
رواية اولاد الباشا الفصل السادس والعشرون 26 بقلم شيماء منير
الحب والخصام وجهان لعملة واحدة اسمها "الاهتمام"؛ فالخصام بين المحبين ليس دليلاً على انتهاء المشاعر أو جفاف الود، بل هو صرخة خفية تعني: "أنت تهمني، ولا أريد أن أفقدك". لو كان الحب شجرة، لكان الخصام العابر هو الرياح التي تختبر ثبات جذورها وتزيدها قوة إذا ما زالت بالصفاء والعتاب الصادق.
انقضت ليلة أمس بهدوءٍ تام، ليشرق صباحٌ جديد يحمل معه سكونًا خاصًا يسبق العاصفة...
كانت فيلا "الباشا" على قدم وساق، تعجّ بالأقارب والضيوف الذين توافدوا من كل حدب وصوب. إنه اليوم الموعود.. يوم الذبح والولائم. حركة الطباخين والخادمات لا تتوقف، وصحون الطعام تُعدّ بهمة ونشاط لاستقبال المزيد من الزوار.
بعيدًا عن ضجيج الأسفل، كانت "بنان" تغرق في نومٍ عميق على سريرها، تحتضن وسادتها بطفولية وكأنها خارج حدود الزمن.
تخرج "سمية" من الغرفة بهدوء حذر كي لا توقظها، لتفاجأ بـ "فارس" يقف أمامها بابتسامة واسعة ومشرقة.
فارس (ببشاشة):
— صباح الخير يا سوسو!
سمية (تبادله الابتسامة بحنان):
— صباح الفل يا عيون سوسو.
فارس (يتطلع نحو الباب الموارب):
— هي بنان لسه نايمة؟
سمية (بتنهيدة):
— أيوة، دي مش حاسة بالدنيا أصلاً!
فارس:
— أصل منى رنت عليا وكانت عايزاها تنزل معاها عشان تعمل بروفا على فستان الفرح بتاع بكرة.
سمية:
— طيب خلاص، هدخل أصحيها بنفسي...
قبل أن تتحرك "سمية"، تقترب منها إحدى الخادمات بخطوات سريعة ونبرة محترمة.
الخادمة:
— نجوى هانم عايزه حضرتك تحت يا سمية هانم.
سمية:
— تمام، أنا جاية أهو.
فارس (مستغلاً الفرصة):
— خلاص روحي أنتِ يا عمتو، وأنا هصحيها.
سمية (تنظر إليه بتردد وقلق أمهاتي):
— ماشي... بس متتأخرواش، أنا مش ناقصة أسمع كلمة من أبوك، خلي اليومين دول يعدوا على خير!
فارس (يطمئنها بابتسامة واثقة):
— متقلقيش يا عمتو.. وبعدين أصلًا أبويا مشغول تحت مع الضيوف اللي جايين من البلد، مش فاضي يرجع ولا يطلع فوق.
سمية:
— ماشي أما نشوف.
تلتفت "سمية" وتهبط السلالم، بينما يلتفت "فارس" باتجاه الغرفة، ويخطو للداخل بخطوات هادئة نحو "بنان" المستغرفة في نومها وهي تتشبث بالوسادة...
يقترب فارس من بنان بخطوات هادئة، وقلبه يخفق بحب وعشق جارف. كانت نائمة كالملاك، ترتدي بلوزة كب بيضاء برمودة بيضاء تحت الركبة، مما زادها براءة وجمالاً. تأملها فارس لثوانٍ، مستمتعاً بملامحها الهادئة والبريئة.
فارس (بهدوء): "قومي يا حياتي يلا..."
مرر فارس أصابعه بخفة على وجه بنان، محاولاً إيقاظها بلطف. حركت بنان وجهها للناحية الأخرى، وما زالت مغمضة عيناها، نائمة كالطفلة.
فارس (بابتسامة): "حبيبي قومي بقا..."
انحنى فارس وقبلها على شفتيها المكتنزة بالحمرة، مما جعلها تفتح عيناها فجأة وتقعد بخضة.
بنان (بفزع): "في ايه؟؟ انا فين؟؟"
فارس (بهدوء): "انتي في اوضتك صباح الجمال."
حركت بنان شعرها بتوتر وراء أذنها، وقالت بصوت خافت: "صباح النور."
ثم سألته بتوتر: "هو في حاجه انت هنا ليه؟؟"
فارس: "ايه مش عايزه تشوفني؟؟؟"
بنان: "مش قصدي... بس اول مره تدخل هنا من وقت ما جيت."
فارس: "كنت بصحيكي عشان منى اتصلت بيا عشان عايزاكي تقيسي الفستان بتاع بكره وتشوفي تحبي تعدلي فيه ايه."
بنان (بضيق): "وهي منى دي مش بتتصل غير بيك؟"
فارس (بابتسامة): "انتي غيرانه مثلا؟"
بنان (بتوتر): مش بالظبط بس بجد انا ملاحظه كدا
فارس: "لا هي رننت على موبيلك مغلق فرنت عليا وبعدين الفكرة كلها ان ابوها الله يرحمه كان صاحب ابويا اووي وكانوا معانا هنا على طول وكنا جيران في البيت القديم."
بنان (بلطف): "اوكي."
فارس (وهو يشدها في حضنه): "انا بعد الثواني والدقايق عشان تبقي جمبي على طول."
بنان وابتسمت بتوتر
فارس: "بنان انتي متوتره كدا ليه؟؟ انتي خايفه مني؟؟"
بنان وبصتله بصمت
فارس (وهو يخرجها من حضنه ويرفع وجهها): "انا بحبك مش عايزك تفكري في اي حاجه غير كدا."
بنان (بابتسامة): "وانا كمان بحبك اووي بس انت بتتعصب عليا وبتتحول كدا."
فارس (بهدوء): "والله انا بحاول اكون هادي بس انتي بصراحه اوقات بتبقي مستفزه."
بنان: "مش بعرف اخبي ضيقي."
فارس (بابتسامة): "ان شاء الله مش هيكون في ضيق الايام الجايه يا بونبوناية قلبي."
بنان (بابتسامة وهي تلف يدها حول عنقه): "بحبك اوووي."
فارس (وهو ينظر لها بعشق): "وانا بموت فيكي."
انحنى فارس قليلاً كي يقبلها وهو ينظر لها بعشق، ولكن طرقات هادئة على الباب قطعت اللحظة.
فارس (بصوت رجولي جاد): "ايوه ميين؟؟؟"
جاءهم صوت يمنى الهادي المشوب بالتوتر: "انا..يمنى."
فارس (وهو يبتعد عن بنان): "اتفضلي يا يمنى."
بنان وعدلت شعرها بتوتر
فتحت يمنى الباب بهدوء، وقالت بحرج: "اسفه كنت مفكره بنان هنا لوحدها."
فارس (بابتسامة): "لا عادي ولا يهمك."
ثم وجه كلامه لبنان: "اجهزي عشان اوصلكم للبوتيك."
بنان (بابتسامة رقيقة): "اوكي."
خرج فارس بسرعة من الغرفة، تاركاً بنان تنظر إليه بابتسامة كبيرة كلها حب.
يمنى (بابتسامة): "هااا هنبدأ منين؟؟"
بنان: "هاخد بس شاور وهجهز على طول."
فارس نزل، كان عمه محمود ومراته وولاده وصلوا، سلم عليهم بحب وطلب من الشغالين يعرفوهم أوضهم.
بنان أخدت شاور وراحت ظبطت كل حاجة في الفستان.. وعدى اليوم بسلام.
تاني يوم، راحت بنان على الفندق من بدري عشان تجهز، لأن الفرح هيكون في قاعة كبيرة في سلسلة الفنادق.
كانت قاعدة في إحدى الغرف ومعاها يمنى.
يمنى: بقولك ايه قومي بقا البسي الفستان عشان الميكب آرتست على وصول.
(بنان كانت حاسة بتوتر واقفت قدام المراية)
يمنى وهي بتقرب منها: مالك يا بنان؟ شكل قلقان ليه؟
بنان: مفيش حاجة.. بس متوترة شوية.
يمنى (وهي بتحضنها): اهدي شوية، وبعدين فارس بيحبك وبيخاف عليكِ اووووي.
(ابتسمت بنان ابتسامه خفيفة يشوبها التوتر)
يمنى: أنا هروح أجيبلك لمون يهديكِ شوية على ما تلبسي الفستان.
هزت بنان رأسها بالإيجاب، وخرجت يمنى.
بدأت بنان تجهز، لبست الفستان اللي كانت فيه كأنها حورية من الجنة.. باللون الأبيض بكم منفوش ورقبة عالية مرصعة بالخرز الفضي الخفيف.
(سمعت صوت باب الغرفة بيتفتح)
بنان وهي باصة في المراية: إيه يا يمنى رجعتي بسرعة كده؟
ملقتش رد.. التفتت باتجاه الباب، وقبل ما تنطق، لمح شخص ملثم وليرتدي ملابس كأنه عامل ملابس
بنان وبصتله بتساؤل وخوف في حاجه ؟؟
...رش في وشها مخدر، غابت عن الوعي في ثوانٍ قبل ما يمسكها ووضعها في عربة الملابس ووضع فوقها اشياء اخرى
بعد فترة قصيرة.. فتحت يمنى الباب وهي شايلة العصير.
حست بهدوء مريب.. بنان مش باينة.
يمنى: بنان.. بنان؟
جريت ناحية الحمام، خبطت ومجالهاش رد.. فتحت الباب، فاضي!
الخوف تملك منها وخصوصا اما لقت موبيلها واقع على الارض وكمان مشبك التوكه اللي كان في شعرها
خرجت الدور كله وسألت خدمة الغرف، محدش شافها.
بأيد بتترعش طلعت موبايلها ورنت على مالك.
في غرفه بالفندق
فارس كان واقف يرتدي القميص الاوفيت وبنطال اسود
دخل مالك وهو بيضحك: إيه يا بني أنا رحت ورجعت وانت لسه؟
فارس: يا عم براحتنا، الميكب آرتست لسه أصلًا قدامها ساعة.. فاضل الببيونة والبليزر بس.
(رن موبايل مالك.. وكانت يمنى)
مالك (بابتسامة): إيوه يا يوما، أوعي تقولي خلصتوا؟
يمنى (بصوت يرتجف من الخوف): مالك.. أنا مش لاقية بنان!
مالك: إيه الهبل ده؟ شوفيها في التواليت ولا في أي حتة!
يمنى (على وشك البكاء): والله مش موجودة! أنا خرجت أجيب عصير رجعت ملقتهاش.. خايفة أكلم طنط سمية أقلقهم!
مالك: يا بنتي هتكون راحت فين يعني؟
(قرب فارس بملامح مشدودة): في إيه يا مالك؟
مالك بصله بصمت وتردد.. فارس شد الموبايل من إيده وحطه على ودنه.
سمع صوت يمنى الخايف: هي كانت بتلبس الفستان.. رجعت ملقتهاش هي ولا الفستان وموبيلها واقع على الارض
رمى فارس الموبايل لمالك وخرج يجرى في الطابق باتجاه غرفة بنان، ومالك وراه.
فتح فارس باب الغرفة بقوة، لقى يمنى واقفة بتعيط.
فارس (بصوت كالرعد): بنان فين يا يمنى؟!
يمنى (بدموع): رجعت ملقتهاش! كلمت ماما في الفيلا قالت مجتش هناك!
فارس: يعني إيه اختفت؟! راحت فين؟!
سابها فارس ونزل يجرى على غرفة التحكم والكاميرات، ومالك وراه وبيوجه الحرس.
في غرفة الكاميرات.. اقتحم فارس المكان بغضب:
فرغلي كاميرات النص ساعة اللي فاتت حالًا!
مهندس الصيانة بتوتر بلع ريقه: حاضر يا باشا!
بدأ يرجع التسجيلات..
المهندس: هي مخرجتش من الباب الرئيسي يا فندم.
فارس: شوف الباب الخلفي والمخارج الفرعية بسرعة!
المهندس جاب الشاشة الخلفية.. فجأة ألوان الشاشة اتغيرت وشريط الوقت أظهر عطل.
المهندس بتوتر شديد: الكاميرات الخلفية واقفة من ساعة يا فندم!
فارس بصله بعيون ممزوجه من الغضب والخوف: يعني إيه واقفة من ساعة؟!
عماد (بخوف): اهدا يا باشا أكيد عطل فني...
مسكه فارس من ياقة قميصه وعصبيته أعمته: اهدا إزاي؟! مين اللي عطل الكاميرات؟
عماد: والله ما اعرف يا باشا! أنا كنت بشرف على الجناح سيادتك اللي تقيم فيه والقاعة!
زقه فارس بعيد بضيق، وطلع موبايله ورن على مالك اللي كان بره مع الحرس.
فارس: إيوه يا مالك.. وصلت لحاجة؟
مالك (بأسف): لا يا فارس.. الشوارع اللي حولين الفندق فاضية، ومفيش أي أثر.
فارس (بصراخ مكتوم): يعني إيه ملهاش أثر؟! الأرض انشقت وبلعتها؟!
مالك: اهدا، أنا هفحص كاميرات المحلات والشوارع القريبة بنفسي حالا!
ــــــــــــــــــــــــــــ
(تخيم على المكان حالة من التوتر والذهول. "سمية" تقف في المنتصف، ملامحها مرعوبة، وعيناها تتنقلان بين الحاضرين بحيرة وخوف قاتل).
سمية (بصوت مرتفع، ونبرة يملؤها الفزع والألم):
انتوا بتقولوا إيه؟! يعني إيه بنتي راحت فيييين؟!
(تتقدم "نجوى" و"منال" بخطوات سريعة نحوها لمحاولة تهدئتها، والملامح على وجهيهما تطغى عليها الصدمة).
نجوى (تحاول الإمساك بيديها بتوسل، بصوت هادئ يحاول إخفاء القلق):
اهدي يا سمية.. أرجوكي اهدي! فارس أكيد مش هيسكت، وهيرجعها.. والله هيرجعها.
سمية (تنفجر بالبكاء، وهي تهز رأسها برفض وصراخ يمزق القلوب):
يعني إيه راحت فين؟! اختفت إزاي فهموني؟! قولولي يا ناس راحت فين.. قلبي مش هيتحمل.. بنتي يا نجوى!
(تتوقف سمية عن الكلام فجأة، تتسع عيناها وهي تتنفس بصعوبة، وتبدأ أقدامها بالاهتزاز.. وفجأة تسترخي حواسها تماماً وتلقي بنفسها أرضاً، لتسقط مغشياً عليها).
منال ونجوى (في صوت واحد مع صراخ مدوٍّ):
سمييييية!
(تسرع منال ونجوى نحوها على الأرض، تحاولان إفاقتها في حالة من الهلع الشديد).
(في نفس اللحظة، ينفض "محمود" من جلسته بذهول، ويتجه بخطوات متسارعة وملهوفة نحو أخته الملقاة على الأرض).
محمود (بفزع وهو يجثو على ركبتيه بجانبها):
سمية! ردّي عليا يا سمية! هاتو مية بسرعة.. ، حد يطلب الدكتور بسرعة!
------------------
(تمر خمس ساعات كاملة.. خمس ساعات كانت كفيلة بأن تقتل الصبر داخل فارس، خاصة بعد أن أفادت كل تفريغات كاميرات الشوارع المجاورة بعدم وجود أي أثر لـ "بنان".. وكأنها تبخرت في الهواء)
فارس (يصرخ بعصبية مفرطة بوجه رئيس الحرس):
— أوعى تكون سبت شبر واحد في الفندق من غير تفتيش!!
رئيس الحرس (بنبرة مضطربة وحالفاً):
— والله يا باشا ما سبنا صغرة ولا زاوية إلا واتفتشت.. المكان كله اتقلب رأساً على عقب!
(لم يُهدئ هذا الكلام من روع فارس، بل زاد من رعب قلبه واشتعال غضبه.. قام واقفاً ببطء مرعب وقترب من رئيس الحرس بخطوات تهديدية، يتطاير الشرار من عينيه)
فارس (بنبرة تهكمية مليئة بالغضب والوعيد):
— مبسوط قوي بإنك بتنفذ الأوامر دلوقتي؟ وشطارتك دي كانت فين من بدري؟! كنت فين لما المصيبه حصلت؟! دا أنا هقتلكم كلكم يا... (يشتمه بغضب عارم).
(ينظر رئيس الحرس لل أرض بتوتر ورعب متزايد، ليلاحظ "مالك" اقتراب انفجار فارس فيتدخل فوراً ويفصل بينهما)
مالك (يمسك بكتف فارس بيأس ويحاول إرجاعه):
— اهدا يا فارس.. اهدا، الموضوع هيتحل أكيد مش كده!
(يلتفت مالك ونبرته حازمة وموجهة لرئيس الحرس)
مالك:
— روح أنت دلوقتي.. أمّن المكان ومش عايزين أي قلق للنزلاء في الفندق، يلا!
(انسحب رئيس الحرس فوراً.. بينما انهار فارس على المقعد، ووضع يديه على وجهه يمسحه بتعب شديد وعجز لم يعتده.. لم يستوعب عقله كيف حدث هذا في هذه الليلة بالذات، يُخيّل إليه أنه في كابوس مروع.. ضغط بكفي يديه على رأسه بقوة وكأنه يحاول إيقاظ نفسه من هذا الكابوس)
(يقترب مالك منه وعيناه ملأى بالشفقة والحزن على حالة أخيه التي يراها لأول مرة)
مالك (بصوت خافض مليء بالتعاطف):
— فارس.. اهدى يا حبيبي، والله ما هنسيبها، وهنرجعها.
(يرفع فارس رأسه وينظر لأخيه بنظرة وجع وانكسار عاجز عن التعبير عنه بالكلمات.. ثم يلتفت فجأة نحو مهندس التقنيات/التفريغ ونبرته محترقة)
فارس:
— وصلت لحاجة يا زفت؟! أي خيط؟!
المهندس (ويرتعد وهو يعمل على اللابتوب):
— أنا لسه شغال يا أفندم والله.. وهسجل لحضرتك اليوم كله من لحظة الدخول على الفلاشة زي ما طلبت بالظبط.. دقائق ويكون جاهز.
ـــــــــــــــــــ
أمام غرفة "سمية"، كان الجميع يقفون في قلق، عيونهم معلقة بالباب المغلق في انتظار خروج الطبيب. دقائق مرت كأنها أعوام، قبل أن يُفتح الباب وأخيراً يخرج الطبيب وتتبعه "نجوى" بوجه شاحب.
اندفع "صلاح" نحوه بلهفة مكتومة:
— طمنا يا دكتور؟!
نزل الطبيب بنظارته قليلاً وتحدث بنبرة هادئة ليطمئنهم:
— متقلقش يا صلاح بيه، المدام بخير.. هي بس تعرضت لـ انهيار عصبي شديد نتيجة ضغط أو حاجة ضايقتها. أنا اديتها حقنة مهدئة وهتنام شوية، وإن شاء الله هتبقى كويسة.. عن إذنكم.
غادر الطبيب برفقة "محمود" الذي ذهب ليوصله للخارج، بينما التفت "صلاح" للحاضرين وقال بنبرة حاسمة:
— خليكم جنبها.. أنا هروح للفندق لـ "فارس" أشوف وصل لإيه.
ردت "نجوى" بعيون ممتلئة بالرجاء:
— ابقى طمني يا صلاح.. بالله عليك.
وقبل أن يلتفت ليغادر، وقعت عين صلاح على "يمنى" التي كانت تقف بجوار "منال"، عينان محمرتان ودموعها لا تجف. اقترب منها خطوة وقال بصوت جاد:
— يمنى.. اعملي حسابك، هنحتاج شهادتك لما نروح الشرطة.
أومأت "يمنى" برأسها بالإيجاب دون أن تنطق بحرف، بينما انسحب صلاح سريعاً إلى سيارته منطلقاً نحو الفندق.
في زاوية ضيقة ومظلمة داخل غرفة التحكم بالفندق، كان "فارس" يجلس بجوار مهندس الصيانة. الدخان يتصاعد بكثافة من سيجارته التي لا تطُفأ، وعيناه المحمرتان تلتهمان الشاشة بتوتر قاتل.
قال فارس بنبرة حادة، وهو يخرج دخان سيجارته بضيق:
— رجّع التسجيل شوية لورا..
نفذ المهندس الأمر فوراً، ليأخذ فارس نفساً عميقاً من سيجارته ويستطرد بصوت آمر:
— هاتلي الساعة خمسة.. الدور اللي فيه الأوضة بالظبط.
حكا المهندس رأسه بتردد وقال:
— يا أفندم أنا شفت التسجيل ده من شوية وما كانش فيه أي جديد..
التفت إليه فارس بنظرة جحيمية جعلت الهواء يتجمد في الغرفة، وقال بغضب مكتوم وهو يشير للشاشة:
— أنا كنت عايز أشوف لمضتك دي والكاميرات اللي وراها عطلانة أصلاً؟!
بلع المهندس ريقه باعتلاء وقال بتهيب:
— احم.. حاضر يا باشا.
عدّل جلسته وسارع بالتنفيذ، بينما ضغط فارس السيجارة أسفل حذائه بقسوة ليطفئها، وهو يزمجر:
— نفذ من غير رغي كتير!
ألقى فارس نظرة سريعة على ساعته.. كانت الساعه تشير إلى 12:00 منتصف الليل.
مرت الساعات ثقيلة، رأسه يوشك على الانفجار من كثرة التفكير والترقب، فكرة واحدة تطارده وتقتله: أين بنان؟!
ولع سيجارة أخرى بقلة صبر، قبل أن يقطعه صوت المهندس:
— الوقت أهو يا باشا..
فارس بتأهب:
— امشي بالراحة..
بدأت المشاهد تتحرك ببطء، وفجأة سكنت عين فارس على حركة غريبة لـ "عامل الملابس".
فارس بحدة:
— ارجع ثواني كده!.. ثبت الصورة!
وضع فارس يده على الفأرة بنفسه وقرّب الزوم من وجه العامل، ثم سحب هاتفه ورن على "عماد" الذي حضر فوراً.
عماد:
— أومرك يا باشا؟
أشار فارس إلى الشاشة بعيون صقربة:
— بص للصورة دي كده.. مين ده؟
عماد وهو يدقق النظر:
— مش واضح يا باشا.. لابس كمامة ومغطي وشه.
فارس بنبرة حازمة:
— الولد ده يجيبوه لي من تحت الأرض! ده الوحيد اللي قرب من الأوضة في التوقيت ده.
ثم التفت للمهندس بلهجة لا تقبل النقاش:
— وأنت تتبع خطواته من كاميرات الممر لحد ما يخرج من الفندق خالص.. عايز أعرف آخره فين!
المهندس:
— تمام يا فندم.
في تلك اللحظة، فُتح الباب ودخل "صلاح". وقف الجميع احتراماً، واقترب صلاح من فارس والقلق ينهك ملامحه:
— إيه الأخبار يا فارس؟ وصلت لحاجة؟
مسح فارس وجهه بتعب ونبرة يأس مجهدة:
— لا.. لسه يا حضرتك
صلاح بقلة صبر:
— لازم نبلغ الشرطة
فارس بتعب
_ أكيد.. بس لسه ما فاتش 24 ساعة على اختفائها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكانٍ آخر... داخل بيتٍ قديم تفوح من جدرانه رطوبة السنوات.
فتحت بنان عينيها ببطء، يُثقلها خمولٌ غريب ودوخة تعصف برأسها. رمشت عدة مرات تحاول استكشاف الظلام المحيط بها، لكن الغرفة الغريبة وسقفها المتهالك جرفا بقايا النوم فجأة.
شهقت وفزعت جائسة، لتلاحظ هيئتها؛ كانت لا تزال ترتدي فستانها الأبيض بطبقاته الثقيلة، والتول المتناثر حولها على سرير متهالك.
اعتصرت رأسها بيدها من أثر الدوار، وقامت بصعوبة، تُسحب أطراف فستانها الممتد على الأرضية الباردة. خطت بخطوات متثاقلة نحو باب الغرفة، وضغطت على المقبض بلهفة، لكنه كان صلبًا، مُغلقًا بإحكام من الخارج.
ارتفع معدل أنفاسها، وبدأت تضرب بقبضتها على الخشب العتيق وصوتها يرتجف بين الخوف والغضب:
ـ "افتحوا لي! أنا فين هنا؟ حد يرد عليا!"
استمرت في الطرق بعنف، وفي اللحظة التي كادت تفقد فيها أعصابها، انفرج الباب ببطء مُصدرًا زفيرًا حادًا. دخلت امرأة في أواخر الثلاثينات، ملامحها هادئة بشكل مريب ولا تبدو عليها أي مفاجأة.
تراجعت بنان خطوة للورا، وضغطت بيدها على صدرها وهي تتأملها باستغراب وحذر:
ـ "أنتي مين؟!"
ردت المرأة بنبرة خالية من أي انفعال:
ـ "أنا مايسة."
صرخت بنان وهي تحاول استيعاب ما يحدث:
ـ "مايسة مين؟! وأنا إيه اللي جابني هنا؟! أنا آخر حاجة فاكراها إني كنت في الأوتيل!"
حركت مايسة كتفيها بلامبالاة:
ـ "أنا معرفش حاجة، أنا هنا بنفذ أوامر وبس.. يلا عشان تاكلي."
دفعتها بنان بضيق واشمئزاز وهي تحاول المرور منها:
ـ "أكل إيه؟! أوعي كده! أنا لازم أخرج من هنا فورًا.. أنا كان فرحي النهاردة!"
توقفت بنان فجأة، ونظرت نحو النافذة الخشبية المغلقة، ثم التفتت لمايسة بذعر:
ـ "إحنا الساعة كام؟ إحنا امتى؟!"
أجابتها مايسة بنفس الهدوء الثقيل:
ـ "إحنا الفجر."
تمتمت بنان بصوت خافت يُغالبه الذهول:
ـ "الفجر؟!"
لم تنتظر، بل اندفعت بسرعة نحو باب الشقة الكبير. أمسكت المقبض وأخذت تدفعه وتشده بقوة وهستيرية، لكن الباب لم يتحرك قيد أنملة.
وقفت مايسة تتابعها ببرود، وقالت بصوت متزن:
ـ "ريحي دماغك.. الباب مقفول بالترباس والمفتاح من بره، عليا أنا وأنتي."
التفتت إليها بنان وعيونها تشتعل بالعصبية والتهديد:
ـ "طلعينا من هنا يا مجنونة! أنتي فاكرة نفسك بتتعاملي مع مين؟! أنتي عارفة أنا مرات مين؟! أنتي خطفاني ولا إيه؟!"
اقتربت مايسة منها بخطوة واحدة، وقالت بنبرة حاسمة دون أن ترفع صوتها:
ـ "أنا مبخطفش يا حبيبتي.. ومعنديش كلام أقوله لك."
صاحت بنان وهي تضيق عينيها في محاولة لقراءة ملامحها:
ـ "أومال الكلام مع مين؟!"
ابتسمت مايسة ابتسامة غامضة صدمت بنان، وقالت بثقة:
ـ "بكره تعرفي"....