رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل السابع عشر 17 بقلم اية محمود

رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل السابع عشر 17 بقلم اية محمود


الفصل كله عن رحيم وريتال. 

فتحت ريتال عينيها ببطء شديد، وكأنها تحاول العودة من مكان بعيد لا تستطيع تذكره. ظلت لثوانٍ تحدق في سقف أبيض غريب عنها، لا تعرف أين هي ولا كيف وصلت إلى هذا المكان، ثم حاولت تحريك يدها، فشعرت بوخزة خفيفة جعلتها تلتفت إليها، لتجد محلولًا موصولًا بيدها. رفعت يدها الأخرى نحو رأسها، لكنها توقفت عندما شعرت بضمادة كبيرة من الشاش تحيط برأسها، وعندها بدأت الذكريات تعود إليها دفعة واحدة؛ السيارة، الطريق، السيارات التي حاصرتهم، الرجال الذين ظهروا فجأة، نور وسهيلة وهما تفقدان وعيهما، ثم مقاومتها بكل قوتها قبل أن تشعر بالضربة الأخيرة على رأسها.


اتسعت عيناها وهي تهمس بخوف: "نور... سهيلة..." حاولت النهوض بسرعة، لكن الألم الذي انتشر في جسدها أجبرها على التوقف، فوضعت يدها على طرف السرير وأخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت تنظر حولها في محاولة لمعرفة مكانها. الغرفة لم تكن تشبه أي مكان تعرفه؛ أثاثها بسيط، والنافذة مغلقة، والباب كان في الجهة الأخرى، ولم يكن هناك أي شخص بجوارها. وفجأة سمعت صوتًا مرتفعًا يأتي من الخارج، صوت رجل غاضب يتحدث بانفعال، فتجمدت في مكانها.

لم تفهم الكلمات في البداية، لكنها استطاعت تمييز نبرة الصوت، فدفعت الغطاء عنها ونهضت بصعوبة، وسارت نحو الباب وهي تستند إلى الحائط. كل خطوة كانت تؤلمها، لكنها أرادت أن تعرف من يتحدث، وعندما اقتربت من الباب سمعت الصوت بوضوح هذه المرة: "أنا قلتلكم تجيبوها من غير ما حد يلمسها! مين اللي سمح لكم تضربوها؟!"


توقفت ريتال مكانها.


كان الصوت مألوفًا.


فتحت الباب قليلًا ونظرت من خلاله، لتجد عددًا من الرجال يقفون أمام رجل تعرفه جيدًا.


رحيم.


كان واقفًا أمامهم غاضبًا بشكل لم تره عليه من قبل، بينما أحد رجاله يحاول تبرير ما حدث قائلًا: "يا رحيم باشا، هي قاومتنا وماكانش قدامنا اختيار..."




قاطعه رحيم بعنف: "ماكانش قدامكم اختيار؟! أنا قلت تتجاب هنا سليمة، فاهمين؟ سليمة! لا ضربة ولا جرح ولا حتى تخويف!"




ثم أشار إلى أحدهم بغضب وقال: "إنت شايف حالتها؟ شايف رأسها؟ أنا طلبت منكم تاخدوها، مش تكسروها!"




خفض الرجال رؤوسهم، بينما ظل رحيم ينظر إليهم بغضب واضح، ثم قال: "لو كان حصل لها حاجة أخطر، مكنتش هسيب واحد فيكم."




كانت ريتال تستمع من خلف الباب وهي لا تصدق ما تسمعه.




الرجل الذي اختطفها...




هو نفسه الذي كان غاضبًا لأن رجاله أذوها.




تراجعت خطوة إلى الخلف، لكن الألم جعلها تتعثر قليلًا، فصدر صوت خافت جعل الجميع يلتفتون ناحية الباب.




سكت رحيم فجأة.




التقت عيناه بعيني ريتال.




تغيرت ملامحه للحظة، ثم قال بهدوء:




"ريتال..."




نظرت إليه بخوف وغضب في الوقت نفسه، وسألته بصوت ضعيف:




"إنت... عملت فيا كده ليه؟"




لم يجب فورًا.




نظر إلى الشاش الملفوف حول رأسها، ثم إلى المحلول في يدها، وعاد الغضب إلى عينيه، لكن هذه المرة لم يكن موجّهًا إليها.




قال لرجاله:




"اطلعوا بره."




ترددوا.




فصرخ:




"قلت بره!"




خرج الرجال سريعًا، وبقي رحيم وحده معها.




أما ريتال...




فكانت تقف خلف الباب واول ما شافته بيقرب قفلب الباب بسرعة. 




فتح رحيم الباب ودخل بخطوات هادئة، ثم وقف أمام ريتال للحظات وكأنه يتأملها دون أن يظهر على ملامحه أي شيء. اقترب منها ومد يده وأمسك بيدها، وكانت قبضته ثابتة لكنها لم تكن مؤذية، فقط كافية لتجعلها تفهم أنه لا يترك لها مساحة للاعتراض. حاولت ريتال أن تسحب يدها، لكنه قال ببرود: «تعالي.»




لم تجبه، واكتفت بالنظر إليه بنظرة مليئة بالغضب، لكنه تحرك بها إلى داخل الغرفة دون استعجال. وما إن دخلت حتى أغلق الباب خلفه.




صوت إغلاق الباب كان بسيطًا، لكنه بالنسبة لريتال كان كافيًا ليعيد كل شيء إلى رأسها دفعة واحدة. اتسعت عيناها للحظة، وتيبست أصابعها، وشعرت بأن أنفاسها أصبحت أثقل. تذكرت كل ما حدث معها ، وعندما خطفها المرة الاولى، وما فعله بها . لكنها سرعان ما أخفت خوفها، ورفعت رأسها من جديد.




لن تعطيه متعة رؤية الرعب في عينيها.




