رواية عرش الظلام الفصل الاول 1 بقلم بيري الصياد


رواية عرش الظلام الفصل الاول 1 بقلم بيري الصياد


​في هذه الدنيا يهب الخالق لبعض البشر جمالا يخطف الأبصار ويمنح آخرين قسوة ترتعد لها القلوب لكن حين يجتمع الجمال الطاغي مع القسوة المفرطة في جسد امراه واحده يصبح الخوف فرض على الجميع وهي الجميع بلا استثناء يخشونها انها (ميرال حمزه الدمنهوري) او كما يلقبونها في عالم الجريمة والسوق السوداء (الزعيمه) فتاه نظرتها قبر ولدغتها سم قاتل لا نجاة منه دعونا نبدا لنري حياة تلك المرأة


كانت تقف بثبات في غرفة ضيقة تحت الأرض كان سرداب رطب تفوح منه رائحة الموت يهتز مصباح اصفر باهت اللون في السقف كأنه يلفظ أنفاسه الأخيره وفي المقابل كان هناك صوت انفاس متقطعه ومهتزة يصدر عن رجل مقيد على كرسي خشبي كان جسده ينتفض رعبا ووجهه غارق في الدماء والعرق بينما عينيه معلقه بها مستعطفاً ببؤس


اما هي فكانت تجلس أمامه بهدوء يثير القشعريرة وضعت رجل فوق الأخرى وفستانها الأسود الحريري ينسدل حول جسدها بنعومة تخطف العين كان وجهها الجميل خالي من أي تعبير بشري كأن صرخات الرجل واستغاثته لا تصل إلى أذنها أو كأنها اعتادت علي هذا المشهد بل ربما كانت تستمتع به تري الرجل انفجر في البكاء وقال بصوت مختنق :والله ما خنت والله العظيم يا زعيمة ما أقدر أخونك ده أنتي خيرك مغرقني ومستحيل اخونك كده


نظرت إليه ببطء وهي تقترب منه بخطوات ثابته وصوت كعب حذائها يرن في أرجاء السرداب الصامت وقفت أمامه تماما ومدت يدها برقة مفرطة ترفع وجهه الغارق بالدماء ثم قالت بصوت ناعم لكنه أشد برودة من الجليد:بس أنا بكره الكدب يا هشام وأنت عارف ده كويس


نزلت دموعه بغزاره اشد وقال: وربنا ما كدبت عليكي يا زعيمه انتي عارفه اني وفي ليكي انتي وبس


ثبتت عينيها في عينيه بنظرة ثاقبة للغاية وكأنها سحبت الأكسجين من صدره و جعلته عاجز عن التنفس و بقيت تتأمله لثواني طويلة انهار الرجل تماماً بهذه الثواني وفجأة ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيره لكنها كانت كافية ليعلم هشام أن رحلته في الحياة قد انتهت مررت أظافرها بنعومة على وجنته وهي تهمس في أذنه:عارف يا هشام إيه أكبر مشكلة فيك


​بلع ريقه بصعوبة وهمس وجسده ينتفض:إيه


​انك افتكرت إنك أذكى مني: كانت هذه جملتها وفي ثانية واحده تبدلت ملامحها الرقيقة لتتحول إلى شيطان هائج سحبت مسدس من خلف ظهرها بحركة سريعة وصوبته نحو منتصف رأسه مباشره وثانيه (طخ) صدر صوت الرصاصة في السرداب لتخترق رأس هشام وتبدأ دماءه تسيل على الأرض ببطء بينما وقفت هي تراقبه بمنتهى البرود وكأنها لم تزهق روحا للتو وفي تلك اللحظه انفتح الباب الحديدي الثقيل للسرداب ودخل (بلال ابن عمها وهو شاب طويل ذو جسد قوي وفي عينيه لمعة غريبة وخاصة تجاه ميرال لمعة يمتزج فيها الإعجاب الخفي والولاء المطلق) وقف يتأمل الجثة والمنظر بهدوء وبلال ليس مجرد قريب بل هو ذراعها الأيمن في الإمبراطورية والرجل الذي ينهي الأمور الصعبة لحساب (الزعيمة) ولاؤه لها كان يظهر في كل حركة وفي كل كلمة ينطق بها نظر بلال لها وقال:خلصتي منه


​قالت ميرال بلامبالاة:اللي يخون مرة يخون ألف مرة وأنا ماعنديش وقت أدي فرصة تانية يا بلال


ثم رفعت عينيها الي بلال قائله: قولي أنت عملت إيه في الشحنة اللي هتتسلم بكرة في السويس


قبل ان ينطق بلال قالت ميرال بتحذير شديد: مش عاوزة غلطة واحده يا بلال عايزك تخلي بالك الحكومة مفتحة عينيها أوي اليومين دول خلي بالك أنت والرجالة مش عاوزة غلطة واحدة وإلا الحساب هيبقى تقيل وأنت عارف حسابي انا عامل ازاي


أجابها بلال بثقة وقال:مش أول مرة يا زعيمة اطمني كله في السليم وكل حاجة تمام شحنة السويس بدأت تتحرك والعربيات متأمنه والرجالة هناك عارفين شغلهم كويس متقلقيش وطمني بالك


لم تجب عليه ميرال بل هزت رأشا وغادرت السرداب بخطوات واثقة وتبعتها خطوات بلال الذي التفت قبل صعوده إلى أحد رجاله وقال بنبرة أمر:اخفوا جثة هشام في أي داهية ونظفوا المكان ده كويس


أومأ له رجاله وذهب بلال خلف ميرال رآها تركب سيارتها الجيب السوداء الضخمة وتقودها بسرعة البرق فركب سيارته وانطلق خلفها


وبعد مدة قصيرة تصل ميرال إلى منزلها ذلك القصر الذي تشهد جدرانه العتيقة على تاريخ طويل من الدم، السيطرة، والنفوذ نزلت ميرال من السيارة ودخلت المنزل ورأت إخوتها الثلاثة فوزي، ماجد، وحسين يجلسون ومعهم زوجتا أبيهم الراحل كان الجو العام مشحون بالتوتر والمكائد المكتومة لكن ميرال لم تكلف نفسها وتهتم لوجودهم بل قالت للخادمة: حضري العشا


ثم صعدت إلى الأعلى ودخلت الحمام لتغتسل وتزيل عنها آثار الدماء


وبعد مدة قصيرة جلست ميرال تترأس طاولة الطعام وبدأت تأكل بهدوء مرعب كان الصمت يخيم على المكان والجميع يأكلون وأعينهم في أطباقهم حتى قرر فوزي شقيقها الأكبر أن لا يمرر هذه اللحظة بسلام وقال بسخرية مكتومة:نورتي يا ست ميرال يا ترى كنتي بتخلصي مصالح جديدة ولا بتخلصي شحنات الهيروين


تدخل ماجد الأخ الأوسط وهو يقلب الطعام في طبقه ببرود مستفز قائلاً:سيبها يا فوزي دي تعبانة وشايلة الحمل عننا احنا يا دوب بناكل ونشرب في خيرها مش كده يا زعيمة


كانت ميرال تستمع لحديثهم وكل حرف يسقط على أذنها كان كالمزيج الذي يشعل النار المستعرة في جوفها لا أحد منهم يشعر بالثقل الذي تحمله فوق كتفيها لحمايتهم كانت تقبض على ملعقتها بغل وعينيها مثبتة على فوزي وماجد وفجأة امتدت يد ميرال بحركة صاعقة ومفاجئة وقلبت طاولة الطعام الضخمة بكل ما عليها وتحطمت الأطباق وانتشر الطعام في كل زاوية على الأرض لينتفض الجميع واقفين برعب وشهقت زوجة أبيها ويتراجع الجميع إلى الخلف بخوف ورعب ووقفت ميرال بصوت يملؤه جبروت يرعب الحجر:اسمع يا كبشة غنم أنت وهو الكلمة اللي هتطلع من بوق حد فيكم تاني هقطع لسانه وأرميه للكلاب أنتوا فاكرين نفسكم إيه قاعدين تاكلوا وتشربوا وتلقحوا كلام زي النسوان وأنا اللي ضهري مكسور علشان أحميكم وأحمي اسم أبوكم اللي أنتوا عالة عليه لو المرحوم خلف نسوان كان هيكون أشرفله


وسددت نحو زوجتي أبيها نظرة حادة جعلتهما لا تستطيعان التحدث فهي حين تغضب تتحول إلى شيطان لا يرحم كاد بلال أن يتحدث لكنها استكملت حديثها قائله:واللي لسانه هيطول في البيت ده هقطعهوله البيت ده بيحكمه قانون واحد وبس قانوني انا واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل يخرج يشوف هيعيش إزاي بره البيت ده


ثم تركتهم واقفين في أماكنهم عاجزين عن التقاط أنفاسهم أو تجميع شتات أنفسهم من فرط الصدمه وصعدت ميرال إلى غرفتها ثم أغلقت الباب بكل قوتها حتى كاد أن يسقط من شدة الصفعة ووقفت ميرال أمام المرآة الكبيرة في غرفتها ونظرت لملامحها بتركيز ثم وقعت عيناها على صورة والدها المعلقة على الحائط فالتفتت إليها وقالت بغضب شديد:اهو ده اللي أنت سيبتهولي يا حمزه سيبتلي عيلة زباله وشوية أرانب بيتحاموا في عبايتي وهما نفسهم اللي سانّين سكاكينهم عشان يغدروا بيا انت مسبتليش غير حملهم وقرفهم يا أبويا ومفيش حد ساندني الكل مستني الوقعه الكل عينه على الكرسي بس هما ناسيين إن الكرسي ده ميقعدش عليه غير اللي قلبه مات وأنا قلبي اندفن معاك في قبرك يا حمزه يا دمنهوري


ثم ابتسمت ابتسامة خالية من المشاعر وألقت بجسدها على الفراش تتأمل السقف وهي تعيد التفكير في الكثير من الأشياء


على الجانب الآخر من القصر كان ماجد يتحرك ذهاباً وإياباً في غرفته وعيناه يشع منهما الشرار كلما تذكر ما حدث على الطاولة وكيف أهانتهم كان يضرب كفاً بكف بغل قاتل وقال بحقد وغل شديد:معقول حتة بت زي دي تعمل فينا كده حمزه الدمنهوري مات وسابلنا المصيبة دي تتحكم في رقابنا إحنا يا جدعان رجالة بشنباتنا دي نتداس بالجزمة عشان خاطر بنت صفية الخدامة دي أمها كانت بتغسل هدومنا ودلوقتي بنتها بتغسل بكرامتنا الأرض


أجابت انتصار والدته وهي تجلس ببرود وتهز رجلها بغل وهي تسحب نفساً عميقاً من الشيشة:طول عمرها حرباية طالعة لأمها صفية كانت بتتمسكن لحد ما لفت على أبوك وخدت الحتة الكبيرة وبنتها طالعة ألعن ميرال دي مش بني آدمة دي غول بياكل فينا وإحنا صاحيين


تدخل حسين الأخ الصغير وكان صوته يهتز بخوف واضح:طيب وبعدين يا ماجد وهنفضل كده لحد امتي البت دي مبتنامش عينها في وسط راسها طول الوقت وبلال ابن عمك عامل دراعها اليمين ده ناقص يقف على باب أوضتها يحميها


توقف فوزي فجأة عن الحركة ونظر لهم بنظرة شيطانية وقال:يبقى لازم تغور لازم نخلص منها وميبقاش في حاجة اسمها الزعيمه خالص لازم راسها تتقطع علشان الجحر يفضى لينا


ساد الصمت أركان الغرفة ليقول حسين بخوف وذهول:أنت بتقول إيه يا فوزي تتخلص من مين دي الزعيمة دي تخلص علينا واحد واحد قبل ما نفكر نمس شعرة من راسها دي لو شمت بس اننا بنفكر في كده هتدفنا أحياء والدبان الأزرق مش هيعرف لينا طريق


نهضت عايدة (والدة حسين) واقتربت منه وقالت بقسوة:الخوف هو اللي خلاها تدوس عليكم ميرال مش أقوى منكم هي بس أشرس لكن السكينة لما بتيجي في الضهر مبتفرقش بين دكر ونتاية لازم تموت يا حسين لازم تموت علشان الحق يرجع لأصحابه وعلشان نخلص من الذل ده فوزي عنده حق الزعيمة لو متقتلتش هتفضل تبخ سمها لحد ما تقضي علينا كلنا


اقترب فوزي منهم جميعاً وقال بنبرة أشبه بفحيح الشيطان:اسمعوا سمعت من الواد فرج إن ميرال بكرة عندها عملية كبيرة في السويس وبلال معاها هيكونوا مستنيين الشاحنات في المخزن اللي في الجبل يعني السرايا هتفضى وهي هتبقى في قلب الجبل دي فرصتنا أنا اتفقت مع (العقرب) هو كمان عاوزه يخلص منها عشان تفتحه السكة في السوق العقرب عنده اللي يخلص بس محتاج حد يفتحله السكة مش اكتر


بلع حسين ريقه بتوتر شديد وقال:ولو فشل ورجعت


ضحك فوزي ضحكة خبيثة وكأن التي يخطط لقتلها ليست شقيقته من أبيه بل عدوته:لو فشل يبقى إحنا ملناش دعوة وهي حبايبها كتير وألف مين ومين نفسه يخلص منها صدقوني المرة دي الحكومة والمعلمين كلهم متربصين ليها الزعيمة بكرة هتتلدغ من سمها


مسحت انتصار على كتف ابنها فوزي بشر وابتسامة ماكرة قائمة:عفارم عليك يا ابن بطني دي الخلفة اللي تبرد القلب بجد


نظر لها فوزي وجميعهم يخططون للتخلص من ميرال ولا أحد منهم يحن قلبه عليها وجميعهم لا يريدون سوى التخلص من ميرال ليستولوا على الإرث فهل ستنجح خططهم أم ماذا سيحدث يا ترى.....


                   الفصل الثاني من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة