلًا يا فندم.»
وقف هذا الشخص، ليظهر طوله الواضح، فكانت هيئة جسده مألوفة لها... هذا الظهر العريض، والطول الفارع، وخصلات الشعر الفحمية الكثيفة، بدت مألوفة جدًا.
ثانية... اثنتان... ثلاث...
اختفت ابتسامتها، وارتسمت مكانها الصدمة على ملامحها عندما استدار ليصبح في مواجهتها.
شعرت بارتفاع نبضات قلبها، وأصبحت أنفاسها أثقل، بينما التمعت عيناها بالدموع وهي تهمس باسمه بصوت يكاد لا يُسمع، لكنه وصل إلى مسامعه بوضوح:
«سليم...»
_____________________________________________________________
كان مستلقيًا على الأريكة، يفرد جسده بتعب وإرهاق، ويضع كف يده على عينيه هروبًا من الضوء. أنهى كشوفات حالات اليوم، وانتهى هو الآخر من التعب .
فالتعامل مع الأطفال ليس سهلًا أبدًا، خصوصًا في فترة مرضهم.
كان في أول مراحل النوم، ليشعر فجأة بدقات خفيفة على الباب. ومن شدة إرهاقه، لم يستطع حتى الرد، لكنه بعد ثوانٍ سمع صوت الباب يُفتح بهدوء، ثم تبعته خطوات هادئة تتجه نحوه.
خمن أنها بالتأكيد الممرضة، لذلك قال بصوت مبحوح من أثر النوم، وما زال على حالته:
«ونبي اطفي النور قبل ما تمشي، واقفلي الباب عليّا.»
لم يسمع إجابة، ولم يكن هناك سوى صوت أنفاس منتظمة.
«يلا، إنتي واقفة بتعملي إيه؟»
«دكتور ياسين.»
ما إن سمع ذلك الصوت وتلك النبرة الرقيقة التي يحفظها عن ظهر قلب، حتى رفع يده سريعًا ونظر إلى الواقفة أمامه، والتي كانت تنظر له بابتسامة رقيقة، وفي يدها علبة معدنية.
نهض بسرعة، وهو يهندم قميصه الذي تجعد من أثر النوم:
«آيات؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟»
رفعت العلبة المعدنية في يدها، وقالت بخجل:
«أنا قولت تلاقيك هتبات النهارده كمان في العيادة زي امبارح، فـ...»
صمتت وهي تفرك يديها بتوتر، أما ياسين فنظر إلى العلبة بفضول، قبل أن يدرك سبب مجيئها، ليقول بعدم تصديق ممزوج بفرحة:
«إنتي جاية عشان تجيبلي أكل؟»
أومأت برأسها بخجل، وهي تتحاشى النظر داخل عينيه، أما هو فاقترب منها بخطوات بطيئة، وعيناه مسلطتان عليها.
همس ياسين:
«آيات.»
أجابت برقة:
«نعم يا دكتور.»
تنهد بتعب:
«بردو دكتور؟ ماشي... على العموم متشكر. أنا فعلًا كنت هنام من التعب زي امبارح ومش هاكل.»
ابتسمت بجانب فمها، وهي تراقب رد فعلها عليه، وهو يأكل من طعامها، والذي كان عبارة عن أرز بني، وسمك تونة، وسلطة، وطحينة.
أغمض ياسين عينيه باستمتاع، وهمهم بتلذذ:
«يجنن... تسلم إيدك.»
همست بخجل:
«بالهنا والشفا.»
بعد دقائق، خرج ياسين من حمام غرفته، وهو يجفف يديه بمنديل، ثم قال:
«أنا قررت أروح البيت. كده كده فوقت، فأنام في بيتي أحسن.»
أومأت برأسها بابتسامة دافئة:
«أنا بقول كده بردو.»
رفع عينه إليها وقال بمشاكسة:
«بتقولي إيه؟»
قالت آيات بتلعثم:
«أنا... أنا قصدي يعني... أكيد النوم على السرير في بيتك أفضل من نومتك على الكنبة هنا.»
ابتسم ياسين على اهتمامها المبطن به، حتى وإن لم تعترف بذلك:
«ماشي، اتفضلي عشان نمشي.»
خرجا سويًا من العيادة، ثم من المبنى بأكمله، ليتقدم ياسين ويفتح لها باب سيارته، والابتسامة مرسومة على وجهه، بينما هي تبتسم له بخجل.