ترك رحيم يدها أخيرًا، واتجه ناحية الأريكة الموجودة في طرف الغرفة، ثم جلس عليها بهدوء شديد وكأنهما في لقاء عادي لا في غرفة مغلقة بعد اختطافها. وضع إحدى ساقيه فوق الأخرى، وأسند ظهره إلى الأريكة، ثم نظر إليها طويلًا.




قال بنبرة باردة: «اقعدي.»




ردت ريتال فورًا: «أنا واقفة كويس.»




رفع حاجبه قليلًا، لكنه لم يجادلها. اكتفى بالصمت لثوانٍ قبل أن يقول: «براحتك.»




ظلت واقفة في مكانها، تحاول ألا تُظهر ارتباكها، بينما كان هو يتابعها بعينين ثابتتين.




ثم قال فجأة: «أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.»




ابتسمت ريتال بسخرية وقالت: «بعد ما خطفتني؟ أكيد موضوع مهم جدًا.»




لم تتغير ملامحه.




«الجواز.»




سكتت ريتال لحظة، وكأن الكلمة احتاجت ثانية حتى تستوعبها.




ثم ضحكت ضحكة قصيرة خالية تمامًا من الفرح.




«الجواز؟»




«أيوه.»




«إنت خاطفني، وحابسني في مكان معرفش هو فين، وداخل تقولي جواز؟»




«أنا مش داخل أطلب رأيك في المكان.»




نظرت إليه بحدة.




«وأنا مش هديك رأيي في الجواز أصلًا لاني مستحيل أقبل بشخص زيك خصوصاً بعد اللي عملته 




أنا مستحيل أسامحك فاهم .»




مال رحيم قليلًا إلى الأمام، وأسند مرفقيه على ركبتيه، ثم قال بهدوء: «ريتال، اسمعيني للآخر.»




«مفيش آخر. إجابتي من دلوقتي لأ.»




سكت رحيم لحظات، ثم قال: «إنتِ عارفة إن حياتك اتغيرت بعد اللي حصل.»




يقصد خطفها المرة الاولى واللي عمله فيها. 




رفعت ريتال ذقنها وقالت ببرود: «وده مبرر يخليك تخطفني؟»




«لا.»




كانت الإجابة المباشرة مفاجئة لها.




نظر إليها طويلًا، ثم قال: «إنتِ لسه فاكرة إن عندك اختيارات كتير.»




اقتربت منه خطوة، رغم أن قلبها كان يدق بعنف.




«عندي اختيار واحد على الأقل.»




«إيه؟»




قالت دون تردد: «إني أرفضك.»




ساد الصمت.




رحيم ظل ينظر إليها، بينما كانت ريتال تحاول تثبيت ملامحها رغم الخوف الذي يضغط على صدرها.




ثم قال بهدوء: «إنتِ رافضة دلوقتي.»




«وهفضل رافضة.»




«حتى لو عرفتِ الحقيقة؟»




تجمدت ملامحها.




«حقيقة إيه؟»




لم يجب.




وهنا فهمت ريتال أنه تعمد ترك الجملة معلقة.




قالت بحدة: «رحيم، متلعبش معايا.»




وقف من مكانه ببطء، لكنه لم يقترب منها، واكتفى بالوقوف أمام الأريكة.




«أنا مش بلعب.»




«أمال إيه؟»




«بحاول أديكي فرصة تفهمي قبل ما تحكمي.»




ردت عليه ببرود: «أنا فهمت كفاية. أنت خطفتني، خوفتني، وبعدها دخلت تقولي جواز. مهما كانت الحقيقة اللي مخبيها، أنا عمري ما هوافق.»




نظر إليها لثوانٍ، ثم قال بنبرة هادئة بشكل مخيف: «هتفضلي تقولي كده دلوقتي.»




اقتربت ريتال من الباب، وضعت يدها على المقبض، لكنها لم تفتحه. كانت تعرف أنه مغلق، ومع ذلك حاولت.




ثم التفتت إليه وقالت: «ولو فضلت أقولها بكرة وبعده وبعده؟»




ابتسم رحيم ابتسامة صغيرة لم تفهم معناها.




«ساعتها... هتعرفي ليه أنا اخترت الجواز تحديدًا.»




«مش فارقة.»




«هتفرق.»




«مش هتفرق.»




ظل ينظر إليها، ثم اتجه نحو الباب وفتحه بنفسه.




وقبل أن يخرج، التفت إليها وقال: «نامي وارتاحي. جسمك لسه محتاج وقت.»




نظرت إليه باحتقار وقالت: «أنا مش هنام وأنا وأنت في مكان واحد.»




توقف لحظة، ثم قال: «براحتك.»




وأغلق الباب خلفه.




لكن هذه المرة، لم يكن صوت الباب هو أكثر ما أخاف ريتال.




بل الجملة الأخيرة التي قالها.




"هتعرفي ليه أنا اخترت الجواز تحديدًا."




وقفت وحدها وسط الغرفة، تحاول أن تجمع أفكارها، ثم همست لنفسها: «هو عايز مني إيه بالظبط؟»




دخل رحيم الغرفة مرة أخرى في اليوم التالي، بنفس الهدوء البارد الذي أصبح يثير أعصاب ريتال أكثر من أي صراخ. كانت جالسة على طرف السرير، عيناها مرهقتان، وشعرها مبعثر قليلًا، لكنها بمجرد أن رأته رفعت رأسها وقالت ببرود: «لسه مصمم؟»




أغلق الباب خلفه، ثم اتجه إلى الأريكة وجلس عليها وكأنه جاء لإجراء حديث عادي. ظل صامتًا للحظات قبل أن يقول: «أيوه... لسه مصمم.»




«وأنا لسه رافضة.»




«عارف.»




نظرت إليه باستغراب، فقال بهدوء: «بس إنتِ لسه مش فاهمة ليه أنا بقولك تتجوزيني ده عشان مصلحتك.»




ضحكت بسخرية وقالت: «لا، أنا فاهمة كويس. إنت عايز تتحكم في حياتي.»




هز رأسه ببطء.




«مش بس كده.»




