رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل التاسع عشر 19 بقلم اية محمود

رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل التاسع عشر 19 بقلم اية محمود


تجمدت ريتال في مكانها.

لم تستوعب الجملة التي خرجت من فم آدم، وكأن عقلها رفض أن يسمح لها بالدخول إليه.

حدقت فيه لثوانٍ طويلة، وعيناها اتسعتا بدهشة ممزوجة بالخوف.


— «زوجته؟»


قالتها بصوت خافت، وكأنها تسأل نفسها قبل أن تسأله.


آدم لم يرد.


اقتربت منه خطوة، ثم قالت بسرعة أكبر:


— «إنت قلت إيه؟»


نظر إليها ببرود لم تعهده منه من قبل، وقال:


— «قلت إن رحيم جوزك.»


ضحكت ريتال ضحكة قصيرة مرتبكة، وهزت رأسها بالنفي.


— «لا... لا، إنت أكيد بتهزر. رحيم خطفني يا آدم! أنا بقالى أسبوعين محبوسة هنا! أنا كلمتك إمبارح عشان تنقذني... إنت وعدتني إنك هتيجي تاخدني!»


ظل آدم صامتًا، فاندفعت نحوه، وأمسكت بذراعه.


— «خدني معاك.»


سحب ذراعه منها بهدوء، وقال:


— «مش هينفع.»


— «ليه؟!»


— «لأنك مرات رحيم.»


شعرت ريتال وكأن الأرض اختفت من تحت قدميها.


تراجعت خطوة.


ثم أخرى.


وبصوت مبحوح قالت:


— «ازاي يعني وانا موقعتش على حاجة؟...»


رفع آدم عينيه إليها.


— «بالتوكيل اللي معايا .»


شهقت ريتال.


فجأة تذكرت.


قبل فترة، كانت قد أعطت آدم توكيلًا رسميًا.


كانت تثق فيه.


ثقة عمياء.


قال لها وقتها إن الموضوع مجرد إجراءات قانونية، وإنه سيساعدها في نقل اسمها من عائلة مصطفى إلى عائلة الملوكي، وإن هناك أوراقًا تحتاج إلى توقيع وتوكيل حتى ينتهي الأمر دون تعطيل.


لم تسأله كثيرًا لماذا كانت ستسأله؟


إنه آدم.


الشخص الذي ظنت أنه لن يغدر بها مهما حدث، الشخص الذي لجأت إليه عندما خافت.


الشخص الذي وثقت به أكثر من أي شخص آخر لكنها الآن فهمت.أو ظنت أنها فهمت.


رفعت عينيها إليه والدموع بدأت تتجمع فيهما.


— «إنت... استخدمت التوكيل؟»


قال آدم بلا اهتمام:


— «أيوه.»


— «في إيه؟»


— «في جوازك من رحيم.»


ساد الصمت.


صمت ثقيل حتى إن صوت أنفاسها أصبح واضحًا وضعت ريتال يدها على فمها، وكأنها تحاول منع نفسها من الانهيار.


— «بس أنا... أنا ما وافقتش.»


رد آدم ببرود:


— «التوكيل كان بيسمح بده.»


رفعت رأسها فجأة.


— «إنت عارف أنا كنت عاملة التوكيل ليه!»


لم يجب.


اقتربت منه وهي تبكي.


— «أنا وثقت فيك يا آدم! أنا اديتك التوكيل عشان تنقل اسمي من عيلة مصطفى لعيلة الملوكي! عشان أثق فيك وأنت تخلصلي الإجراءات! مش عشان تجوزني لرحيم!»


ظل وجه آدم جامدًا.


فصرخت:


— «رحيم عدوّي! إنت عارف ده! عارف هو عمل فيا إيه! عارف إني بخاف منه!»


قال بهدوء بارد:


— «يمكن إنتِ دلوقتي بتقولي الكلام ده عشان ترجعي.»


توقفت ريتال عن الكلام.


نظرت إليه وكأنها لم تتعرف عليه.


— «إنت... مش مصدقني؟»


— «أنا شايف قدامي أوراق رسمية.»


— «واللي قدامك أنا!»


صمت.


— «أنا ريتال! صاحبتك... أختك اللي كنت بثق فيك! إنت حتى مش شايفني؟»


لم يتحرك آدم.


ابتلعت دموعها بصعوبة.


— «أنا كلمتك إمبارح من تليفون الخدامة... قلتلك إن رحيم خاطفني.»


— «وعشان كده جيت.»


ظهر بصيص أمل في عينيها.


— «يعني هتاخدني؟»


قال ببرود:


— «لو اتأكدت إنك بتقولي الحقيقة.»


اقتربت منه بسرعة.


— «أنا بقول الحقيقة!»


— «إثبتي.»


— «إثبتها إزاي؟»


نظر إليها لحظات، ثم قال:


— «هتروحي لدكتورة.»


تجمدت.


— «دكتورة؟»


— «أيوه.»


— «ليه؟»


— «عشان تكشف عليكِ.»


اتسعت عيناها.


— «تكشف عليّ ليه؟»


— «عشان أعرف إن اللي حصل ده اختطاف فعلًا، وإن رحيم أجبرك، مش إنك كنتِ معاه بمزاجك وبعدين غيرتي رأيك.»