وبعد أن اطمأن أنها ركبت، استدار وجلس خلف عجلة القيادة، ثم انطلق بسيارته.
بينما من بعيد، كانت هناك عينان تراقبانهم بغل، ليهمس الشخص المجهول بكراهية:
«هو ده اللي خلعتيني عشانه؟ ماشي يا آيات... والله لأحرق قلبك عليه.»
_____________________________________________________________
كانت تقود سيارتها بسرعة جنونية، لدرجة أن عجلات السيارة أصدرت صوت صفير عالٍ إثر احتكاكها بالأسفلت، ولحسن حظها كان الطريق خاليًا نوعًا ما.
توقفت أخيرًا في ممر بجانب الطريق يطل على النيل. فتحت باب السيارة وخرجت منها، لتسير بخطوات بطيئة وتجلس على استراحة خشبية.
كانت صامتة بشكل غريب... ملامحها جامدة، لا يوجد عليها أي تعبير. تذكرت ما حدث قبل قليل، بعد أن رأته أمامها. شعرت بجرح قلبها يُفتح من جديد. كانت تظن أن جرحها قد التأم، لكن اتضح أن طوال الفترة الماضية كانت تُسكّنه بالعمل والانشغال، حتى رأته، فعادت لنقطة الصفر.
لم تجد أمامها سوى الهروب... نعم، هربت من أمامه دون أن تتفوه بحرف، وركضت من الغرفة، بل من الشركة بأكملها.
كانت دموعها تسيل على وجنتيها كالسيل، دون توقف، لتهمس بألم:
«ليه؟ ليه رجعت دلوقتي؟ أنا كنت فاكرة إني بقيت كويسة... ليه رجعت تفتح جرح قلبي من تاني؟ ده أنا ما صدقت إن ألمه خف شوية.»
لكنها صمتت فجأة، وكأنها أدركت حالها الآن.
لا... لن تعود إلى نفس الحالة من جديد. لن تكون تلك النسخة الضعيفة المنكسرة التي مرت بها بعد أن غادر وتركها...
رفعت رأسها ونظرت أمامها بثبات، قبل أن تهمس بنبرة قوية:
«بس انسى يا سليم... ريحانة القديمة ماتت، وإنت اللي موتها. ولو فاكر إن برجوعك هنسى، تبقى بتحلم.»
ثم نهضت فجأة، وعادت إلى سيارتها. وبعد ثوانٍ، انطلقت بها في اتجاه الشركة.
بعد قليل
خرجت من المصعد، وهي تسير بتلك الخطوات الواثقة المعبّرة عنها، وقد عادت ثقتها إليها من جديد. مرت بغرفة الاجتماعات في طريقها، لتلمحها فارغة، فتبتسم بسخرية ..بالتأكيد لن يقوى على مواجهتها.
ثم اتجهت إلى مكتبها، ورأسها مرفوع والابتسامة تزين ملامحها، ووجهت حديثها إلى السكرتيرة:
«هاتيلي ملفات المشروع.»
كادت السكرتيرة أن تتحدث، ولكن ريحانة لم تعطها فرصة، ودخلت المكتب وأغلقت الباب خلفها.
ضمت السكرتيرة شفتيها بتوتر، وهمست لنفسها:
«أنا مالي بقى؟ هي اللي ما سمعتش ولا ادتني فرصة أقولها إن سليم بيه قاعد في مكتبها.»
بالداخل
أغلقت الباب بهدوء، ثم اقتربت من مكتبها واستدارت لتضع حقيبتها على الكرسي، وكادت أن تجلس، لكنها تجمدت في مكانها عندما وقع نظرها على الجالس أمامها ببرود، يفرد ذراعيه على الأريكة الموجودة في ركن المكتب، ونظراته مسلطة عليها، بينما ابتسامة خفيفة تزين شفتيه.