صمت قليلًا، ثم نظر إليها نظرة جعلتها تشعر بأن شيئًا ثقيلاً سيقال.




«أنا عارف إن اللي حصل لك يومها غير كل حياتك.»




تجمدت ملامحها.




لم تكن تحتاج أن يسمي ما حدث. هي تعرف.




هو يعرف.




وكل كلمة عنه كانت بالنسبة لها جرحًا قديمًا يحاول أن يفتحه من جديد.




قال رحيم: «بعد اللي حصل... إنتِ فاكرة إن الناس هتبصلك زي الأول؟»




لم تجبه.




«فاكرة إن أي راجل هييجي يتقدم لك مش هيكون عنده حسابات؟ إن الناس مش هتتكلم؟ إن مفيش حد هيستخدم اللي حصل ضدك في يوم من الأيام؟»




رفعت ريتال عينيها إليه، وقالت بصوت ثابت رغم الوجع: «وأنت شايف إن ده يخليّني أوافق عليك؟»




«أنا شايف إن ده يخليكي تفكري بعقلك.»




«أنا بفكر بعقلي فعلًا.»




«يبقى وافقي.»




ابتسمت ابتسامة صغيرة مليئة بالتحدي.




«لا.»




تغيرت ملامحه للحظة، ثم عاد إلى بروده.




«إنتِ عنيدة.»




«وأنت متوهم إنك تقدر تشتري موافقتي بالخوف.»




وقف رحيم واتجه نحو الباب، ثم قال قبل أن يخرج: «هنشوف، بس خليكِ عارفة إن مفيش خروج من هنا قبل ما آخد موافقتك .» 




نظر لها بتحدي «قدامك تلات أيام تفكري فيهم براحتك خالص.» 




ومنذ تلك اللحظة بدأ الحبس الانفرادي لريتال. 




في اليوم الأول، كانت ريتال غاضبة. ظلت تضرب على الباب وتصرخ في الحراس أن يفتحوا لها، ثم حاولت البحث عن أي منفذ آخر في الغرفة. وجدت نافذة، لكنها كانت مرتفعة ومؤمنة بطريقة لم تسمح لها بالخروج. حاولت تحريكها، ثم حاولت فتح الباب أكثر من مرة، لكن كل محاولاتها انتهت بالفشل.




بعد ساعات، فتح الباب أحد الرجال ووضع أمامها زجاجة ماء فقط.




نظرت إلى الزجاجة، ثم إليه وقالت: «رحيم فين؟»




لم يجب.




«أنا بسألك.»




ترك الزجاجة وخرج.




في اليوم الثاني، بدأ الغضب يتحول إلى إرهاق. جلست ريتال على الأرض بجوار السرير، وأسندت رأسها إلى الحائط. كانت تشرب الماء على فترات، وتحاول أن تقنع نفسها أنها لن تنهار، لم يدخل لها طعام فقط ماء يأتي لها على فترات. 




دخل رحيم مساءً.




نظر إليها طويلًا، ثم قال: «لسه عند رأيك؟»




رفعت رأسها ببطء.




«لسه.»




«حتى بعد يومين؟»




«حتى بعد عشر سنين.»




«إنتِ مش فاهمة إنك بتعندي نفسك.»




«وأنت مش فاهم إنك مهما عملت مش هتقدر تجبرني أقول نعم.»




اقترب رحيم خطوة، لكنه توقف على مسافة منها.




«أنا مش محتاج أجبرك.»




نظرت إليه باحتقار.




«أمال بتعمل إيه؟»




«بستنى.»




«تستنى إيه؟»




«إنك تعرفي إن العالم برا مش زي ما إنتِ فاكرة.»




ردت عليه فورًا: «العالم برا أرحم منك.»




لأول مرة لم يجد رحيم ردًا سريعًا.




ظل ينظر إليها، ثم قال: «هتندمي.»




«على إيه؟»




«إنك رفضتيني.»




«أنا مش هندم على رفضي ليك.»




ثم أضافت بصوت أكثر ثباتًا: «ولو آخر راجل في الدنيا هو أنت، هفضل برضه رافضة.»




خرج رحيم وأغلق الباب.




أما اليوم الثالث، فكان أصعبهم.




كانت ريتال قد استنزفت تقريبًا كل طاقتها. لم تعد تصرخ، ولم تعد تضرب الباب. جلست على السرير، ضامة ساقيها إليها، وعيناها معلقتان في نقطة مجهولة أمامها.




لكنها رغم تعبها لم تتراجع.




وعندما دخل رحيم في نهاية اليوم، وجدها جالسة في نفس المكان.




قال بهدوء: «خلصت الأيام التلاتة.»




رفعت عينيها إليه ولم تجيب. 




رحيم «لسه رافضة.»




صمت طويلًا.




ثم قال: «حتى بعد كل اللي حصل؟»




أجابته دون تردد: «خصوصًا بعد كل اللي حصل.»




اقترب منها قليلًا وقال: «إنتِ مش فاهمه إن اللي حصلك قلل منك ومن قيمتك.»




رفعت رأسها وقالت: «أنا عمري ما شفت نفسي قليلة.»




توقف.




تابعت ريتال بقوة رغم تعبها : «اللي حصل كان ظلم اتعمل فيا، مش عار أحمله. ومش هسمح لك ولا لغيرك تستخدمه عشان تقنعني إني لازم أقبل بأي حد.»




ساد الصمت.




لأول مرة بدا أن كلماتها أصابته في مكان لم يكن مستعدًا له.




ثم قالت: «ولو أنت فعلًا شايف إنك الوحيد اللي ممكن يقبل بيا... فأنا أفضل أعيش عمري كله لوحدي، ولا أعيش يوم واحد مع راجل اتجوزني لأنه فاكر إنه أنقذني من العار وهو اصلا العار ذات نفسه .»




نظر إليها رحيم طويلًا.




لم يرد.




استدار وخرج من الغرفة.




بعد خروجه بساعة كان الهدوء داخل الغرفة أثقل من أي وقت مضى.




كانت ريتال جالسة على طرف السرير، تحاول أن تقاوم الدوار الذي يزداد كل دقيقة. لم تعد تملك الطاقة حتى لتقف، وجسدها أصبح ضعيفًا بصورة واضحة. وضعت يدها على رأسها، وأغمضت عينيها للحظات، ثم حاولت أن تفتحها من جديد.




لكن الغرفة بدأت تدور حولها.




حاولت أن تتمسك بطرف السرير، إلا أن أصابعها لم تستطع التشبث به جيدًا.




همست بصوت بالكاد سُمع: «مش هضعف...»




ثم سقط جسدها على الأرض وفقدت وعيها.




بعد ساعات، فُتح الباب.




دخل رحيم وهو يحمل صينية طعام، وعلى غير عادته كان يبدو هادئًا تمامًا.




«ريتال...»




لم تجبه.




رفع عينيه نحو السرير، فلم يجدها عليه.




تجمد للحظة.




ثم رأى جسدها ملقى على الأرض.




سقطت الصينية من يده، واندفع نحوها بسرعة لم يعرفها أحد منه من قبل.




«ريتال!»




جثا بجوارها، ورفع رأسها بحذر.




«ريتال... افتحي عينيكي.»




لم تتحرك.




تغير وجهه تمامًا.




«ريتال!»




وضع يده على جبينها، فشعر بحرارة جسدها.




ولأول مرة منذ فترة طويلة، تسلل الخوف الحقيقي إلى عيني رحيم.




قال بصوت مرتجف قليلًا: «لا... لا، ريتال.»




حاول إفاقتها أكثر من مرة، لكنها لم تستجب.




نهض بسرعة واتجه إلى الباب وصاح: «هاتوا الدكتور فورًا!»




لم ينتظر ردًا، وعاد إليها مرة أخرى.




جلس بجوارها، وأمسك يدها، ثم قال بصوت منخفض: «ريتال .. بس افتحي عينيكي.»




بعد وقت قصير، وصل الطبيب مسرعًا، ومعه حقيبته.




انحنى بجوار ريتال وفحص نبضها وضغطها وحرارتها، ثم نظر إلى رحيم بجدية.




«هي أكلت إمتى آخر مرة؟»




لم يجب رحيم.




كرر الطبيب سؤاله: «آخر مرة أكلت فيها كانت إمتى؟»




ظل رحيم صامتًا لثوانٍ، ثم قال: «من... تلات أيام.»




رفع الطبيب عينيه إليه بحدة.




«تلات أيام؟!»




ثم عاد لفحصها وقال: «واضح إنها مرهقة جدًا، وجسمها محتاج سوائل وطاقة. هعلّق لها محلول، ولازم تبدأ تاكل تدريجيًا لما تفوق.»




أومأ رحيم دون كلام.




علّق الطبيب المحلول، وظل يتابع حالتها لبعض الوقت، ثم قال: «خلي حد يفضل جنبها. حرارتها مرتفعة، ولو زادت لازم تبلغني فورًا.»




خرج الطبيب بعد أن اطمأن نسبيًا إلى استقرار حالتها.




لكن رحيم لم يتحرك.




جلس على الكرسي بجوار السرير، وعيناه معلقتان بوجه ريتال.




مرت الساعات.




نامت ريتال طوال اليوم تقريبًا، بينما ظلت حرارتها ترتفع وتنخفض. وفي كل مرة كان رحيم يضع يده على جبينها، كان يشعر بثقل غريب في صدره.




لم يكن معتادًا على الشعور بالذنب.




لكنه هذه المرة لم يستطع الهروب منه.




نظر إليها وقال بصوت خافت: «أنا كنت عايز أخليكي تستسلمي... مش أخليكي توصلي للحالة دي.»




لم تجبه.




ظل بجوارها حتى المساء.




وفي إحدى اللحظات تحركت ريتال ببطء.




فتح رحيم عينيه عندما لاحظ الحركة.




«ريتال؟»




فتحت عينيها بصعوبة، ونظرت حولها، ثم وقعت عيناها عليه.




لم تتكلم.




اقترب منها قليلًا وقال: «إنتِ فايقة؟»




أغلقت عينيها لحظة، ثم فتحتهما من جديد.




«أنا... فين؟»




«في أوضتك.»




حاولت النهوض، لكنه قال: «استني.»




ثم خرج صوته أكثر حزمًا وهو ينادي أحد الخدم: «حد يجيب أكل خفيف فورًا، وشوربة وعصير.»




جاء الطعام بعد دقائق.




وضعه الخادم على الطاولة، ثم خرج.




نظرت ريتال إلى الطعام طويلًا.




كان واضحًا عليها الجوع، لكنها ظلت ساكتة.




قال رحيم: «كلي.»




رفعت عينيها إليه، وقالت بصوت ضعيف: «مش عايزة.»




«لازم تاكلي.»




سكتت قليلًا، ثم مدت يدها ببطء وأخذت الملعقة.




بدأت تأكل ببطء شديد.




لم يقل رحيم شيئًا.




ظل جالسًا أمامها، يراقبها وهي تتناول الطعام، وفي كل مرة تتوقف فيها كان يسألها بهدوء: «تقدري تكملي؟»




كانت تهز رأسها وتعود للأكل.




وبعد فترة قصيرة، وضعت الملعقة جانبًا.




قالت بصوت خافت: «شبعت.»




أومأ رحيم.




ثم نظر بعيدًا عنها، وكأن شيئًا داخله أصبح أثقل.




كان قد دخل الغرفة قبل ساعات وهو يظن أنه جاء ليجبرها على الاستسلام...




لكنه الآن أدرك أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تكسر عناد شخص، وبين أن تكسر الإنسان نفسه.




وريـتال، رغم ضعفها، لم تكن قد استسلمت.




هي فقط كانت تحاول أن تبقى واقفة..