شعرت ريتال بالإهانة.


— «إنت بتشك فيا؟»


— «أنا مش هصدق كلام من غير دليل.»


— «والكشف هو الدليل؟»


— «بالنسبة لي... أيوه.»


هزت رأسها بعنف.


— «لا.»


— «يبقى مش هقدر أعمل حاجة.»


اقتربت منه وهي تحاول السيطرة على صوتها.


— «آدم، أنا مش هروح لدكتورة عشان أثبتلك إني اتأذيت أو عشان أثبتلك حاجة عن جسمي! أنا مش مطالبة أقدم لك دليل بالشكل ده!»


— «يبقى هتفضلي هنا.»


— «هتسيبني؟»


— «أيوه.»


نظرت إليه غير مصدقة.


— «بعد كل اللي حصل؟»


— «أنا عرضت عليكِ حل.»


— «ده مش حل!»


— «ده الحل الوحيد اللي عندي.»


أمسكت بذراعه مرة أخرى، لكن هذه المرة كان صوتها منكسرًا تمامًا.


— «آدم... بالله عليك خدني معاك.»


لم ينظر إلى يدها.


— «سيبيني.»


— «أنا خايفة.»


توقفت الكلمة بينهما.


خرجت منها ضعيفة، صادقة، بلا عناد.


— «أنا خايفة يا آدم.»


ولأول مرة ارتعشت نبرتها.


— «أنا مش عايزة أفضل هنا... أنا عايزة أرجع البيت. عايزة أمي. عايزة سليم. عايزة أرجع لحياتي.»


لكن آدم ظل كما هو.


لا تعاطف.


لا تردد.


فقط ذلك البرود الغريب.


قال:


— «لو غيرتي رأيك، ابعتيلي.»


ثم استدار.


— «آدم!»


لم يتوقف.


— «آدم استنى!»


تابع طريقه.


ركضت خلفه حتى وصلت إلى باب القصر.


— «آدم! أنا ريتال! إنت عارفني! إنت عارف إني مستحيل أعمل حاجة زي دي بإرادتي!»


توقف للحظة.


ظنت أنه سيعود... ظنت أنه أخيرًا صدقها.


لكنه لم يلتفت حتى.


قال فقط:


— «لما تكوني مستعدة تثبتي كلامك... كلميني.»


ثم خرج.


وأُغلق الباب.


وقفت ريتال أمامه.


صامتة.


مذهولة.


لم تعد تعرف أي شيء.


لا تعرف كيف تحول التوكيل الذي أعطته بثقة إلى قيد حول رقبتها.


ولا كيف أصبح الشخص الذي وثقت به هو أول شخص يشك فيها.


ولا كيف يمكن لأحد أن يأخذ توقيعًا أعطته من أجل تغيير اسمها... ويستخدمه ليغير حياتها بالكامل.


نزلت دمعة وحيدة على خدها.


ثم جلست على الأرض أمام الباب.


وضمت ركبتيها إلى صدرها.


وهمست بصوت متقطع:


— «ليه عملت فيا كده؟ليه بعتني ليه؟.»


ومن أعلى الدرج، كان رحيم واقفًا.


لم يتكلم.


فقط كان ينظر إليها.


ولأول مرة منذ اختطافها، لم يكن في عيني ريتال غضب تجاهه وحده.


كان هناك شيء آخر.


خذلان.


وألم.


وشعور مرعب بأنها لم تعد تعرف مَن العدو الحقيقي.


رفعت رأسها ببطء نحو رحيم.


تلاقت أعينهما.


قالت بصوت ضعيف:


— «إنت كنت عارف... صح؟»


ظل رحيم صامتًا.


— «كنت عارف إن آدم هيعمل كده.»


لم يجب.


فهمت من صمته كل شيء.


نهضت ببطء، ومسحت دموعها بيد مرتجفة.


ثم قالت:


— «يبقى كل اللي حصل ده... كان مترتب من قبل ما أعمل التوكيل.»


ظل رحيم ينظر إليها.


وهنا فقط، شعرت ريتال أن الأسبوعين الماضيين لم يكونا بداية مصيبتها...


بل كانا مجرد جزء من خطة بدأت قبل ذلك بكثير.


ساد الصمت.


ثم بدأت أنفاسها تتسارع.


وضعت يدها على صدرها، وحاولت أن تأخذ نفسًا عميقًا، لكن صدرها كان يضيق أكثر فأكثر.


— «أنا وثقت فيه...»خرجت الكلمة هامسة.


خطت خطوة إلى الخلف، ثم أخرى، لكن قدميها لم تعودا تحملانهاوفجأة، اسودت الدنيا أمام عينيها سقط جسدها على الأرض ومن أعلى الدرج، رأى رحيم ما حدث... للحظة لم يتحرك.


ثم تغير وجهه تمامًا.


— «ريتال!»


نزل الدرج بسرعة غير معهودة، ووصل إليها في ثوانٍ... انحنى بجوارها، وربت على وجهها بخفة.


— «ريتال... ريتال افتحي عينيك.»


لا استجابة.


لأول مرة، شعر رحيم بالخوف الحقيقي ليس خوفًا من أن تهرب... ولا خوفًا من أن تكرهه... بل خوفًا من أن يخسرها فعلًا حملها بسرعة بين ذراعيه، وصعد بها إلى غرفتها وضعها على السرير، وأحضر كوب ماء، ثم جلس بجوارها.


— «ريتال... اسمعيني.»


ظل يحاول إفاقتها، حتى تحركت أصابعها قليلًا.


تنفس رحيم براحة.


وبعد دقائق، فتحت عينيها ببطء.


كانت نظرتها شاردة.


— «أنا فين؟»


— «في أوضتك.»


حاولت النهوض، لكنه أشار لها أن تستريح.


— «متتحركيش.»


نظرت إليه.


لم تجد في وجهه هذه المرة ذلك التحدي المعتاد.


كان هادئًا.


قلقًا.


قال بصوت منخفض:


— «إنتِ أغمي عليكِ.»


أغمضت عينيها مرة أخرى.


— «سيبني يا رحيم.»


سكت قليلًا.


ثم قال:


— «حاضر.»


نهض من مكانه، لكنه قبل أن يخرج توقف.


— «أنا مش هضغط عليكِ النهارده.»


نظرت إليه دون كلام.


خرج وأغلق الباب بهدوء وفي تلك الليلة، تركها تنام دون أن يزعجها.


أما هو، فلم ينم تقريبًا.


ظل يفكر في اللحظة التي وجدها فيها على الأرض ولأول مرة، اعترف لنفسه بشيء كان يهرب منه طويلًا...


فكرة أن تختفي ريتال من حياته أصبحت تخيفه.


وفي الصباح، كان لديه قرار لن يتركها تغرق أكثر في الحزن لكن بطريقته الخاصة، لم يعرف كيف يفعل ذلك إلا بالاستفزاز.


فتح باب غرفتها في الصباح وقال:


— «قومي.»


فتحت ريتال عينيها بضيق.


— «عايزة أنام.»


— «لا.»


— «نعم.»


— «قومي.»


غطت وجهها بالوسادة.


— «اطلع بره.»


قال بمنتهى الهدوء:


— «قدامك عشر دقايق تجهزي.»


نزعت الوسادة عن وجهها ونظرت إليه باستغراب.


— «أجهز ليه؟»


— «هتعرفي لما ننزل.»


— «أنا مش خارجة.»


— «مين قال إن عندك اختيار؟»


حدقت فيه بضيق.


— «رحيم!»


ابتسم ابتسامة صغيرة.


— «عشر دقايق.»


وبالفعل، بعد فترة قصيرة، نزلت ريتال وهي متضايقة، لتجده ينتظرها لم يخبرها إلى أين سيذهبان.


ركبت السيارة وهي عابسة طوال الطريق.


— «هنروح فين؟»


— «مفاجأة.»


— «أنا مش بحب المفاجآت.»


— «واضح.»


وبعد وقت، توقفت السيارة.


نزلت ريتال، ثم رفعت عينيها.


تجمدت.


أمامها كانت الملاهي.


نظرت إلى رحيم بدهشة.


— «إحنا هنا ليه؟»


— «عشان تلعبي.»


— «أنا؟ ألعب؟»


— «أيوه.»


— «لا.»


ابتسم.


— «كنت عارف.»


دخل الاثنان.


كانت أصوات الألعاب تملأ المكان، والأطفال يركضون، والأضواء تلمع في كل اتجاه.


لكن ريتال ظلت تسير بجواره بوجه جامد.


أشار إلى إحدى الألعاب.


— «دي؟»


— «لا.»


— «دي؟»


— «لا.»


— «ودي؟»


— «رحيم، قولتلك لا.»


وقف أمامها.


— «خايفة؟»


رفعت حاجبها.


— «أنا؟ أخاف؟»


— «أمال ليه رافضة؟»


— «مش عايزة.»


— «يعني خايفة.»


— «لا.»


— «أيوه.»


— «لا.»


— «أيوه.»


نظرت إليه بضيق.


— «إنت مستفز.»


ضحك.


— «أهو أخيرًا اتكلمتي.»


سكتت.


ثم نظرت إلى لعبة بيت الرعب.


قال رحيم:


— «مستحيل تركبيها.»


نظرت إليه.


— «ليه؟»


— «عشان إنتِ جبانة.»


اتسعت عيناها.


— «أنا جبانة؟»


— «آه.»


— «أنا؟»


— «إنتِ.»


تقدمت نحوه.


— «طيب يلا.»


رفع حاجبه.


— «يلا فين؟»


أشارت إلى بيت الرعب.


— «هناك.»


ابتسم.


— «كنت مستني الجملة دي.»


دخل الاثنان.


وفي البداية حاولت ريتال أن تبدو ثابتة، لكن عندما ظهرت أول مفاجأة، قفزت للخلف دون إرادة منها.


نظر إليها رحيم وضحك.


— «إيه ده؟»


— «اسكت!»


ظهرت مفاجأة أخرى.


تشبثت بذراعه للحظة، ثم تركته بسرعة.


— «أنا مكنتش خايفة!»


— «طبعًا.»


— «أصل المكان ضلمة.»


