
رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل العاشر 10 بقلم سلمى جاد
في صباح يوم جديد،فتحت عينيها الفيروزيتين بتعب وإرهاق، لتضع يدها على رأسها وهي تشعر بصداع شديد يكاد يفتك برأسها. نظرت أمامها بشرود، وما زالت لم تستعد وعيها بالكامل، ثم نظرت لملابسها باستغراب قبل أن تشهق بفزع.
"أنا إيه اللي لبسني بيجامة؟"
نهضت بسرعة من على السرير، وهي تنظر حولها بعدم فهم، ثم تحاول تذكر أحداث الليلة الماضية. آخر ما تتذكره أنها كانت بالحفلة ...نعم، فهي كانت بالحفلة مع سليم، وآخر مشهد برأسها عندما شربت العصير. توقف مخها عن استرجاع الذكريات بعد هذا المشهد.
قاطع تفكيرها دقات هادئة على الباب، تبعها دخول سميرة التي قالت بفرحة:
"حبيبتي، إنتي صحيتي إمتى؟"
لترد بشرود:
"لسه صاحيه دلوقتي."
اقتربت منها سميرة وهي تربت على كتفها بحب:
"طيب وعاملة إيه دلوقتي؟ أحسن من امبارح؟"
قطبت جبينها باستغراب:
"ليه؟ هو إيه اللي حصل امبارح؟"
أجابتها سميرة بحيرة:
"والله معرفش، أنا فجأة لقيت سليم وصل الفيلا وهو شايلك على إيده وإنتي نايمة، وقالي إنك شربتي حاجة بالغلط في الحفلة اللي كنتوا فيها."
فهمست ريحانة بتوتر، وعيناها تلمعان، وهي تمسك قماش بيجامتها:
"ووو... مين اللي غيرلي لبسي؟"
ابتسمت سميرة لتجيبها بهدوء:
"سليم بعد ما وصلك أوضتك، خرج وقالي أغيرلك الفستان عشان تعرفي تنامي مرتاحة."
تنفست ريحانة الصعداء، لتقترب من سميرة وتحتضنها بحب:
"شكرًا يا دادة، يا قمر."
ضحكت سميرة باستغراب وهي تربت على ظهرها:
"على إيه يا حبيبتي؟"
ريحانة بابتسامة:
"على كل حاجة."
لتكمل بحيرة:
"صحيح يا دادة، هو سليم مجابلكيش سيرة إيه اللي حصل في الحفلة؟ ومضوا العقد ولا إيه؟"
لتجيبها سميرة:
"لا والله يبنتي؟ أنا معرفش حاجة في شغلكم."
أومأت ريحانة برأسها:
"ماشي، أنا هدخل بقى أخد شاور، لأني حاسة إن جسمي مدغدع."
"ماشي يا حبيبتي، خدي شاور براحتك عبال ما أجهزلكم الفطارة إنتي وسليم ."
بعد وقت
نزلت ريحانة الدرج بسرعة كعادتها، لتتوجه لغرفة السفرة مباشرة، ولكن قبل أن تدخل سحبت نفسًا عميقًا. لكنها قطبت جبينها حين وجدت الغرفة فارغة، لتقرر التوجه للمطبخ، لتجد فيه سميرة.
"دادة، هو سليم فين؟"
سميرة بنفي: "والله يا بنتي مش عارفة. لما دخلت عشان أصحيه لقيت جناحه فاضي، شكله خرج من الصبح."
ريحانة بحيرة: "طيب، متعرفيش ممكن يكون راح فين؟"
هزت سميرة رأسها بنفي: "لا والله، ده حتى مش من عادته إنه يخرج من غير ما يعرفني، بس مش عارفة فيه إيه."
أومأت ريحانة برأسها بشرود، لتقول سميرة:
"إيه رأيك نفطر سوا؟"
ريحانة بحماس :"أكيد طبعًا، يلا بينا."
ليذهبا لتحضير الفطار، بينما ظلت ريحانة تفكر أين ذهب سليم منذ الصباح الباكر، لكنها حاولت عدم التفكير والاستمتاع بوقتها مع سميرة.
____________________________________________________________
ترجلت من سيارة التاكسي أمام فيلا ضخمة، لتدخل من البوابة الإلكترونية وهي تتلفت حولها بتوتر. أخرجت مفتاحًا من حقيبتها وفتحت الباب بهدوء. تأملت الردهة التي كانت خالية تمامًا، وكأنه يستحيل تواجد شخص في هذا المكان، لتقرر التوجه لدرجات السلم.
صعدت بهدوء وهي تتأمل المكان، فهذه الفيلا يفترض أن تكون عش حبهما وبيتهما المستقبلي، وقد جاء هذا المكان إلى بالها بالصدفة، لتفكر أن تبحث عنه فيه.
وصلت للدور العلوي، والذي كان مكونًا من غرف كثيرة، لتسير بخفة في الطرقة حتى توقفت أمام جناح معين، بابه ليس مغلقًا بالكامل.
مدت يدها بتوتر، ودفعت الباب بخفة. ثوانٍ، وشهقت بفرحة حين وجدته يرقد على السرير، وهو يضع كف يده على عينيه، يرتدي فانلة رياضية باللون الأسود وبنطالًا أسود.
دخلت الجناح وهي تتسحب، ووضعت حقيبتها على الأرض، ثم اقتربت ببطء شديد وجلست على السرير بجانبه. تأملت أنفاسه المنتظمة وصدره الذي يعلو ويهبط من أسفل الفانلة السوداء التي يرتديها.
وما إن همّت بلمس كتفه حتى شهقت بخوف حين شعرت فجأة به يسحبها بقوة على السرير، ليصبح أعلاها ويحاصرها بجسده الصلب، واضعًا كف يده على رقبتها، ولكن ثوانٍ وهمس بصدمة:
"فتون؟!"
_____________________________________________________________
كانت تسير بالطرقة وهي تتفحص هاتفها، لتنفخ بضيق قائلة:
"محدش بيرد عليا ليه في البيت؟ حتى فتون... يا ترى فيه إيه؟"
لفت نظرها فجأة باب غرفة مختلفة، وكان الاختلاف بسبب لون الباب الأزرق القاتم المختلف عن باقي غرف القصر. على الرغم من وجودها في القصر ما يقرب من أسبوع، إلا أنها لم تلاحظ من قبل بسبب أن غرفتها في نهاية الطرقة.اقتربت من الباب، أخذت نفسًا عميقًا، ومدت يدها على المقبض لتدخل الغرفة وتتأملها بفضول.
اتسعت عيناها بإعجاب من استايل الغرفة المختلف. لم تكن غرفة، بل جناحًا واسعًا ذو دهان يجمع بين لوني الأزرق والكريمي. شباك زجاجي كبير بجانب السرير تدخل منه أشعة الشمس، وبما أنهم في وقت الغروب، فكانت الغرفة يغلب عليها ضوء برتقالي خفيف أثر الشباك.
سرير كبير يتوسط الجناح، بجانبه أريكة صغيرة باللون البيج الفاتح، وغرفتان جانبيتان، واحدة منهما كانت الحمام، لتقرر دخول الأخرى.
أضاءت النور، لتتسع عيناها بانبهار من المنظر، فقد كانت غرفة الدريسينج روم، ذات دهانات أبيض بسيطة، مكونة من استاند بطول الحائط بالبدل الرجالية بمختلف ألوانها ، وأمامه استاند آخر به عشرات التيشرتات، ومجموعة أرفف بها قمصان وبناطيل، بالإضافة إلى رف آخر به قطع ملابس مطبقة بشكل مختلف.
التقطت قطعة منهم بفضول، ثوانٍ وشهقت بخجل ورمت القطعة على الرف حينما استنتجت أنها ملابس رجالية خاصة، ذات ماركة تابعة لبراند كالفن كلاين، لتضم شفتيها بخجل.