مرّ يومان آخران، بدأت خلالهما ريتال تستعيد شيئًا من قوتها. لم تعد الحرارة مرتفعة كما كانت، واستطاعت أن تتحرك وحدها داخل الغرفة، وإن كان التعب لا يزال واضحًا على وجهها. كانت تأكل بكميات صغيرة، وتشرب الماء بانتظام، والطبيب كان يأتي للاطمئنان عليها ثم يغادر.




لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.




رفضها لرحيم.




في مساء اليوم الخامس، كانت ريتال جالسة بجوار النافذة، تنظر إلى الخارج بصمت، عندما فُتح الباب ودخل رحيم.




هذه المرة لم يحمل طعامًا، ولم يتحدث فور دخوله. اكتفى بالنظر إليها للحظات، ثم قال: «عاملة إيه دلوقتي؟»




لم تلتفت إليه.




«كويسة.»




«الدكتور قال إنك لازم ترتاحي كام يوم كمان.»




«تمام.»




ظل واقفًا مكانه، وكأنه ينتظر منها شيئًا آخر.




التفتت إليه أخيرًا وقالت: «في حاجة؟»




«عايز أتكلم معاكي.»




«اتفضل.»




جلس على الأريكة، ثم قال: «موضوع الجواز.»




ابتسمت ريتال بسخرية.




«كنت عارفة.»




«أنا مش جاي أضغط عليكي.»




ضحكت بمرارة: «بعد تلات أيام من غير أكل؟ وبعد ما صحيت لقيت نفسي في مكان مقفول؟ وبتقول مش جاي تضغط عليا؟»




خفض رحيم عينيه للحظة.




كانت الجملة أصعب مما توقع.




قال بهدوء: «أنا غلطت في موضوع الأكل.»




«غلطت؟»




رفعت حاجبها.




«آه.»




«أنت حبستني تلات أيام ومنعت عني الأكل، وده عندك اسمه غلط؟»




لم يجب.




تابعت: «أنا كنت ممكن أموت.»




«عارف.»




«ولسه عايزني أتجوزك؟»




رفع عينيه إليها.




«آه.»




هزت رأسها بعدم تصديق.




«إنت فعلًا مريض.»




لم يغضب.




بل قال: «يمكن.»




سكتت ريتال.




كان اعترافه غريبًا لدرجة أنها لم تعرف كيف ترد.




تابع رحيم: «بس في حاجة لازم تعرفيها. أنا لما قلتلك إن محدش ممكن يقبلك، كنت بتكلم من وجهة نظري... مش حقيقة مطلقة.»




نظرت إليه باهتمام رغمًا عنها.




«يعني إيه؟»




«يعني إن اللي حصل لك مش هو اللي بيحدد قيمتك.»




تغيرت ملامحها.




قالت ببطء: «إنت بتقول الكلام ده دلوقتي؟»




«أيوه.»




«وأنت عارف إنك اصلا السبب في اللي حصلي ؟»




لم يجد إجابة.




اقتربت منه خطوة وقالت: «إنت عارف إيه أكتر حاجة بتوجع؟ مش اللي حصل ... اللي بيوجع إنك عارف أنا مريت بإيه، وبرغم كده استخدمت أكتر حاجة بتوجعني عشان تخليني أوافق عليك.»




سكت رحيم طويلا. 




«عارف.»




«أنا مش هتجوزك.»




«عارف.»




«ومش هغير رأيي.»




نظر إليها، ثم قال بهدوء: «وأنا مش هطلب منك تغيريه النهارده.»




استغربت.




«أمال إيه؟»




وقف رحيم واتجه نحو الباب.




وقبل أن يخرج قال: «هسيبلك وقت تفكري.»




ضحكت ريتال بسخرية: «أنا فكرت بالفعل.»




التفت إليها.




«وإجابتي لأ.»




ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم قال: «وصلت.»




فتح الباب وخرج.




وبعد أن خرج رحيم من الغرفة، ظلت ريتال تنظر إلى الباب المغلق للحظات، ثم أخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن وجودها في المكان يخنقها، وأن كل دقيقة تمر بعيدًا عن أهلها أثقل من التي قبلها.




وعندما عاد رحيم في المساء، وجدها واقفة تنتظره.




قالت فور دخوله: «أنا عايزة أرجع لأهلي.»




توقف أمامها ونظر إليها بهدوء.




«لا.»




عقدت حاجبيها. «يعني إيه لا؟»




«يعني مش هترجعي دلوقتي.»




«إنت وعدتني إنك هتسيبني أفكر.»




«وفعلت.»




«فكرت. وقررت. أنا مش عايزة أتجوزك، وعايزة أرجع بيتي.»




ساد صمت قصير.




ثم قال رحيم: «مش معنى إني عاملتك كويس اليومين اللي فاتوا إني هفتحلك الباب وأقولك اتفضلي روحي.»




ضحكت بسخرية. «عاملتني كويس؟ أنت خاطفني يا رحيم.»




تغيرت ملامحه قليلًا.




«ومع ذلك أنا ما أذيتكيش.»




«أنت أذيتني أكتر مما تتخيل.»




اقترب منها خطوة وقال: «ريتال، قدامك اختيار واحد.»




نظرت إليه بتحدٍ.




«إيه هو؟»




«الجواز مني.»




جاء ردها فورًا: «مستحيل.»




«فكري كويس.»




«فكرت.»




«ريتال...»




قاطعته: «قلت لك مستحيل. حتى لو فضلت هنا سنة كاملة، مش هتجوزك.»




اشتعل الغضب في عينيه، وفقد هدوءه الذي لازمَه طوال الأيام الماضية.




«إنتِ بتختبري صبري.»




«وأنت بتختبر كرامتي.»




تقدم نحوها بعصبية، ثم توقف قبل أن يتجاوز حدودًا أكبر، وقال بصوت حاد: «طالما مش هتبقي زوجتي، يبقى هتعيشي هنا بطريقة تانية.»




نظرت إليه بعدم فهم.




«يعني إيه؟»




قال ببرود قاسٍ: «هتكوني خدامة المكان.»




اتسعت عيناها.




«نعم؟»




«الفيلا دي كلها مسؤوليتك.»




ضحكت من شدة الصدمة.




«إنت فقدت عقلك؟»




«من النهارده مفيش خدم.»




وأشار بيده إلى المكان من حوله.




«تنضفي الفيلا بنفسك.»




حدقت فيه لحظات، ثم قالت بغضب: «أنا مش هلمس حاجة.»




«ده قرارك.»




«أيوه، قراري.»




اقترب من الباب، ثم التفت إليها وقال: «أنا هخرج دلوقتي. لما أرجع، لو الفيلا مش نضيفة... ساعتها متلوميش غير نفسك.»




قالت بعناد: «مش هعمل حاجة.»




ابتسم ابتسامة باردة.




«هنشوف.»




خرج من الغرفة، وبعد دقائق بدأت ريتال تسمع أصواتًا في الخارج. فتحت الباب بحذر، فرأت الخدم يغادرون الفيلا واحدًا تلو الآخر.




وقفت في منتصف الصالة مذهولة.




كان رحيم قد تركها وحدها تمامًا.




أغلق الباب خلف آخر خادم، ثم عاد الصمت ليسيطر على المكان.




مرت ثوانٍ.




ثم قالت ريتال لنفسها: «عايزني أنضف الفيلا؟»




نظرت حولها.




«طيب.»




ظهرت على وجهها ابتسامة غريبة.




«أنا هنضفها فعلًا.»




سارت نحو أول مزهرية ثم أمسكت بها.




تأملتها لحظات.




«بس بطريقتي.»




وفجأة ألقتها على الأرض.




تحطمت المزهرية.




نظرت ريتال إلى قطعها، ثم قالت: «دي أول واحدة.»




انتقلت إلى الطاولة، وأسقطت ما عليها ثم دفعتها على الارض، ثم دفعت أحد الكراسي بعنف حتى سقط على الأرض .




كلما رأت شيئًا يذكرها برحيم، كانت تتعامل معه وكأنه عدو.




لوحة نزلت من مكانها وكسرتها. 




مزهرية أخرى تحطمت.




وسادة قامت بتقطيعها وألقتها في الناحية الأخرى من الصالة، تحف فنية دمرتها. 




من الاخر دمرت كل شيء في الصالون




، ثم دخلت على الغرف وفعلت نفس الشيء حتى اصبحت الفيلا لا يوجد بها شيء صالح. 




ثم وقفت في منتصف المكان، تلهث من التعب والغضب، ونظرت إلى الفوضى حولها.




«عايز الفيلا نضيفة؟»




ضحكت.




«خليها نضيفة بقى.»




وفي تلك اللحظة، لم تعد ريتال تفكر في الهروب.




كانت تفكر في شيء واحد فقط...




أن تجعل رحيم يندم على اليوم الذي قرر فيه أن يتركها وحدها داخل الفيلا.




وفي الخارج، كان رحيم داخل سيارته في طريقه بعيدًا، واثقًا أن ريتال ستضطر في النهاية إلى تنفيذ أوامره.




لكن ما لم يكن يعرفه...




أن ريتال لم تكن من النوع الذي يستسلم عندما يُحاصر.




كانت من النوع الذي يحوّل الحصار نفسه إلى سلاح.




في آخر اليوم، توقفت سيارة رحيم أمام الفيلا.




نزل منها وهو يتوقع أن يجد كل شيء كما تركه، وربما يتوقع أن يرى ريتال أخيرًا وقد بدأت تفهم أنه لا يمزح.




لكن بمجرد أن فتح الباب ودخل، توقف مكانه.




الصالة كانت في حالة فوضى كاملة.




الوسائد مقطعة وملقية على الأرض، جميع التحف محطمة، الكراسي في أماكن مختلفة ومنها ما هو مكسور ومنها ما لايصلح ، واللوحات مدمره على الجدران.




ظل واقفًا لثوانٍ وكأنه يحاول استيعاب ما يراه.




«إيه ده؟»




دخل إلى أول غرفة.




الفوضى نفسها.




الثانية...




أسوأ.




الثالثة...




لم يتغير شيء.




فتح باب غرفته الخاصة، فتوقف عند الباب وقد اتسعت عيناه.




«ريتال!»




ظهر صوتها من آخر الممر: «نعم؟»




استدار فوجدها واقفة أمامه بكل هدوء، وكأنها لم تفعل شيئًا.




قال بغضب: «إنتِ عملتي إيه؟»




رفعت كتفيها ببراءة مصطنعة.




«نضفت.»




«نضفتي؟!»




«أيوه. زي ما طلبت.»




اقترب منها وهو في قمة غضبه، وكاد أن يفقد السيطرة على نفسه، لكنه فوجئ بأنها لم تتراجع خطوة واحدة.




بل رفعت يدها أمامه وقالت بصرامة: «إياك تلمسني.»




لكنه لم يتوقف بل حاول أن يمسك شعرها ويضربها ولكن كانت صدمته عندما ركلته ريتال بشده في منطقة تحت الحزام ليسقط على الارض وهو يتألم بشده ورفع نظره لها 




كانت نظرتها مختلفة تمامًا.




لم تكن تلك الفتاة الضعيفة التي وجدها فاقدة الوعي قبل أيام.




كانت ريتال غاضبة، وعنيدة، ومستعدة لمواجهته.




قال من بين أسنانه: «إنتِ بتلعبي معايا؟ أنتِ قد اللي عملتيه ده؟»




«أنت اللي بدأت اللعبة.»




تبادل الاثنان نظرات طويلة، ثم قام رحيم و استدار بعصبية.




لم يعرف ماذا يفعل معها.




وفي النهاية قال: «تعالي.»




«فين؟»




«هتعرفي.»




بعد فترة، كانت ريتال تجلس في مكان آخر يملكه رحيم، أكبر من الفيلا الأولى وأكثر هدوءًا.




نظر إليها وقال: «هنا مفيش حاجة تكسريها.»




ردت ببرود: «متقلقش، مش هعمل حاجة.»




رمقها بنظرة ضيقة.




ثم قال: «قومي اعملي أكل.»




نظرت إليه.




«حاضر.»




تفاجأ من موافقتها السريعة، لكنه لم يعطِ الأمر أهمية.




دخلت ريتال المطبخ.




وبعد وقت قصير، وضعت الطعام أمامه.




جلس رحيم إلى الطاولة، ونظر إليها بانتصار.




«شايفة؟»




«شايفة إيه؟»




«في الآخر نفذتي كلامي.»




ابتسمت ريتال ابتسامة صغيرة.




«كل.»




بدأ رحيم يأكل.




وبعد أول لقمة مباشرة، توقف.




نظر إلى الطبق.




ثم نظر إليها.




أخذ لقمة ثانية بحذر.




وجهه تغير.




«إيه ده؟»




جلست ريتال أمامه وقالت ببراءة: «أكل.»




«أكل إيه ده نار؟»




« تؤ ده أكل حار.»




نظر إليها بدهشة.




«إنتِ حاطة كمية شطة قد إيه؟»




ابتسمت.«على قد ما قدرت.»




ترك الملعقة وقال: «إنتِ عاملة الأكل ده عشان تنتقمي مني؟»




«لا.»




«أمال؟»




«عشان طلبت مني أعمل أكل، وعملته.»




ظل ينظر إليها لحظات، ثم أخذ نفسًا عميقًا.




«أنتِ مستفزة.»




«شكرًا.»




«دي مش مجاملة.»




«عارفة.»




اضطر رحيم في النهاية إلى ترك الطعام، بينما جلست ريتال تحاول إخفاء ابتسامتها، ثم قالت بكره شديد 




« وربنا لندمك أشد ندم ع اللي عملته فيا  ، اصبر وشوف اللي هعمله.» 




وفي آخر الليل، ناداها من غرفته.




«ريتال.»




جاءت وهي متحفزة.




«نعم؟»




قال: «اعمليلي قهوة.»




نظرت إليه للحظة.




ثم قالت: «حاضر.»




دخلت المطبخ.




وهناك، تذكرت شيئًا.




قبل مغادرة الطبيب لها في الأيام السابقة، كانت قد طلبت منه دواءً للمعدة بسبب اضطرابها، وقد احتفظت بما تبقى منه.




نظرت إلى العبوة، ثم ظهرت على وجهها ابتسامة خبيثة.«عايز قهوة؟ أحلى قهوة ليك يا رحيم باشا »




وضعت القهوة أمامه.




«اتفضل.»




أمسك رحيم الفنجان، ونظر إليها بشك.




«إنتِ ليه مبتسمة؟»




«أنا؟»




«أيوه.»




«مفيش.»




ظل ينظر إليها، ثم ارتشف من القهوة.




جلست ريتال أمامه، وهي تظهر الامبالاه. 




مرت دقائق.




ثم تغيرت ملامح رحيم.




نظر إليها.




«ريتال...»




قالت ببراءة: «نعم؟»




«إنتِ حاطة إيه في القهوة؟»




«قهوة.»




«متأكدة؟»




«جرب تاني.»




نظر إليها بشك، ثم وضع الفنجان على الطاولة.




وبعد لحظات، نهض فجأة واتجه نحو الحمام.




راقبته ريتال وهو يختفي خلف الباب، ثم انفجرت في الضحك للمرة الأولى منذ أيام.




ومن خلف الباب جاء صوته الغاضب:




«ريتاااال!»




ضحكت أكثر.




«قولتلك القهوة حلوة!»




«لما أخرج هحاسبك!»




ردت وهي ما زالت تضحك:




«وأنا مستنياك!»




جلست ريتال على الأريكة، وما زالت الابتسامة على وجهها.




لأول مرة منذ اختطافها، شعرت أنها استعادت جزءًا من نفسها.




أما رحيم...




فكان يقف خلف الباب، غاضبًا، محرجًا، ومصدومًا من حقيقة واحدة لم يستطع إنكارها:




هذه الفتاة لا يمكن السيطرة عليها بالطريقة التي تخيلها.




بعد وقت طويل، انفتح باب الحمام أخيرًا.




خرج رحيم بخطوات بطيئة، إحدى يديه تضغط على بطنه، وملامحه تجمع بين الألم والغضب والإحراج.




كانت ريتال جالسة على الأريكة تنتظره.




وبمجرد أن رأته، وضعت يدها على فمها محاولة كتم ضحكتها.




لكنها لم تستطع.




انفجرت في الضحك.




«هههههههه... يا نهار أبيض!»




وقف رحيم أمامها وحدق فيها بنظرة قاتلة.




«مبسوطه؟»




حاولت أن تتوقف، لكنها كلما نظرت إلى وجهه عادت للضحك.




«اممم... جداً جداً...»




«ريتال.»




«خلاص، خلاص.»




أشاحت بوجهها، لكنها كانت لا تزال تبتسم.




لم يرد عليها. اكتفى بأن أخذ مفاتيحه وخرج من المكان.




بعد فترة، عاد رحيم من عند الطبيب.




كان يبدو أفضل قليلًا، لكنه ظل حذرًا بشكل واضح.




وبمجرد دخوله، وضع عدة أكياس طعام على الطاولة.




نظرت ريتال إليها باستغراب.




«إيه ده؟»




«أكل.»




«عارفة إنه أكل.»




«وأنا اللي جايبه.»




رفعت حاجبها.




«يعني إيه؟»




نظر إليها بجدية.




«يعني من النهارده مفيش أكل من إيدك.»




ابتسمت ريتال.




«اتعلمت؟»




«اتعلمت إن الثقة فيكي غلط.»




ريتال بسخرية «متأخر.»




جلس أمامها وفتح أحد الأطباق.




«كلي.»




جلست ريتال أمامه.




«حاضر.»




بدأ الاثنان يأكلان، لكن رحيم كان يراقبها من وقت لآخر، وكأنه يتوقع منها أن تخرج له بمقلب جديد.




لاحظت ذلك وقالت: «إنت بتبصلي كده ليه؟»




«عشان أعرف إنتِ بتخططي لإيه.»




«ولا حاجة.»




«مش مصدق.»




«براحتك.»




أكمل طعامه في صمت.




وبعد قليل، وقف رحيم ومشي ناحية المكتب بهدوء وفي عقله خطة لا تعرفها ريتال. 




وضع هاتفه على السفرة دون اهتمام، ثم خرج من الغرفة ودخل المكتب و وقف خلف الباب يراقبها




 ليعلم ما سوف تفعله بالهاتف. 




ظلت ريتال تنظر إلى الهاتف.




ثم نظرت ناحية الباب ثم عادت تنظر إلى الهاتف.




مدت يدها وأمسكته.




ابتسمت للحظة.




«هو فاكر إني هكلم أهلي.»




رفعت الهاتف أمام عينيها.




ثم قالت: «معلش يا رحيم... أنت لسه مش فاهمني.»




وفجأة...




ارتطم الهاتف بالأرض بقوة واصبح قطع صغيره. 




تبعثرت أجزاؤه في المكان.




توقفت ريتال فوقه للحظات، ثم قالت بكل هدوء:




«دلوقتي مش هتقدر تستخدمه ضدي.»




وفي نفس اللحظة تقريبًا، عاد رحيم.




وقف عند الباب.




نظر إلى الأرض.




ثم إلى الهاتف المحطم.




ثم إلى ريتال.




صمت.




صمت طويل جدًا.




رفعت ريتال عينيها إليه وقالت:




«كان واقع لوحده.»




رمش رحيم ببطء.




«واقع لوحده؟»




«أيوه.»




نظر إلى بقايا الهاتف مرة أخرى.




ثم قال ببرود شديد:




«إنتِ عارفة إن ده مش تلفون عادي؟»




«دلوقتي بقى خردة عادي.»




أخذ رحيم نفسًا عميقًا، ووضع يده على جبينه.




كان يريد أن يغضب.




أن يصرخ.




أن يعاقبها.




لكن بعد كل ما حدث خلال الأيام الماضية، لم يعرف حتى كيف يتصرف معها.




رفع عينيه إليها وقال في نفسه : « دمرت الخطة.»




ابتسمت ريتال بثقة:




« معليش تتعوض .»




ظل ينظر إليها للحظات.




استدار رحيم ومشى وهو يتمتم:




«يا رب صبّرني...»




أما ريتال، فجلست مكانها وهي تبتسم. 




لكنها لم تكن تعرف أن الهاتف الذي حطمته لم يكن الشيء الوحيد الذي كان رحيم يختبر به تصرفاتها...




كان قد تركه هناك عمدًا.




وكان يريد أن يعرف شيئًا واحدًا فقط:




هل ستستغل أول فرصة للتواصل مع أهلها... أم أنها ستتصرف بطريقة لم يتوقعها؟.




طلعت ريتال غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم ظلت واقفة أمامه لثوانٍ، وكأنها تتأكد أن لا أحد يستطيع رؤيتها.




وبمجرد أن اطمأنت، اختفت الابتسامة التي كانت على وجهها منذ دقائق.




جلست على الأرض ببطء، وأسندت ظهرها إلى الباب، ثم ضمت ساقيها إلى صدرها ودفنت وجهها بين ذراعيها.




وانهارت.




نزلت دموعها بصمت في البداية، ثم بدأت شهقاتها تخرج رغماً عنها.




كانت تبكي على كل شيء.




على الأيام التي قضتها هنا، على أهلها الذين لا تعرف أين هم، على الخوف الذي تحاول إخفاءه، وعلى كل مرة اضطرت فيها إلى الوقوف أمام رحيم وكأنها لا تخشاه.




لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.




ريتال لم تكن قوية كما يظن الجميع.




لم تكن تلك الفتاة التي تستطيع مواجهة أي شخص دون خوف.




لم تكن لا تُكسر.


كانت أضعف إنسانة في تلك اللحظة، وكل ما تفعله لم يكن إلا محاولة للنجاة.


رفعت رأسها ومسحت دموعها بيد مرتجفة، ثم همست لنفسها: «أنا تعبت...»


وسكتت لحظة قبل أن تضيف: «بس مينفعش أضعف.»


كانت تعرف أن المكان الذي تعيش فيه الآن لا يرحم الضعفاء.


كانت ترى العالم كغابة كبيرة، مليئة بذئاب بشرية لا تتردد في استغلال أي لحظة ضعف.


ولهذا كانت مضطرة أن ترتدي قناع القوة.


حتى أمام نفسها.


حتى عندما تكون خائفة.


حتى عندما تكون على وشك الانهيار.


كانت تضحك عندما تريد البكاء، وتستفز عندما تكون مرعوبة، وتتحدى عندما يكون كل ما تريده هو أن تجد شخصًا يحميها ويقول لها إن كل شيء سينتهي.


لكن لم يكن هناك أحد.


وضعت رأسها على ركبتيها، واستمرت دموعها في النزول حتى بدأ التعب يغلبها.


لم تشعر بنفسها إلا وهي تغفو في مكانها، ما زالت جالسة على الأرض، وذراعاها تحيطان بساقيها.


خارج الغرفة، كان القصر غارقًا في الصمت.

وفي مكان آخر، كان رحيم مستيقظًا يفكر في كل ما حدث، بينما لم يكن يعرف أن الفتاة التي قضى الأيام الماضية يحاول كسر عنادها...


كانت في الحقيقة تحاول فقط ألا تنكسر هي.


مرت الساعات ببطء.


ثم هدأ كل شيء.


وانتهت تلك الليلة... ريـتال نائمة على أرض غرفتها، ودموع جافة على وجهها، بينما ظل الصباح يحمل لها شيئًا لا تعرفه بعد.


أُظهرُ للناسِ أني لا أبالي **وفي قلبي من الآلامِ نارُ


                 الفصل الثامن عشر من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة