
رواية اسميتها ريحانة ج2 الفصل الحادي عشر 11 ج1 بقلم سلمى جاد
في صباح يوم جديد، وقف كلا من سليم وريحانة عند باب الفيلا وبرفقتهما سميرة.
سميرة بدموع وهي تحتضن ريحانة: "هتوحشيني أوي يا ريحانة."
ريحانة بدموع: "وإنتي كمان يا دادة هتوحشيني، أنا حبيتك أوي."
سميرة بصدق وهي تربت على شعرها: "يعلم ربنا إني اعتبرتك زي بنتي، وحبيتك كإني أعرفك من زمان ،عالرغم من إنك قعدتي أسبوع هنا، لكن فراقك هيوجع قلبي."
ريحانة بنبرة باكية: "وأنا كمان اعتبرتك زي ماما، وإن شاء الله نتقابل تاني، مش عارفة إمتى، بس أكيد هيحصل."
تحدث سليم، الذي كان يقف ويراقب المشهد: "خلاص بقا يا دادة، إحنا لازم نمشي عشان الطيارة متفوتناش."
اقتربت سميرة من سليم وأمسكت يده التي يرتدى بها الدبلة، وبيدها الأخرى كانت تمسك يد ريحانة التي تلمع بها خاتم الخطوبة .
"خلي بالك منها يا سليم، وحطها في عنيك. مع إني زعلانة إنكم هتسافروا وتسيبوني، بس الخبر اللي قولتولي عليه نساني زعلي."
ثم وجهت حديثها لريحانة: "يعلم ربنا، من أول يوم دخلتي فيه الفيلا وأنا بدعي ربنا تكوني من نصيب سليم، وربنا استجاب لدعايا."
احتضنتها ريحانة بابتسامة: "ربنا يخليكي ليا يا دادة."
بعد وقت، غادر كلا من سليم وريحانة الفيلا تحت دموع سميرة المتأثره، وتوجها إلى مطار واشنطن استعدادًا للعودة لوطنهما مصر.
_____________________________________________________________
في أشهر مكتب محاماة في مصر.
تحدث ياسين: «يا أستاذ محمود، إحنا بقالنا أسبوع بتيجي هنا، ومفيش لسه إجراءات اتأخدت.»
تحدث المحامي بعملية: «يا دكتور ياسين، الموضوع مش سهل ومش زي أي قضية خلع. متنسوش إن إياد مش ابن مدام آيات، وبالتالي بعد الخلع حضانة إياد هتتنقل تلقائي لمازن، فلازم نفكر في ثغرة عشان نحل الموضوع ده.»
تحدثت آيات بحزن: «أرجوك أتصرف يا أستاذ محمود، أنا مقدرش أبعد عن إياد. ده ابني اللي مخلفتهوش، ولو سيبته لواحد زي مازن، الله أعلم ممكن يعمل فيه إيه.»
تنهد المحامي ثم قال: «المشكلة إني لسه عارف خبر من شوية، لما كنت في المحكمة بخلص إجراءات الخلع.»
قطب ياسين جبينه:" بخبر إيه؟"
«مازن رافع قضية على مدام آيات وطالبها في بيت الطاعة.»
شهقت آيات بخضة، بينما أكمل المحامي: «بعد ما مدام آيات ضربت مازن على راسه ودخل في غيبوبة لمدة يومين، وبعد ما صحي وأدرك هروب مدام آيات. رفع القضية، هو طبعا ميعرفش مكانها، لكن القضية متقدمه في المحكمة باسمها.»
آيات بنبرة مرتعبة: «يعني إيه؟ ممكن القاضي يجبرني أرجع أعيش مع مازن تاني؟»
المحامي، وهو يشبك أصابعه ببعضها، قائلاً بهدوء: «إن شاء الله لا. هحاول نلاقي ثغرة عشان تثبت إنك بتتعرضي للعنف الأسري، ونثبت إنه غير صالح لتربية الطفل.»
خرج كلا من ياسين وآيات من المكتب ومن البناية بأكملها، ليستقلا السيارة. وأثناء الطريق، كان ياسين يقود بهدوء، وهو يختلس النظر من وقت لآخر إلى آيات التي تنظر من الشباك بشرود.
حمحم بخشونة: «مدام آيات.»
نظرت له والحزن واضح على ملامحها: «نعم؟»
«أنا عارف إنك خايفة، بس إن شاء الله هنكسب القضية. متخافيش، أنا مش هسيبك.»
تنهدت بارتياح، وكأن كل ما كان ينقصها أن تسمع بعض الكلمات المطمئنة ليرتاح قلبها.
«بجد؟»
ابتسم بجانب فمه وقال: «بجد. أنا عمري ما هتخلى عنك.»
بلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول فجأة: «ليه؟»
نظر لها ياسين بتساؤل: «هو إيه اللي ليه؟»
ضمت شفتيها بتوتر: «ليه بتساعدني؟ إيه اللي جبرك إنك تقف جنبي وأنا في الظروف دي وإنت متعرفنيش؟»
رمش أكثر من مرة، لا يعلم بماذا يجيبها، ليرد بعد ثوانٍ من الصمت: «عشان بشفق عليكي.»
نظرت له بصدمة، والدموع تترقرق بعينيها العسليتين: «إيه؟ بتشفق عليا؟»
جز ياسين على أسنانه بقوة. بماذا يجيب؟ أقول الحقيقة، وهي أنها احتلت قلبه منذ أول لقاء، لكن رغم كل شيء، لكن هي الآن ما زالت على ذمة رجل آخر، وليس من شيمه أن يفعل ذلك، وغير مسموح أن يقول لها الحقيقة. سينتظر بفارغ الصبر حتى يتم الطلاق، وحينها سيبوح لها كل ما في قلبه. سيعوض كل لحظة صمت فيها، ولم يبح لها بما بداخله.
نظر لها بجانب عينه، ليجدها تنظر للشباك وهي تحاول كتم دموعها، فتنهد بضيق، وزاد من سرعة السيارة حتى يصل للبيت سريعًا قبل أن يفقد أعصابه ويخبرها حقيقة مشاعره.
_____________________________________________________________
وصل سليم بسيارته أمام قصر السويسي ليتوقف أمام البوابة، ثم نظر لريحانة الجالسة بجانبه بابتسامة:
«حمدالله ع السلامة.»
قالت بصوت رقيق:
«الله يسلمك.»
«روحي ارتاحي بقى ونامي، إنتي منمتيش خالص وإحنا ف الطيارة.»
«حاضر، وإنت كمان.»
مسح على خصلاته السوداء:
«موعدكيش الصراحة، يادوب أروح البيت أخد شاور وأغير هدومي، وبعدين أنزل عالشركة عشان أمضي الملفات اللي متعطلة بقالها أسبوع بسبب سفرنا. وممكن بعدها أعدي على ياسين»
ضمت شفتيها بحزن:
«بس إنت تعبان، وكده جهد كبير عليك. مينفعش تأجل الحاجات دي لبكرة؟»
ابتسم بجانب فمه ابتسامة خفيفة وهو ينظر لها بعمق:
«خايفة عليا؟»
ابتسمت ابتسامة خجولة قبل أن تقول:
«أنا لازم أنزل بقى. عايز حاجة؟»
مدت يدها لتفتح الباب، لكنها توقفت يدها ف الهوا قبل أن تصل لمقبض الباب، حين قال:
«لو قلت عايز إيه، هتعمليها؟»
قطبت جبينها باستغراب:
«عايز إيه؟»
لم تكد تنهي سؤالها حتى صُدمت أنه يفك حزام الأمان من على صدره، ثم اقترب منها بشدة لدرجة إن أنفاسه الساخنة تخبط ف بشرتها.
مد يده الصلبة ولامس وجنتها بإبهامه بحركات دائرية ليستشعر سخونتها، وهمس بصوته الرخيم، ولكن تحوي نبرة حنونة يخصها وحدها:
«ريحانة.»
قالت بصوت يكاد يختفي:
«هممم.»
« متنسيش تفتحي باباكي في موضوعنا عشان يحدد معاد أجي أقابله فيه.»
ضمت شفايفها بخجل شديد وهي تكاد تختفي من التوتر:
«حاضر.»
ليقول مرة أخرى:
«خلي بالك من نفسك... نتقابل بكرة في الشركة.»
أومأت برأسها وفتحت باب السيارة لتترجل منها وتسير ف اتجاه الباب، ولكن قبل ان تدخل، التفتت له مرة أخرى وأشارت بيدها له بابتسامة.
ليبادلها الوداع وهو ينظر لها نظرات عميقة قبل أن تختفي من أمامه لتدخل القصر، أما هو فظل ثواني ينظر لأثرها، ثم انطلق بسيارته.
سارت بخطوات بطيئة نحو المطبخ، لنجد والدتها جميلة تقف مع الخادمة.مشت ببطء حتى لا تصدر صوتًا، واتجهت حتى أصبحت خلفها تمامًا، ثم قالت بصوت متحمس عالٍ:
«مفاجأة»
شهقت جميلة بفزعة، وتحولت لفرحة حين علمت ورأت ريحانة.
جميلة بسعادة:
«ريحانة حبيبتي»
احتضنتها بحب وبدأت في البكاء.
ربتت ريحانة على ظهرها باستغراب ودهشة:
«مالك يا ماما؟ كل ده عشان شوفيني؟»
جميلة وهي تمسح دموعها من شدة البكاء:
«أصلك وحشتيني أوي يا عيون ماما.»
بعد دقائق، كانتا تجلسان وريحانة تضع رأسها داخل أحضان جميلة، التي تربت على شعرها بحب.
قالت جميلة:
«إزاي متعرفيناش إنك جاية النهاردة؟»
حركت ريحانة رأسها بابتسامة:
«كنت عايزة أعملهالكم مفاجأة.»
ثم أكملت حديثها بتذكر:
«صحيح، أنا امبارح اتصلت كتير بفتون، وكمان يزن بقاله يومين مكلمنيش، ولما اتصلت بيه أكتر من مرة محدش رد.»
صمتت جميلة بتوتر، لتقطب ريحانة جبينها باستغراب من صمتها:
«فيه إيه يا ماما؟ هو فيه حاجة حصلت وأنا مسافرة؟»
نظرت لها جميلة بحزن شديد، وهمست بنبرة على وشك البكاء:
«يزن يا ريحانة.»
ريحانة بخوف:
«ماله يزن؟»
_____________________________________________________________
كادت أن تخرج من باب الشقة باستعجال، ولكنها توقفت عند صوت والدها:
«فتون، رايحة فين؟»
التفتت له بتوتر:
«رايحة الجامعة يا بابا.»
نظر لها علي باستغراب وهو ينظر لساعة الحائط:
«دلوقتي؟ مش هتفطري حتى؟»
أجابت على مضض:
«لا، أنا مش جعانة. همشي بقى عشان متأخرة. سلام.»
«سلام.»
تابعها علي بنظراته حتى غادرت، ليتنهد باستسلام قائلًا:
«ماشي يا فتون، بتكدبي عليا؟ فاكراني مش عارف إنك رايحة ليزن؟»
أما عند فتون، فاستقلت سيارة تاكسي، وبعد نصف ساعة توقفت أمام الفيلا. نزلت بهدوء وهي تحمل أكياس الفطار، وأعطت سائق التاكسي أجرته، ثم دخلت الفيلا وهي تبحث عنه، لكنها لم تجده بالأسفل، لتقرر الصعود لأعلى، ولكن توجهت أولًا للمطبخ حتى تضع أكياس الفطار.
صعدت درجات السلم الرخامي بهدوء، وهي ترفع خصال شعرها القصير عن رقبتها بتوكة صغيرة، ثم توجهت لجناحه، أو بالأخص الجناح المستقبلي لهما. فتحت الباب ببطء، وابتسمت حين وجدته نائمًا كالطفل على بطنه، يرفع إحدى ذراعيه العريضتين بجانب رأسه، ولكن فجأة شهقت بخجل حين أدركت أنه ينام بدون تيشرت، حيث يظهر ظهره العريض وعضلات كتفه البارزة بوضوح، لتغلق الباب بسرعة وأنفاسها سريعة من التوتر.
أما بالداخل، ففتح يزن عينيه الزرقاوين بخضة من أثر صوت غلق الباب، ليتلفت حوله باستغراب ودهشة.
كاد أن ينهض، ولكن قاطعه صوتها الرقيق وهي تخبط بهدوء على الباب:
«يزن.»
قطب حاجبيه باستغراب:
«فتون، إنتي واقفة بره ليه؟»
ليسمعها تقول مرة أخرى:
«ممكن تلبس التيشرت لو سمحت عشان أعرف أدخل؟»
نظر لصدره العاري بدهشة،ثوانٍ ونظر تجاه الباب نظرة ماكرة، بعدما ارتسمت ابتسامة جانبية مليئة بالخبث، ليقول بتمثيل:
«أوووف، معلش يا فوتي، معلش يا حبيبتي. نسيت إنك جاية ونسيت خالص ألبس تيشرت قبل ما أنام.»
أومأت فتون برأسها:
«ماشي، البس بقى عشان أدخل.»
لتسمع صوته قادمًا من الداخل:
«ادخلي يا فوتي، أنا لبست خلاص.»
تنهدت بارتياح وفتحت الباب، وعلى وجهها ابتسامة:
«صباح الخير يا...»
لتشهق فجأة حين وجدته يقف بجانب الباب، وبالطبع لم تتغير هيئته، فكان يكذب عليها ولم يرتدي تيشرت، لتضع كف يدها على عينيها فورًا، أما الآخر فاستغل الوضع واقترب منها أكثر، وهو يحيط خصرها:
«فتون.»
لا يوجد رد.
«يا فوتي.»
همست بتوتر:
«عايز إيه؟»
«لو فضلتي مغمضة عيونك كده، مش هيكون في مصلحتك.»
رفعت كفها فورًا وابتعدت عنه، لتلتقط تيشرت خاصًا به موضوعًا على الكرسي وترميه ناحيته:
«من فضلك، البس ده.»
تنهد بتعب وارتدى التيشرت:
«خلاص بقى، ممكن تبصيلي؟»
«وأنا إيه يضمنلي إنك لبسته فعلًا ومكدبتش عليّا تاني؟»
ناداها بصوت عالٍ نوعًا ما بنفاذ صبر:
«فتون.»
لفت رأسها ببطء لتجده فعلًا ارتدى التيشرت، لتتنهد براحة.
«أنا جوزك على فكرة.» قالها وهو يقترب منها.
ابتسمت بخفة:
« لاإحنا كاتبين كتابنا.»
رفع حاجبه:
«وتفرق في إيه؟»
«هتفرق إنك تبطل حركاتك دي، وإلا مش هجيلك هنا تاني. كفاية اللي عملته امبارح.»
ابتسم يزن بجانبه، وهو يتذكر إنها قضت طول اليوم معه، فاستغل الوضع كعادته ولم يفوّت فرصة إلا واقترب منها بسبب وبدون سبب.
قالت فتون:
«يلا عشان نفطر. أنا جبت فطار في المطبخ، هنزل أحطه في الأطباق لحد ما تاخد شاور وتنزل.»
«ماشي يا مراتي.»
لتبسم بجانب فمه من آثر الكلمة، فهو يعلم مفاتيحها، لكنها توقفت أمام الباب وقالت:
«صحيح...»
صمتت لثوانٍ، لتقول بتوتر:
« ريحانة رجعت من السفر النهاردة؟»
نظر لها يزن وظل صامتًا، لتغادر فتون الغرفة، بينما بقي هو ينظر للفراغ بشرود.