تعالت أنفاس ريحانة بغضب، لتقول بصوت عالٍ:
«إنت مين سمحلك تدخل مكتبي؟»
نظر إلى أسفل وعلى شفتيه ابتسامة جانبية، ثم نهض فجأة واقترب منها. بلعت الأخرى ريقها بتوتر وهي تراه يقترب منها، ولم يتوقف عند حدود طاولة المكتب، بل تعداها ليصبح أمامها مباشرة، ليقول بصوته الرجولي ذي البحة المميزة:
«عاملة إيه؟»
نظرت له بعدم تصديق من سؤاله الغريب، ثم ابتسمت بسخرية وقالت:
«ملكش دعوة بأحوالي... وياريت تخرج من المكتب من غير مطرود، ومش عايزة أشوف وشك في الشركة تاني.»
جزَّ على أسنانه وحاول تمالك أعصابه، فهو يعلم أن أول لقاء لهما لن يكن سهلًا. بالتأكيد لن تكون مرحبة بوجوده وتأخذه بالأحضان.تراجع خطوة إلى الخلف، ثم جلس على حافة طاولة مكتبها، وهو يتأمل الغرفة.
قطبت جبينها باستغراب وهي تراقب نظرات عينيه التي تتجول في المكتب.
قالت بنفاد صبر:
«هو إنت سمعك تقيل؟ بقولك يلا اطلع برة.»
تجاهل كلماتها الغاضبة، ليستمر في مشاهدة غرفة مكتبها، والتي كانت تشبهها إلى حد كبير. غرفة واسعة ذات حائط باللون البني، وشرفة زجاجية كبيرة تحتل حائطًا كاملًا من الغرفة، ومكتب خشبي، بالإضافة إلى ركن جانبي به أريكة جلدية باللون الأصفر، ومجسم على شكل روبوت صغير.
قال سليم بإعجاب واضح:
«حلو مكتبك... ذوقك لسه حلو زي ما هو.»
عقدت ذراعيها أمام صدرها، وقالت بسخرية:
«عجبك مكتبي؟»
أومأ برأسه بتأكيد:
«آه، جدًا. تحسي إن ديكوراته شبهك، كإن ليكي بصمة في كل ركن في المكتب.»
صمتت باستغراب من كلماته، بينما نظر لها بعمق. عيناه السوداوان تتنقلان بين عينيها بشوق،تحركت نظراته نحو باقي تفاصيل وجهها، قبل أن يثبت عينيه عليها من جديد.
أما هي، فعندما لاحظت نظراته، ضمت شفتيها بتوتر، وقالت:
«رجعت ليه يا سليم؟»
نظر لها بصمت، لتكمل بنبرة غاضبة، لكن تسلل إليها الحزن:
«عايز مني إيه تاني؟ إنت مش نفذت كل اللي عايزه؟ رجعت تاني ليه؟»
تنهد سليم بضيق من كلماتها المليئة بالعتاب، وقال وهو ينظر داخل عينيها:
«ريحانة، صدقيني أنا...»
قاطعته فجأة بنبرة صارمة، وهي ترفع يدها في وجهه بقوة:
«أنا مش عايزة أسمع حاج ،إنت اتكلمت بما فيه الكفاية، وأنا سمعتك. جيه الدور عليّا أتكلم، وإنت اللي تسمعني.»
صمتت ثواني، قبل أن تقول وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بثقة وقوة:
«لو فاكر إن رجوعك هيأثر عليّا أو هيعنيلي حاجة، تبقى غلطان. أنا تخطيتك، ومبقاش يفرقلي وجودك من عدمه.»
قبض سليم على يده بقوة، لدرجة أن مفاصل أصابعه ابيضت من شدة الانفعال، لكنه حاول التظاهر بالبرود. فهو يجب ألا يخسر ذلك النقاش بالتحديد؛ فمعنى خسارته الآن ..أنه يخسر فرصة أن يجعلها تسامحه.
كان عليه أن يلاعبها بطريقة مختلفة، وأن يضغط على نقطة معينة تحاول إثباتها.
ابتسم ابتسامة ماكرة حين خطرت بباله فكرة، وحرك لسانه بباطن خده من الداخل، ثم قال بخبث:
«اثبتيلي.»
قطبت جبينها باستغراب:
«أثبتلك إيه؟»
تنهد بهدوء، وقال ببساطة:
«اثبتيلي إني فعلًا مبقتش فارق معاكي، وإنك مش بتتأثري بيا زي ما بتقولي.»
رفعت حاجبها ببرود:
«أنا مش مضطرة أثبتلك حاجة.»
ضحك بسخرية مقصودة، وهو يحرك كتفه:
«يبقى إنتي بتمثلي القوة، بتمثلي إنك تخطيتيني ومبقاش عندك مشاعر ناحيتي. لكن الحقيقة إنك مش عايزانا نشتغل سوا عشان متضعفيش ومشاعرك تبان و .... تحبيني من جديد »
تعالت أنفاسها الغاضبة بسرعة. ماذا يقصد؟ يجب أن تثبت له أنها توقفت عن حبه، وأن قلبها توقف عن النبض له. يجب أن تثبت له بالأدلة أنه لم يعد يعني شيئًا بالنسبة لها.
بينما هو راقب تعابير وجهها وهي تفكر، وعلى وجهه ابتسامة ماكرة. نعم، لقد قرر أن يصنع معركة تظن فيها أنها هي التي تقود، بينما في الحقيقة، وخلف الكواليس، هو القائد الحقيقي.
بعد ثوانٍ، اتخذت قرارها، لتقول بابتسامة ساخرة :
«واضح إن خيالك واسع يا سليم السويسي، بس أنا هثبتلك إني نسيتك، وإن سواء إنت موجود أو لأ، مش هتأثر.»
صمتت ثوانٍ أخرى، قبل أن تقول بابتسامة واثقة:
«أنا موافقة... موافقة نرجع نشتغل سوا وتكون شريكي بدل عزام، ولحد ما نخلص الصفقات، مش هيكون بينا غير الشغل... الشغل وبس.»
ابتسم سليم لنجاح خطته؛ فهو يعرف ريحانة عن ظهر قلب، ويعلم أنها ستوافق فقط لإثبات أنها توقفت عن حبه. لكنه لم يُظهر ذلك، بل ابتسم بهدوء ومد يده نحوها:
«اتفقنا.»
نظرت إلى كف يده الممدود نحوها، ثم رفعت عينيها إليه، لتجده ينظر لها بتحدٍّ.
مدت يدها هي الأخرى بتحدٍّ مماثل، وبمجرد أن لامست يده الصلبة، سرت قشعريرة بأوصالها وهي تشعر بدفء يده، بينما استغل هو الفرصه وشدد على كف يدها بتملك، وابهامة يتحرك على يدها ببطء موتر ،يتحسس نعومة بشرتها.
سحبت ريحانة يدها سريعًا ،وهي تحاول استعادة أنفاسها الذي سرقها. لكن يجب ألاّ تستسلم ....فالمعركة لا تبدأ بعد.
_____________________________________________________________
ليلًا في قصر السويسي
دخلت من باب القصر، وسارت نحو الداخل، لتجد الجميع جالسين يتسامرون.
قالت جميلة بابتسامة:
«حبيبتي، إنتي جيتي.»
أومأت برأسها بتوتر، ليقول أدهم:
«طيب تعالي اقعدي معانا، واقفة ليه؟»
اقتربت ريحانة بخطوات بطيئة وجلست على الأريكة.
قالت موجهه حديثها ليزن:
«هاتلي طبق الفشار ده.»
ناولها يزن الطبق، لتبدأ في تناول الفشار، والشرود واضح على ملامحها.
نظرت لها جميلة باستغراب:
«مش هتتعشي؟ أقوم أحضرلك الأكل يا حبيبتي؟»
أومأت ريحانة برأسها نفيًا:
«لا يا ماما، مش جعانة.»
وضعت الطبق على الطاولة الموجودة أمامها، وظلت تفرك أصابعها بتوتر، وهي لا تعلم كيف تبدأ الحديث.
قطب أدهم جبينه باستغراب:
«ريحانة، إنتي كويسة؟»
أومأت برأسها، ليكمل:
«أومال مالك؟ كأنك عايزة تقولي حاجة، بس مترددة.»
ابتلعت ريحانة ريقها بتوتر، وهي تنظر إلى الجميع، قبل أن تردف فجأة:
«سليم رجع.»
قالت جميلة بصدمة:
«إيه؟!»
وسأل يزن بغضب:
«رجع إزاي وإمتى؟»
بينما أدهم، وعلى الرغم من صدمته، تحدث بهدوء، لكن نبرته ظهر بها الغضب:
«شوفتيه فين؟»
أجابته ريحانة بتوتر:
«في الشركة.»
مال أدهم برأسه بدهشة:
«الشركة؟ كان بيعمل إيه هناك؟»
أخذت ريحانة نفسًا عميقًا، وقالت:
«فاكر موضوع عزام اللي حكيتلك عنه؟»
أومأ أدهم برأسه، لتقول:
«طلع هو شريك عزام اللي المفروض يشتغل معانا في الصفقات الجاية.»
نهض أدهم بغضب، والشرر يتطاير من عينيه:
«هو مجنون ولا إيه؟ هو فاكر إني ممكن أوافق أشتغل معاه في أي صفقة تخص شركتي بعد اللي عمله؟»
لكن قاطعته ريحانة بتوتر:
«بس أنا موافقة يا بابا.»
قطب جبينه بدهشة، وقال بذهول:
«موافقة؟ يعني إيه موافقة؟ إنتي فاهمة إنتي بتقولي إيه؟»
نظرت إليه بإصرار، وقالت:
«أيوة يا بابا، أنا فاهمة كويس أنا بقول إيه. ده قراري، لو سمحت ثق فيا.»
نظر لها أدهم بصمت، بينما قالت جميلة بقلق:
«إنتي بتقولي إيه يا ريحانة؟ عايزة تشتغلي مع شخص زي ده؟ إنتي نسيتي هو أذاكي وأذانا كلنا إزاي؟»
اقترب منها يزن بغضب، بينما ظل أدهم ينظر لها بنظرات غير مفهومة:
«إنتِي تجننتي ولا فيه حاجة في دماغك؟ معقول هتأمني لواحد زي ده؟»
رفعت ريحانة رأسها بإصرار:
«أيوة، وده قراري.»
قال يزن بانفعال:
«بس...»
قاطعه أدهم بنبرة هادئة، ونظراته مسلطة على ريحانة:
«خلاص يا يزن.»
نظر له يزن باعتراض:
«خلاص إيه يا بابا؟»
قال أدهم بثقة:
«أنا واثق في تفكير ريحانة، وهي كده أكيد عارفة كويس بتعمل إيه.»
اقترب منها ووضع يده على كتفها، ثم قال بهدوء:
عايزك بس تاخدي بالك، ومتقعيش في نفس الغلطة مرتين،فهماني يا ريحانة؟»
ليكمل :"وأنا من ناحيتي هديكي حرية التصرف في الشركة، إنتي أدرىعايزة تعملي إيه، وأنا واثق فيكي."
أومأت برأسها بابتسامة هادئة:
«شكرًا يا بابا... أنا هطلع أوضتي أنام عشان يومي كان طويل، تصبحوا على خير.»
ثم نهضت وغادرت متجهة إلى غرفتها.
بعد أن غادرت، نظرت جميلة إلى أدهم بقلق، وقالت:
«إنت إزاي توافق إنها تشتغل مع شخص زي سليم؟ازاي وافقت إنه يدخل حياتها تاني حتى لو لمجرد الشغل»
أجابها أدهم بصرامة:
«من فضلك يا جميلة، أنا خدت قراري، ومش عايز الموضوع ده يتفتح مرة تانية... أنا خارج، ورايا مشوار.»
ثم خرج من القصر، ليتبعه يزن، تاركين جميلة بمفردها، لتتنهد وتقول:
«ربنا يهديكي يا ريحانة، ويبعد عنك الأذى يا رب.»
_____________________________________________________________
حل منتصف الليل، كان يجلس في منزله، أو بالأحرى فيلته الجديدة، يفرد جسده على السرير، مرتديًا فانلة رياضية سوداء، ويضع اللابتوب على بطنه، بينما تتحرك أصابعه بسرعة ومهارة على لوحة المفاتيح، وعيناه مثبتتان على الشاشة بتركيز.
قطع انشغاله صوت دقات قادمة من باب الفيلا في الأسفل.
وضع اللابتوب على السرير، وخرج من الغرفة، ثم نزل السلالم الخشبية بهدوء حتى وصل إلى باب الفيلا. وما إن فتح الباب، حتى تجمد في مكانه عندما وقعت عيناه على الشخص الواقف أمامه.
نظر إليه أدهم ببرود مرعب، وقال بسخرية لاذعة، بينما تتطاير من عينيه شرارات الغضب:
«حمد لله على السلامة يا سليم، معقول ترجع مصر وتروح شركتي من غير ما أعرف؟ ده إحنا حتى المفروض ولاد عم!».