
رواية بيت الظار الفصل الاول 1 بقلم زارا
من يوم ما فتحت عيني على الدنيا دي و أنا عايشة وسط ظلام الودع ، و جلسات الظار ، و ريحة بخور "الجاولي" و"العدني" بقت جزء أساسي من النفس البنتنفسه.
بيتنا ما كان بيت عادي ، كان عبارة عن وجهة لكافة أنواع البشر رجال و نسوان ، و جامع لكل النفوس و الأشكال ، و أي زول كان عنده هم أو تايه في مشكلة كان مقتنع إنه الحل عند شيخة "فهيمة" و بتها "إحسان".
حبوبة"فهيمة".. كانت مرا كبيرة في العمر بتتكي علي عصا و التجاعيد ملت وشها دايما لابسه خمارها على شعرها ، و طبيعي سبحتها في يدها ، بس رغم عمرها دا ما فكرت تتوب لربها ، أو تسيب السكة دي..
معروفة بإنها شيخة كلمتها ما بتقع الواطه ، و الناس بتنفذ وصيتها بدون حتى تسأل أو تفكر.
أمي "إحسان" كانت في أواخر الأربعينات ، و رغم غرقها الكامل في العالم المظلم دا ، بس كان جواها إيمان غريب ما قدرت أفهمه.. كانت بتصلي تستغفر و تبكي في الدعاء.. و بعدها ترجع ترمي الودع كأنه ما حصل شيء.
كانت اليد اليمين لحبوبة ، و مستشارتها الأولى في كل حاجة.. الدجل ما كان بجذب الناس البسيطين و الجاهلين بس، لأ.. كان بجيب المتعلمين والقاريين ، حتى الناس المسؤولين البجوا بعرباتهم الفخمة ، يقعدوا قدام حبوبة بإنكسار غريب، منتظرين عمل أو بخرة تغير ليهم حياتهم.
كنت براقبهم من بعيد ، و بقول في سري باستغراب..
يا ربي الناس دي قارية و فاهمة ، طيب فايدة التعليم شنو؟ ، إذا الخوف والضعف بقدروا يرجعوهم للدجل بالسهولة دي؟!.
كنت شايفة الودع مجرد حجار.. لكن مع الزمن ، فهمت إنو الحجار ما كانت المشكلة الحقيقية ، المشكلة كانت في الحاجة المكسورة جواهم ، البتخليهم يتعلقوا بالوهم دا.
___________
حبوبة كانت متخصصة في الحاجات التقيلة ، زي الناس العايزين تجارتهم تتوسع ، والرجال الكبار الخايفين على مناصبهم ، والبنات المقطوعات عشم في عريس
و المطلقة العايزة الرجعة ، و الزول الفاقد حاجة ، حتى ناس فتح العلب ... ديل كلهم مكانهم عند حبوبة يعني أي زول عايز شغل يربط ويحل و يجلب..كان بعرف إن المقصد الوحيد هو الشيخة فهيمة.
أما أمي فكانت ، لفئة الناس الحياتهم ملخبطة...
الجاية تفتش على سبب تغيير زولها ، و الامورها معكسة و جايطة ، وما عارفه العارض من وين؟ .. ديل بقعدوا مع امي ترمي ليهم الودع ، وتديهم الخبر.
مرات، من كتر قرفي من الشغلة دي ، و من كتر ما قلبي كان بيوجعني على الناس المخدوعة دي ، أول ما زول يدق الباب و يسأل من حبوبة و أمي ، كنت بقول ليهم مافشين.. طلعوا مشوار بعيد.
و أنا عارفة تماما إنهم قاعدين جوة ، برتبوا شغلهم و منتظرين ناسهم.
الغريبة إنهم ما كانوا بوقفوا الشغلة دي إلا في رمضان.
شهر كامل بقضوه في صلاة واستغفار و قرآن ، لدرجة تحسهم تابوا فعلًا ، واتغيروا بقوا ناس تانين.
ودي كانت أكتر فترة بفرح فيها من قلبي.. الفترة الوحيدة البشوف فيها البيت هادي و نضيف من الدجل.
لكن أول ما رمضان ينتهي ، كل شيء برجع أسوأ من قبل ، كأنهم كانوا بس واقفين استراحة قصيرة.
____________
أنا نسمة..
وسط الحاصل دا كلو ، طلعت مختلفة منهم بصورة غريبة ، كأني شلت نصيبي من أبوي بدل البيت كله.
ورثت تدينه ، وطبعه الدغري ، و نفوره من الدجل والشعوذة.
أبوي كان بكره السكة دي كراهية موت ، و دايما مشاكله مع أمي م كانت بتنتهي ، كان بقول ليها بغضب..
يا إحسان!.. يا تسيبي الشغلة دي و تتوبي.. يا أنا بمشي..
لأني ما بقدر أعيش وسط الجهل و الشرك دا..
و أمك دي مفروض في عمرها دا تكون قريبة من ربها، مش غرقانة أكتر في العالم دا.
لكن لا أمي كانت قادرة تسيب الطريق دا ، ولا حبوبة كانت مستعدة تتراجع.
و دائما كان الاصطدام بينهم بنتهي بنفس الصمت التقيل..
لغاية ما في يوم أبوي فعلا مشى خلانا..
و بقى يسأل مننا من بعيد ، مرات يجي يقيف آخر الشارع أطلع ليه يديني مصاريفي ، و يطمن علي بسرعة.. لكن عمره ما رجع عتب باب بيتنا تاني.
بتذكر في يوم.. حبوبة قالت لأمي وهي ماسكة سبحتها.. يا إحسان.. الودع دا تحت يدك ، قولي لي كلمة بس ، و أنا بجيبه ليك مزلول و راكع تحت رجليك.
أمي صرخت فيها بسرعة و خوف.. أوعك يمه! إلا هو.
أنا يوم عرسته ما جبتو بعمل ، جاني برضاه و حباني بقلبه.. مستحيل أعمل ليه حاجة و ألوثو بالسحر. دا أبو بتي الوحيدة.
من يومها.. حبوبة بقت ما بتجيب سيرة أبوي نهائي..
كأنو بقى في خط ما مسموح ليها تتعداه.
حتى صحباتي.. كانوا أول ما يجوا يتونسوا معاي، يقعدوا شوية ، فجأة ألقى عيونهم بدت تزوغ ناحية برندة أمي ، بعد دقائق يقولوا لي.. ماشين نسلم على خالتو إحسان.
و يتسحبوا مني ، إلا اقوم ألحقهم أناديهم عشان يرجعوا.
عشت على الوضع دا سنين طويلة، لغاية ما اتخرجت من الجامعة ، و أنا بسد أذني من صوت الدلوكة و الظار ، متمسكة بفكرة واحدة.."إني مستحيل أبقى زيهم".
لكن مع الزمن ، فهمت إن النفس مرات ما بتتغير بسبب الغيرة وبس.
الوجع، و الخذلان، و الإحساس بالظلم ، ممكن يقتلوا جواك كل المبادئ البتفتخر بيها، و يصحوا فيك شيطان صغير ، كان نايم و مستني لحظة ضعف عشان يطلع.
______________
صحباتي المقربات كانوا اتنين
"وئام".. الأقرب لقلبي ، كبرنا مع بعض ، وكانت بالنسبة لي أخت وأكثر كانت صريحة لدرجة ممكن تجرحك بحجة أنها بتقول الحقيقة ، أحيانا كنت بزعل منها، لكن عمري ما شكيت في محبتها لي..
"ميادة".. من الصحبات الاتعرفت عليهم في الثانوي. كانت نفس دقة ناس أمي ، بتحب الودع و غاوية لدرجة تخوف ، كانت مؤمنة إنو لكل حاجة سبب خفي ، و أي موقف يحصل تربطه بعين ولا حسد ، و برغم دا كله، كانت مخلصة لي شديد ، و ما بتدس مني حاجة في قلبها.
في يوم.. اتصلت علي وئام بصوت مليان حماس.
نسمة! في منظمة طالبة متطوعين لمبادرة توعية في المدارس عن مخاطر المخدرات.. رأيك شنو نقدم؟ أهو نغير جو ونملأ الـCV حقنا.
وافقت فورا ، بدون حتى أفكر ، كنت مستعدة أمشي أي مكان.. المهم أطلع من أجواء بيتنا.
قمت جهزت لبستي من الليل.. عبايتي السوداء، و الاسبورت والكاب حقي.. أهم حاجة عندي في أي طلعة ميدانية.
قمت الصباح بدري صليت ، لقيت أمي مجهزة لي الشاي.. قلت ليها وأنا بشرب بسرعة.. أنا طالعة عندي شغل ميداني.
ابتسمت لي بحنان و قالت.. الله يسهل عليكِ يا بتي ويفتحها في وشك.
رغم كل الحاجات الكنت رافضاها فيهم ، لكن أمي دي تحديدا، كنت بحبها بطريقة ما بقدر أشرحها ، و ما كنت بقدر أزعلها حتى لو اختلفت معاها في كل شيء.
أول ما فتحت الباب ، لقيت قدامي بنتين شابات ، من شكلهم ونورتهم واضح إنهم بنات جامعات.
سلموا علي بأدب و سألوني.. دا بيت الحاجة فهيمة؟
عرفتهم طوالي جايين لحبوبة.
و في سري قلت..
فتاح يا عليم.. متين الناس دي أصبحت؟!
غايتو يا حبوبة يوم بترمي فينا صاقعة بناسك ديل.
كنت على وشك أقول ليهم إنها طلعت ، لكن صوت أمي جاني من جوة.. يا نسمة منو في الباب؟
رديت ليهم بطرف لساني.. اتفضلوا.
مجرد ما دخلوا رزعت الباب وراهم بقوة من الضيق.
وصلت المحطة لقيت وئام منتظراني ، سلمت عليها و ركبنا المواصلات وصلنا مقر المنظمة.
و هناك.. وسط الزحمة والشباب المتطوعين ، عيني وقعت عليه لأول مرة.
أحمد.
مهندم بصورة لافتة ، شايل ملفات التوزيع في يده ، و واقف جمبه صاحبه منذر. بدوا يقسموا المتطوعين على قروبات ، وئام بحركاتها المعروفة خلتنا نكون في قروب واحد..
"أنا و هي ، أحمد و منذر" ، المبادرة كانت لمدة أسبوعين.
أول أيام كانت متعبة و ضاغطة ، لكن فيها متعة غريبة.
كنا بنطلع من الصباح بدري ، نلف المدارس و نتوزع على الفصول نقدم محاضرات توعوية ونتكلم مع الطلبة عن مخاطر المخدرات.
في البداية كنت خجولة شوية ، مرات أتلخبط في الكلام و أتوتر بسرعة ، لكن أحمد بأسلوبه و طريقته في التعامل قدر يشجعني بالتدريج ، لغاية م اتحسنت.
و يمكن الفرق الكبير بينه وبين منذر هو الخلاني أميل ليه أكتر.. منذر كان مندفع و هزلي ، أما أحمد فكان هادي بصورة تخليك تسمعي كلامه براحة.
و مع بداية الأسبوع التاني، قربنا من بعض شديد.
قعادنا فطورنا و قهوتنا بقوا سوا ، بقيت ألاحظ إنه اليوم البشوفه فيه.. بمر علي أخف من أي يوم تاني.
كان دايما بقعد قريب مني ، نظراته ما بتفوتني أبداً.
كل ما أكون بتكلم و بشرح للطالبات مع البنات ، أرفع راسي بالصدفة ألقاه مركز معاي.
و في مرة.. كنا قاعدين أنا و هو قرب مني و قال بي بصوت واطي.. يا نسمة إنتِ زولة بريئة و دغرية و بحسك ما عندك في اللف والدوران.
نزلت راسي من الخجل ، و حسيت بضربات قلبي.
فجأة وئام انتبهت لينا، و بقت تضحك.. أحم أحم!واضح إنو في اجتماع سري هنا.
احمد ضحك بإحراج و قام لحق منذر ، بعدها جا راجع
شايل عصير ، مداه لي و قال.. يا نسمة دا ليكِ..
عارفك تعبتي الليلة.
قبل ما اخده ، وئام خطفته من يده و قالت بضحك والله انا التعبت.. نسمة دي مدلعة ساي ، و شربته مباشرة.
منذر ضحك و قال ليها.. دا حقك يا غبية.
أما أحمد ملامحه اتغيرت و قال ليها.. لكن دا كنت جايبه لنسمة.
ردت ليها باستفزاز يا سلام.. اهتمام خاص يعني؟
من اليوم داك بقيت ألاحظ إنها كل ما أحمد يقرب مني تدخل بينا تلقائيا.. مرة بالهزار ، مرة بالتعليقات ، و مرة تشغله بالكلام عنها.
بعد ما خلصت المبادرة، بقينا أنا و أحمد نتواصل باستمرار ، رسائله بقت جزء من يومي ، نصايحه الدينية وتذكيره لي ع الصلوات ف وقتها ، ولأول مرة حسيت إني نسمة وبس .. ما بت الشيخة، و لا البت الناس بتهمس عن بيتها.
لكن رغم كل الراحة دي ، كان في خوف ما بفارقني.. الخوف من اليوم البعرف فيه حقيقة أهلي.
كنت دايما أستشير وئام في أي حاجة تخصه ، لكن بدل ما تفرح لي ، كانت بترجعني لنفس السؤال..
لو اتقدم ليكِ...ح تدخليه بيتكم كيف؟ أحمد زول متدين ، لو عرف مستحيل يقبل بيكِ.
و لما تشوفني اتضايق ، بتحاول تلطف كلامها و تقول إنها بس خايفة علي من الصدمة.
______________
في يوم.. طلعنا كلنا مع بعض..
قعدنا نتونس عن المجتمع و العادات الغلط البقت تأخر الناس.
و مع الكلام و النقاش ، فجأة وئام فتحت موضوع الدجل والشعوذة ،كأنها كانت مستنية الفرصة دي تحديدا.
قالت أصعب حاجة لما الجهل يتغلف بالدين..
زي الناس البمشوا للشيوخ و الوداعيات.
ديل بضيعوا عقولهم و قروشهم في أوهام ، و المشكلة إن بيوتهم بتبقى معروفة للناس كلها إنها بيوت ضلال.
في اللحظة دي.. حسيت روحي اتسحبت من الدنيا
قلبي وجعني بطريقة ما قدرت أوصفها ، وكأني أنا المقصودة قدامهم كلهم.
ما قدرت أشارك بكلمة واحدة ، خفت لو اتكلمت صوتي يفضحني ، بس الوجعة الحقيقية ما كانت من كلام وئام.. كانت من أحمد.
هزّ راسه وقال بحسم.. صاح كلامك يا وئام ، دي من أخطر الحاجات البتدمر مجتمعنا.
أنا شخصيا بعتبر البيوت البتمارس الحاجات دي بيوت منبوذة.. بيوت ما بتدخلها الملائكة.
و مفروض الناس تقاطعها اجتماعيا ، لأن الإنسان البعيش وسط الحاجات دي وهو راضي عنها، أكيد في قلبه زيف.
كلماته نزلت علي زي السكين.. بيوت منبوذة!
ما بتدخلها الملائكة!..
في اللحظة دي ، ما قدرت أرفع عيني في وشه ، كل الصور اتجمعت في راسي دفعة واحدة..
ريحة البخور ، بخرات حبوبة ، صوت الدلوكة ، النسوان الببكوا في جلسات الظار، أبوي و هو خلى البيت من سنين بسبب نفس الحاجات دي.
سألت نفسي بخوف لأول مرة.. يا ربي..
لو عرف إن البيت المنبوذ البتكلم عنه دا.. هو بيتي أنا..
هل ح يفضل يشوفني بنفس النظرة؟..
فجأة الجو بقى تقيل و خانق.. منذر حاول يغير الموضوع ، لكن ما قدرت اركز معاهم تاني.. وئام كانت هادئة بصورة غريبة ، وكل شوية ألمحها بتعاين لي بطرف عينها ، كأنها مننظرة ردة فعل مني..حسيت إني قاعدة وسطهم غريبة ، كأني بكذب عليهم كلهم..
القعدة خلصت ، ركبت المواصلات و انا مخنوقة ، لدرجة حابسة دموعي بالعافية ، مجرد ما قربت من بيتنا ، سمعت صوت الدلوكة طالع عالي ، ومعاه صريخ نسوان ، و ريحة البخور كانت مالية الشارع كله.
وقفت قدام الباب لحظة..
لأول مرة في حياتي ، أحس بالخجل من بيتنا
خجل حقيقي ، لدرجة اتمنيت الأرض تنشق وتبلعني قبل ما أدخل.
فتحت الباب بقوة ، لقيت الحوش مليان نسوان، واحدة بتتبخر، والتانية بتصرخ ، وحبوبة قاعدة في النص كأنها ملكة في عالم كامل.
أول ما شافتني قالت لي.. مالك يا بت؟ وشك مقفول كدا ؟
ما رديت عليها.. مشيت ع طول لغرفتي ، قفلت الباب بقوة ، و رميت طرحتي في السرير ، قعدت في الأرض بكيت لأول مرة من سنين ، كنت كارهة كل حاجة.. حتى نفسي.
و لأول مرة.. بدا يدخل قلبي كره حقيقي تجاه وئام.
ليه فتحت الموضوع دا بالذات؟ ، هل كانت قاصدة تلمح؟ ، ولا.. كانت بتهددني بطريقة غير مباشرة؟
بقيت أتذكر كلام ميادة و تحذيراتها.. و حتى امي ، كم مرة قالت لي.. صحبتك دي ما مريحة.. بتحقد عليكِ.
وكل مرة كنت بشاكلها و بقول ليها..
ما تقيمي لي صحباتي بخرافاتك و الكلام الفاضي دا.
لكن الليلة دي.. ما كنت عارفة إن اللحظة دي تحديدا ، هي أول خطوة في الطريق البودي لي حبوبة فهيمة ، و الراجع من سكتها ضايع..
يتبع...