في ركن داخلي بالغرفة بعيد عن الباب. مرآة كبيرة لدرجة انها رأت نفسها بالكامل، وفجأة وقع نظرها على التسريحة، وأمام المرآة مباشرة وقفت أمام التسريحة، وهي تتأمل الأمشاط الموضوعة بنظام دقيق وزجاجات العطر التابعة لبراندات عالمية.
لم تستطع منع فضولها، لتلتقط إحدى الزجاجات ذات التصميم المميز، حيث كانت على هيئة تمساح أخضر. رفعت الغطاء وقربت الزجاجة من أنفها، ثوانٍ وأغمضت عينيها بتأثر، فمن حظها كانت هذه الرائحة التي يضعها سليم أغلب الوقت.
خارج الغرفة، دخل سليم الجناح بهدوء وبدأ في فك أزرار قميصه بتعب. فهو منذ الصباح للشركة، ذهب ليفض التعاقد مع الشركة الأجنبية، ولأنه من أهم رجال الأعمال بالصفقة، قرر باقي الشركاء بالشركة إخراج جاك من الصفقة، وبعد الكثير من التفاوضات معه وافق سليم أخيرًا.أما بالنسبة لبقية اليوم، فقد قضى ساعات طويلة بإسطبل الخيل، مكانه المفضل عندما يشعر بالضيق.
رمى القميص على السرير استعدادًا لأخذ شاور، وعندما كان على وشك دخول الحمام، قطب جبينه حين لاحظ الضوء القادم من غرفة الملابس. نظر باستغراب :
" شكلي نسيت أطفي النور وأنا بلبس الصبح."، ليقرر الدخول للغرفة أولًا.
دخل الغرفة وكاد أن يطفئ النور، ليتذكر أنه لم يحضر ملابس ليرتديها بعد الاستحمام.
توجه ناحية رف الملابس الداخلية وكاد أن يلتقط إحداها، لكنه لمح إحدى القطع ملقاة على الرف. قطب جبينه بدهشة، فهو منظم جدًا ولن يفعل شيئًا كهذا.
ثوانٍ ورفع عينيه للمرآة، ليتصنم محله عندما لمحها تقف خلفه، تعطي ظهرها له وبيدها زجاجة عطر تخصه.ابتسم بجانب فمه، وارتسم المكر على ملامحه الرجولية، ليلف رأسه ببطء وهو يراها تغمض عينيها وهي تشم العطر، لدرجة لم تشعر به خلفها، وهو يتقدم خطوة بعد خطوة حتى أصبح خلفها مباشرة، ليقول بابتسامة:
"عجباكي للدرجة دي؟"
انتفضت ريحانة بفزع، لتسقط منها علبة العطر على الأرض وتتهشم إلى قطع. وضعت يدها على فمها بصدمة، لا تعلم لأي سبب؛ ألأنها دخلت جناحه بدون إستئذان، أم لأنها دخلت غرفة تغيير ملابسه، أم لأنها كانت تمسك بعطره وتشمّه، وأخيرًا لأنها كسرت زجاجة العطر، أم لآخر سبب، وهو أنه الآن .. يقف أمامها عاريًا بدون قميص؟
نظر بهدوء لزجاجة العطر المكسورة، قبل أن يرفع عينيه ليجدها ما زالت تتصنم مكانها، واضعة كف يدها على فمها.
ريحانة بتوتر: "أنا... أنا... أنا والله..."
لم تجد أي مبرر لتقوله، لتميل على الأرض محاولة لمّ الزجاج، قبل أن تشعر بيد سليم تسحبها بقوة وتبعدها عن الزجاج:
"إنتي مجنونة؟ بتعملي إيه؟ إيدك هتتعور"
بعد دقائق، كانت تقف وهي محاوطه نفسها بارتباك، تنظر لسليم الذي يجلس ويلملم الزجاج. وكان قد ارتدى إحدى تيشيرتاته الموجودة بالغرفة، بعدما أدرك أنه يقف أمامها عاري الصدر. اقترب منها بعد أن انتهى، وعلى وجهه ابتسامة ماكرة.
ريحانة بخجل: "أنا هروح أشوف دادة سميرة."
وما كادت أن تخطو أول خطوة حتى سمعت صوته الرجولي يناديها:
"ريحانة."
تجمدت مكانها لثوانٍ، قبل أن تسمعه يقول:
"إنتي مش فاكرة حاجة من إمبارح؟"
_____________________________________________________________
نظرت له والدموع تترقرق بعينيها الزرقاوين:
"يزن."
فك حصارها وابتعد عنها بهدوء وجلس على السرير وهو ينظر أمامه ببرود:
"عرفتي مكاني إزاي؟"
نهضت هي الأخرى لتجلس بجانبه، واضعة يدها على كتفه العاري، وصوتها ضعيف من البكاء:
"هونت عليك يا يزن؟ هونت عليك وأنا هموت من رعبي عشان معرفش عنك حاجة؟ طيب كنت رد حتى على مكالماتي، طمني إنك بخير."
أغمض عينيه ببطء وظل صامتًا.
لتهمس باسمه:
"يزن، مش عايز ترد عليا؟"
فتح عينيه بهدوء ليردف بنبرة باردة، وهو يتحاشى النظر داخل عينيها:
"فتون، قومي يلا عشان تمشي."
نظرت له بحزن:
"عايزني أمشي يا يزن؟ مش عايزني أكون معاك؟"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال ببرود، ولا يوجد على وجهه أي تعبير:
"أيوة، عايزك تمشي، وياريت متعرفيش حد إنك لقيتيني هنا."
نهضت ببطء وتثاقل وهي تنظرله بحزن شديد، لتقول:
"حاضر يا يزن، مش هقول لحد مكانك، بس أنا كنت فاكرة إني غير الناس كلها وإنك هتكون محتاجني، لكن واضح إنك مش عايزني."
سارت ببطء تجاه الباب، ثم سحبت حقيبتها من على الأرض، وما إن همّت بفتح الباب حتى شعرت بيده الصلبة تجذبها بقوة داخل أحضانه، قائلًا بنبرة يملؤها الحزن:
"متسبينيش يا فتون، إنتي الوحيدة اللي مقدرش تبعدي عني. خليكي في حضني، أنا محتاجلك أوي."
حاوطت خصره بحب، وهي تمسح على ظهره بحنية:
"أنا معاك يا حبيبي، وعمري ما هسيبك أبدًا."
لتشهق بخضة حين شعرت بقدمها لم تعد تلامس الأرض، بعد أن رفعها يزن بخفة وتوجه نحو السرير، ليجلس عليه وما زال يحملها بين أحضانه.
ابتعدت عنه قليلًا لتضع أصابعها على ذقنه قائلة برقة:
"يزن، حبيبي."
همهم وهو ينظر لها بحب:
"نعم؟"
"إنت عارف إن خالو مكانش يقصد اللي قاله و..."
تغيرت ملامح يزن ليردف بحده:
"فتون، أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده. ياريت متفتحيهوش لو عايزة تفضلي معايا هنا."
تنهدت بحزن:
"ماشي يا يزن."
ليدفن يزن رأسه داخل عنقها، وهو يتنفس فيه بعمق، بينما ظلت فتون تمسح على ظهره بابتسامة دافئة.بعد أن اطمئن قلبها، يكفي انها معه الآن. لكنها بالتأكيد ستفتح الموضوع مرة أخرى، ولكن ليس الآن.
_____________________________________________________________
استدارت ببطء وهي تفرك كف يدها بتوتر، لتهمس بصوت منخفض:
"لا."
لتجده يقترب منها بخطوات بطيئة حتى وقف أمامها مباشرة، ثم قال:
"مش فاكرة حاجة خالص؟"
ضمت شفتيها وهي تقول:
"دادة سميرة قالتلي إني شربت حاجة في الحفلة، وعشان كده أغمى عليا، وإنت خدتني البيت."
ليتنهد باستسلام قائلًا:
"فعلاً ده اللي حصل. الزفت اللي اسمه جاك حطلك مادة مهلوسة في العصير."
شهقت ريحانة:
"مادة مهلوسة؟ ووو... وأنا عملت إيه بعد ما شربت العصير؟"
ابتسم بجانب فمه ابتسامة خفيفة عندما حضر بباله مشهدها عندما كانت خارج وعيها وتدلعه.
ابتلعت ريحانة ريقها من صمته لتقول:
"هو أنا بوظت الدنيا ولا إيه؟"
هز رأسه نافيًا، وما زالت الابتسامة مرسومة على وجهه:
"بالعكس، كنتي لطيفة أوي."
ليتنهد ثم يكمل قائلًا:
"أنا النهاردة الصبح خرجت عشان أروح الشركة وأفسخ الصفقة مع الشركة، لكن في الآخر وصلنا لحل عشان أوافق شركتنا تكمل معاهم."
ريحانة باستفهام: "حل إيه؟"
"جاك يخرج من الصفقة، وكمان نكمل باقي الصفقة عندنا في مصر."
ريحانة بصدمة: "يعني إحنا كده هنرجع مصر؟"
أومأ برأسه بتأكيد، لتسأله بابتسامة:
"يعني إنت كنت هتلغي الشغل مع الشركة عشاني؟"
نظر لها بصمت، لا يجد ما يقوله لها، فالإجابة واضحة وضوح الشمس، ولكن ثوانٍ وارتسم الغضب على ملامحه:
"عشان أنا مقبلش أشتغل في شركة يكون لها علاقة باللي اسمه جاك ده."
أومأت برأسها بهدوء وقالت بحزن:
"بس أنا مش مصدقة إننا هنرجع مصر وهسيب دادة سميرة. أنا اتعودت عليها أوي."
ربت على كتفها بمواساة:
"معلش، إن شاء الله تتقابلوا في ظروف تانية."
لتومئ برأسها بحزن، ليحمحم بخشونة قائلًا:
"احم... لما إننا فضلنا النهاردة ونمشي، إيه رأيك أعزمك على العشا كوداع للبلد؟"
ريحانة بابتسامة ناعمة: "موافقة أكيد، بس لحد معاد العشا، هنقضي باقي اليوم مع دادة سميرة."
أومأ برأسه بموافقة، لتصفق بحماس قائلة:
"طيب يلا بينا."
رفع حاجبه باستغراب:
"على فين؟"
"عشان نلحق نقعد ونستمتع بوقتنا مع دادة سميرة."
ثم نظرت لأعلى بتفكير:
"ممكن نتفرج على فيلم وناكل فشار، وممكن كمان نلعب كوتشينة."
ليقول بمراوغة:
"الشايب."
شهقت بقوة:
"إنت لسه فاكر؟!"
"أكيد، هو ده يوم يتنسي؟"
نظرت له بابتسامة دافئة، بينما هو بادلها الابتسامة، قبل أن تقول ريحانة:
"يلا بينا."
"يلا."
_____________________________________________________________
في مصر _ قصر السويسي
كانت تجلس في جناحها، تنظر أمامها بشرود وصمت قاطع، يتخلله صوت شهقاتها المنخفضة.
سمعت صوت باب الحمام الموجود بالجناح يُفتح، فردّت جسدها على السرير بسرعة وهي تمثل النوم.
أما هو، فوقف أمام المرآة يمشط شعره بهدوء، بينما كانت عيناه تراقبانها خلال المرآة. هو يعلم أنها ليست نائمة، فقد سمع صوت شهقاتها الضعيفة عندما كان بالداخل.
ترك المشط من يده، ثم اقترب بهدوء وأطفأ النور، وجلس بجانبها على السرير ينظر لها بصمت.
أما جميلة، فكان تنفسها متوترًا أثر البكاء، وهي تحاول حبسه، ولكن فجأة شعرت بيده الصلبة تلامس وجنتها المحمرة من أثر البكاء. ضمت شفتيها بتوتر، وهي تشعر بشفتيه تلمس وجنتها قبل أن يهمس:
"جميلة، أنا عارف إنك صاحية."
فتحت عينيها ببطء، لترى وجهه القريب منها، وينظر لها بعمق.
"ممكن تقومي ونتكلم؟"
بلعت ريقها بصعوبة وهي تقول على مضض:
"من فضلك يا أدهم، أنا عايزة أنام."
ثم ابتعدت عنه وسحبت الغطاء على وجهها.
نفخ أدهم بضيق، وتمدد بجانبها، مر الوقت ...وحين شعر بانتظام أنفاسها، ضمها بخفة ووضع رأسها على صدره، وهو يقبل خصلات شعرها ويهمس:
"آاااااااه يا جميلة، أنا عارف إنك زعلانة مني يا حبيبتي، وزعلك مني محسسني إني مش عارف أتنفس."
_____________________________________________________________
جاء الليل سريعًا، ولكنه لم يكن ليلًا عاديًا، بل كان ليلًا مختلفًا، ليلًا ستكتب فيه صفحة جديدة من حكاية سليم وريحانة، وسيتغير فيه شيء كبير من مصيرهما، دون أن يعلم أيٌّ منهما ما تخبئه لهما الساعات القادمة.
في أحد المطاعم الفخمة بواشنطن
توقفت السيارة أمام مطعم فاخر، تتلألأ واجهته الزجاجية تحت أضواء الليل، بينما تحيط به أشجار صغيرة زُينت بمصابيح ذهبية هادئة، منحت المكان أجواءً دافئة وراقية.
ترجل سليم أولًا، ثم اتجه ليفتح الباب لريحانة.
نزلت ريحانة بهدوء، وكانت ترتدي فستانًا نبيتيًا أنيقًا يصل إلى ما أسفل ركبتيها، بتصميم بسيط وناعم يليق بها، وقد تركت شعرها الأسود منسدلًا على كتفيها، بينما اكتفت بمكياج هادئ أبرز ملامح وجهها وعينيها الفيروزيتين.
أما سليم، فكان يرتدي بدلة سوداء أنيقة ذات قصة كلاسيكية، أسفلها قميص أبيض ناصع، مع ربطة عنق سوداء، وساعة أنيقة في معصمه. بدا في كامل أناقته، بهدوئه المعتاد وهيبته التي تجذب الأنظار إليه دون أن يحاول.
دخل الاثنان المطعم، لتتفاجأ ريحانة بأن المكان هادئ بصورة غير معتادة.
كانت الطاولات مرتبة بعناية، والشموع الصغيرة تزين بعضها، بينما تتدلى من السقف ثريات أنيقة تلقي ضوءًا ذهبيًا ناعمًا على المكان، وفي الخلفية موسيقى هادئة بالكاد تُسمع.
نظرت حولها بدهشة، قبل أن تلتفت إليه.
"المكان حلو أوي. بس فاضي كده ليه؟"
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة.
"أنا حجزت المطعم عشان نكون براحتنا."
أردفت باستغراب:
"بس ليه؟"
سليم بهدوء:
"هتعرفي كمان شوية."
تقدم بها إلى طاولة في منتصف المطعم، كانت مجهزة بعناية، قبل أن تسحب ريحانة الكرسي وتجلس. قاطعها سليم الذي وقف خلفها وجذب الكرسي لها، فابتسمت بخجل وجلست وأردفت بتوتر:
"شكرًا."
وبعد لحظات، كانت تجلس أمامه، ترفع قائمة الطعام وتتصفحها بحيرة.
"هتاكلي إيه؟"
أجابته وهي تقلب صفحات القائمة:
"مش عارفة، محتارة... فيه حاجات كتيرة."
ظل ينظر إليها للحظات قبل أن يقول ببساطة:
"تحبي أختارلك؟"
صمتت لثوانٍ، ثم ابتسمت.
"ماشي."
أشار سليم للنادل بهدوء، فتقدم الشاب منه.
قال سليم بثقة:
"أريد Chicken Alfredo مع الأرز والبطاطس المسلوقة، وسلطة سيزر."
أومأ النادل باحترام وانصرف، بينما عادت ريحانة تنظر حولها بإعجاب. لا تعلم لماذا حجز المطعم بأكمله خصيصًا لهما هذه الليلة.
بعد مرور ربع ساعة...
وصل الطعام، وبدأ الاثنان يتناولانه بهدوء، يتبادلان بين الحين والآخر نظرات قصيرة وابتسامات عابرة.
وبينما كانت ريحانة تقطع قطعة من الدجاج، لمحت شيئًا يلمع بين حبات الأرز.
قطبت جبينها باستغراب، وأبعدت بعض حبات الأرز بيدها، ثم أمسكت بالشيء الصغير.
ثوانٍ، واتسعت عيناها بدهشة. وقبل أن تتمكن من قول أي شيء، انطفأت أضواء المطعم فجأة.
شهقت بخوف:
"سليم"
جاءها صوته الرجولي الرخيم من مكان قريب:
"متخافيش... أنا معاكي."
ظلت للحظات تحاول رؤية أي شيء في الظلام، حتى عادت الأضواء فجأة، ولكنها لم تجد سليم أمامها.
قطبت جبينها باستغراب.
"سليم؟"
ثم تجمدت مكانها.كان سليم يجلس أمامها على إحدى ركبتيه، وفي يده علبة صغيرة أنيقة.فتحها ببطء، ليظهر بداخلها خاتم رقيق يلمع تحت ضوء المصابيح.
توقفت أنفاس ريحانة للحظة، وشعرت بقلبها يخفق بقوة، حتى بدا لها وكأن دقاته تملأ المكان كله.
رفع سليم عينيه إليها، وظلت نظراته ثابتة عليها قبل أن يقول بصوت هادئ، يحمل من المشاعر أكثر مما اعتادت سماعه منه:
"ريحانة... أنا بحبك."
صمت لثوانٍ، ثم تابع:
"تتجوزيني؟"
لم تستطع ريحانة الرد.
ظلت تنظر إليه وكأن الكلمات اختفت من عقلها، بينما أخذت الدموع تترقرق في عينيها، وقلبها يخفق بعنف من شدة المفاجأة.
أما سليم، فظل ينتظر إجابتها بصبر.مرت لحظات طويلة قبل أن ينهض بهدوء، ويتقدم نحوها ويمسك يدها برفق.
وحين وجدها ما زالت شاردة، ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
"ريحانة... أنا محتاج رد."
نظرت إليه بنفس التوهان، وكأنها ما زالت تحاول استيعاب ما يحدث أمامها.
فكرر سؤاله بهدوء:
"تتجوزيني؟"
صمتت ثوانٍ أخرى، قبل أن تهبط دموعها على وجنتيها وهي تنظر إليه بسعادة، ثم قالت بصوت مرتجف:
"موافقة."
ارتسمت على وجه سليم ابتسامة واسعة لم تستطع عيناه إخفاءها، ثم احتضنها للحظات، قبل أن يبتعد قليلًا ويمسك يدها.
أخرج سليم الخاتم من العلبة، وألبسها إياه بينما كانت يدها ترتعش من شدة التأثر.
ثم أخرج الخاتم الآخر وأعطاها إياه. نظرت إليه بابتسامة وسط دموعها، ثم ألبسته إياه بيد مرتجفة.
عاد سليم ليحتضنها مرة أخرى، وفي تلك اللحظة تحديدًا، بدأت الموسيقى الهادئة تعزف في أرجاء المطعم.
ابتعد عنها ومد يده إليها.
"تيجي نرقص؟"
ابتسمت ريحانة وسط دموعها، ووضعت يدها في يده.
قادها سليم إلى منتصف المطعم الفارغ، ثم بدأت خطواتهما تتحرك ببطء مع الموسيقى. لم يكن رقصًا متكلفًا، بل كان هادئًا وبسيطًا، وكأن العالم كله اختفى من حولهما.
كانت ريحانة تنظر إليه بين الحين والآخر بابتسامة خجولة، بينما كان هو ينظر إليها بهدوء، وكأنه يحاول حفظ تفاصيل هذه اللحظة في ذاكرته.
وفي وسط ذلك الهدوء، رفعت ريحانة يدها قليلًا، لتلمع في إصبعها أول علامة على بداية حياة جديدة.لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها بعد هذه الليلة... لكنّها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط.أن هذه الليلة لن تنساها أبدًا.
عادا إلى الفيلا بعد ليلة طويلة، كان الصمت يحيط بهما طوال الطريق، إلا من بعض الكلمات القليلة التي كانا يتبادلانها بين الحين والآخر. ورغم ذلك، كانت الابتسامة لا تفارق وجه ريحانة، بينما كان سليم يقود بهدوء، وبين لحظة وأخرى يختلس النظر إليها، فتلتقي عيناه بعينيها قبل أن يهرب كلٌّ منهما بنظره في خجل.
وبمجرد دخولهما الفيلا، اتجها إلى الدرج وصعداه بهدوء، حتى وصلا إلى الطابق العلوي.توقفت ريحانة أمام باب غرفتها، ثم استدارت إليه وهي تفرك أصابعها بتوتر.
"تصبح على خير."
ابتسم سليم وهو ينظر إليها بحب.
"وإنتِ من أهله."
صمتت لثوانٍ، قبل أن تبتسم بخجل وتقول:
"سليم..."
"هممم؟"
خفضت عينيها إلى الأرض، ثم رفعتها إليه من جديد.
"أنا لسه مش مصدقة اللي حصل النهارده."
ابتسم وهو يقترب منها خطوة.
"وأنا كمان."
ضحكت بخجل، ليضيف سليم بنبرة هادئة:
"بس في حاجة عايزك تبقي عارفاها."
نظرت إليه باهتمام.
"إيه؟"
"أول ما نرجع مصر، هروح لأبوكي."
اتسعت عيناها بدهشة، قبل أن تتورد وجنتاها.
"هتروح لبابا؟"
أومأ برأسه بثقة.
"أيوة. عشان أطلب إيدك منه."
ازدادت ابتسامتها خجلًا، وأخفضت عينيها وهي تقول بصوت منخفض:
"ربنا يخليك ليا."
ابتسم سليم بحب، ثم قال:
"وربنا يخليكي ليا."
ساد بينهما صمت قصير، لكنه كان ممتلئًا بمشاعر لم يحتاج أيٌّ منهما إلى التعبير عنها.
ثم قال سليم بهدوء:
"يلا ادخلي نامي، عندنا سفر بكرة."
أومأت برأسها، وقبل أن تدخل، التفتت إليه مرة أخرى.
"تصبح على خير يا سليم."
"وإنتي من أهله يا ريحانة."
ابتسمت له ابتسامة واسعة، ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها.
ظل سليم واقفًا للحظات أمام بابها، والابتسامة ما زالت تزين وجهه، قبل أن يتجه إلى جناحه.
دخل وأغلق الباب خلفه بهدوء...لكن ما إن اختفت ابتسامته حتى تغيرت ملامحه بالكامل.وقف في منتصف الغرفة، ونظر أمامه بنظرة غريبة، بينما أظلمت عيناه السوداوان بشكل مخيف.
ثم همس بصوت منخفض ملئ بالغضب:
"كده فاضل خطوة واحدة ... وأكون انتقمت من أدهم السويسي."
#رواية_أسميتها_ريحانة
#الجزء_الثاني_من_رواية_عشقت_محتالة
#الكاتبة_سلمى_جاد