
رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل العشرون 20 بقلم اية محمود
لم تستوعب ريتال ما حدث إلا بعد لحظات، كانت واقفة أمام رحيم وعيناها متسعتان من الصدمة، ثم فجأة تحولت الصدمة إلى غضب، فرفعت يدها وصفعته على وجهه بقوة، ولم تنتظر حتى ترى ردة فعله، بل استدارت وركضت بكل ما لديها من قوة نحو الدرج، وقلبها يخبط داخل صدرها بعنف حتى شعرت أن أنفاسها ستتقطع، وصعدت درجات السلم بسرعة، دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بالمفتاح، ثم أسندت ظهرها إليه وهي تضع يدها فوق صدرها وتحاول أن تهدئ دقات قلبها المتسارعة، لكنها لم تستطع؛ كانت تشعر بالخوف والغضب والارتباك في الوقت نفسه، وكلما حاولت أن تفكر في أحداث اليوم الجميل الذي عاشته معه، عادت إليها لحظة الحديقة لتفسد كل شيء.
همست لنفسها وهي تمسح دموعها: «أنا غلطت... غلطت لما بدأت أطمّن له، غلطت لما نسيت هو عمل فيا إيه، وغلطت لما صدقت للحظة إنه ممكن يكون مختلف.»
ثم جلست على طرف السرير، وظلت صامتة لوقت طويل، قبل أن ترفع عينيها فجأة وكأن قرارًا حاسمًا قد وُلد داخلها، وقالت بصوت مرتجف لكنه حازم: «لازم أهرب.»
لم تنم ريتال تلك الليلة، ظلت تنتظر حتى يهدأ القصر تمامًا، ثم بدأت تجهز نفسها في صمت، جمعت بعض أغراضها الضرورية، وارتدت ملابسها، وأخذت حقيبتها، وظلت كل بضع دقائق تقترب من الباب وتستمع إلى الهدوء في الخارج، حتى بدأ ضوء الفجر يتسلل من خلف الستائر، وعندما تأكدت أن الوقت مناسب، خرجت من غرفتها بحذر، وسارت في الممرات وهي تحبس أنفاسها، ثم استطاعت الخروج من القصر دون أن يوقفها أحد، وظلت تسير بسرعة حتى ابتعدت عن المكان، وكل خطوة كانت تخطوها كانت تجعلها تشعر بأنها تقترب من حياتها القديمة، من أمها، من إخوتها، من البيت الذي كانت تظن أن أبوابه ستفتح لها مهما حدث.
وعندما وصلت أخيرًا إلى منزل عائلتها، وقفت أمام الباب للحظات، وبدأت الدموع تنزل من عينيها قبل أن تطرق، كانت تتخيل أمينة وهي تفتح لها الباب، ثم تضمها إلى صدرها وتسألها أين كانت طوال هذه الأيام، وكانت تتخيل سليم وبقية أفراد العائلة وهم يحيطون بها، وكانت قد أقنعت نفسها طوال الطريق بأن كل شيء سينتهي بمجرد أن تعود إلى بيتها، لكن عندما فُتح الباب وظهرت أمينة أمامها، لم تجد ريتال في وجه أمها ما كانت تنتظره.
تجمدت أمينة مكانها، وحدقت في ريتال من رأسها إلى قدميها، وكأنها ترى أمامها شخصًا لا تعرفه، بينما قالت ريتال بصوت منكسر: «ماما...»
لكن أمينة لم تمنحها فرصة لإكمال الكلمة، ورفعت يدها وصفعتها، فتراجعت ريتال من الصدمة، ووضعت يدها على وجهها وهي تنظر إلى أمها بعينين ممتلئتين بالدموع،
وقالت: «إنتِ... ضربتيني؟»
فردت أمينة بصوت قاسٍ لم تسمعه ريتال منها من قبل: «إنتِ لسه جاية تسألي؟ بعد اللي عملتيه؟»
لم تفهم ريتال.
اقتربت منها وهي تبكي: «عملت إيه يا ماما؟ أنا اتخطفت! والله العظيم اتخطفت! رحيم هو اللي أخدني، حبسني، وأنا حاولت أهرب منه أكتر من مرة، وآدم نفسه...» توقفت عندما تذكرت آدم، ثم أكملت بسرعة: «آدم جه عنده، بس ما صدقنيش، أنا والله ما رحت له بإرادتي.»
هزت أمينة رأسها بعنف وقالت: «كفاية كذب يا ريتال.»
تجمدت ريتال.
— «كذب؟»
— «أيوه، كذب. إنتِ فاكرة إننا مش عارفين؟»
— «عارفين إيه؟»
قالت أمينة بمرارة: «إنك روحتي لرحيم بنفسك.»
شعرت ريتال وكأنها تلقت ضربة أقسى من الصفعة.
— «مين قالك الكلام ده؟»
— «اللي عرفناه كلنا.»
— «ماما، والله ده مش حقيقي.»
— «يبقى ليه رحيم جوزك؟»
صمتت ريتال لحظة، ثم قالت وهي تحاول أن تشرح وسط بكائها: «عشان آدم استغل التوكيل اللي أنا عملته له، أنا كنت واثقة فيه، كنت عاملاله التوكيل عشان ينقل اسمي من عيلة مصطفى لعيلة الملوكي، وهو استخدمه وجوزني لرحيم من غير موافقتي!»
لكن أمينة لم تتراجع.
— «والله إنتِ بقيتي بتألفي حكايات عشان تبرري اللي عملتيه.»
صرخت ريتال: «أنا مش بألف!»
خرج بعض أفراد العائلة على صوتها، وما إن رأتهم حتى اندفعت نحوهم وهي تبكي: «صدقوني! أنا محتاجة حد يصدقني بس، أنا والله ما رحت له، هو خطفني، وآدم كان عارف، وكل اللي حصل كان غصب عني.»
لكن الوجوه التي أمامها كانت باردة.
لم تجد في عيونهم تلك الرحمة التي كانت تنتظرها.
قال سليم ببرود : «ريتال، كفاية، ارجعي لرحيم.»
نظرت إليه بعدم تصديق.
— «إنت كمان مش مصدقني؟»
لم يجبها.
التفتت إلى أمينة من جديد، ومدت يدها نحوها: «ماما، أنا بنتك.»
لكن أمينة سحبت يدها منها وقالت بصرامة: «إنتِ من النهارده مش بنتي.»
توقفت أنفاس ريتال.
— «ماما...»
— «أنا اتبرأت منك.»
بدأت ريتال تهز رأسها بعنف، والدموع تنهمر من عينيها.
— «لا... لا، إنتِ مش ممكن تقولي كده.»
لكن أمينة فتحت الباب على مصراعيه وأشارت إلى الخارج.
— «اطلعي برة.»
— «ماما، بالله عليكِ...»
— «اطلعي!»
وقفت ريتال أمام الباب عاجزة عن الحركة، ثم نظرت إلى أمينة نظرة طويلة، وكأنها تحاول أن تبحث في وجهها عن أمها التي تعرفها، عن المرأة التي كانت تحتضنها عندما تبكي، عن الصوت الذي كان يطمئنها كلما خافت، لكنها لم تجد إلا قسوة لم تفهم سببها.
قالت بصوت مكسور: «أنا كنت فاكرة إن ده بيتي.»
ردت أمينة دون تردد: «بيتك مع جوزك.»
أغلقت ريتال عينيها.
ثم نزلت دمعة واحدة على خدها.
خرجت من المنزل ببطء، ولم تعرف إلى أين تذهب.
وبمجرد أن أُغلق الباب خلفها، وقفت أمامه للحظات وهي تحمل حقيبتها، ثم التفتت إلى الشارع الممتد أمامها، فلم تجد بيتًا، ولا طريقًا واضحًا، ولا شخصًا واحدًا تستطيع أن تقول له: «أنا تعبت.»
في تلك اللحظة فقط فهمت ريتال أن الهروب من القصر لم يكن نهاية سجنها.
لقد خرجت من مكان لم تكن تريده...
لتجد أن المكان الذي كانت تعتبره وطنها قد أغلق أبوابه في وجهها.
رفعت عينيها إلى السماء، وخرج صوتها هامسًا وسط شهقاتها:
— «طب أروح فين دلوقتي؟»
ولم يجبها أحد.
مشت في الشارع من غير هدف، لا عارفة هتروح فين ولا حتى قادرة تفكر، لحد ما سمعت صوت عربية بتقف على مسافة قريبة منها، رفعت عينيها، واتجمدت مكانها لما شافت العربية اللي تعرفها كويس، وبعد ثواني نزل زجاج النافذة، وظهر رحيم وهو قاعد خلف عجلة القيادة، وبص لها للحظات طويلة من غير ما يقول كلمة، وبعدها أشار لها بإيده بهدوء:"تعالي."
ريتال وقفت مكانها، وكأن جسمها كله رفض يتحرك، كان آخر شخص تتوقع تشوفه في اللحظة دي هو رحيم، لكن الغريب إنها ما حستش بالخوف اللي كانت متوقعاه، يمكن لأنها ببساطة ما بقاش عندها مكان تاني تروح له، ويمكن لأنها لأول مرة فهمت إن الوحدة أحيانًا بتكون أقسى من عدو كنت فاكره أخطر شخص في حياتك.