— «أكيد.»


خرج الاثنان، وكانت ريتال تحاول استعادة هيبتها.


فقال رحيم:


— «المرجيحة الطائرة.»


— «لا.»


— «خايفة؟»


نظرت إليه.


ثم قالت بتحدٍ:


— «هات التذاكر.»


وبعد دقائق، كان الاثنان يجلسان في اللعبة.


وما إن ارتفعت حتى صرخت ريتال.


لكن بعد ثوانٍ تحول صراخها إلى ضحكة.


ضحكت من قلبها... ضحكة حقيقية... ضحكة غابت عنها منذ وقت طويل.


نظر إليها رحيم للحظات، ولم يقل شيئًا.


كان فقط يسمع صوت ضحكتها وعندما نزلت اللعبة، قالت وهي تلتقط أنفاسها:


— «دي كانت حلوة.»


ابتسم.


— «يعني نعيدها؟»


— «طبعًا لا.»


— «جبانة.»


— «رحيم!»


وانطلقا بين الألعاب.


ركبا سيارات التصادم، وضحكت ريتال وهي تصطدم بسيارته عمدًا... ثم لعبة أخرى، وأخرى.


وفي كل مرة كان يقول لها:


— «خايفة؟»


فترد:


— «أركب.»


حتى إنها بدأت هي التي تختار الألعاب.


وبعد ساعات، كانت تجلس على أحد المقاعد وهي تضحك، و وجهها تداعبه  نسمات الهواء، وفي يدها كوب من العصير.


كانت قد نسيت للحظات كل شيء.


نسيت آدم... نسيت التوكيل... نسيت القصر... نسيت الأيام التي قضتها وهي تشعر بأنها محاصرة... نسيت الخوف.


نسيت الحزن... ولم يبقَ في رأسها سوى يوم عادي...يوم فتاة في الملاهي تضحك وتتحدى شخصًا مستفزًا يجلس بجوارها.. نظر رحيم إليها.


كانت تضحك دون أن تنتبه أنه ينظر إليها.


فقال بهدوء:


— «أهو ده اللي كنت عايز أشوفه.»


توقفت عن الضحك للحظة.


نظرت إليه.


— «إيه؟»


قال:


— «ضحكتك.»


سكتت.


ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.


ولأول مرة منذ وقت طويل...لم تشعر ريتال أن العالم كله عدوها... كانت تعرف أن مشاكلها لم تنتهِ.


وأن الحقيقة ما زالت مخبأة خلف أبواب كثيرة... لكن هذا اليوم...


كان مختلفًا... لأنها ضحكت ضحكة حقيقية.


ومن بعيد، كانت الشمس تميل للغروب، بينما ظلا يسيران بين أضواء الملاهي، دون أن يدرك أي منهما أن هذا اليوم البسيط سيترك أثرًا أكبر مما يتخيلان.


٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪٪




كانت الساعة قد تجاوزت المساء بقليل عندما خرجت ريتال ورحيم من بوابة الملاهي.


وقفت ريتال للحظات أمام السيارة، ثم نظرت إلى الشارع الممتد أمامها.


كان الجو لطيفًا، والهواء يحمل شيئًا من البرودة، والناس تتحرك في كل اتجاه.


فتح رحيم باب السيارة وقال:


— «يلا.»


لكن ريتال لم تتحرك.


— «هنرجع بالعربية؟»


— «أيوه.»


نظرت إلى الطريق مرة أخرى، ثم قالت فجأة:


— «أنا عايزة أرجع مشي.»


رفع رحيم حاجبه.


— «مشي؟»


— «أيوه.»


— «المسافة طويلة.»


— «مش مشكلة.»


ظل ينظر إليها للحظات، ثم أغلق باب السيارة.


— «ماشي.»


ابتسمت ريتال ابتسامة صغيرة.


— «بجد؟»


— «آه، بجد.»


وبدآ السير جنبًا إلى جنب لم يكن هناك حديث كثير في البداية.


فقط خطواتهما فوق الرصيف، وأصوات السيارات من حولهما، وضحكات الناس في الشوارع.


كانت ريتال تنظر حولها بين الحين والآخر، وكأنها تستمتع بشيء بسيط جدًا افتقدته منذ فترة.


حرية المشي.


أن تسير دون أن تشعر أن أحدًا يراقبها كل ثانية.


وبعد فترة، توقفت أمام مطعم صغير.


كان مطعمًا بسيطًا للغاية، طاولاته متواضعة، والجو فيه هادئ.


قالت:


— «عايزة آكل هنا.»


نظر رحيم إلى المطعم.


— «هنا؟»


— «أيوه.»


— «مش عايزة مكان أحسن؟»


هزت رأسها.


— «أنا بحب الأماكن البسيطة.»


دخل معها دون اعتراض.


جلسا على طاولة صغيرة، وبدأت ريتال تختار الطعام.


وبعد دقائق، قال رحيم:


— «إنتِ طلبتي كتير.»


ابتسمت.


— «من حقي، أنا لعبت كتير النهارده.»


— «وأنا؟»


— «إنت اللي استفزيتني.»


ضحك للمرة الأولى بصوت واضح.


— «ماشي.»


وبدأ الاثنان يأكلان.


كانت ريتال تتحدث عن الألعاب التي ركبتها، وتضحك وهي تتذكر لحظات خوفها داخل بيت الرعب.


وفي وسط الكلام، توقفت فجأة.


نظرت إلى رحيم.


لم يكن أمامها ذلك الرجل الذي اعتادت أن تراه في القصر.


لم يكن الرجل البارد الذي يأمرها ويغلق عليها الأبواب.


كان جالسًا أمامها ببساطة، يأكل ويتحدث معها وكأنه شخص عادي.


ولأول مرة...


شعرت بشيء غريب.


الأمان.


لم يكن كاملًا.


ولم يكن ثقة مطلقة.


لكنها لم تعد تشعر أنه عدوها في هذه اللحظة.


خفضت عينيها إلى طبقها.


ورحيم لاحظ شرودها.


— «مالك؟»


هزت رأسها.


— «مفيش.»


— «سرحتي.»


— «كنت بفكر بس.»


— «في إيه؟»


نظرت إليه قليلًا.


ثم قالت:


— «إنك النهارده مختلف.»


سكت.


ثم سألها:


— «وحش؟»


هزت رأسها.


— «لا.»


وأكملت أكلها.


بعد أن انتهيا، خرجا من المطعم وعادا للمشي.


كانت ريتال أكثر هدوءًا.


وبينما كانا يسيران، لفت انتباهها محل صغير يعرض إكسسوارات للفتيات.


توقفت دون أن تشعر.


كانت هناك مجموعة من علب الإكسسوارات الجميلة في الواجهة.


نظرت إليها طويلًا.


ثم نظرت إلى رحيم.


فتحت فمها وكأنها ستقول شيئًا...


ثم سكتت.


لم تكن تعرف كيف تطلب منه شيئًا.


كانت لا تزال تتذكر أنه رحيم.


الرجل الذي خطفها.


الرجل الذي أجبر حياتها على اتجاه لم تختره.


ولذلك لم تكن تعرف كيف ستكون ردة فعله.


فتراجعت خطوة.


لكن رحيم كان قد لاحظ نظراتها.


قال:


— «عايزة حاجة؟»


— «لا.»


— «متأكدة؟»


— «آه.»


لم يضغط عليها.


فقط نظر إلى المكان، ثم فهم.


دخل المحل دون أن يقول شيئًا.


وقفت ريتال في الخارج مستغربة.


وبعد دقائق، خرج رحيم وفي يده علبة صغيرة.


مدها إليها.


— «خدي.»


نظرت إليه بدهشة.


— «دي إيه؟»


— «مش كنتِ بتبصي عليها؟»


فتحت العلبة.


كانت تحتوي على الإكسسوار الذي ظلت تنظر إليه منذ قليل.


اتسعت ابتسامتها دون أن تشعر.


— «إنت... جبتهولي؟»


— «أيوه.»


— «بس أنا ما طلبتش.»


— «عارف.»


أخذتها منه بحماس واضح.


— «شكرًا.»


ابتسم.


— «العفو.»


ظلت تنظر إليها بسعادة طفولية، ثم قالت:


— «حلوة أوي.»


وبعد خطوات قليلة، ظهرت عربة ذرة مشوية.


توقفت ريتال مرة أخرى.


نظر إليها رحيم.


— «ذرة؟»


ابتسمت.


— «آه.»


اشترى لهما اثنتين.


ثم تابعا السير، وبعدها توقفت ريتال أمام بائع حمص الشام.


قال رحيم:


— «لسه؟»


ضحكت.


— «آه لسه.»


— «إنتِ عندك معدة انسان عادي ولا معدة ايه بالظبط؟»


— «أنا طول اليوم بلعب.»


اشترى لها كوبًا.


ومع كل شيء بسيط كانت تطلبه، كانت ريتال تشعر أن الحاجز بينهما ينخفض قليلًا.


ليس لأنها نسيت ما فعله.


بل لأنها بدأت ترى جانبًا آخر منه.


جانبًا لم تكن تعرف أنه موجود.


وبعد فترة، هدأت خطواتها.


ثم قالت فجأة:


— «رحيم.»


— «نعم؟»


— «عايزة أروح البحر.»


توقف ونظر إليها.


— «دلوقتي؟»


— «آه.»


— «إنتِ لسه هتمشي؟»


— «مش لازم نمشي.»


ابتسم.


— «ماشي.»


عادا إلى السيارة.


وبعد وقت قصير، وصلا إلى البحر.


نزلت ريتال من السيارة، وما إن رأت المياه الممتدة أمامها حتى وقفت ساكنة كان البحر هادئًا، والليل قد غطى المكان، وأضواء الكورنيش تنعكس على سطح الماء اقتربت من السور وجلست أمام البحر.


جلس رحيم على مسافة منها.


لم يتكلم.


ولم تحاول هي أيضًا أن تتحدث.


فقط ظلت تنظر إلى الأمواج.


ثم قالت بهدوء:


— «أنا بحب البحر.»


— «واضح.»


— «بحس إنه بياخد كل حاجة جواه.»


نظر إليها.


— «زي إيه؟»


— «الخوف... الزعل... الكلام اللي مش بنعرف نقوله.»


سكت رحيم.


ثم قال:


— «ممكن.»


نظرت إليه.


ولم تعرف لماذا، لكنها شعرت هذه المرة أنها تستطيع الجلوس بجواره دون أن تخاف كانت لا تزال ريتال التي تريد العودة إلى بيتها ولا تزال تعرف أن بينهما حسابات لم تنتهِ لكن في تلك الليلة...


لأول مرة منذ اختطافها، لم ترَ أمامها عدوًا رأت إنسانًا يجلس بجوارها أمام البحر وهذا وحده كان تغييرًا كبيرًا.




مر وقت طويل وهما جالسين أمام البحر.




لم يكن هناك الكثير من الكلام، لكن الصمت بينهما لم يعد ثقيلًا كما كان في السابق.كانت ريتال تراقب الأمواج، 


وتتنفس بعمق كلما جاءت موجة وارتطمت بالشاطئ ولأول مرة منذ أسابيع، شعرت أن صدرها أصبح أخف.


نظر رحيم إلى الساعة، ثم قال:


— «يلا نرجع.»


رفعت ريتال عينيها إليه.


— «ماشي.»


نهض الاثنان، واتجها ناحية السيارة.


لكن قبل أن يفتح رحيم الباب، قالت:


— «استنى.»


التفت إليها.


— «إيه؟»


— «أنا عايزة أرجع مشي.»


نظر إليها للحظات.


— «ريتال، إحنا مشينا كتير النهارده.»


— «عارفة.»


— «إنتِ تعبانة.»


— «مش تعبانة.»


— «المسافة طويلة.»


— «مش فارقة.»


تنهد رحيم.


— «هنرجع بالعربية.»


هزت رأسها بإصرار.


— «لا.»


— «ريتال.»


— «قلتلك عايزة أمشي.»


— «وليه؟»


نظرت إلى الطريق أمامها وقالت بهدوء:


— «عشان وحشني أمشي كده.»


— «كده إزاي؟»


— «من غير ما أكون مستعجلة... من غير ما أكون محبوسة... من غير ما حد يقولي أعمل إيه وأروح فين.»


صمت رحيم.


ثم قال:


— «يعني هنعمل مشكلة عشان المشي؟»


— «أيوه.»


— «مش هنمشي.»


— «هنمشي.»


— «لا.»


— «آه.»


استمر الجدال بينهما دقائق طويلة، وكلما حاول رحيم إنهاء النقاش، كانت ريتال تبدأ من جديد.


وفي النهاية رفع يديه باستسلام.


— «خلاص! نمشي.»


ابتسمت بانتصار.


— «كنت عارفة إنك هتوافق.»


— «متفرحيش أوي، أنا وافقت عشان أسكتك.»


ضحكت.


وبدآ السير.


كانت ريتال تمشي بخطوات هادئة، تنظر إلى المحلات والناس والسيارات.


كانت تستمتع بكل شيء.


حتى الأشياء العادية بدت لها جميلة.


لكن بعد مسافة، حدث شيء لم يكن في حساب أي منهما.


ظهر شابان من أحد الشوارع الجانبية، واقترب أحدهما من ريتال بسرعة، وخطف حقيبتها من يدها.


— «إلحقني!»


صرخت ريتال.


لكن رحيم لم يحتج حتى إلى التفكير.


التفت في اللحظة نفسها، وانطلق خلفهما.


— «اثبتي مكانك!»


ركض اللصان بأقصى سرعة وركض رحيم خلفهما.


كانت خطواته ثابتة وسريعة، وكأنه اعتاد المطاردات.


لم يكن غريبًا أن تكون ردة فعله بهذه السرعة.


فهو ضابط شرطة مدرب، ويعرف كيف يلاحق شخصًا، وكيف يتعامل مع المواقف الخطرة دون أن يفقد تركيزه.


حاول أحد اللصين أن يغير اتجاهه، لكن رحيم توقع حركته زاد سرعته، حتى أصبح خلفه مباشرة.


أمسكه من ذراعه وأسقطه أرضًا بحركة سريعة، بينما حاول الآخر الهرب.


نهض رحيم وطارده بعد لحظات أخرى، تمكن من الإمساك به.


بدأت المواجهة.


كان رحيم يتحرك بمهارة واضحة، يتجنب الضربات ويوقف هجومهما بحركات مدروسه أما ريتال، فكانت واقفة على بعد أمتار تراقبه في البداية كانت خائفة ثم بدأت تشعر بالدهشة لم ترَ رحيم بهذا الشكل من قبل.


لكن فجأة، حدث شيء جعلها تنسى خوفها، أحد اللصين تمكن من الوقوف واندفع ناحية رحيم من الخلف.


صرخت:


— «رحيم!»


اندفعت نحوه دون تفكير لم تتوقف لتسأل نفسها لماذا لم تفكر في أنها كانت تخاف منه ولم تتذكر أنه الرجل الذي خطفها كل ما رأته هو شخص أمامها في خطر وصلت في اللحظة المناسبة، وأبعدت اللص عن رحيم بحركة سريعة.


التفت رحيم إليها بصدمة.


— «ريتال؟!»


لم تجبه.


دخلت معه في المواجهة.


وكانت المفاجأة هذه المرة من نصيب رحيم، ريتال لم تكن فتاة عاجزة كما تخيل.


كانت تعرف كيف تتحرك كيف تحافظ على توازنها وكيف تستخدم قوتها بطريقة صحيحة.


فهي منذ طفولتها كانت تذهب إلى الجيم باستمرار، وبعد انتقالها إلى عائلة الملوكي أصبحت تدريباتها أكثر انتظامًا وقوة، خصوصًا في الفترة الأخيرة.


لذلك لم تكن حركاتها عشوائية كانت سريعة، حازمة، ومدروسة.


قال رحيم وهو يصد إحدى الضربات:


— «إنتِ بتعرفي تضربي؟!»


ردت وهي تحاول إبعاد أحدهما:


— «واضح!»


— «ومن إمتى؟!»


— «مش وقته يا رحيم!»


ابتسم رغم الموقف.


وفي دقائق قليلة، تمكن الاثنان من السيطرة على اللصين.


وصل بعض رجال الشرطة الذين كانوا قريبين من المكان بعد أن انتبهوا للفوضى، وتم التعامل مع الموقف والقبض على اللصين.


أخذ رحيم حقيبة ريتال وأعطاها لها.


— «اتفضلي.»


أمسكتها وهي ما زالت تلهث.


— «شكرًا.»


ثم نظرت إليه.


كانت هناك خدوش بسيطة على ملابسه، لكنه بدا بخير.


فجأة شعرت بشيء غريب، تذكرت اللحظة التي ركضت فيها نحوه.


لم تكن مضطرة.كان بإمكانها أن تظل مكانها.كان بإمكانها أن تخاف.لكنها لم تفعل.هي جرت إليه.هي التي وقفت بجانبه.


هي التي خافت عليه.خفضت عينيها في ارتباك.


لاحظ رحيم ذلك.


قال بابتسامة خفيفة:


— «إنتِ كنتِ خايفة عليا؟»


رفعت رأسها بسرعة.


— «أنا؟ لا طبعًا.»


— «أمال جريتي ليه؟»


— «عشان... عشان أنت كنت هتتأذي.»


— «وده اسمه إيه؟»


— «تصرف طبيعي.»


ضحك.


— «طبيعي جدًا.»


نظرت إليه بضيق.


— «متبصليش كده.»


— «ببصلك إزاي؟»


— «كأنك فاهم حاجة.»


— «يمكن فاهم.»


— «مش فاهم حاجة.»


ضحك مرة أخرى.


ثم بدأ الاثنان السير من جديد.


لكن هذه المرة، كانت ريتال تمشي بجواره أقرب قليلًا.


ولم تنتبه لذلك.


أما رحيم...


فلاحظ.


ولم يقل شيئًا.


لأنه لأول مرة لم يحتج إلى إجبارها على الاقتراب منه.


كانت هي التي اقتربت.


ولو بخطوة صغيرة جدًا.


لكنها كانت خطوة اختارتها بنفسها.


♡♡♡♡♡♡


وصلوا إلى القصر أخيرًا بعد ليلة طويلة، وكانت ريتال تشعر بإرهاق شديد في جسدها، لكنها لم تكن تريد أن تعترف بذلك؛ فقد كانت هناك خفة غريبة في روحها لم تشعر بها منذ وقت طويل، وكأن ساعات الملاهي والمشي والمطعم والبحر استطاعت، ولو مؤقتًا، أن تنتزعها من الحزن الذي ظل جاثمًا فوق صدرها طوال الأسابيع الماضية. توقفت أمام باب القصر لحظات، ثم دخلت بهدوء، وصعدت الدرج دون أن تقول شيئًا، بينما ظل رحيم واقفًا مكانه يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف باب غرفتها.


لم يعرف لماذا ظل واقفًا هناك.


كان يستطيع ببساطة أن يصعد إلى غرفته، يغلق الباب وينام، لكنه لم يفعل. بقي أمام باب غرفتها للحظات طويلة، ينظر إليه بصمت، وكأن وجوده بالقرب منها أصبح شيئًا لا يستطيع تفسيره لنفسه. لقد كان رحيم طوال حياته رجلًا لا يسمح لمشاعره بأن تتحكم فيه، ولم يكن من النوع الذي يلتفت إلى حزن الآخرين أو يغير خططه بسبب دمعة، لكنه وجد نفسه خلال هذا اليوم يفعل أشياء لم يفعلها من قبل؛ ذهب إلى الملاهي فقط لأنها كانت حزينة، تحمل صراخها وضحكاتها، اشترى لها ما كانت تنظر إليه، أخذها إلى البحر، مشى معها ساعات طويلة، وحتى عندما كانت تستفزه لم يشعر بالغضب منها كما اعتاد.


ولأول مرة، لم يرَ ريتال باعتبارها تلك الفتاة العنيدة التي تتحدى كل شيء، والتي استطاعت أن تحول القصر إلى ساحة معركة بمجرد أن قرر أن يحاصرها فيه، بل رأى خلف قوتها شيئًا آخر؛ طفلة صغيرة خائفة، تحاول أن تظهر للعالم أنها لا تنكسر، بينما هي في الحقيقة كانت تحتاج فقط إلى شخص يشعر بها، إلى يد تطمئنها بدل أن تدفعها، وإلى قلب يقول لها إن كل ما تخاف منه سيمر.


تنهد رحيم، ثم ابتعد عن باب غرفتها وصعد إلى غرفته، لكنه لم يستطع النوم. ظل مستلقيًا على فراشه يحدق في السقف، وكلما أغمض عينيه رأى ريتال وهي تضحك داخل الملاهي، ثم رأى وجهها وهي تجلس أمام البحر، ثم تذكر لحظة ركضها نحوه عندما تعرض للخطر، وكيف أنها لم تفكر في نفسها للحظة واحدة. وبعد وقت طويل، نهض من فراشه، ارتدى ملابسه مرة أخرى، ونزل إلى الحديقة وجلس على أحد المقاعد، يريد فقط أن يهدأ عقله.




وفي الجهة الأخرى، لم تكن ريتال أفضل حالًا.




دخلت غرفتها، غيرت ملابسها، ثم أدت فروضها ووردها اليومي كما اعتادت، وجلست على سريرها تحاول النوم، لكنها كلما أغمضت عينيها عادت أحداث اليوم أمامها من جديد. تذكرت كيف كان رحيم يستفزها في الملاهي، وكيف تحدته ودخلت معه بيت الرعب، وكيف ضحكت رغماً عنها عندما ارتفعت بهما اللعبة، وتذكرت المطعم الصغير الذي اختارته بنفسها، ثم الإكسسوار الذي لاحظ رحيم أنها أعجبت به رغم أنها لم تطلبه، والذرة المشوية وحمص الشام، ثم البحر... كل هذه التفاصيل الصغيرة تجمعت داخل رأسها، وجعلتها لأول مرة تتساءل إن كان رحيم فعلًا مجرد العدو الذي كانت تراه أمامها طوال الوقت، أم أن وراء هذا الرجل شيئًا آخر لم تفهمه بعد.




لم تستطع النوم، فنهضت واتجهت إلى الشرفة، وما إن فتحت الباب حتى وصل إلى عينيها ضوء خافت من الحديقة، وهناك رأته جالسًا وحده. ظلت تنظر إليه لثوانٍ، ثم شعرت بفضول غريب يدفعها إلى النزول، ولم تعرف هل كانت تريد الحديث معه، أم أنها فقط أرادت أن تفهم هذا الرجل الذي بدأ يظهر أمامها بصورة مختلفة تمامًا.




نزلت إلى الحديقة وسارت حتى وصلت إليه، ثم جلست بجواره دون أن تقول شيئًا. التفت رحيم إليها للحظة، لكنه لم يسألها لماذا جاءت، وكأنه فهم أنها لا تريد الحديث. ظل الاثنان صامتين، والليل من حولهما هادئ، حتى قطعت ريتال الصمت قائلة بصوت منخفض: «رحيم... ممكن أسألك سؤال؟» 


نظر إليها وقال: «اسألي.»


 ظلت تنظر إلى الأمام وهي تجمع شجاعتها، 


ثم قالت: «ليه خطفتني أول مرة؟ وليه عملت فيا كده؟ أنا عايزة أفهم.» 


ظل رحيم صامتًا للحظات طويلة، ثم قال بهدوء: «هتعرفي بعدين.»


 التفتت إليه بضيق وقالت: «إنت دايمًا بتقول هعرف، إمتى بقى؟»


 فأجابها: «لما ييجي الوقت المناسب.»


 عادت تنظر أمامها، ثم قالت: «وطبعًا مش هتقولي إيه السبب.» 


هز رأسه بالنفي، فقالت بضيق: «تمام.»


وقفت ريتال من مكانها، وقالت: «خلاص، تصبح على خير.»


 ثم استدارت لتعود إلى غرفتها، لكنها قبل أن تبتعد أمسك رحيم بيدها وجذبها نحوه في لحظة اندفاع لم يتوقعها هو نفسه،نظر لها رحيم ونظر ولملامحها عن قرب و بتلقائية سقط نظره على شفتيها، فتفاجأت ريتال وتوقفت تمامًا، وقبل أن تستوعب ما يحدث اقترب منها وقبّلها قبلة خاطفة لكنها عميقة .




اتسعت عيناها من الصدمة، وتجمد جسدها للحظات، ثم ابتعدت عنه بسرعة، ووضعت يدها على شفتيها وهي تنظر إليه بعدم تصديق. لم يكن في عينيها أي استعداد لما حدث، بل كانت الصدمة واضحة عليها، وكأن كل الهدوء الذي شعرت به تجاهه خلال اليوم انهار فجأة أمام هذا التصرف.


الناس اللي كانت عايزة رومانسية اتفضلوا رومانسية في وسط العاصفة 


انا حاولت اهو انا في طبعي مش بكتب رومانسي بس عشان خاطر عيونكم كتبت ولسه اللي جاي افضل 


وحاجة اخيرة الناس اللي كانت معترضة وعايزه ريتال مش تسامح رحيم عايزة اقولكم اصبروا لسه اللي جاي تقيل..


                  الفصل العشرون من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة