رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الثامن عشر 18 بقلم اية محمود

رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الثامن عشر 18 بقلم اية محمود


طلع الصبح بهدوء، لكن ريتال كانت مستيقظة من بدري.


فتحت عينيها وهي لا تزال تتذكر ليلة أمس، ثم مسحت آثار الدموع عن وجهها، ونهضت من مكانها. وقفت أمام المرآة للحظات، ونظرت إلى انعكاسها، ثم قالت لنفسها: «كفاية خوف... لازم أخرج من هنا.»


وبعد دقائق، كانت واقفة أعلى السلم، وفي يدها زجاجة صغيرة من الزيت. نظرت حولها تتأكد أن لا أحد يراقبها، ثم سكبت كمية منه على إحدى درجات السلم، وأخفت الزجاجة سريعًا.


وقفت في مكان قريب تنتظر.


لم تمر سوى دقائق حتى ظهر رحيم من أعلى الممر، وكان يبدو مستعجلًا ويتحدث في هاتفه، فلم ينتبه إلى الدرجة أمامه.


خطا عليها...


وفقد توازنه.


سقط رحيم على عدة درجات قبل أن يستقر في أسفل السلم.


شهقت ريتال، وللحظة تجمدت مكانها، ثم ركضت نحوه وهي تصرخ بأعلى صوتها: «الحقوووني! بسرعة! حد يجيب الدكتور! رحيم وقع!»


اندفع الحرس من كل اتجاه.


أحدهم انحنى بجواره وقال بقلق: «باشا! سامعني؟»


كان رحيم واعيًا، لكنه كان يتألم بوضوح، وحاول أن يتحرك دون جدوى.


صرخت ريتال: «متخلوهش يتحرك! يمكن يكون اتصاب!»


نظر إليها أحد الحراس باستغراب، لكنها لم تعطِه فرصة للتفكير، وظلت واقفة بجوارهم وهي تتظاهر بالقلق.


بعد دقائق، تم نقله إلى السيارة والتوجه به إلى المستشفى.


وبشكل مفاجئ، قالت ريتال: «أنا جاية معاه.»


نظر إليها أحد الحراس.


«ممنوع.»


ردت بسرعة: «أنا السبب إني كنت موجودة وقت ما وقع، ولو حصل له حاجة لازم أبقى موجودة.»


لم يجد الحارس ما يرد به، وبعد تردد قصير سمح لها بالذهاب.


في المستشفى، دخل رحيم غرفة الكشف، بينما ظلت ريتال في الخارج مع اثنين من الحرس.


جلست على أحد المقاعد، لكنها لم تستطع إخفاء القلق.


ليس خوفًا على رحيم وحده...


بل خوفًا من أن يكتشف خطتها.


بعد وقت بدا طويلًا، خرج الطبيب.


اقترب منه أحد الحراس بسرعة: «رحيم باشا ؟»


ابتسم الطبيب مطمئنًا.


«اطمنوا. الإصابة مش خطيرة، فيه كدمات والتواء بسيط، لكن الحمد لله مفيش حاجة تستدعي القلق.»


تنفست ريتال براحة، ثم قالت: «الحمد لله.»


رفع الطبيب عينيه إليها للحظة، ثم عاد إلى الغرفة.


انتظرت ريتال قليلًا، ثم اقتربت من إحدى الممرضات وقالت بصوت هادئ: «معلش... ممكن تساعديني؟ أنا محتاجة أدخل الحمام.»


أشارت الممرضة إلى الممر.


«تعالي.»


تحركت ريتال معها، بينما بقي الحراس أمام غرفة رحيم.


وبمجرد أن ابتعدتا عنهم، قالت ريتال للممرضة: «ممكن أطلب منك طلب؟»


«اتفضلي.»


نظرت ريتال حولها ثم قالت: «ممكن تديني تليفونك دقيقة واحدة؟ ضروري جدًا.»


ترددت الممرضة.


«ليه؟»


اقتربت ريتال منها وهمست: «أنا محتاجة أطمن أهلي. أنا مش قادرة أوصل لهم من غير مساعدة.»


لاحظت الممرضة التوتر في عينيها، فسألتها: «إنتِ محتجزة هنا؟»


لم تجب ريتال مباشرة.


خفضت عينيها وقالت: «أنا بس... محتاجة أكلم شخص أثق فيه.»


ترددت الممرضة لحظات، ثم أعطتها الهاتف.


أمسكته ريتال بسرعة، وكأنها تخشى أن يتغير رأي الممرضة.


كانت تحفظ رقم آدم عن ظهر قلب.


ضغطت الأرقام، ثم وضعت الهاتف على أذنها.


رن مرة...


مرتين...


ثلاثًا...


ثم جاءها صوته من الطرف الآخر:


«ألو؟»


تجمدت ريتال.


لم تستطع الكلام في البداية.


سمعت آدم يقول: «ألو؟ مين؟»


ارتجفت شفتاها، ثم خرج صوتها أخيرًا، ضعيفًا ومكسورًا:


«آدم...»


ساد الصمت في الطرف الآخر.


ثم تغير صوت آدم بالكامل.


«ريتال؟!»


أغمضت عينيها، وبدأت دموعها تنزل رغمًا عنها.


«آدم... أنا...»


قاطعها بسرعة: «إنتِ فين؟»


نظرت إلى الممرضة، ثم إلى باب الحمام، وقالت بصوت منخفض جدًا:


«أنا في مستشفى... رحيم وقع وجابوه هنا.»


سكت آدم لحظة، ثم قال بقلق: «رحيم؟ إنتِ معاه؟»


«أيوه.»


«ريتال، اسمعيني كويس... قوليلي اسم المستشفى.»


وقبل أن تجيبه، سمعت صوت خطوات في نهاية الممر.


تجمدت في مكانها.


رفعت عينيها نحو الممرضة، التي نظرت إليها هي الأخرى بقلق.


ثم جاء صوت أحد الحراس من بعيد:


«فين ريتال؟»


اتسعت عيناها.


قال آدم بسرعة من الهاتف: «ريتال؟ إنتِ لسه معايا؟»


همست:


«آدم... لازم أقفل.»


«استني! اسم المستشفى بس!»


لكنها أغلقت المكالمة.


أعادت الهاتف إلى الممرضة بسرعة وقالت: «شكرًا.»


ثم خرجت من الحمام وهي تحاول أن تبدو طبيعية.


لكن قلبها كان يخبط داخل صدرها بعنف.


لأول مرة منذ اختطافها...


نجحت في إيصال صوتها إلى أهلها.


ورغم أنها لم تستطع أن تخبر آدم بمكانها، إلا أنها كانت متأكدة من شيء واحد:


آدم لن يتوقف الآن عن البحث عنها.


دخلت ريتال غرفة رحيم بعد أن سمح لها الطبيب، وجلست على الكرسي الموجود بجوار السرير.


كان رحيم لا يزال فاقدًا للوعي، وذراعه مثبتة، وعلى وجهه بعض آثار الإصابة. ظلت تنظر إليه بصمت، ولم تعرف لماذا شعرت للحظة بوخزة ندم.


همست: «أنا مكنتش أقصد الموضوع يوصل لكده.»


ثم سكتت.


لكن بعد ثوانٍ بدأت ذاكرتها تعود إليها وتتذكر كل ما فعله بها.


تغيرت ملامحها.


«بس أنت اللي بدأت،أنت اللي تستاهل.»


ظلت بجواره حتى بدأ يتحرك.


فتح رحيم عينيه ببطء، ونظر حوله، ثم وقعت عيناه عليها.


ظل صامتًا لثوانٍ.


ثم قال بصوت متعب: «إنتِ.»


رفعت ريتال حاجبها.


«أنا إيه؟»


حدق فيها طويلًا.


«السلم.»


سكتت.


قال: «إنتِ اللي عملتيها.»


لم تحاول الإنكار.


«أيوه.»


رفع حاجبه باستغراب، وكأنه توقع منها أن تكذب.


«مش هتنكري؟»


«ليه أنكر؟»


«يعني فعلًا حطيتي حاجةع السلم عشان أقع ؟»


«أيوه.»


ظل ينظر إليها، ثم قال: «ليه؟»


أجابته بمنتهى الهدوء: «عشان كنت عايزة أعلمك إنك مش الوحيد اللي يقدر يعمل خطط.»


تنهد رحيم.


«كان ممكن أتأذي جامد.»


خفضت ريتال عينيها للحظة.


«أنا عارفة.»


ثم رفعت عينيها إليه وقالت بصدق: «بس أنا كنت متوقعة إنك تقع وقعة خفيفة. مكنتش متوقعة إنك هتنزل كده.»


ظل صامتًا.


كانت هناك لحظة قصيرة توقعت فيها ريتال أن ينفجر غضبًا.


لكنه لم يفعل.


قال فقط: «مصدقك.»


نظرت إليه بدهشة.


«بجد؟»


«أيوه. لو كنتِ عايزة تأذيني فعلًا، كان ممكن تخططي لحاجة أسوأ.»


لم تعرف ماذا تقول.


ثم قال: «بس من النهارده مش هسيبك لوحدك.»


ابتسمت بسخرية.


«خايف مني؟»


«مش خايف.»


«أمال؟»


«مش واثق فيكي.»


ردت فورًا: «ولا أنا واثقة فيك.»


ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه رغم الألم.


«على الأقل متفقين في حاجة.»


بعد أن سمح الطبيب له بالخروج، عادا إلى المنزل.


لكن بمجرد أن دخل رحيم الفيلا، وقف في الصالة وأخذ ينظر حوله بحذر.


ثم قال لأحد رجاله: «اتصل بالخدم.»


نظرت إليه ريتال.


«خدم تاني؟»


«أيوه.»


«ليه؟»


التفت إليها وقال: «عشان أنا اكتشفت إن ترك البيت في إيدك مخاطرة.»


«أنا كنت هنضفه.»


«عارف.»


«بطريقتي وطبعاً أنت مجرب طريقتي .»


«وده سبب كافي.»


رمقته بنظرة غاضبة.


بعد وقت قصير عاد بعض الخدم إلى الفيلا، وبدأوا في ترتيب المكان وإعادة الأشياء إلى مواضعها.


أما رحيم فدخل غرفة مكتبه، وأغلق الباب.


وقفت ريتال في الصالة تراقب الخدم وهم يعملون، ثم تمتمت:


«يعني رجع الخدم عشان خايف مني؟»


جاءها صوت رحيم من بعيد:


«مش خايف... بس أتعلمت .»


ابتسمت ريتال ابتسامة جانبية.


«لسه هوريك.»


ومن داخل مكتبه، توقف رحيم للحظة.


ثم تمتم لنفسه:


«وده اللي أنا خايف منه أصلًا.»


مرّ أسبوع كامل، وريتال لم تتوقف عن محاولاتها لإخراج رحيم عن هدوئه.


مرة تخفي مفاتيحه في مكان لا يخطر على باله، ومرة تبدل ترتيب الأشياء في مكتبه، ومرة تضع له ملحًا زائدًا في الطعام، ومرة تترك صابون على الارض في الحمام، ومرة دبابيس. 


كان هدفها واضحًا.


كانت تريد أن ينفذ صبره.


أن يكره وجودها.


أن يقول في لحظة غضب: «خلاص، روحي.»


لكن رحيم لم يفعل.


كان كلما وقع في أحد مقالبها ينظر إليها لثوانٍ ثم يقول بهدوء: «خلصتي؟»


فتجيبه: «لسه.»


فيقول: «تمام.»


وكان هذا أكثر شيء يستفزها.


أسبوعان كاملان منذ اللحظة التي اختفت فيها ريتال عن أهلها.


وفي مساء اليوم الرابع عشر، كانت جالسة وحدها في غرفتها، تحدق في الظلام من أمام النافذة.


قالت لنفسها: «لازم أكلم آدم.»


كانت قد فقدت تقريبًا كل أمل في إيجاد طريقة، لكنها تذكرت إحدى الخادمات التي كانت تتعامل معها بلطف منذ وصولها إلى المكان.


كانت فتاة هادئة، تحضر لها الطعام وتسألها دائمًا إن كانت تحتاج شيئًا.


انتظرت ريتال حتى تأكدت أن لا أحد قريب، ثم خرجت من غرفتها ونادتها بهدوء.


«ممكن دقيقة؟»


اقتربت الخادمة.


«نعم يا ريتال.»


قالت ريتال بصوت منخفض: «محتاجه منك خدمة... بس محدش يعرف.»


نظرت الخادمة حولها.


«إيه هي؟»


«ممكن تديني تليفونك؟»


ترددت الفتاة.


«ليه؟»


أمسكت ريتال يدها وقالت برجاء: «عايزة أكلم شخص واحد بس. دقيقة واحدة، وبعدها هديكي التليفون.»


رأت الخادمة الدموع في عينيها، فأخرجت هاتفها وأعطته لها.


أمسكته ريتال بسرعة.


كانت تحفظ رقم آدم.


ضغطت عليه.


رن الهاتف.


مرة...


مرتين...


ثم جاء صوته.


«ألو؟»


ارتجفت شفتاها.


«آدم...»


ساد الصمت في الطرف الآخر.


ثم جاء صوته متوترًا: «ريتال؟!»


أغمضت عينيها، وانهمرت دموعها.


«أنا ريتال.»


«إنتِ فين؟ أنا بدور عليكي من أسبوعين!»


بدأت تحكي.


حكت له كل شيء.


من لحظة اختطافها، إلى المكان الذي احتجزت فيه، إلى الأيام الثلاثة التي قضتها دون طعام، إلى الطبيب، وإلى رحيم ومحاولاته إجبارها على الزواج منه.


وكان آدم يستمع إليها دون أن يقاطعها.


وفي النهاية قال بصوت حاسم:


«متخافيش. أنا هطلعك من هناك.»


«إمتى؟»


«أسرع وقت ممكن.»


«وعد؟»


«وعد.»


أنهت المكالمة، وأعادت الهاتف للخادمة، ثم احتضنتها سريعًا وهي تقول: «شكرًا.»


عادت إلى غرفتها.


ولأول مرة منذ أسبوعين، نامت وهي تشعر أن هناك أملًا.


في صباح اليوم التالي، استيقظت ريتال على أصوات غير معتادة في الطابق السفلي.


خرجت من غرفتها، ونزلت الدرج بسرعة.


ثم توقفت فجأة.


كان آدم واقفًا في الصالة.


اتسعت عيناها.


«آدم!»


ركضت نحوه، وما إن وصلت إليه حتى ألقت نفسها في حضنه.


«كنت عارفة إنك هتيجي!»


لكن بعد لحظات...


شعرت بيديه تدفعانها بعيدًا.


تراجعت ريتال خطوة، ونظرت إليه بدهشة.


«آدم؟»


كان وجهه باردًا بصورة لم ترها منه من قبل.


قالت بصوت مرتجف: «خدني معاك.»


لم يتحرك.


«آدم، بالله عليك... خدني من هنا.»


ظل صامتًا.


«رحيم خطفني! أنا بقالي أسبوعين هنا!»


نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء قاسٍ:


«مفيش حد بيخطف زوجته.»


تجمدت ريتال في مكانها.


شعرت وكأن الأرض اختفت من تحت قدميها.


«زوجته؟»


رفع آدم عينيه إليها.


«أيوه.»


همست:«ازاي أنا متوافقتش ؟ انت بتكذب صح؟.» 


آدم ببرود:«ومين قال إن محتاجين موافقتك؟ ولا يا ريتال أنا مش بكذب دي الحقيقة إنتي فعلاً زوجة رحيم » 


ريتال بصدمة:« ازاي؟؟». 


يتبع...


              الفصل التاسع عشر من هنا 

        لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة