رواية عشق ملوث بالإنتقام الفصل الثاني عشر 12 بقلم ريتاج حبيب

رواية عشق ملوث بالإنتقام الفصل الثاني عشر 12 بقلم ريتاج حبيب


فتح عينيه فوجد نفسه على الأرض أمام غرفتها، فرك عينيه

وهو ينهض، ثم فتح الباب فلم يجدها. خرج بسرعة وهو لا يزال غير قادر على الرؤية بوضوح، وهتف بصراخ وهو يظن أنها هربت: ليــــــــــــان!


​قالها وهو ينزل الدرج بسرعة، لكن هدأت خطواته فور أن رآها تجلس مع والده وداليا وهم يضحكون. ساد الصمت بينهم فور أن رأوه أمامهم فجأة. مسك يدها وسحبها خلفه إلى الأعلى بعنف، لدرجة أنها كادت أن تقع عدة مرات، وحاولت أن تسحب يدها منه لكنها لم تستطع بسبب قوة ضغطه عليها...​دخل الجناح، فشدت يدها منه وهي بتقول بحدة:  إنت إزاي تشدني كدا؟ مش هتبطل الأسلوب المتخلف بتاعك دا


أسر بزعيق:  وانــــت إزاي تنــــزلــــــي مــــن غيــــر مــــاــ تقــــــوليلــــي؟ وقــــــاعــــدة تــــضحــــكي وتهــــــزري أوي! إنــــت مــــش كــــنتــــي تــــعبانة بــــردوا وبتحاولي تنتــحــــــري امبــــارح؟


​أكمل بسخرية: إيه، رجعتي تحبي الحياة ثاني ولا إيه؟


​نظرت إليه بصدمة وهي تقول دون وعي: إنت مريض!


تسارعت أنفاسه وهو يهزها بعنف ويصرخ فيها: اخــــــرســــــي..... حســــــك عيــــنــــك تنــــطــقــــي بــــالكــــلــــمــــة دي ثــــانــــــي!


​نظرت إليه ليان بصدمة: مريض والله مريض، استحالة تكون بني آدم عادي!


​استمر أسر في هزها بقسوة: إخرسي، مش عاوز أمد إيدي عليكي يا ليان!


​ ليان: تمد إيدك! أنت مش كنت تحت رجلي امبارح عشان أسامحك؟ إيه اللي جد يعني؟


​ارتخت يداه تماما في اللحظة التي وقعت فيها جملتها على مسامعه. تهاوى جسده إلى الأرض بعد أن خانته ركبتاه ولم تعد تحملانه، فجلس على الأرض وأسند ظهره إلى السرير وهو يضغط على رأسه بيديه الاثنتين.


​فتحت ليان الباب وكانت على وشك الخروج، لكنها التفتت ونظرت إليه في هذا الوضع للحظة. شعرت بالشفقة لأجله؛ فقد أدركت كم الضغوط التي يمر بها لدرجة أنه لم يعد يعي كيف يتكلم أو مع من يتحدث. تراجعت عن غرورها ونزلت إلى مستواه، وأخذت تزيل يديه عن وجهه برفق.


​رأت عينيه محمرتين بشدة بكبت الدموع، ووجهه شاحبا مراهقا من كثرة الضغط وقلة النوم؛ فقد قضى ليلته بالأمس ساهرا أيضا، وتبدت تحت عينيه هالات سوداء داكنة. انتبهت ليان إلى صوته المثقل بالتعب وهو يسألها بمرارة: مش هتسبيني صح؟


​خفضت رأسها ونظرت إلى الأرض دون أن تجيب. رفع أسر يده ووضعها على خدها وهو يرنو إلى عينتيها بثبات، وكانت هي تبادله النظرات، أكمل بصوت خافت: هعوضك... حقك عليا... أنا مضغوط والله، أنت مش حاسة ولا عارفة أنا في إيه!


​ظلت ساكنة ولم تنطق بكلمة.


أسر: فرصة ثانية بس!


​أنزلت يده عن وجهها بهدوء ووضعتها بجانبه، ثم طبطبت عليها وهي تبتسم ابتسامة هادئة، وقامت وخرجت من الغرفة بسكون.


​نزلت ليان إلى الحديقة وجلست في مكان بعيد، وأسندت ظهرها إلى جذع شجرة والمدامع تتساقط من عينيك. كانت حائرة لا تدري كيف تتصرف معه؛ فهي تحبه جدا، لكنها في الوقت نفسه عاجزة عن مسامحته على ما بدر منه تجاهها. يصعب عليها حاله، ولكنها كلما حنت إليه تذكرت أنه لم يرحمها حين حبسها، فترددت في المسير خلف قلبها ورفعت رأسها إلى السماء : يا رب يا رب... مش عارفة أعمل إيه!


​قامت بعد مرور ما يقرب من ساعتين وهي مقررة أن تمضي فيما بدأته.


​صعدت إلى الغرفة فلم تجده، فنزلت مرة أخرى إلى صالون الاستقبال فرأت مصطفى جالسا.


ليان: بابا، فين أسر؟


​ مصطفى بحدة: معرفش، ومتجبليش سيرته!


​قالت ليان بلطف وهدوء: بابا بعد إذنك... ممكن نتكلم في المكتب شوية؟


​ مصطفى بمزاح خفيف: استأذني من أمك ميرفت الأول، أصلها بتغير أقعد مع بنات، وخصوصا لو حلوين كده زيك يا بت يا لولو!


​ضحكت ليان وهي تدفع كرسيه المتحرك: آه ما أنت جان قوي ولها حق! يا بابا


​أغلقت الباب وقعدت أمامه وهي تفرك يديها بتوتر.


​ مصطفى: ها يا ستي، عاوزة تتكلمي في إيه؟


​تنهدت ليان بتردد: احم... بابا بعد إذنك، عاوزاك ترجع تتكلم مع أسـ...


​ مصطفى بغضب شديد: ليان! إنت بتقولي إيه؟ أرجع أكلم مين؟ أنت اتجننتي بعد اللي عمله فيكي؟ وأنت اللي بتقولي كده بلسانك؟


​ليان وهي تحاول كبت دموعها وبصوت مرتجف: بابا بعد إذنك، أنا مسامحاه خلاص، وده ابنك أكيد مش هتخسره عشاني! طيب... موحشكش؟


​تغيرت ملامح مصطفى إلى الحزن وقال: وحشني!


​ابتسمت ليان مازحة: طيب يلا بقى عشان خاطري يا توتا!


​لم يجبها، فتنهدت ومالت نحوه بينما كانت نظراته معلقة بالأرض، إلى أن شعر بيدها تداعبه وتزغزغه.


​مصطفى ضاحكا: بس يا بنت!


​ ليان وهي تضحك: ياتي قميلة يا ناس


​ مصطفى وهو يحاول المنع: بس يا بنت اسكتي... آه بس يا بنت!


​استمرت ليان في ضحكها: أنت بطة... أنت بطة وهتكلم ابنك!


​ مصطفى أخيرا وهو يمتلئ بالضحك: خلاص


​تحركت ليان من أمامه وهي تقول: ناس مبتجيش غير بالعين العسلي زي عيوني


​ضحك مصطفى على طريقتها، وخرجت هي متجهة إلى المطبخ بعد أن تذكرت أنها كانت تبحث عن أسر.


​دخلت وقالت: احم... طنط ميرفت، ممكن تقولي لي أسر فين؟


​نظرت إليها ميرفت بحنان: طنط إيه بس؟ يعني بتقولي لمصطفى يا بابا، ومستكترة عليا ماما؟


​ابتسمت ليان بالإحراج وقالت ببراءة: لا والله أنا آسفة، أنا بس افتكرت حضرتك هتضايقي، إنما أنا نفسي أقولك كده يا ماما!


​طبطبت ميرفت عليها بلطف : لا يا حبيبتي، اعتبريني مامتك. وأسر يا ستي خرج، طلبوه في الشركة عشان غايب عنها بقاله كثير والدنيا بايظة خالص.


​سكتت ليان بشعور من الخيبة، ثم غيرت الموضوع ومدت وجهها برقة : طيب مش مشكلة... بتعملي إيه بقى يا مامي؟ أنا شامة ريحة بان كيك!


​ضحكت ميرفت: آه يا حبيبتي، عملتهولك وهحطلك عليه الفاكهة!


​قبلتها ليان على خدها: ميرسي أوي، أنا كان نفسي فيه جدا! طيب هطلع أخد شاور وأجيلك على طول.


​جرت ليان بسرعة إلى الأعلى، وظلت ميرفت تضحك على حركاتها ومرحها.


                    _______________

​في شركة أسر، كان الغضب يسيطر على الأجواء.


​ألقى أسر الملفات بغضب عارم في وجه الموظف الواقف أمامه وهو يصرخ بصوت عالي: أنا لو مشغل بهايم كانوا خدوا بالهم من الشغل عنكم! إيه التهريج ده؟ الورق ده يتعاد ويجيلي سليم بدل ما أطربق الشركة دي فوق دماغك!


​خرج الموظف مسرعا، وظلت السكرتيرة في الخارج تتهامس مع زميلتها: هو ماله يا بسنت؟ عامل زي الطور كده ليه النهاردة؟ ده هيبلعنا!


​ بسنت: مش عارفة وحياتك، هو على طول كده!


​ الزميلة: لا يا شيخة، ده النهاردة الوضع ضعفين!


​قاطعتها بسنت: طيب يلا ونبي مش ناقصين كلام، روحي خلصي اللي وراكي ربنا يستر ويعدي اليوم ده على خيرـ


​انطلق صوت أسر الجاهوري عبر جهاز الاتصال الداخلي فجأة: بسنت!


​ بسنت : ربنا يستر، شوفي عاوز مني إيه!


​جمعت الملفات التي أمامها بسرعة، وتوجهت إلى مكتبه وطرت الباب ثم دخلت.


​بسنت: صباح الخير يا مستر أسر.


​ أسر بحدة: صباح الزفت! فين الملفات اللي طلبتها منك؟


​ بسنت بسرعة: أهم والله أهم!


​أخذها منها وهو بيقول بحدة: متتكررش تاني، وخفي كلام برة بدل ما تطردي أنت وهي!


​خرجت بسنت سريعة دون أن تنطق بحرف واحد.


​في المنزل، بعد أن انتهت ليان من حمامها المنعش، خرجت وهي تلف المنشفة حول جسدها. فتحت الخزانة فرأت أن ملابسها قد وضعت بالفعل، لكنها فتحت جزء أسر وأخذت منه قميصا رصاصي اللون ولبسته. صففت شعرها بعد أن وضعت الكثير من المرطبات على جسدها، ثم جلست على السرير وأمسكت الهاتف بتردد، لكنها حسمت أمرها وضغطت على زر الاتصال به.


                     _______________

                            في الشركة 


​ كان أسر يتحدث بهدوء إلى أحد العملاء قائلا: زي ما قولـ...


​توقف عن الكلام حين شاهد اسمها ينير شاشة هاتفه. لم يصدق عينيه، ولكثرة انفعاله قام واقفا، ثم تنحنح بحرج وقال للموجودين: أشرب قهوتك يا استاذ محمد على ما أجي.


​خرج مسرعا من الغرفة ورد على المكالمة، فجاءه صوتها الرقيق 


​ليان برقة: ألو...


أغمض أسر عينيه ويستشعر جمال صوتها الذي حرم منه طويلا.


​ ليان بكسوف: أسر... احم.


​ أسر بهدوء: أيوا يا ليان.


​ليان بكسوف: احم يعني... أنت هتيجي... امتى؟


​رفع  حواجبه وهو يبتسم بسعادة: ليه بقى؟


​قامت من مكانها عند السرير لكثرة توترها: احم... يعني بسأل عادي.


​استشف أسر من طريقتها خجلها وترددها، فضحك: عادي... طيب على 6 كده.


​ليان: ماشي يا أسر، تيجي بالسلامة... باي.


​أسر: باي.


​أعادت  الهاتف إلى صدرها وأسندت ظهرها إلى الوراء، ثم اعتدلت وقالت في نفسها: متأكدة إن اللي بعمله ده هو الصح!


​فتحت الباب ونزلت إلى الأسفل لكي تجلس معهم قليلا.

​مر الوقت سريعا، وحين دخل أسر من باب البيت، وجد كالعادة مصطفى وميرفت جالسين. توجهت نظراته إلى مصطفى، ففوجئ بأن والده ينظر إليه على غير العادة. انصدم أسر ولم تستطع قدماه التقدم أكثر؛ فقد كان والده يتجاهله دوما، وهذه هي المرة الأولى منذ عامين كاملين التي ينظر فيها إليه.


​ازدادت صدمته عندما رأى مصطفى يبتسم له ويبسط يديه الاثنتين ليستقبله. نظر أسر إليه بغير تصديق، ولأول مرة منذ وفاة والدته انسابت الدموع من عينيه حين رأى والده يوافق أخيرا على مناحه هذا العناق، وأخيرا نظر إليه وابتسم له. شعر أسر وكأن في داخله طفلا صغيرا كان مربوطا بالأغلال وقد أطلق سراحه الآن.


​جرى أسر نحوه وارتمى تحت قدميه وهو يحتضنه ويقبل يديه، ومصطفى يضحك والدموع متراقراقة في عينيه وهو يطبطب عليه. أسر ظل يبكي بحرقة في أحضان والده، بينما كانت ليان واقفة في الأعلى بعد أن كانت نازلة لاستقباله، ولكنها تراجعت كي لا تحرجه، وظلت تراقب المشهد بتأثر شديد ثم صعدت كي تتركهما.


​رفع أسر رأسه من حضن والده بعد ربع ساعة وعيناه محمرتان من شدة البكاء، فقبل رأس والده وقام بسرعة وصعد إلى الأعلى. ​دخل الغرفة فوجد ليان جالسة على الكنبة في انتظاره، وهي ترتدي بجامة روز. نظر إليها، وبدون أي مقدمات، اتجه نحوها واحتضنها وهي في مكانها بشدة، لدرجة أنه كان يعلوها بجسده.


​طبطبت ليان عليه برقة، وظل هو غارقا في أحضانها...

يتبع..


                الفصل الثالث عشر من هنا 

        لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة