
رواية دليده الفصل الخامس 5 بقلم سهر احمد
الصدمه اللي تم موجهتها
«هو أقرب إليهما مما يتخيلان»
«الاختبار بدأ...»
كانت الجملة لسه منورة على الشاشة، وتحتها الصورة الغامضه للشخص اللي ظهر باسم:
الطفل رقم 18.
شخص بالغ... ملامحه مش واضحة بالكامل، لكن وجود الصورة لوحده كان كفيل يقلب كل حاجة.
الراجل الملثم وقف قدام الشاشة، وعينيه ثابتة على الصورة.
ضحك ضحكة هادية وقال:
— قربنا... قربنا أوي.
صوت الشخص اللي بيتكلم معاه في التليفون جه متوتر:
— إنت متأكد إن يونس هيوصل للمكان؟
الملثم رد بثقة:
— يونس هييجي برجليه.
— ولو دفع الفلوس وأخد دليدة ومشي؟
— مش هيلحق.
— يعني إيه؟
الملثم قرب من الشاشة، ومد إيده ناحية صورة الشخص اللي مكتوب تحتها الطفل رقم 18.
— عشان الليلة دي مش معمولة علشان الفلوس... الليلة دي معمولة علشان الحقيقة.
— وحقيقة إيه؟
الملثم ابتسم.
— الحقيقة اللي عيلتين فضلوا يدفنوها سنين.
وسكت لحظة.
— واللي هيكشفها... يونس بنفسه.
في المكان المهجور...
كانت دليدة قاعدة على الكرسي، إيديها لسه مقيدة، لكن عقلها كان شغال بأقصى سرعة.
كانت بتحاول تجمع الأحداث.
حسام...
ليلى...
الطفل...
الملفات...
يونس...
والرقم 18.
كل حاجة كانت بتلف في دماغها.
وفجأة سمعت صوت خطوات.
رفعت عينيها.
الملثم دخل.
دليدة قالت بعصبية:
— إنت تاني؟
— أيوه.
— يونس فين؟
ضحك.
— مش قولتلك إنه جاي؟
— وإنت عايز منه إيه غير الفلوس؟
— قلتلك... اختبار.
— أنا مش مصدقاك.
— براحتك.
قرب منها.
دليدة رجعت بجسمها لورا قدر الإمكان.
— خليك بعيد.
وقف قدامها.
— لسه بتأمري؟
— آه.
— حتى وإنتِ في الوضع ده؟
— أنا ممكن أكون مربوطة... لكن لسه أنا دليدة.
ضحك.
— ودي مشكلتك.
— إيه؟
— إنك لحد دلوقتي مش فاهمة إن العالم مش بيمشي على مزاجك.
دليدة بصت له باحتقار.
— وأنت فاكر إنك لما تخطفني بقيت أقوى مني؟
— لأ.
قرب خطوة.
— أنا بس عايز أشوف كبرياءك هيوصلك لفين.
دليدة صرخت:
— ابعد!
لكنه حاول الاقتراب منها بطريقة تخوفها وتعتدي على حدودها، ومد إيده ناحية ملابسها.
دليدة بدأت تقاوم بكل قوتها.
— ابعد عني!
حاول يمنعها من الحركة.
— اهدي.
— متلمسنيش!
قاومته بكل ما عندها، لكن إيديها كانت مقيدة.
صرخت بأعلى صوتها:
— سيبني يا حيوان!
وفجأة...
صوت قوي جدًا جه من بره.
صوت خبط.
وبعده صراخ.
الملثم اتلفت ناحية الباب.
— إيه ده؟
دليدة بصت له وهي بتتنفس بسرعة.
ومن بعيد...
صوت رجالة بيصرخوا:
— فتشوا المكان!
— محدش يهرب!
— بسرعة!
الملثم اتوتر.
— مستحيل!
دليدة بصت له باستغراب.
— يونس؟
الملثم ما ردش.
راح بسرعة ناحية الباب، وخرج.
ودليدة فضلت تحاول تفك إيديها.
في نفس اللحظة...
قدام المبنى المهجور، كانت عربيات واقفة على مسافة.
يونس كان واقف وسط سيف ورامي ومازن وكريم.
وشه كان متغير.
الغضب ظاهر في عينيه.
رامي كان ماسك تليفونه.
— يونس... المكان ده هو آخر نقطة ظهر فيها واحد من الرجالة اللي كانوا معاهم.
يونس بص للمبنى.
— متأكد؟
— أيوه.
سيف قال:
— إحنا اتتبعنا حركة العربية من كاميرات الطرق، ولما اختفت الإشارة هنا عرفنا إنهم مستخبيين في المبنى ده.
يونس قبض إيده.
— دليدة جوه.
كريم قال:
— غالبًا.
يونس بص لهم.
— مفيش غالبًا.
وبدون تفكير جري ناحية الباب.
سيف حاول يمسكه.
— يونس استنى!
يونس زعق:
— دليدة جوه!
ودخل.
ورا منه جري سيف ورامي ومازن وكريم.
الضربات والصراخ ملوا المكان.
واحد من أفراد العصابة ظهر فجأة.
— محدش يتحرك!
يونس اندفع عليه.
حصل اشتباك سريع.
واحد تاني حاول يهجم على سيف.
رامي صدّه.
— تعالى يا حبيبي!
كريم مسك واحد من الخلف.
— هات إيدك!
الراجل حاول يفلت.
كريم شدّه.
— مش هتهرب!
في الناحية التانية...
يونس كان بيدور بعينيه في كل مكان.
— دليدة!
مفيش رد.
— دليدة!
صوته كان مليان خوف.
وفجأة سمع صوت مكتوم.
اتلفت ناحية ممر ضيق.
جري.
فتح باب.
مفيش حد.
خرج بسرعة.
— دليدة!
وفي اللحظة دي...
الملثم ظهر من آخر الممر.
يونس شافه.
عينيه اتغيرت.
— إنت!
الملثم جري.
يونس جري وراه.
— استنى!
الراجل دخل غرفة جانبية وقفّل الباب.
يونس خبط الباب برجله.
— افتح!
الملثم رد:
— مش هتلحقها.
يونس اتجمد.
— إيه؟
— دور عليها الأول.
يونس كسر الباب ودخل.
لكن الراجل كان اختفى من فتحة خلفية.
يونس بص حواليه بجنون.
وفجأة...
سمع صوت دليدة.
— يونس!
قلبه وقف لحظة.
— دليدة!
جري ناحية الصوت.
دخل الغرفة.
شافها قاعدة على الكرسي، إيديها مربوطة، وشعرها مبعثر ووشها شاحب.
أول ما شافته...
انهارت.
— يونس...
جري عليها.
— دليدة!
بدأ يفك القيود بسرعة.
— بصيلي.
دليدة كانت بتبص له وعينيها مليانة خوف.
— أنا هنا.
— يونس...
— أنا معاكي.
— هو...
ماقدرتش تكمل.
يونس بص حواليه بعصبية.
— هو فين؟
دليدة أشارت ناحية الباب.
— هرب.
يونس قرب منها.
— عمل لك حاجة؟
دليدة سكتت.
عينيها نزلت للأرض.
يونس فهم إن في حاجة حصلت.
صوته اتكسر:
— دليدة... عمل لك حاجة؟
هزت رأسها بسرعة.
— لأ...
وبصوت ضعيف:
— حاول.
يونس عينيه احمرت.
لف ناحية الباب.
— فين هو؟!
دليدة مسكت إيده.
— سيبه.
يونس بص لها.
— أسيبه؟
— المهم إني كويسة.
— لأ... مش كويسة.
صوته كان بيرتعش.
— أنا شايفك.
دليدة بدأت تبكي.
— أنا كنت خايفة.
يونس قرب منها.
— خلاص.
— كنت فاكرة إنك مش هتيجي.
يونس بص لها بصدمة.
— مستحيل.
— اتأخرت.
— كنت بدور عليكي في كل حتة.
— عرفت مكاني إزاي؟
— مش مهم.
— مهم.
يونس مسح دموعها.
— المهم إني لقيتك.
وفجأة...
صوت اشتباك جه من الخارج.
دليدة اتخضت.
— في إيه؟
يونس وقف.
— خليكي هنا.
— لأ.
— دليدة، اسمعيني.
— مش هتسيبني.
— مش هسيبك.
فتح الباب.
وفي اللحظة دي...
واحد من أفراد العصابة ظهر من الخلف.
رفع إيده ناحية يونس.
يونس اتلف بسرعة.
بدأ اشتباك عنيف بينهم.
دليدة كانت بتصرخ:
— يونس!
الراجل حاول يهجم عليه.
يونس دفعه.
الراجل وقع، لكنه قام بسرعة.
اشتباكهم استمر.
دليدة وقفت وهي مش قادرة تتحمل المنظر.
— يونس!
واحد تاني حاول يدخل عليهم.
سيف وصل في اللحظة المناسبة ومسكه.
— مش هتدخل.
رامي وصل وراه.
— امسكه كويس!
سيف:
— خلاص، اتمسك.
في الخارج كانت أصوات الشرطة بدأت تقرب.
— الشرطة وصلت!
لكن الملثم الأساسي كان بالفعل قدر يهرب من مخرج خلفي.
أحد أفراد العصابة صرخ:
— اهربوا!
كريم مسك واحد منهم.
— على فين؟
— سيبني!
— مش هسيبك.
يونس كان لسه بيشتبك مع آخر واحد.
دليدة وقفت مكانها، وجسمها بدأ يرتجف.
كانت كل الأصوات حواليها بتبعد.
صوت يونس...
صوت الرجالة...
صوت الشرطة...
كل حاجة بقت مكتومة.
حاولت تمسك في الحائط.
— يونس...
ماسمعهاش.
— يونس!
صوتها كان ضعيف.
وفجأة...
عينيها زاغت.
وقعت على الأرض.
يونس شافها.
— دليدة!
ساب كل حاجة وجري عليها.
— دليدة!
نزل على ركبته جنبها.
— دليدة بصيلي!
مفيش رد.
— دليدة!
حط إيده على خدها.
— دليدة افتحي عيونك!
لكنها كانت فاقدة الوعي.
يونس صرخ:
— دليدة!
واحد من رجال العصابة حاول يهرب.
يونس رفع عينيه عليه.
في لحظة غضب شديدة، اندفع ناحيته وضربه، والراجل وقع.
يونس رجع بسرعة لدليدة.
— دليدة!
لكن الراجل الأخير استغل اللحظة وحاول يهرب.
يونس لمح حركته.
— استنى!
جري وراه.
الراجل وصل للباب الخارجي.
يونس كان قريب منه.
وفجأة...
دليدة فتحت عينيها للحظة.
شافت يونس بيبعد عنها.
صرخت بكل قوتها:
— يونس!
يونس اتلف.
وفي اللحظة دي...
الراجل الأخير اندفع ناحية يونس.
دليدة، رغم إنها كانت شبه فاقدة قوتها، مسكت قطعة معدنية كانت واقعة جنبها.
وقفت بصعوبة.
وجريت ناحية الراجل.
— ابعد عنه!
وضربته بالقطعة المعدنية.
الراجل وقع على الأرض.
يونس اتصدم.
— دليدة!
لكن دليدة كانت خلاص فقدت كل طاقتها.
وقعت.
يونس جري عليها.
— دليدة!
شالها بين إيديه.
— دليدة افتحي عيونك!
مفيش رد.
صوته بدأ ينهار:
— دليدة... أنا هنا.
حط إيده على وشها.
— افتحي عيونك يا دليدة.
لكنها ما ردتش.
يونس بص حواليه وصاح:
— إسعاف!
كريم جري ناحيته.
— الإسعاف بره!
يونس وقف وهو شايلها.
— فين؟
— على الباب!
يونس خرج بيها يجري.
ولحسن الحظ...
كانت سيارة إسعاف موجودة بالفعل خارج المبنى.
رجالة الإسعاف نزلوا بسرعة بالترولي.
— حطها هنا!
يونس وضع دليدة على الترولي.
— خلي بالكوا منها!
المسعف قال:
— حاضر.
بدأوا يفحصوا نبضها وتنفسها.
يونس حاول يركب معاها.
المسعف:
— حضرتك مين؟
— جوزها... خطيبها... المهم أنا لازم أكون معاها.
المسعف بص له لحظة.
— اركب.
ركب يونس جنبها.
مسك إيدها.
— أنا معاكي.
دليدة كانت مغمضة عينيها.
يونس قرب منها.
— فاكرة لما قولتلك مش هسيبك؟
مفيش رد.
— أهو أنا لسه عند وعدي.
العربية تحركت بسرعة.
في المستشفى...
الأطباء استقبلوا دليدة فورًا.
الترولي دخل بسرعة.
— الحالة فقدت الوعي بعد اشتباك.
— الضغط؟
— منخفض.
— جهزوا الأكسجين.
يونس كان بيجري وراهم.
— دليدة!
ممرضة وقفته.
— ممنوع تدخل.
— دي مراتي!
— لازم تستنى بره.
— بس...
— الدكتور معاها.
الباب اتقفل.
يونس وقف قدامه.
إيده على رأسه.
كان بيتنفس بصعوبة.
سيف ورامي ومازن وكريم وصلوا.
رامي قرب منه.
— يونس...
يونس ما ردش.
سيف:
— هي هتبقى كويسة.
يونس بص له.
— إنت مش عارف.
— الدكتور هيطمننا.
— أنا شوفتها وهي بتقع قدامي.
صوته اتكسر.
— وشوفت الخوف في عينيها.
كريم قال:
— إحنا مسكنا معظمهم.
يونس بص له.
— والملثم؟
سكت كريم.
رامي قال:
— هرب.
يونس قبض إيده.
— هلاقيه.
سيف:
— هنلاقيه.
يونس:
— لأ.
رفع عينيه.
— أنا اللي هلاقيه.
بعد فترة طويلة...
باب الغرفة اتفتح.
خرج الدكتور.
يونس جري عليه.
— دكتور!
الدكتور بص له.
— حضرتك قريبها؟
— أيوه... دليدة أخبارها إيه؟
الدكتور أخذ نفسًا.
— هي دلوقتي مستقرة جسديًا.
يونس:
— يعني إيه؟
— يعني مفيش إصابة جسدية خطيرة تهدد حياتها في الوقت الحالي.
يونس ارتاح لحظة.
— الحمد لله.
لكن الدكتور ماكملش بنفس الاطمئنان.
— بس...
يونس اتجمد.
— بس إيه؟
الدكتور قال بهدوء:
— اللي حصل لها كان صدمة عنيفة جدًا.
— يعني؟
— دخلت في نوبة عصبية قوية، وجسمها استجاب للصدمة بشكل واضح.
يونس:
— هتفوق؟
— أيوه، بدأت تستجيب.
يونس:
— طب إيه المشكلة؟
الدكتور بص له بجدية.
— المشكلة مش في فقدان الوعي بس.
— أمال؟
— واضح إن اللي حصل لها سبب لها انهيار عصبي شديد، ومعاه أعراض اكتئاب حادة بسبب صدمة نفسية خطيرة.
يونس سكت.
كأن الكلام وقع عليه أصعب من أي ضربة.
— اكتئاب؟
الدكتور هز رأسه.
— أيوه.
— بس هي كانت قوية.
الدكتور بص له.
— القوة اللي بتظهر قدام الناس مش معناها إن الإنسان من جواه مش بيتألم.
يونس بلع ريقه.
— يعني هتنسى اللي حصل؟
الدكتور:
— مش بالضرورة.
— هتكون كويسة؟
— محتاجة وقت، وهدوء، وأمان، ودعم نفسي كبير.
يونس بص ناحية باب الغرفة.
— وأنا؟
الدكتور:
— وجودك جنبها مهم جدًا... بس لازم تعرف إن العلاج مش هيكون سهل.
يونس سكت.
الدكتور أكمل:
— وفي حاجة تانية لازم تعرفها.
يونس رفع عينيه.
— إيه؟
الدكتور قال:
— وهي فاقت للحظات، كانت بتقول كلمة واحدة.
يونس قرب.
— قالت إيه؟
الدكتور بص له باستغراب.
— قالت اسمك.
يونس عينيه لمعت.
— دليدة...
الدكتور:
— بس بعدها بدأت تصرخ وتقول إن في حاجة حصلت.
يونس قلبه انقبض.
— حاجة إيه؟
الدكتور هز رأسه.
— مش عارفين لسه.
يونس:
— لازم أعرف.
الدكتور:
— مش دلوقتي.
يونس:
— ليه؟
— لأنها في حالة نفسية حساسة جدًا.
يونس بص للباب.
وفجأة...
طلع صوت ضعيف من جوه الغرفة.
صوت دليدة.
— يونس...
يونس اتلف بسرعة.
— دليدة!
الدكتور حاول يمنعه.
— استنى.
لكن يونس قرب من الباب.
وصوتها جه مرة تانية...
أضعف.
وأكثر خوفًا:
— يونس... هو كان عايز يقولك حاجة...
يونس تجمد.
— مين؟
مفيش رد.
قرب من الباب.
— دليدة؟
صوتها اختفى.
الدكتور دخل بسرعة.
يونس وقف مكانه، قلبه بيدق بعنف.
وفي نفس اللحظة...
تليفون رامي رن.
رامي بص للشاشة.
ملامحه اتغيرت.
يونس لاحظ.
— مين؟
رامي ما ردش.
— رامي... مين؟
رامي رفع عينيه ببطء.
— رسالة من رقم مجهول.
يونس:
— افتحها.
رامي فتح الرسالة.
وكان مكتوب فيها:
«أنقذت دليدة من الخاطف... لكنك لسه ما أنقذتهاش من الحقيقة.»
وتحتها صورة واحدة...
صورة قديمة.
يونس ودليدة وهما أطفال...
وبجانبهم شخص ثالث.
وتحت الصورة كلمة واحدة:
18
يونس بص للصورة، ووشه اتجمد.
لأن الشخص الثالث في الصورة...
كان واقف قريب منهم جدًا.
وأقرب مما أي حد كان يتخيل.
يونس بص للصورة كأنه مش قادر يستوعب اللي شايفه.
إيده كانت ماسكة الموبايل، لكن صوابعه بدأت ترتعش من غير ما يحس.
الصورة قديمة...
قديمة بشكل يخلي ملامح الأشخاص فيها باهتة، لكن فيه حاجة واحدة كانت واضحة جدًا...
دليدة.
يونس.
والشخص الثالث...
واقف بينهم.
قريب منهم بشكل غريب.
رامي بص للصورة، وقال بصوت منخفض:
— يونس... إنت تعرف الشخص ده؟
يونس ما ردش.
سيف قرب منه.
— يونس؟
يونس رفع عينه ببطء.
— أنا... شفت الصورة دي قبل كده.
رامي اتصدم.
— إيه؟!
— مش الصورة نفسها...
بص للشخص الثالث.
— بس الشخص ده...
كريم قرب أكتر.
— تعرفه؟
يونس فضل ساكت ثواني طويلة.
— معرفوش.
رامي عقد حاجبيه.
— أمال إزاي بتقول إنك شفته؟
يونس مسح على وشه بتوتر.
— وأنا صغير... كان فيه راجل بييجي بيتنا.
سيف سأله:
— راجل مين؟
— مش فاكر اسمه.
— شكله؟
يونس فضل مركز في الصورة.
— كان بيظهر وقت ما بابا كان بيكون مشغول في حاجات الشغل القديمة.
كريم قال:
— يعني ممكن يكون حد من شركاء عبدالرحمن؟
يونس هز رأسه.
— لأ.
— متأكد؟
— أيوه.
صوته بقى أهدى، لكن الخوف اللي في عينيه كان واضح.
— الشخص ده أنا فاكره.
رامي قرب منه.
— إنت قلت من شوية إنك مش عارفه.
يونس رد:
— عشان كنت بحاول أقنع نفسي إني نسيته.
سكت الكل.
يونس رجع يبص للصورة.
— كان دايمًا بيبصلي بنفس الطريقة دي.
سيف:
— طريقة إيه؟
— كأنه عارف عني حاجة أنا نفسي معرفهاش.
رامي ابتلع ريقه.
— طب ودليدة؟
يونس بص ناحية باب الغرفة.
— هي كانت تعرفه؟
مفيش حد رد.
صوت أجهزة المستشفى كان هو الحاجة الوحيدة اللي مسموعة في الممر.
يونس قرب من باب غرفة دليدة.
حط إيده على المقبض.
رامي مسكه.
— استنى.
يونس بص له.
— إيه؟
— الدكتور قال إنها محتاجة هدوء.
يونس رد بصوت مكسور:
— أنا مش عايز أضغط عليها.
— أمال؟
— عايز أطمن عليها بس.
فتح الباب بهدوء.
دخل.
دليدة كانت نايمة.
وشها شاحب.
ملامحها هادية، لكن حتى وهي نايمة كان واضح إنها مرهقة.
يونس وقف بعيد عنها شوية.
ماقدرش يقرب.
كأن منظرها بالشكل ده وجعه أكتر من كل اللي حصل.
قرب خطوة.
— دليدة...
مفيش رد.
قعد على الكرسي جنب السرير.
— أنا عارف إنك سامعاني.
سكت لحظة.
— ومش هسألك عن حاجة.
عينه راحت لإيدها.
مد إيده ومسكها برفق.
— بس عايزك تعرفي حاجة واحدة...
صوته اتكسر.
— أنا مش هسيبك.
أصابع دليدة اتحركت حركة بسيطة.
يونس انتبه.
— دليدة؟
عينيها فضلت مقفولة.
لكن شفايفها اتحركت.
— ماما...
يونس قرب.
— ماما؟
دليدة همست:
— متقولوش...
يونس اتجمد.
— أقول لمين إيه؟
دليدة بدأت تتنفس بسرعة.
— متقولوش... إنهم لقوه...
يونس حس بقلبه بيقع.
— مين اللي لقوه يا دليدة؟
عينيها فتحت فجأة.
بصت له بخوف شديد.
— إنت شفت الصورة؟
يونس سكت.
دليدة بصت حواليها.
— الصورة...
— أيوه.
بدأت دموعها تنزل.
— هو ظهر؟
يونس قرب منها.
— مين؟
دليدة مسكت إيده بقوة.
— الشخص اللي واقف بينا.
يونس حاول يحافظ على هدوئه.
— إنتِ تعرفيه؟
دليدة هزت رأسها.
— مش عارفة.
— دليدة...
— أنا شفته.
— فين؟
صوتها ارتجف.
— في أحلامي...
يونس عقد حاجبيه.
— أحلامك؟
— من وأنا صغيرة.
سكتت.
— كنت بشوف نفس المكان...
يونس قرب أكتر.
— مكان إيه؟
دليدة غمضت عينيها.
— أوضة كبيرة...
نفسها اتقطع.
— فيها أطفال.
يونس حس بقشعريرة في جسمه.
— أطفال؟
هزت رأسها.
— كلهم لابسين نفس اللبس.
— وبعدين؟
— كان فيه رقم على كل واحد.
يونس قال بصوت منخفض:
— رقم كام؟
دليدة فتحت عينيها.
بصت له مباشرة.
— أنا كان مكتوب عليا...
سكتت.
يونس شد على إيدها.
— كان مكتوب إيه؟
دليدة همست:
— 17.
يونس اتجمد.
الغرفة كلها بقت كأنها ساكتة.
— والطفل اللي في الصورة؟
دليدة بدأت تبكي.
— كان واقف جنبي.
— رقم 18؟
هزت رأسها.
— أيوه.
يونس حس إن نفسه اتقطع.
— دليدة... مين كان الشخص ده؟
دليدة بصت له بخوف.
— أنا معرفش.
— طب ليه قولتي إنهم لقوه؟
— عشان...
سكتت.
— عشان إيه؟
دليدة رفعت إيدها ناحية رأسها.
— أنا بدأت أفتكر.
يونس قرب منها.
— تفتكري إيه؟
صوتها خرج مرتعش:
— اللي حصل في الليلة اللي اختفى فيها الطفل.
يونس وقف.
— دليدة...
— كان فيه حد بيجري.
— مين؟
— مش عارفة.
— كان فيه باب.
— أيوه.
— وبعدها؟
دليدة بدأت تتنفس بسرعة.
— حد شالني.
— مين؟
— مش عارفة.
— دليدة اهدي.
— كان بيقول لي...
سكتت.
يونس قرب.
— كان بيقول لك إيه؟
دليدة بصت له، ودموعها على وشها.
— متخافيش يا دليدة... أخوكي هنا.
يونس اتجمد.
كلمة واحدة فضلت تدور في دماغه:
أخوكي.
— أخوكي؟
دليدة حطت إيدها على صدرها.
— أيوه.
يونس كان مش قادر يتكلم.
— إنتِ فاكرة مين قالها؟
دليدة هزت رأسها.
— صوته...
— صوته كان صوت مين؟
بصت له.
وفجأة...
ملامحها اتغيرت.
— يونس...
— نعم؟
— أنا سمعت الصوت ده قبل كده.
— فين؟
دليدة بصت ناحية الباب.
— عندنا في البيت.
يونس وقف بسرعة.
— عند مين؟
دليدة قالت بصوت مرتجف:
— عند بابا.
يونس اتصدم.
— فؤاد؟
دليدة هزت رأسها.
— لأ...
سكتت لحظة.
— الشخص اللي كان بيكلمه بابا في السر.
في اللحظة دي، الباب اتفتح.
الدكتور دخل بسرعة.
— لازم نوقف الكلام دلوقتي.
يونس بص له.
— ليه؟
— حالتها النفسية مش مستحملة.
دليدة مسكت إيد يونس.
— متخليش حد ياخد الصورة.
يونس قرب منها.
— الصورة معايا.
دليدة قالت:
— لأ...
— إيه؟
— الصورة مش أخطر حاجة.
يونس اتوتر.
— أمال إيه؟
دليدة بصت له.
— اللي ورا الصورة.
الدكتور قرب منها.
— دليدة، حاولي ترتاحي.
لكن دليدة مسكت إيد يونس أقوى.
— يونس...
— أنا معاكي.
— لو حصل لي حاجة...
— متقوليش كده.
— اسمعني.
— مش هسمع حاجة تخوفك.
— لازم تسمع.
صوتها بدأ يضعف.
— الطفل رقم 18 مش شخص غريب.
يونس قرب منها.
— أمال مين؟
دليدة فتحت بوقها علشان تتكلم...
لكنها فقدت وعيها مرة تانية.
— دليدة!
الدكتور بسرعة:
— ابعد لو سمحت!
يونس وقف مكانه، عاجز.
الممرضات اتحركوا بسرعة.
الدكتور بدأ يتابع حالتها.
يونس خرج من الغرفة، ووشه مليان صدمة.
رامي قرب منه.
— قالت إيه؟
يونس بص له.
— قالت إن الطفل رقم 18 مش شخص غريب.
سيف:
— أمال مين؟
يونس رد بصوت منخفض:
— معرفش.
رامي:
— بس قالت لك حاجة؟
يونس بص للصورة اللي لسه في إيد رامي.
— قالت إن الشخص اللي في الصورة كان قريب منها وهي صغيرة.
كريم قال:
— يعني ممكن يكون هو الطفل رقم 18؟
يونس هز رأسه.
— مش عارف.
رامي قلب الصورة.
— استنى.
— إيه؟
رامي قرب الصورة من الضوء.
— بص هنا.
ظهر على ظهر الصورة جزء صغير من كتابة قديمة.
يونس قرب.
الكتابة كانت شبه ممسوحة.
لكن كلمة واحدة كانت واضحة:
"المكان الأول."
سيف قال:
— يعني إيه المكان الأول؟
رامي قلب الصورة تاني.
— استنى...
بص في أسفل الصورة.
كان فيه رقم صغير جدًا.
— 18 / 07 / 2002.
يونس وشه اتغير.
— التاريخ ده...
كريم سأله:
— تعرفه؟
يونس هز رأسه.
— ده تاريخ ميلادي.
الكل سكت.
رامي بص له بصدمة.
— إيه؟!
يونس أخذ الصورة من إيده.
بص للتاريخ.
وبعدين بص للصورة.
يونس ودليدة أطفال...
والشخص الثالث بينهم.
تحت الصورة:
18 / 07 / 2002
يونس رجع خطوة.
— مستحيل...
سيف قال:
— يونس...
— ده يوم ميلادي.
رامي:
— طب ودليدة؟
يونس بص له.
— لازم نعرف تاريخ ميلادها.
رامي أخرج تليفونه.
— دليدة مولودة...
سكت.
— إيه؟
— نفس السنة.
يونس بص له.
— اليوم؟
رامي رفع عينه.
— نفس اليوم.
الهواء في الممر كأنه اختفى.
يونس بص ناحية غرفة دليدة.
صوت داخله كان بيصرخ بأسئلة كتير.
ليه هو ودليدة؟
ليه الطفل رقم 18؟
ليه الصورة اتاخدت في نفس التاريخ؟
وليه الشخص الثالث كان واقف بينهم؟
وفجأة...
تليفون يونس رن.
رقم مجهول.
يونس رد.
— ألو؟
مفيش رد.
— مين؟
صوت رجل جه من الطرف الآخر.
صوت هادي جدًا.
— لسه فاكرني يا يونس؟
يونس اتجمد.
ملامحه تغيرت.
— إنت مين؟
ضحكة خفيفة.
— السؤال ده اتأخر أوي.
يونس قبض إيده.
— قول إنت مين!
الرجل قال:
— بص للصورة كويس.
يونس بص للصورة.
— ليه؟
— عشان المرة دي مش هبعتلك صورة.
— أمال؟
— هبعتلك الحقيقة.
يونس سكت.
الرجل أكمل:
— الحقيقة اللي أبوك وأبو دليدة دفنوها من سنين.
يونس صرخ:
— إنت عايز إيه؟
— ولا حاجة.
— أمال بتعمل كل ده ليه؟
— عشان أخليك تدور.
— على إيه؟
صوت الرجل بقى أكثر برودًا:
— على أخوك.
يونس اتجمد.
— أخويا؟
— أيوه.
— أنا معنديش غير كريم.
ضحكة الرجل ارتفعت.
— دي المشكلة يا يونس...
سكت لحظة.
— إنك طول عمرك فاكر إنك عارف عيلتك.
الخط اتقفل.
يونس فضل واقف مكانه.
رامي قرب.
— مين كان؟
يونس بص له.
لكن قبل ما يرد...
جاءت رسالة جديدة.
فتحها.
كانت عبارة عن صورة لملف قديم.
وفي أعلى الملف مكتوب:
الطفل رقم 18
وتحتها اسم...
يونس قرأ الاسم.
اتسعت عينيه.
إيده بدأت ترتعش.
— مستحيل...
سيف قرب.
— مكتوب إيه؟
يونس ما ردش.
رامي خطف نظره للورقة.
قرأ الاسم.
وشه اتجمد.
لأن الاسم المكتوب في الملف...
كان اسم شخص موجود في حياتهم حتى الآن.
وشخص يونس عمره ما شك فيه.
وفي نفس اللحظة...
داخل غرفة دليدة، فتحت عينيها فجأة.
بصت للسقف.
وقالت بصوت ضعيف جدًا:
— أنا عارفة مين الطفل رقم 18...
وسكتت لحظة.
وبصت ناحية باب الغرفة.
— بس لو قلت اسمه... عيلتين كاملين هينهاروا.
❤️🔥 يتبع... ❤️🔥.
لقراءة جميع فصول الرواية من هنا