
رواية بيت الظار الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم زارا
من غير ما أشعر ، عاينت ليها بوجع بس ما قدرت أرجع طلعت من البيت و كل الكنت عايزاه اني ابعد و ارتاح من كل الحاجات البقت تقيلة علي..
بعدها حبوبة جات لأمي قالت ليها.. ما تبكي يا إحسان بتكون زهجانة بترجع..
أمي قاطعتها.. لمتين اي زول يمشي تقولي برجع يا أمي ، كل الفاتوا ديل تاني ما رجعوا ، فضلنا انا و إنتِ..
كفاية يا أمي.. كفاية بطلي الشغل دا..
حبوبة قالت ليها.. اوعك يا إحسان.. من متين و إنتِ بتلوميني ، الشغل دا ما بدا بيك إنت و لا بالقبلك!!.
أمي رفعت راسها عاينت ليها بوجع..و مشت دخلت غرفتها.
حبوبة فضلت واقفة مسافة..كأنها ما كانت متوقعة الكلام يصل للدرجة دي.. عاينت حولها بشرود و بعدها مشت غرفتها بهدوء، و قفلت الباب وراها.
_________
فهيمة..
مجرد ما قفلت الباب وراي.. قعدت في الكرسي..
و لأول مرة بقيت اتأمل في المكان..
الكتب.. الرف ، الودع ، و المجمر ، البخور ، و الأعشاب السجادة الجلدية..سلسلي الما بفارق رقبتي ، وهو معلق في السرير..
كل الحاجات القديمة البقيت ما بلاحظها من كترة ما اتعودت عليها.. ما عارفة ليه الليلة دي بالذات عيوني بقت تدور فيها كأني أول مرة أشوفها.
فجأة..حسيت بضيق شديد من كلام إحسان..
كفاية يا أمي بطلي الشغل دا.. كيف أبطل؟.. بقيت أردد في راسي ، كيف أبطل حاجة بقت معاي العمر دا كله؟..
شلت حبات الودع في يدي و سرحت فيهم..
رجعت سنين طويله لورا.. بديت استرجع شريط حياتي من وقت ما مشيت في الطريق دا..
كنت لسه بت شابة بشوف الودع.. قضيت سنين و أنا متعلقة بيه.. لغاية ما اسمي انتشر ، و بقيت معروفة عند الناس ، لكن الشهرة زاتها ما كانت كفاية بالنسبة لي ، كان دايما عندي رغبه و دافع كبير.. إني ابقى زولة قوية و عندها سلطة في يدها..
وقتها سمعت بشيوخ كبار ، عندهم علم وأسرار تشيب الراس..مشيت ليهم.. و اتعلمت منهم.
دخلت في طريق السحر و أنا عارفة أني ماشة وين؟!..
ما اكتفيت بكدا.. مشيت أماكن بعيدة ، جبال و غابات، و في كل مرة.. كنت بحس ان ف باب كبير اتفتح لي..
بس كنت برجع أقول لنفسي..لسه.. لسه ما وصلت للعايزاه.
مشيت في طرق أعمق.. دفعت أثمان كبيرة .. خسرت حاجات كتيرة و ما سألت عنها تاني ، لأني عارفة انو في أبواب ما بتفتح بالمجان.
وسط دا كله يمكن الزول الوحيد الاتقبلني زي ما أنا.. كان أبو إحسان.. راجل طيب بعالج الناس بطريقته..
ما حاول يوم يكرهني في شغلي و لا يسيبني عشانه ، كان دايما بقول لي..طريقك دا آخره ندم يا فهيمة..
كنت بضحك باستهتار و أقول ندم؟..
لكن ما كنت عارفه ان هو كان شايف حاجة ما كنت شايفاها.. لكن حتى كلامه ما قدر يوقفني.
لغاية ما وصلت لآخر شيخ.. ما كان زي الباقيين..
كان بعرف في الفلك و النجوم ، و علوم ما سمعت بيها ف حياتي.. و هناك اتعلمت منه الحروف و الأرقام ،
فك و ربط العقد.. و تعاويذ ما تخطر على بال انسان.
و حتى لما حصلت.. حكاية إحسان و سكينة.. قدرت انقذهم في دقائق.. وقتها بس عرفت حجم العلم العرفته..
مع الايام اسمي بدا يكبر.. لغاية ما بقوا ينادوني.. الشيخة فهيمة.
كنت ببتسم بفخر لما أسمعهم ، و بحس بالقوة.. لما يجوني خايفين، و يمشوا مني و هم شايلين أملهم معاهم.
إنتو بتسموا دا سحر ودجل.. أنا كنت بسميها مساعدة و رجوع حق.. و يمكن دي كانت أكتر كذبة صدقتها على نفسي.
بس كيف نسمة تقول لي خربت حياتها و حياة الناس؟! أنا ما أجبرت زول .. و لا مشيت ورا زول في بيته ، عشان يجيني.. هم الجوني برجولهم ، و كنت بساعدهم.
و بعدها تجي إحسان تقول لي.. كفاية يا أمي.. بطلي الشغل دا.. حسيت كأنها قالت لي.. خلي فهيمة.. خلي الاسم.. خلي كل العمر العشتيه.
لا. أنا ما تعبت العمر دا كله عشان أرجع زولة عادية ، و ماف زول ح يقدر يوقفني ، و مهما قالوا.. أنا ما ح أبطل ما دام لسه في ناس بتجي تدق بابي .. و لسه في ناس بتقول.. أمشوا لفهيمة.
في الصباح..
جوني نفس البتين.. واحدة منهم كانت شايلة الأثر الطلبته منها ، منديل قماش صغير..
شلته منها و بقيت اقلبه بين أصابعي ، بعدها أيتها عطر صغير تستخدمه ، و طلبت منها كم معلومه ، عشان اشتغل ليها.
بعدها شكروني هي و صاحبتها و طلعوا..
فضلت قاعدة مكاني ، ماسكة المنديل في يدي ، بعاين ليه بهدوء ، لما قمت عشان أمشي للرف ، حسيت فجأة بدوخة خفيفة.. مسكت طرف السرير ، عدلت وقفتتي كأن ما حصل شيء.
بعدها.. جوني تلاته نسوان لشغل مختلف..
لكن أثناء ما كنت بشتغل ، يدي كانت بترجف لثواني.. وقفت عاينت لأصابعي ، حركتهم مسافة كأني بتأكد إن كل شيء طبيعي.
حتى و انا بمشي حسيت بحرارة غريبة مشت فيني.. و فجأة جسمي بقى ما شايلني بنفس السرعة البعرفها .. رغم دا ما خليت التعب يوقفني.. واصلت شغلي لغاية ما خلصت ، و بعد آخر زولة طلعت ، مسحت و شي بيدي.. و همست بصوت واطي.. الحصل علي شنو؟.. من زمن وانا ما شكيت من جسمي بالشكل دا.
قعدت مسافة ، و بعدها قمت رتبت حاجاتي..
لما جاء الليل ، التعب بقى واضح علي ، ما كنت شاعرة بوجع شديد ، لكن بثقل غريب ما متعودة عليه.. رقدت و أنا بقول انه يمكن كان يوم طويل و انتهى ، و الصباح ح اصحى زي عادتي.
لكن مجرد ما نمت دخلت في حلم غريب.
كنت قاعدة في البيت ، و الدنيا ليل و هادئة شديد.. فجأة سمعت الباب بدق رفعت راسي.. و قمت مشيت نفتحته ، لكن ما لقيت زول.
عاينت يمين و شمال ع الشارع ، و قلت بصوت عالي.. منو؟.. ما جاني رد.
رجعت جوة ، لكن قبل ما اقفل الباب ، شميت ريحة دخان خفيفة ، وقفت مكاني..
كان جاي من ناحية غرفتي مشيت بسرعة ، و لما فتحت الباب لقيت الجمر والبخور مولعين بشكل ما طبيعي. النار ما كانت كبيرة ، لكنها كانت ماسكة في أطراف السجادة و أطراف الستارة ، وكل ما حاولت أطفي جزء منها، كانت بتظهر في مكان تاني ، و الحرارة بتذيد.
و فجأة سمعت أصوات ناس برا البيت.
أصوات بعيدة متداخلة ، ما قدرت أميز أصحابها..
لكن سمعت صوت واضح.. أمشوا لفهيمة..
وبعدها الصوت اتغير ، فهيمة وين؟!.
جريت ناحية الباب عشان أطلع ، لقيته مقفول ، حاولت أفتحه ما فتح معاي.
رجعت لورا.. و أنا بتتنفس بسرعة ، في اللحظة دي النار بدت تمسك في رجلي ، حسيت بحراراتها بتخترقني..
و فجأة صحيت بخلعه.. نفسي متسارع
لمست رجلي بسرعة ، كانت طبيعية ما فيها حاجة..
عاينت حولي.. الغرفه كانت زي ما هي هادية ، لا في إثر نار لا دخان.
بلعت ريقي بصعوبه ، و مسحت على وشي.. قلت ببرود.. مجرد حلم.. و رجعت رقدت عادي.
الصباح جاء.. قمت واصلت يومي ، كأن ما حصل شيء ، رغم أن الحلم ما طلع من بالي.. لكن ما حكيته لزول.. و ما وقفت شغلي و لا غيرت طريقتي.
مرت يومين و انا على نفس الحال ، و الناس ما وقفوا مني.. لكن التعب بقى يظهر علي فترة و التانية.
كنت مولعة البخور.. فجأة الدخان دخل صدري بكمية قعدت اكح لما حسيت بصدري ضااق..
و في نفس اليوم مولعه المجمر ، و فجأة اشتعل و كنت جمبه قطعت قماش ما انتبهت ليها ، الا بعد شميت الريحة.
يمكن تكون حاجات صغيرة..بس ما كانت كافية تخليني أشك في أي شيء.. لكن كانت بتتجمع بهدوء.. كأنها مجهزة لي حاجة ح تهدم كل شيء للأبد.
____________
إحسان..
عديت يومين وانا بالي مشغول بنسمة ، قلبي موجوع عليها و زعلانه منها ف نفس الوقت.. لأنها حتى م اتصلت لي تلفون تطمئني.
كنت قاعدة في العريش.. منتظرة أمي للعشاء..
لما جات طالعة من غرفتها.. عاينت ليها مسافة.. لاحظت إن مشيتها بقت ابطأ من العادة ، و إن وشها بقى ما زي كل يوم.
سألتها بخوف.. يمه إنتِ مالك؟.. ما على بعضك اليومين ديل.
عاينت لي بطرف عينها و قالت.. مالي يعني؟.. ما قاعدة قدامك أهو.
قربت منها أكتر و قلت ليها.. لا في حاجة ، إنتِ ما زي عادتك.. تعبانة ولا زعلانة مني؟
ردت لي ببرود.. زعلانة منك في شنو؟
قلت ليها.. عشان الكلام القلته ليك.. يوم مشت نسمة أنا عارفة إنو كلامي كان قاسي.
أمي ضحكت بخفة و قالت.. إنتِ لسه واقفة عند الكلام دا؟.. أنا ما زعلت منك يا إحسان.
طيب شنو قلت ليها؟
ردت بسرعة..دا الكبر يا بتي.. العمر دا ما بدي الزول حاجة بالمجان.
حاولت ابتسم، لكن القلق ما فارق عيوني.. قلت ليها.. طيب ريحي نفسك شوية.. ما لازم كل زول يجيك تفتحي ليه الباب.
عاينت ناحية الباب و قالت.. الباب دا ما بقفل طال ما انا حية.. بعدها سألتني.. نسمة ما اتصلت عليك؟!..
قلت ليها بصوت مكسور.. لا م اتصلت..
ربتت على كتفي وقالت.. بتتصل ما تشيلي هم.
بعدها قالت.. أنا داخله عندي شغل عايزه اخلصه..
قامت مشت ناحية غرفتها، لكن قبل ما تدخل ، وقفت لحظة و مسكت طرف الباب، كأنها بتستجمع نفسها.
لاحظت للحركة ، لكن ما قلت حاجة..
كانت أول مرة أحس أن أمي ما متزنة.. كأن في حاجة شاغلاها ، أو جسمها بقى ما شايلها زي زمان.
قمت لميت عدة العشاء ، و رقدت في السرير.. كنت حاسة بإحساس ما مريح.. كأن قلبي تقيل من غير سبب.. قعدت استغفر في سري ، لغاية ما غلبني النوم.
ما عارفة نمت كم ساعة ، لكن فجأة صحيت على ريحة دخان خفيفة.
فتحت عيوني و فضلت ثواني أعاين في السقف ، بحاول أستوعب الريحة جاية من وين.. أول حاجة جات في بالي أمي .. قلت في سري.. يمكن لسه شغالة زي عادتها.
رجعت غمضت عيوني ، لكن الريحة ما راحت.. بالعكس بقت أوضح شوية.. ومعاها إحساس غريب دخل قلبي.
فتحت عيني تاني ، ما عرفت ليه قلبي بدا يدق بالطريقة دي.. و فجأة.. في حاجة جواي قالت لي أقوم أشوف أمي.. نزلت من السرير و مشيت ناحية غرفتها.. و لسه ريحة الدخان بتزيد كل ما قربت ، وقفت قدام الباب لحظة. قلت ليها.. يمه؟.. ما ردت علي..
فجأة.. حسيت بالخوف.. مديت يدي ناحية الباب ، و فتحته بقوة..
و أول ما شفت الغرفة شهقت من الخوف.. النار كانت ماسكة في طرف الستارة و بدت تمسك في اطراف المكان ، والدخان مالي المكان.. و في وسط كل دا أمي كانت نايمة في سريرها ، ساكنة بشكل خلّ قلبي يقيف.. ناديتها بخوف.. يمه!..
جريت عليها هزيتها بكل قوتي.. يمه قومي.. النار مسكت في الغرفة.
بعد ثواني.. فتحت عيونها بصعوبة.. عاينت لي كأنها ما مستوعبة الحاصل ، مجرد ما شافت النار شهقة بخلعه
حاولت تقوم ، لكن جسمها خانها.. قالت بصوت ضعيف.. ما قادرة..
مسكت يدها و حاولت أجرها ، لكن جسمها كان تقيل بشكل غريب ، كأن قوتها كلها اختفت فجأة..
النار كبرت و مسكت نص الغرفة ، بقينا ما شايفين حاجة من الدخان.. و فجأة طلع صوت فرقعة قوية..
خلاني اترمي عليها..قمت بسرعة مسكت يدها..
قلت ليها.. يومه قوي بالله عليك..
حاولت أجرها من السرير، لكن فجأة حسيت بشيء ما قدرت أفهمه.. الهواء اتغير حولنا ، وكأن الغرفة ذاتها اتقفلت علينا.. حاولت أشد على يدها و بدون أي إنذار...
حسيت بقوة شديدة دفعتني من صدري لورا.. لدرجة طرت برا الغرفة و وقعت في الأرض ، اتخبطت في الحيطة.. حاولت أقوم بسرعة و أنا بصرخ.. يمة..
جريت ناحية الباب عشان أرجع ، لكن قبل ما أصل ليه، الباب اتقفل بعنف قدامي..
ما عرفت الحصل شنو.. و الشي الدفعني بالقوة دي جاء من وين.. بس كنت متأكدة من حاجة واحدة..
إني ما طلعت برجلي.
و فجأة.. فكيت صرخه عالية شقت سكون الليل ، جريت ناحية الباب وأنا بصرخ بأعلى صوتي.. يا ناس الحقونا.. النار مسكت في البيت ، امي جوه..
ما مرت دقائق.. و الجيران جوا مخلوعين ، رجال وشباب و نسوان ، ما عارفين الحاصل شنو؟!..
كنت ببكي و بأشر للغرفة.. أمي جوة!..
لكن النار فجأة سبقتهم.. قبل ما يعملوا حاجة.. طلعت من الشباك و مسكت في العريشة ، و بقت تتنقل من مكان لمكان .. كأنه في حاجة كانت بتساعدها تذيد في الاشتعال..
كم واحد حاول يقرب من الباب ، لكن الحرارة رجعتهم جابوا موية وحاولوا يطفوا النار من برة، لكن كل ما خمدت ناحية، اشتعلت ناحية تانية.
وفجأة.. وسط أصوات الناس و الجوطة.. سمعنا أصوات صراخ خلتنا نسكت كلنا..
كانت أصوات بعيدة ومتداخلة.. طالعة من جوه البيت..
واحد من الرجال وقف مكانه و قال بخلعة.. إنتو سامعين الصراخ دا؟!..مافي زول ردّ عليه..
الصوت رجع تاني.. صراخ بعيد متداخل مع صوت النار واللهيب.. واحدة من النسوان قالت.. شكله في ناس كتار جوة؟..
واحد من الرجال قال و هو بحاول يثبت نفسه..
الله أعلم.
بعضهم بدا يتشهد ، ويقرا بصوت واطي ، خصوصا لما الأصوات بقت عاليه للحظات، وبعدها اختفت فجأة وسط اللهب.
ما كنت قادره استوعب البحصل.. كل همي كان مع أمي..كل ما كنت أحاول ادخل.. الرجال يمسكوني.
وفجأة.. واحد من الشباب أشار للجهة التانية من البيت.. و قال.. هناك في شيء بتحرك هناك؟!..
التفتنا بخوف.. و شفنا أمي طالعه بتترنح ، و النار ماسكه في أجزاء من جسمها..
رفعت يدها بصعوبة.. و من غير ما أشعر صرخت بصوت عالي .. جريت عليها ، واحد نادى.. جيبوا بطانية بسرعة..
جابوا بطانية غطوها بيها ، لحظات و النار الماسكه فيها طفت..ما كنا عارفين كيف قدرت تطلع من الغرفة ، و لا من وين ظهرت أصلاً..كانت شبه فاقدة الوعي ، لكن بتتنفس..
قلت ليها.. يمه.. انتِ سامعاني؟..
ما ردت علي.. بس صدرها كان بتحرك بصعوبة..
اتصلنا بالإسعاف.. بس ما قدرنا ننتظر.. واحد من الرجال.. قال احسن ننقلها بالعربية..
و فعلا رفعوها بحذر ، ركبت جمبها و أنا بقول ليها.. أمي.. بالله عليكِ اصبري.
العربية اتحركت بسرعه.. و طول الطريق بحاول ، اسمع أنفاسها.. لغاية ما وصلنا المستشفى ، و جابوا النقالة الممرضين شالوها بسرعة ، دخلوها الطوارئ.. حاولت ادخل وراهم، لكن واحدة من الممرضات وقفتني..
لو سمحتي.. خلي الدكاترة يشتغلوا..
وقفت مكاني ، و دموعي ما عايزه توقف.. و لأول مرة أشوف أمي في موقف ما عندها فيه سلطة على أي شيء.
و في نفس اللحظة .. بعيد عن المستشفى..
البيت كان لسه واقف وسط اللهب.. و الناس بحاولوا يسيطروا على النار ، عشان ما تمتد لباقي البيوت..
و لسه الأصوات الغريبة طالعه من جواه ، بس ضعيفة و ما واضح إذا كانت أصوات ناس ولا حاجة تانية.
و مع أذان الفجر التاني.. كل شيء سكت.. حتى الأصوات اختفت تماماً.. بس النار كانت لسه مشتعلة و بتطلع لهيب.
_________
فهيمة..
بعد ما قلت لإحسان عندي شغل، دخلت غرفتي وقفلت الباب.
قعدت في السجادة وولعت الجمر وختيت البخور.. بديت أردد.. فجأة حسيت بتقل شديد وغباش.. قلت أتمد دقيقة بس في السرير و أقوم.. اتمددت وغلبني النوم والبخور لسه مولع جنبي.. ما حسيت بيه إلا لما إحسان صحتني والدخان مالي الغرفة.. ما عرفت النار ولعت كيف؟..
حاولت أقوم بسرعة، لكن جسمي بقى تقيل. للحظة حسيت كأن في حاجة ماسكاني.. حاجة ما شايفاها، لكن حاساها على جسمي كله.
إحسان مسكت يدي.. و فجأة حسيت بحاجة دفعتها بعيد مني.. و بعدها الباب اتقفل في نفس اللحظة.
حاولت أتحرك ، لكن جسمي ما استجاب.. كنت عارفة إنو الحصل ما طبيعي.. في قوة غريبة كانت في المكان، لكن ما قدرت أعرف هي شنو، ولا جاية من وين؟!.
حاولت أردد من التعاويذ العارفاها، يمكن أقدر أعمل حاجة.. لكن لساني بقى تقيل، وما قدرت حتى أفتح خشمي كويس..
الدخان كان بزيد ، و النار بدت تلتف حولي ، لغاية ما مسكت في السرير.. و بدت تمسك في ملابسي.
حسيت بالألم لأول مرة..
النار كانت بتحرق جلدي ، و الدخان كان بخنقني.. و أنا عاجزة تماما.. كأنه الاتعلمته دا كله ما قدر ينقذني في اللحظة دي.
حاول ارفع راسي.. و فجأة لمحت السلسل حقي معلق في طرف السرير ، مديت يدي بصعوبة.. و مسكته..
في اللحظة دي.. التقل الكان ضاغط على جسمي اختفى فجأة.. رغم الحريق قدرت احرك رجلي..
ضغطت على القلادة و قمت بصعوبه ، بديت أمشي.
و أنا بس عايزة أطلع من النار ، لغاية ما وصلت للباب ،
ما عرفت الباب اتفتح كيف ، كل الكنت حاساه إن في حاجة أخيرا خلتني..
طلعت و انا بترنح و جسمي شبه مغطى بالنار ، ما حسيت الا بإحسان جارية علي بتصرخ.. و الناس اتجمعوا بسرعة ، واحد منهم رمى علي بطانية والتاني بدأ يطفي النار الماسكة في رجلي و ملابسي.
ما كنت سامعة حاجة.. بس ماسكة السلسل في يدي.
كأنه هو الخلاني اتحرك و اطلع من النار دي..
و بعدها.. كل شيء بقى اسود في وشي.
__________
نسمة..
من يوم ما طلعت من البيت و قعدت مع أبوي ، و أنا قلبي واجعني على أمي و حبوبة.
رغم إني كرهت البيت.. و كرهت الحاجات البتعملها حبوبة.. بس ما قدرت اتحمل فراقهم.. كنت فاقداهم شديد.. يمكن لاني ما كنت متعودة على فكرة إني أخليهم بالشكل دا.
رغم أن ابوي كان بطبطب علي.. و دايما معااي..
لكن حتى و هو جنبي ، ما قدرت أطلعهم من بالي.. خصوصا حبوبة يمكن عشان دي كانت أول مرة أرفع صوتي عليها بالطريقة دي.. و رغم كل الغضب الكان جواي ، كان في جزء مني لسه متعلق بيها.
قضيت اليومين الفاتوا بشكل تقيل.. قلت في نفسي..
مجرد ما الدنيا تصبح ح أمشي ليهم.. و اعتذر منهم
استغفرت و نمت..
صحيت على صوت أبوي و هو بصحيني لصلاة الصبح..
قمت اتوضيت و لبست عباية الصلاة ، صليت ركعتين و مجرد ما سلمت..
تلفوني رنّ ، قلبي انقبض من غير ما أشعر ، قلت.. دا منو البتصل علي في الوقت دا؟!..
عاينت للشاشة.. لقيتها وئام.
استغربت أكتر.. فتحت الخط و قلت الو..
بس ما سمعت سلام.. كانت أصوات ناس متداخلة وصراخ ، جاني صوت وئام مبحوح من الخوف..
نسمة! بيتكم اتحرق.. و الناس قالوا حبوبتك و أمك جوة..
اتجمدت مكاني.. شنو؟! ، تاني ما قدرت أفهم باقي كلامها.. التلفون وقع من يدي.. و طلعت مني صرخة من غير ما أحس.
أبوي جاني مخلوع.. في شنو يا نسمة ؟!
ما قدرت أرد.. بس كنت بعاين ليه و دموعي جارية.. أشرت ليه ناحية التلفون.. شاله اتكلم و ملامح وشه اتغيرت..
خلاني واقف.. دخل لبس جلابيته وقال لي.. ارح
طلعت بي عباية الصلاة من الصدمة.. و مجرد ما طلعنا لقينا جارنا جاء على صوتي.. سأل ابوي في شنو.. ابوي كلمه باستعجال..
الراجل قال لينا.. دقيقة اوديكم بالعربية..
دقائق و ركبنا مشينا.. طول الطريق كنت ببكي و بنادي على امي وحبوبة.. ما قادرة أوقف دموعي.
أبوي كان ساكت ، و كل شوية يلتفت.. ما تخافي يا بتِ. إن شاء الله بكونو كويسين.
كنت بهز رااسي ، بس ما قادرة أصدق كلامه..
لما قربنا من الحلة ، الدنيا كانت كشفت.. شفت الدخان من بعيد.. عبارة عن سحابة سوداء..
قلبي وقع من الخوف..
مجرد ما وصلنا لقينا الناس دي متجمعه و ظاهر عليهم الصدمة و التعب..واقفين بعيد و ناس بحاولوا يطفوا باقي النار الفضلت..
نزلت وانا مخلوعه و بسأل بهيستريا.. وين أمي وحبوبة؟!
واحد من الرجال قرب مني و قال.. ودوهم المستشفى
قلت ليه.. الحصل ليهم شنو؟!..
الراجل سكت مسافة وقال.. حبوبتك حالتها صعبه..
ما استوعبت الكلام.. صرخت فيه وامي كيف؟!..
قال.. أمك كويسه..
بقيت ابكي بطول حسي و أنا بعاين بذهول..
البيت الكنت طول عمري بكرهه ، الليله شايفاه بتحرق قدامي.. كأن حاجة من عمري بتتحرق معاه.
يمكن مهما كنت زعلانة و مهما كنت عايزة أبعد منه..
ما كنت مستعدة أشوفه ينتهي بالطريقة دي..
ابوي جاء مسكني ارح المستشفى يا نسمة.. مشيت وراه و لسه بعاين للبيت بزهول.. ركبنا العربية..
وبقيت اتزكر حبوبة.. و كل حاجة قلتها ليها قبل ما أطلع.. "حبوبة إنتِ خربتي حياتي".. الكلمة دي ما طلعت من راسي..
يا ريتني ما قلتها.. يا ريتني بس سلمت عليها قبل ما أطلع.
وصلنا المستشفى .. بس عقلي كان لسه واقف قدام بيتنا المحروق.
جريت جوا المستشفى من غير وعي.. أبوي لحقني ومسك يدي حاول يهديني ، لكن أنا ما كنت سامعة كلامه.. كل الكنت عايزة أعرفه إنهم بخير.
لقيت أمي واقفة وخاته يدها في رأسها..أول ما شافتني قامت بسرعة وجات علي ، حضنتني وبقت تبكي.
مسكتها من كتفها وقلت ليها بصوت متقطع..
أمي.. حبوبة وين؟ هي كويسة؟!..
ما قدرت ترد على ، بس كانت بتبكي وتهز راسها.
مسحت دموعها وقالت بصوت مكسور.. اتحرقت يا نسمة.. حبوبتك اتحرقت شديد.
اتجمدت مكاني.. ما عرفت أقول شنو.. بس حسيت رجولي ما بقت شايلاني ، قعدت جنبها وأنا بعاين للباب كأن ممكن يفتح في أي لحظة ، و حبوبة تطلع منه زي ما كانت كل يوم.. بنفس صوتها، بنفس مشيتها، بنفس هيبتها البتخلي البيت كله يسكت لما تتكلم.
بعدها ابوي اتكلم مع الدكتور وقال ليه.. حالتها حرجة.. الحروق عميقة و في مناطق واسعة من جسمها..
قلت ليه بخوف.. ح تبقى كويسة؟
الدكتور سكت ثانية وقال.. لسه بدري نحكم.. ادعوا ليها بس.
فضلنا قاعدين مسافة.. و كل دقيقة تمر، كنت بتمنى لو الزمن يرجع بس شوية.. دقيقة واحدة بس.. أرجع فيها للبيت أقعد جنبها ، و أسلم عليها قبل ما أطلع.
كنت كل شوية أقوم.. و بعدها أرجع أقعد.
وفي كل مرة كنت بقول لنفسي.. أكيد ح تطلع هي أقوى من كدا ، لكن صورة البيت و هو مولع كانت بترجع قدامي كل مرة.
مع آخر اليوم.. جاء الدكتور قال لينا.. المريضة طلبتكم.
بس نظراته ما كانت بتطمئن ، قمنا بسرعه دخلنا ليها..
أول ما شفتها.. ما قدرت أتحرك.
كانت ملفوفة بالشاش في أجزاء كبيرة من جسمها، بس وشها كان ظاهر لكن شبه محروق.. حتى ما بشبه وش حبوبة البعرفه..
فتحت عيونها ببطء ، وعاينت لينا مساافة.. كأنها بتتاكد نحن حقيقة..
حركت عيونها ناحية أمي ، و قالت بصوت متقطع..
إحسان..أمي قربت منها و قالت ليها..أنا هنا يا أمي.
حاولت تتكلم أكتر، لكن صوتها طلع ضعيف..
سامحيني.. يا إحسان.
أمي هزت راسها وهي بتبكي.. ما تقولي كدا يا أمي..
حبوبة غمضت عيونها ، و بعدها فتحتها عاينت لي.
نسمة..قربت منها و أنا ببكي..
قالت بصوت واطي..
أنا.. قضيت عمري كله.. بجري ورا القوة.. ورا الاسم.. عشان الناس تعرف فهيمة.. و تخاف منها.
سكتت مسافة.. و نفسها بقى أتقل..
واصلت كلامها.. لكن هسي.. الاسم دا و القوة دي.. ما نفعتني ، و أنا راقدة عاجزة..
نزلت دمعة من طرف عينها و قالت.. أنا ما عملت حاجة.. ألقى بيها ربي..
أمي شهقت و بقت تبكي.. قلت ليها.. حبوبة إنتِ ح تبقى كويسة..
هزت راسها بصعوبة و قالت.. اعفوا لي.. و ادعوا ربنا.. يسامحني.. ويتوب علي..
سكتت لحظات ، و بصوت متعب قالت لأمي.. إحسان.. خلي الودع.
وبعدها عاينت لي مرة تانية.. وقالت.. وإنتِ يا نسمة خليكِ زي ما إنتِ..
غمضت عيونها لحظة ، و بعدها فتحتها كأنها بتقاوم آخر لحظة.. قالت.. عيشوا بعيد من الحاجات دي..
و ادعوا لي..
صوتها اختفى.. و نفسها بقى متقطع وتقيل.. بعدها غمضت عيونها.. أمي قربت منها.. و قالت يا أمي؟..
لكن حبوبة ما ردت.
امي فكت صرخه عاليه.. بقيت أرجع لورا من غير وعي.. ما كنت قادرة أبكي، ولا حتى أتكلم.. بس بقيت بعاين للسرير، كأني منتظراها تفتح عيونها فجأة وتقول لي.. يا نسمة.. مالك واقفة كدا؟!..
لكنها ما فتحتها..في اللحظة دي عرفت ان حبوبة فاتت من غير رجعه..
يتبع....