
رواية عشق ملوث بالإنتقام الفصل السادس عشر 16 بقلم ريتاج حبيب
أسر: أنا مش هعمل حاجة تغصبك، بس تعبت من البعد ده، تعبت من إني جوزك وإنتِ بتعامليني كإني غريب.
أزاحت ليان الغطاء عنها، ثم نهضت من الفراش بهدوءٍ شديد، وكأنها لم تسمع ما قاله للتو، قبل أن تجيبه بنبرة خافتة
ليان: هعتبر نفسي مسمعتش حاجة.
استدار إليها بسرعة وأمسك يدها قبل أن تبتعد، ثم قال بحدّة خفيفة امتزجت بالحيرة
أسر: يعني إيه يعني؟
رفعت عينيها إليه، ولم يظهر على ملامحها أي انفعال، ثم قالت بهدوءٍ أثار اضطرابه أكثر من أي صراخ
ليان: يعني إنت بتقول غريب ومش غريب، وإنت مكنتش معتبرني مراتك وإنت حابسني سنتين من عمري في مصحة. مكنتش مراتك وأنا بتكهرب هناك لو بس مردّش آخد الدوا اللي أنا معرفش لحد دلوقتي كان إيه؟ مكنتش مراتك وإنت حابسني هناك وأنا بخاف أغمض عيني لا ألاقي صلاح في وشي بيحاول يعتدي عليّ؟ مكنتش مراتك لما... لما إنت بنفسك جيت هناك و...
تعثرت الكلمات في حلقها فجأة، فانقطع صوتها قبل أن تكمل.
أما أسر، فقد بقي ينظر إليها مذهولًا. لم يكن يتوقع هذا الهدوء البارد. لا دموع، ولا انهيار، ولا حتى نوبة غضب. كانت تتحدث وكأنها تسرد حقائق قديمة، لكن كل كلمة منها كانت تهبط على صدره بثقلٍ خانق.
استدارت لتغادر وهي تقول بالنبرة الهادئة نفسها:
ليان: بلاش أكمل أحسن.
أسرع يمسك يدها من جديد، وكأن خوفه من ابتعادها أصبح أقوى من قدرته على التفكير، ثم قال بصوتٍ متعب متحشرج
أسر: أعمل إيه تاني عشان تسامحيني؟ قلتلك وبنفذ اللي بقوله إني هعوضك عن كل اللي عيشتيه ده. ورحمة أمي هجيبلك صلاح ده تحت رجلك، بس سامحيني. حتى أنا مسفرك عشان تغيري جو وتنسي. تنسي بقى، كفاية الضغط اللي أنا فيه، كفاية بقى. كفاية ضغط على أعصابي. إنتِ مش حاسة بيا، والله ما حاسة بيا. مش حاسة كمية الضغط عليا من كل النواحي... الشغل، والبيت، وإنتِ، والندم... الندم اللي بيكلني من جوه. أرجوكي كفاية.
انتزعت يدها من بين أصابعه بعنف، والتفتت إليه وقد انفجر غضبها أخيرًا
ليان: كفاية؟ كفاية إيه؟ الندم ده هيفيد بإيه دلوقتي؟ إنت زعلان عشان بعاملك كده؟ وكده اللي هو إيه؟ عايزني أول ما أشوفك آخدك بالحضن وأقولك: هاي حبيبي، يومك كان عامل إزاي؟ إنت ليه مستهين كده باللي عملته فيا؟ إنت تحمد ربنا إني بكلمك أصلًا، وبسمحلك تقربلي. اللي إنت فيه دلوقتي ولا حاجة من اللي عيشته واللي محفور في دماغي.
اقترب منها خطوة أخرى، وكانت ملامحه منهكة على نحوٍ واضح، بينما انعكست الدموع في عينيه اللامعتين.
أسر: ليان... ليان أرجوكي. كفاية عشان خاطري. اطلبي... اطلبي العوض اللي إنتِ عاوزاه وأنا هعملهولك. اعملي اللي إنتِ عاوزاه فيا وأنا موافق، بس ترجعي زي زمان معايا. متعاملنيش كده. أنا مستعد أكتبلك كل حاجة باسـمك، بس توافقي وتدي لعلاقتنا فرصة تانية.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة ممزوجة بالألم، ثم قالت بصوتٍ منخفض:
ليان: أوكي.
في لحظة واحدة اقترب منها، وأمسك كتفيها بكلتا يديه، وكأن كلمة واحدة منها أعادت إليه الأمل الذي فقده.
أسر: أوكي إيه؟ موافقة؟ موافقة على إيه؟ هكتبلك كل حاجة.
رفعت يدها ببطءٍ حتى استقرت على خده، ثم قالت:
ليان: موافقة أدي فرصة تانية... بس خايفة.
غمرته سعادة واضحة، فوضع يده على خصرها وقال بسرعة:
أسر: خايفة من إيه؟ والله مش هخذلك.
أبعدت يده عنها برفق، ثم أدارت وجهها نحو الأرض.
ليان: خايفة أندم إني اديتك فرصة تانية.
لم يسمح للخوف بأن يتسلل إليها أكثر، فشدّها نحوه قائلًا بالثقة نفسها:
أسر: والله مش هخذلك. عمرك ما هتندمي.
ابتسمت في هدوء.
انحنى نحوها ببطء، وقبّل جبينها أولًا، ثم خديها وما إن اقترب أكثر حتى ألقت بنفسها بين ذراعيه.
شدّها إليه بقوةٍ غلبتها حتى كادت قدماها تفارقان الأرض، ثم رفعها بين ذراعيه محتضنًا إياها وكأنها الشيء الوحيد الذي يخشى فقدانه.
همس بصوتٍ مكتوم:
أسر: بعشقك.
أما هي، فاكتفت بابتسامة هادئة دون أن تنطق بحرفٍ واحد.
في ساعة متأخرة من الليل، كان الشاطئ ساكنًا على نحوٍ مدهش، لا يُرى فيه أحد سوى أسر وليان.
جلس أسر على أحد المقاعد الخشبية المواجهة للبحر، بينما جلست ليان أمامه بين ساقيه. كانت نسمات البحر الباردة تعبث بخصلات شعرها، وهو يمرر أصابعه بينها في شرود.
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تتحدث ليان فجأة وهي تحدق في الأفق المظلم:
ليان: فاكر لما قولنا قبل الفرح إننا عاوزين نطلع شهر العسل في إنجلترا؟
أحاطها بذراعيه أكثر وأراح ذقنه على كتفها.
أسر: هواديكي كل اللي إنتِ عاوزاه. مش عايزك تفكري في حاجة. انسي كل اللي فات، واعتبريني خطيبك دلوقتي.
استدارت إليه مبتسمة، ثم وضعت يدها على وجنته.
ليان: وهو ينفع خطيبي يحضني كده؟
انحنى وقبّل خدها.
أسر: اعتبريني جوزك... بس في مقام خطيبك.
ضحكت وهي تعيد بصرها نحو البحر.
أسر وهو يدفن وجهه في عنقها المرمري: مش هنرجع بقى ولا إيه؟
التفتت إليه سريعًا وكأنها ترفض الفكرة تمامًا.
ليان: لأ، خلينا. أنا عاوزة أقعد هنا شوية كمان.
ابتسم بمكر.
أسر: ما هناك حلو برضو.
ضربته بخفة على ذراعه.
ليان: إنت قليل الأدب وأنا عاوزة أقعد هنا.
ضحك بصوتٍ مرتفع وربت على رأسها.
أسر: إنتِ عارفة يا شبر ونص إن مفيش حد يقدر يقولي كده؟
رفعت رأسها بتفاخر مصطنع.
ليان: أنا قدرت.
أحاطها بذراعيه وهو يدفن وجهه أكثر.
أسر: إنتِ تعملي اللي إنتِ عاوزاه، وأنا هحاسبك زي ما أنا عاوز.
ضحكت بخجلٍ واضح.
ليان: أحم... طيب يلا، عشان أنا بردت وعاوزة أنام.
نهض فورًا وحملها بين ذراعيه.
أسر: أوامرك.
أراحت رأسها على عنقه، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة سعيدة لم تظهر منذ وقتٍ طويل.
وصلا إلى الشاليه بعد دقائق.
وما إن أغلق الباب خلفهما حتى التفتت إليه قائلة:
ليان: أنا جعانة.
ابتسم تلقائيًا لرؤيتها بهذا الشكل العفوي، ثم أمسك يدها وقبّلها بحنان.
أسر: تحبي تاكلي إيه؟
ركضت نحو المطبخ وكأنها طفلة
ليان بحماس: أنا هطبخ.
أسر: مش عاوز أتعبك. قولي عاوزة إيه وأنا هطلب دليفري.
ليان: لا، أنا هعمل. تحب تاكل إيه؟
اقترب منها مبتسمًا.
أسر: أي حاجة من إيدك الحلوين دول.
ليان: ممم... تحب تاكل باستا وايت صوص؟
أسر: اعملي اللي إنتِ عاوزاه، وأنا هستناكي هناك.
رفعت حاجبها باعتراضٍ مصطنع.
ليان: لأ يا حبيبي، إنت هتساعدني.
توقف فجأة وكأن كلمة معينة لفتت انتباهه أكثر من الباقي.
أسر بخبث: إيه؟
ليان: إيه؟
أسر بخبث: قولتي إيه؟ مسمعتش.
ليان: هتساعدني.
أسر: قبلها.
ليان: إنت؟
أسر بخبث: قبلها.
احمرّ وجهها فورًا.
ليان: حبيب...
لكنها توقفت فجأة وقد أدركت ما كانت على وشك قوله، فتنحنحت بخجل وغيرت الحديث بسرعة:
ليان: أحم... إنت هتساعدني صح؟
اقترب منها بخبث.
أسر: ده من عيني.
كانت تبحث عن شيءٍ في المطبخ حين وجدت نفسها فجأة ترتفع عن الأرض.
ليان: أسر! بتعمل إيه؟
وضعها فوق الرخامة وجلس أمامها.
أسر: اقعدي يلا وقوليلي الطريقة.
ليان: طيب... هات الحلة واملّاها مية وحطها على النار.
أسر: لا يا أختي، مبعملش حاجة ببلاش أنا.
ليان: عاوز إيه يعني؟ فلوس؟
انفجر ضاحكًا.
أسر: فلوس إيه يا هبلة؟ مش كده.
ليان: أمال إيه؟
أسر: أحم...
وقف أمام الموقد يقلب الصوص يذهب إليها يقبلها و يرجع، بينما كانت ليان جالسة تتابعه بين الحين والآخر.
ليان: خلاص، اطفي بقى ونزل المكرونة عليه وقلبهم سوا.
أسر بخبث: لأ يا حبيبتي، دي بقى بحضن.
نظرت إليه بصدمة.
ليان: إنت قليل الأدب، وأنا هعملها بنفسي.
أشار إليها بيده.
أسر بخبث: تعالي.
تنهدت باستسلام.
ليان: بص، أنا مقلقة منك. اطلع بره وأنا هكمل.
أسر: ليه بس؟
أغمضت عينيها وعقدت ذراعيها.
ليان: يلا ب...
لكنها توقفت فجأة، ثم فتحت عينيها وهي تتمتم في سرها:
ليان: قليل الأدب.
دخل ليستحم، وبعد قليل خرج وقد ارتدى بنطالًا قطنيًا أسود فقط، بينما كانت قطرات الماء تنساب من شعره المبتل.
وجدها ترتب الطعام فوق المائدة.
اقترب منها من الخلف واحتضنها برفق، ثم أراح وجهه بين خصلات شعرها.
أسر: تسلم إيدك.
التفتت إليه بابتسامة صغيرة.
ليان: إنت اللي عملت، أنا معملتش حاجة.
أمسك يدها وسحبها معه حتى جلس على الكرسي، ثم أجلسها فوق ساقيه.
أسر: يلا عشان تاكلي.
تحركت بعدم ارتياح.
ليان: أسر، سيبني. مش عاوزة أقعد كده.
أسر: ششش... بلاش.
ليان: طب إنت كده مش هتعرف تاكل، وأنا تقيلة.
ضحك ساخرًا وهو يضمها أكثر.
أسر: إنتِ أهم. وبعدين تقيلة إيه يا هبلة؟
قالها وهو يكاد يجزم أنها أخف من الريشة بين ذراعيه.
يتبع..