فتحت باب العربية وركبت جنبه من غير كلمة، وحطت شنطتها على الأرض، وبصت قدامها بشرود، ورحيم ما اتحركش بالعربية فورًا، فضل باصص لها للحظات، عينيه وقعت على وشها الشاحب، وعلى آثار الدموع اللي ما نشفتش، وعلى إيديها اللي كانت متشابكة فوق بعض بقوة، كأنها بتحاول تمسك نفسها قبل ما تنهار، وفي اللحظة دي حس رحيم بوجع حقيقي جواه، وجع ما عرفش يفسره حتى لنفسه، لأنه كان عارف إنها هتهرب من بيتها، وكان عارف إنها هتروح لأهلها الأول، وكان متوقع إنها هترجع له مكسورة بعد ما تكتشف الحقيقة، ولذلك لما عرف إنها خرجت، ما راحش وراها، وما حاولش يمنعها، لأنه كان عايزها تشوف الحقيقة بنفسها، من غير ما تفضل طول عمرها شايفة إنه هو اللي حرمها من أهلها.
شغل العربية أخيرًا وتحرك، وبعد دقائق طويلة من الصمت قالت ريتال بصوت منخفض جدًا: "إنت كنت عارف إني ههرب؟" رحيم فضل ساكت شوية قبل ما يرد: "آه." بصت له باستغراب،
فقال بهدوء: "كنت عارف إنك مهما حاولتِ تقاومي، لازم ترجعي لهم بنفسك، لازم تسمعي منهم بنفسك، ولازم تعرفي بنفسك مين كان صادق ومين كان بيكدب."
سكتت ريتال، وبعدين قالت وهي بتبص من الشباك: "طب ليه ما منعتنيش؟"
رد من غير تردد: "لأنك لو فضلتي معايا، كنتِ هتفضلي مقتنعة إني أنا السبب في كل حاجة، وإن أنا اللي بعدتك عن أهلك، وإن كل كلمة قالوها عنك ممكن تكون صح... أنا ما كنتش عايز أمنعك من إنك تعرفي الحقيقة بنفسك."
ريتال بلعت غصتها وقالت: "بس الحقيقة وجعتني." قبض رحيم إيده على عجلة القيادة وقال بصوت هادي: "عارف." بصت له، ولأول مرة شافت في عينيه حاجة مختلفة، ما كانتش سيطرة ولا غضب، كانت حاجة أقرب للندم.
العربية كملت طريقها لحد ما وصلوا لمنطقة هادية على ضفة النيل
، ورحيم ركن العربية ونزل، وبعدها فتح لها الباب وقال: "انزلي." ريتال نزلت وهي مش فاهمة هو جابها هنا ليه، ومشت خطوات بسيطة لحد ما وقفت قدام النيل، الهوا كان بارد، وصوت المياه هادي بشكل غريب، كأنه عكس كل الفوضى اللي جواها. وقفت ريتال قدام المياه وهي حاضنة نفسها، ورحيم وقف جنبها على مسافة محترمة،
وما حاولش يقرب منها، وبعد فترة طويلة من الصمت قال: "ريتال... أنا عارف إن اللي حصل بينا خلّى فكرة إننا نعيش كزوجين عاديين حاجة شبه المستحيل."
ريتال بصت له من غير ما تتكلم، فكمل: "وعارف إنك لسه مش قادرة تسامحيني، ويمكن عمرك ما تقدري، وعارف إن فيه حاجات أنا عملتها مستحيل تتنسي بسهولة."
تنهد ثم قال: "عشان كده أنا مش هطلب منك النهارده تحبيني، ولا هطلب منك تثقي فيا، ولا حتى هطلب منك تعتبريني زوجك بالشكل اللي الناس بتفهمه... أنا عايز نبدأ من نقطة أبسط."
سألته ريتال بحذر: "نقطة إيه؟"
قال: "نبقى أصحاب." رفعت حاجبها باستغراب وكأن الكلمة نفسها غريبة عليها، فقال بابتسامة صغيرة لم تصل لعينيه: "آه، أصحاب. نتعامل مع بعض من غير خوف، من غير أوامر، من غير ما كل واحد فينا يبقى مستني التاني يضربه في ضهره. ولو بعد فترة اكتشفتي إنك مش قادرة تسامحيني، أو إنك مش قادرة تتقبليني، يبقى كل واحد يروح لحاله."
فضلت ريتال ساكتة، وبعدين قالت: "يعني هتطلقني؟" هز رأسه وقال: "آه." سألته: "إمتى؟" فقال: "بعد شهرين." اتفاجأت ريتال: "شهرين؟" فقال: "شهرين ندي فيهم لنفسنا فرصة نعرف إحنا ممكن نبدأ من جديد ولا لأ، من غير إجبار، ومن غير ضغط. ولو في نهاية الشهرين قلتيلي إنك مش قادرة تسامحيني، أنا بنفسي هكون أول واحد يوافق على الطلاق."
ريتال فضلت تبص للنيل، وكأنها بتحاول تلاقي الإجابة وسط المياه، وبعد وقت قالت: "وعلى شرط." رحيم بص لها: "قولي." قالت وهي بتثبت عينيها فيه: "طول الشهرين دول... مفيش إجبار، مفيش أوامر، ومفيش إنك تستخدم إنك جوزي عشان تفرض عليا حاجة."
رحيم سكت للحظات، ثم قال: "موافق." كملت: "ولو حسيت إن وجودي معاك خطر عليا، همشي." قال بهدوء: "موافق." بصت له باستغراب، كأنها كانت مستنية مقاومة، لكنه لم يعترض، فقالت: "وفي آخر الشهرين، لو مقدرتش أسامحك أو أتقبلك... تطلقني من غير ما تحاول تمنعني." رد رحيم بثبات: "موافق."
سكتت ريتال شوية، وبعدها مدت إيدها له وقالت: "اتفقنا... أصحاب." رحيم بص لإيدها لحظة، ثم صافحها بهدوء وقال: "أصحاب." كانت مصافحة بسيطة جدًا، لكنها بالنسبة للاتنين كانت بداية حاجة جديدة تمامًا، مش حب، ومش ثقة، ومش غفران... مجرد فرصة صغيرة اتفتحت وسط خراب كبير، وفرصة الشهرين دي كانت ممكن تنتهي بالطلاق، أو تكون بداية لحكاية محدش فيهم كان متوقعها.
رجعت ريتال تبص للنيل، وقالت بصوت خافت: "أنا لسه زعلانة منك." ابتسم رحيم ابتسامة صغيرة وقال: "عارف." قالت: "ولسه مش واثقة فيك." قال: "عارف." ثم التفتت له وقالت: "وممكن في الآخر أختار الطلاق." رد من غير تردد: "وأنا وافقت من الأول." سكتت لحظة، ثم ظهرت على وشها ابتسامة خفيفة لأول مرة من وقت ما خرجت من بيت أهلها، وقالت: "طيب يا رحيم... بما إننا أصحاب، أنا جعانة."
ضحك لأول مرة من قلبه تقريبًا وقال: "أهو أول اختبار للصداقة." بصت له باستغراب: "اختبار إيه؟" فتح باب العربية وقال: "إنك تسيبيلي اختيار الأكل." ريتال ضيقت عينيها وقالت: "لا، كده نلغي الاتفاق من دلوقتي... أنا اللي هختار." وهنا، ولأول مرة منذ أيام طويلة، مشيت ريتال ناحية العربية وهي مش حاسة إنها ماشية نحو سجن، بل نحو مكان لا تعرف نهايته... لكن هذه المرة، كان القرار في يدها.
مرّ أول أسبوع من الشهرين بسرعة غريبة، وكأن الاتفاق اللي بدأوه على ضفة النيل كان مجرد جملة عابرة، لكن ريتال قررت من أول يوم إنها لن تسمح لرحيم ينسى أنه هو اللي طلب منها أن تكون صديقته، ولذلك استغلت الكلمة بكل معنى الكلمة، فلو كانا "أصدقاء" إذن من حق الصديقة أن تستفزه، وتغيظه، وتضحك عليه، وتستغل طيبته الجديدة معها،
وبالفعل بدأ رحيم يكتشف أن قرار الصداقة الذي ظنه أهدأ حل في العالم كان في الحقيقة أكبر ورطة دخلها بإرادته.
في صباح أحد الأيام خرج رحيم من غرفته متجهًا إلى مكتبه، فوجد ريتال جالسة في الصالة بهدوء شديد، تمسك كوب عصير وتقرأ شيئًا على هاتفها، فبص لها وقال: "صباح الخير." رفعت عينيها وقالت ببراءة مصطنعة: "صباح النور يا صاحبي."
ابتسم ابتسامة صغيرة وكمل طريقه، لكنه بعد خطوتين توقف لما لمح حذاءه أمامه، رفعه فوجد داخله كمية صغيرة من الرمل، فبص لريتال، فقالت وهي تكتم ضحكتها: "إيه؟" قال: "إيه اللي جاب الرمل في الجزمة؟ وبعدين مين اللي قطعها؟ "
ردت بمنتهى الهدوء: "يمكن الجزمة كانت رايحة البحر لوحدها." بص لها ثواني، ثم قال: "ريتال..." رفعت كتفها وقالت: "نعم يا صاحبي؟" تنهد ومشى، وفي اللحظة اللي خرج فيها من الصالة انفجرت ريتال في الضحك، بينما كان هو يبتسم رغماً عنه وهو يهز رأسه ويتمتم: "أنا اللي وافقت... أنا اللي قلت أصحاب."
ومع مرور الأيام، بدأت المقالب تتحول إلى عادة يومية، مرة تغير له خلفية هاتفه بصورة مضحكة، ومرة تخفي مفاتيح سيارته في مكان لا يخطر على باله، ومرة تترك له ورقة على مكتبه مكتوبًا عليها "ممنوع الاقتراب... صاحبة المكان عصبية"، وكلما سألها كانت تقول بنفس البراءة: "مش أنت صاحبي؟ أصحاب بقى."
وكان رحيم في كل مرة يقف أمامها وهو يحاول أن يبدو غاضبًا، لكن ابتسامته كانت تفضحه، حتى أصبح الحرس أنفسهم يتجنبون النظر إلى بعضهم حتى لا يضحكوا.
وفي أحد الأيام عاد رحيم إلى البيت متعبًا جدًا بعد يوم طويل، دخل مكتبه ووجد على مكتبه ملفًا كبيرًا، فتحه بسرعة فوجد عشرات الأوراق، وفي أول صفحة جملة كبيرة: "ملف حساب المقالب." قلب الصفحة فوجد قائمة بكل المقالب التي فعلتها فيه خلال الشهر الأول، وتحت كل مقلب تعليق ساخر منها، وفي آخر الصفحة كتبت: "لسه الحساب مفتوح."
ظل ينظر للورقة للحظات، ثم أغلق الملف واتجه إلى غرفتها، وطرق الباب، فسمع صوتها: "ادخل." دخل فوجدها جالسة على السرير، فقال لها: "إنتِ بتلعبي معايا؟" ردت: "أنا؟ مستحيل." رفع الملف أمامها وقال: "ده إيه؟" ابتسمت وقالت: "ذكريات جميلة." قال: "ريتال، أنا قربت أجن."
ضحكت وقالت: "معلش، استحمل، إحنا أصحاب." وقف لحظة ينظر إليها ثم قال: "خلاص، هننهي الصداقة دي وننفصل." اختفت ابتسامتها للحظة، لكنها حاولت تخفي ذلك وقالت: "براحتك." خرج رحيم من الغرفة، لكنه لم يصل حتى آخر الممر إلا ووقف، ثم رجع وطرق الباب مرة أخرى، وقال: "بس بعدين... خلينا نكمل الصداقة." ضحكت ريتال وقالت: "كنت عارفة."
ومرت الأسابيع، وكل يوم كان يضيف شيئًا جديدًا لعلاقتهما، حتى أصبح وجود أحدهما من غير الآخر شيئًا غريبًا. رحيم الذي كان يقضي ساعات طويلة وحده أصبح يبحث عنها بعينيه بمجرد دخوله البيت، وإذا لم يجدها يسأل عنها بطريقة يحاول أن يجعلها عادية، وريتال التي كانت في البداية تتمنى أن تبتعد عنه أصبحت تلقائيًا تبحث عن صوته في المكان، تنتظر عودته، وتلاحظ تغير مزاجه، بل وأصبحت تعرف من خطواته إذا كان متعبًا أو غاضبًا.
وفي أحد الأيام خرج رحيم للعمل، وبعد عدة ساعات دخل البيت ولم يجدها في الصالة، ولا في الحديقة، ولا في المطبخ، فسأل إحدى العاملات عنها، فقالت له إنها خرجت مع صديقتها. هز رأسه وقال: "تمام." لكنه بعد دقائق بدأ يشعر بضيق غريب، ثم أمسك هاتفه واتصل بها، وما إن ردت حتى قال: "إنتِ فين؟" ضحكت وقالت: "ليه؟ وحشتك؟" سكت لحظة، ثم قال ببرود مصطنع: "لا، بس البيت هادي زيادة." قالت: "يعني وحشتك." قال: "اقفلي يا ريتال." وضحكت وأغلقت المكالمة، بينما هو ظل ينظر للهاتف بابتسامة لم ينتبه إليها.
أما ريتال، فكانت قصتها أصعب، لأنها بدأت تلاحظ أنها لم تعد ترى رحيم كالسابق. الرجل الذي كانت تراه في البداية سببًا لكل خوفها أصبح الشخص الذي تستطيع أن تضحك أمامه دون حساب، والشخص الذي إذا مرض أو تأخر أو أصابه مكروه تشعر بالخوف عليه قبل أن تفكر في نفسها. كانت تكره اعترافها الداخلي،
وكلما شعرت أن قلبها يميل نحوه كانت تقول لنفسها: "لا... ده رحيم. متنسيش كل اللي حصل." لكن عقلها كان يرد عليها: "بس رحيم ده مش هو نفس الشخص اللي عرفتيه في البداية." وكانت تقاوم، وتحاول أن تقنع نفسها أن ما تشعر به مجرد تعود، مجرد صداقة، مجرد عشرة يومية.
وفي آخر أسبوع من الشهرين، حدث شيء جعل ريتال تفهم أنها لم تعد قادرة على الهروب من مشاعرها. كان رحيم مريضًا قليلًا، مجرد إرهاق شديد وارتفاع بسيط في الحرارة، لكنه رفض أن يأخذ إجازة، فوجدته ريتال في مكتبه جالسًا أمام الأوراق، ووجهه مرهق، فقالت له بقلق حاولت أن تخفيه: "إنت تعبان." رفع عينيه وقال: "شوية." اقتربت منه وقالت: "قوم ارتاح." ابتسم وقال: "أوامر من الصديقة؟" ردت: "آه، أوامر." قال: "حاضر." وفي اللحظة التي وقف فيها ترنح قليلًا، فأمسكت ذراعه بسرعة، وقلبها خفق بقوة، وقالت دون تفكير: "رحيم!" نظر إليها، فانتبهت لنبرة صوتها، وسحبت يدها بسرعة وقالت: "يعني... خفت تقع." لكنه لم يعلق، فقط ابتسم ابتسامة هادئة.
في تلك الليلة جلست ريتال وحدها أمام المرآة، وظلت تنظر إلى نفسها طويلًا، ثم قالت بصوت منخفض: "أنا بحبه..." سكتت لحظة وكأنها خافت من سماع الكلمة، ثم أضافت: "بس مش هقوله." كانت تعرف أن الاعتراف لن يكون سهلًا، وأنها ما زالت تحمل داخلها جروحًا قديمة، لكنها في الوقت نفسه لم تعد تستطيع إنكار أن رحيم خلال الشهرين الماضيين حاول أن يكون شخصًا مختلفًا معها، وأنه أعطاها المساحة التي طلبتها، واحترم شرطها، ولم يجبرها على شيء، بل كان في كل مرة يشعر أنها تتألم يبتعد بدلًا من أن يضغط عليها.
وفي اليوم الأخير من الشهرين، كان رحيم جالسًا وحده في الحديقة، ينظر إلى الساعة من وقت لآخر، وكان يعرف أن هذا هو اليوم الذي اتفقا عليه، اليوم الذي من المفترض أن تسأله فيه ريتال إن كانت تريد الطلاق أم لا. كان مستعدًا لسماع أي شيء، أو هكذا أقنع نفسه، لكنه لم يكن مستعدًا لفكرة واحدة فقط: أن تستيقظ ريتال في اليوم التالي ولا تكون موجودة في حياته.
دخلت ريتال غرفتها وأغلقت الباب، وجلست على السرير، ثم أخرجت ورقة بيضاء وبدأت تكتب عليها شيئًا، وبعد دقائق نظرت إلى الكلمات أمامها، وابتسمت والدموع تلمع في عينيها. لم تكن رسالة لرحيم، ولم تكن طلبًا للطلاق، بل كانت قرارًا اتخذته بينها وبين نفسها.
كتبت في أعلى الورقة: "أنا قررت أسامحه."
ظلت تنظر إلى الجملة طويلًا، ثم أضافت تحتها: "مش عشان نسيت اللي حصل... لكن عشان أنا شايفة الشخص اللي بقى عليه دلوقتي، وعشان أنا اخترت أدي لنفسي وله فرصة جديدة."
وضعت القلم جانبًا، ثم مزقت الورقة إلى قطع صغيرة، لأنها لم تكن تريد أن يعرف رحيم شيئًا بعد، وقالت لنفسها: "مش هقوله دلوقتي... عايزة أشوف هو هيفضل زي ما هو ولا لأ. عايزة أدي الفرصة دي من غير ما يعرف إن قلبي أخد قراره."
وفي الخارج كان رحيم لا يزال جالسًا في الحديقة، ينتظر قرارها، وهو لا يعلم أن المرأة التي كان يخشى أن تفارقه بعد ساعات قليلة قد اتخذت بالفعل قرارًا مختلفًا تمامًا، وأن ريتال لم تعد تنتظر منه أن يثبت لها أنه يستحق فرصة... لأنها قررت أن تمنحه إياها، لكن في صمت، ومن دون أن تخبره أن قلبها سبقها واتخذ القرار.
القشة التي قسمت ظهر البعير...
في صباح اليوم التالي استيقظت ريتال بدري على غير عادتها، وكانت أول فكرة خطرت في بالها هي مريم، صديقتها التي ما زالت ترقد في المستشفى منذ فترة طويلة، لا تعرف متى ستفتح عينيها، ولا إن كانت ستسمع صوتها من جديد، وكل يوم كانت ريتال تذهب فيه للنوم وهي تحمل في قلبها سؤالًا واحدًا لا تجد له إجابة: "مريم هتصحى إمتى؟"
لذلك قررت أنها اليوم ستتحدث مع رحيم وتطلب منه أن يسمح لها بزيارتها، فهي لم تعد تريد الانتظار أكثر من ذلك.
خرجت من غرفتها وهي ترتدي ملابس بسيطة، ووقفت للحظة أمام المرآة ترتب شعرها، ثم ابتسمت لنفسها ابتسامة صغيرة وهي تتذكر قرارها الذي اتخذته في الليلة الماضية، القرار الذي لم تخبر به أحدًا، حتى رحيم نفسه لم يكن يعرف أن قلبها أصبح مستعدًا لمنحه فرصة حقيقية، وأنها لم تعد تنظر إليه باعتباره الرجل الذي أخذ منها حياتها، بل باعتباره الشخص الذي استطاع خلال الشهرين الماضيين أن يجعلها تراه بطريقة مختلفة تمامًا.
نزلت إلى الطابق السفلي وهي تفكر في الطريقة التي ستخبره بها، لكنها لم تجده في الصالة، فنظرت حولها ثم سألت إحدى العاملات: "رحيم فين؟" أجابتها: "خرج من بدري يا مدام ريتال." هزت رأسها وقالت: "طيب لما يرجع قولي له إني كنت عايزة أكلمه في حاجة مهمة." وقبل أن تكمل جملتها اهتز هاتفها في يدها بإشعار رسالة جديدة، فتوقفت للحظة ونظرت إلى الشاشة، ولم تكن تعرف أن فتحها لتلك الرسالة سيقلب كل شيء داخلها في ثوانٍ.
فتحت الرسالة، فوجدت عدة صور، وفي أول صورة ظهر رحيم بوضوح، جالسًا في مكان يبدو كأنه مطعم راقٍ، وبجواره امرأة لم ترها ريتال من قبل، وعلى وجه المرأة ابتسامة هادئة، بينما كان أمامهما طفل صغير. انتقلت إلى الصورة الثانية، فوجدت رحيم واقفًا والطفل بين ذراعيه، والصورة الثالثة كانت للمرأة وهي تنظر إليه بنظرة لم تستطع ريتال تفسيرها، لكنها في اللحظة التي رأت فيها تلك النظرة شعرت بشيء ينغرس في صدرها، وكأن قلبها فهم شيئًا قبل عقلها.
أسفل الصور كان هناك عنوان المطعم فقط.
ظلت ريتال تنظر إلى الشاشة دون أن تتحرك، ثم قالت لنفسها: "لا... مستحيل." أعادت فتح الصورة مرة أخرى، وكأنها تتمنى أن يتغير ما رأته، لكنه لم يتغير، كان رحيم بالفعل، والطفل بالفعل بين يديه، والمرأة تقف بجواره وكأن وجودها معه أمر طبيعي جدًا.
وضعت الهاتف على الطاولة، ثم أخذته مرة أخرى بسرعة، وقالت وهي تحاول إقناع نفسها: "يمكن تكون أخته... يمكن تكون قريبة... والطفل ممكن يكون ابن حد من معارفه." لكنها لم تكن مقتنعة حتى بكلماتها، فكيف يمكن أن تكون هناك امرأة تنظر إلى رحيم بهذه الطريقة؟ ولماذا أرسل لها شخص مجهول هذه الصور في اليوم التالي مباشرة لانتهاء الشهرين؟
بدأ عقلها ينسج عشرات الاحتمالات، وكل احتمال كان أسوأ من الذي قبله، ومع ذلك رفضت أن تصدق أي شيء من دون أن تراه بنفسها، فارتدت حذاءها بسرعة، وأخذت مفاتيح سيارتها، ثم خرجت من البيت وهي تقول لنفسها: "هروح أشوف بعيني... وبعدها هقرر."
طوال الطريق كانت تحاول أن تسيطر على نفسها، لكنها كانت تشعر بقبضة قوية حول قلبها، وكلما ظهرت الصورة في ذهنها حاولت طردها، إلا أنها كانت تعود مرة أخرى، رحيم وهو يحمل الطفل، والمرأة بجواره، وتلك النظرة التي لم تستطع ريتال أن تنساها.
وصلت إلى المطعم بعد فترة، وركنت سيارتها على مسافة ليست بعيدة، لكنها لم تنزل فورًا، ظلت جالسة خلف عجلة القيادة، والهاتف في يدها، تقارن المكان بالصورة، حتى تأكدت أن هذا هو نفس المطعم، ونظرت إلى الباب الزجاجي من بعيد، وقلبها بدأ يدق بعنف.
ثم رأته.
كان رحيم يقف بالقرب من المطعم يقف أمام الباب ، يحمل الطفل الصغير بين ذراعيه، والطفل يضحك بينما رحيم يلاعبه ويحاول أن يجعله يضحك أكثر، وكان على وجه رحيم شيء لم تره ريتال كثيرًا من قبل... ابتسامة حقيقية، هادئة، بلا قسوة ولا جدية ولا ذلك الوجه الذي اعتادت أن تراه في القصر.
وبجواره كانت المرأة نفسها.
كانت تنظر إليه بابتسامة طويلة، نظرة مليئة بالاهتمام، وكأنها تعرفه منذ سنوات، وكأن وجودها بجواره أمر طبيعي، وكأنها لا ترى في قربه منها أي شيء يحتاج إلى تفسير.
تجمدت ريتال خلف زجاج السيارة.
كل الكلمات التي كانت تريد أن تقولها لرحيم اختفت.
كانت قد خرجت من البيت وهي تفكر كيف ستخبره أنها سامحته، وكيف ستطلب منه أن يفتحا صفحة جديدة، وكيف ستقول له لأول مرة إنها مستعدة أن تمنحه فرصة حقيقية، لكنها الآن كانت تنظر إليه وهو يحمل طفلًا ليس لديها أي فكرة من يكون، وإلى امرأة غريبة تنظر إليه بتلك الطريقة.
وضعت يدها على صدرها، وشعرت بأن أنفاسها أصبحت أثقل.
همست لنفسها: "أنا كنت غبية للدرجة دي..."
ثم هزت رأسها بسرعة، وكأنها ترفض أن تبكي، وقالت: "لا... أنا اللي غلطت لما صدقت إن كل حاجة اتغيرت."
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع، لكنها لم تسمح لواحدة منها أن تسقط، وظلت تراقبه لثوانٍ أخرى، حتى رأت الطفل يمد يده الصغيرة نحو وجه رحيم، فضحك رحيم وقبّله على جبينه، فشعرت ريتال وكأنها لم تعد تستطيع التنفس.
لم تنزل من السيارة.
لم تدخل المطعم.
لم تواجهه.
كل ما فعلته أنها أدارت المحرك، وتحركت ببطء، وهي تحاول أن تظل متماسكة حتى لا تنهار أمام أحد.
وفي الطريق عادت إليها جملتها التي قالتها لنفسها الليلة الماضية: "أنا قررت أسامحه."
ابتسمت بسخرية وسط دموعها وقالت: "سامحته ليه؟ عشان أرجع أكون أنا الغبية اللي بتصدق؟"
كانت تقود وهي لا تعرف هل ما رأته حقيقة أم مجرد سوء فهم، لكنها في تلك اللحظة لم تكن مستعدة لسماع أي تفسير، لأنها شعرت أن قلبها انكسر قبل حتى أن تعرف الحقيقة.
عادت إلى القصر، وصعدت إلى غرفتها بهدوء، ولم تسأل عنها أي عاملة، ولم تسمح لأحد أن يقترب منها، ثم أغلقت الباب خلفها وجلست على الأرض بجواره، وأسندت ظهرها إليه، وأخيرًا سمحت لدموعها بالنزول.
لم تبكِ لأنها رأت امرأة أخرى فقط، بل لأنها شعرت أنها للمرة الأولى فتحت قلبها لشخص بعد كل ما مرت به، ثم جاء شيء واحد ليذكرها بأنها ربما كانت مخطئة.