رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم اية محمود

رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم اية محمود

 

رجعت ريتال إلى القصر وهي لا تكاد ترى الطريق أمامها من شدة الدموع التي كانت تملأ عينيها، وما إن دخلت حتى لم تسأل عنها أي واحدة من العاملات، ولم تنتظر حتى تصعد إلى غرفتها، بل جلست على أول درجة في السلم، وضمت


 ركبتيها إلى صدرها، وأخرجت هاتفها مرة أخرى، وكأنها تعاقب نفسها بإعادة مشاهدة الصور التي كانت قد مزقت قلبها منذ ساعات. فتحت الصورة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، وكل مرة كانت عيناها تتوقفان عند رحيم وهو يحمل الطفل، ثم تنتقلان إلى المرأة الواقفة بجواره، فتشعر بوخزة أقوى من السابقة، حتى بدأت دموعها تنزل بصمت، وبعد دقائق لم تعد قادرة على كتمان شهقاتها، فأغلقت الهاتف وضغطته على صدرها وقالت بصوت متقطع: "ليه؟... ليه أنا كل ما أقول خلاص، كل ما أصدق حد، ألاقي نفسي في الآخر لوحدي؟"


جلست هناك وقتًا طويلًا، لا تعرف كم مر من الوقت، وكل ما كانت تعرفه أن القصر الواسع من حولها أصبح مخيفًا في هدوئه، وأن كل زاوية فيه تحمل ذكرى، وكل ذكرى مرتبطة برحيم، ضحكتهم، خناقاتهم، مقالبها، خوفه عليها، اهتمامه بها، الأيام التي قضوها معًا، وحتى الاتفاق الذي ظنت أنه سيكون مجرد تجربة مؤقتة، ثم تذكرت أنها في الليلة الماضية كانت مستعدة لأن تخبره أنها سامحته، وأنها اختارت أن تمنحه فرصة جديدة، فضحكت وسط بكائها ضحكة موجوعة وقالت: "كنت هقوله إني بحبه..." ثم سكتت، وكأن الكلمة نفسها أصبحت مؤلمة، وأضافت: "يا خسارة."

لم تحتمل البقاء داخل القصر أكثر، فنهضت وصعدت السلم ببطء حتى وصلت إلى سطح القصر، وما إن فتحت الباب حتى اصطدمت بوجهها قطرات المطر، كان المطر قد بدأ يهطل بغزارة، والسماء مظلمة، والهواء باردًا، لكنها لم تهتم، بل خرجت وتركت الباب خلفها، ووقفت في منتصف السطح، ورفعت وجهها للسماء، وتركت المطر يختلط بدموعها، وكأنها كانت تتمنى أن يمحو عنها كل ما حدث.


وقفت هناك طويلًا، طويلًا جدًا، حتى ابتلت ملابسها بالكامل، وارتجف جسدها من البرد، لكنها لم تتحرك، كانت عيناها فارغتين وهي تنظر إلى السماء، وكلما حاول عقلها أن يستعيد صورة رحيم مع المرأة والطفل، كانت تغلق عينيها بقوة، ثم تفتحها من جديد وكأنها تنتظر أن تختفي الصورة، لكنها لم تختفِ.


همست: "أنا تعبت."


لم تكن تقولها عن الحب وحده، بل عن كل شيء؛ عن الخوف، وعن الخيانة التي ظنت أنها عاشتها، وعن بيت طردها، وعن صديقة لا تعرف إن كانت ستستيقظ، وعن رجل أحبته رغم كل ما حدث بينهما، ثم ظنت فجأة أنه لم يكن لها وحدها كما تخيلت.


وبعد وقت بدأ المطر يهدأ تدريجيًا، حتى توقف تمامًا، لكن ريتال لم تتحرك، وظلت واقفة في مكانها وكأنها فقدت القدرة على العودة إلى أي مكان.


ثم اتجهت بخطوات بطيئة نحو طرف السطح، وهناك توقفت.


كانت لحظة ضعف قاسية، لحظة لم تعد فيها ترى أمامها إلا طريقًا واحدًا للهروب من كل الألم، وبدأت أفكار سوداء تضغط على عقلها، لكن قبل أن تتحول تلك الأفكار إلى فعل، جاء صوت خلفها، صوت تعرفه جيدًا، لكنه هذه المرة لم يكن غاضبًا ولا ساخرًا.




"ريتال!"


تجمدت مكانها.




وفي اللحظة التالية شعرت بيد رحيم تمسك بها بقوة وتسحبها بعيدًا عن الخطر، ثم أحاطها بذراعيه وهو يقول بصوت مرتجف لم تسمعه منه من قبل: "إنتِ بتعملي إيه؟!"


لم تجبه.


لم تستطع حتى أن ترفع عينيها إليه.




لكن بمجرد أن شعرت بذراعيه حولها، انهارت كل مقاومتها، ودفنت وجهها في صدره، وانفجرت في بكاء موجوع، بينما كان رحيم يحتضنها بقوة وكأنه يخشى أن تفلت منه مرة أخرى.


قال بصوت منخفض: "اهدي... اهدي يا ريتال، أنا هنا."




ضربت صدره بقبضتها وهي تبكي وقالت: "إنت السبب! إنت السبب في كل حاجة! أنا كنت... كنت هسامحك!" ثم شهقت وأضافت: "كنت هديك فرصة!"


تجمد رحيم عند آخر جملة، ونظر إليها وكأنه لم يفهم ما سمعه، لكنه لم يسألها، لم يكن هذا وقت الأسئلة، كل ما كان يهمه أنها أصبحت بين ذراعيه وأنها بخير.




قال وهو يمرر يده على شعرها المبلل بحذر: "مش مهم دلوقتي أي حاجة حصلت... المهم إنك معايا."


رفعت وجهها إليه وسط دموعها وقالت: "أنا تعبت يا رحيم... تعبت من إني كل ما أحب حد أخسره... كل ما أثق في حد يوجعني... أنا مش قادرة تاني."




شعر رحيم أن قلبه ينقبض، وقال لها بصدق: "كان لازم أكون جنبك قبل ما توصلي للحظة دي، وكان لازم أفهم إنك مش قوية طول الوقت، وإنك مش مطالبة تشيلي كل ده لوحدك."


ثم أبعدها عن المكان ووقف أمامها، محاولًا أن يجعل عينيها تلتقيان بعينيه، وقال بهدوء: "بصيلي يا ريتال... أنا مش هسيبك لوحدك دلوقتي. هننزل تحت، وهتدفّي، وهتنامي، وبعدين نتكلم. ولو اللي جواكي أكبر من إننا نقدر عليه لوحدنا، هنجيب حد يساعدنا. بس مش هتواجهيه لوحدك."




ظلت تبكي، ثم عادت واحتضنته بقوة، هذه المرة من تلقاء نفسها، وقالت بصوت مختنق: "أنا تعبانه وموجوعه."


أغمض رحيم عينيه للحظة، واحتضنها أكثر، وقال: " ياريت اقدر اشيل كل الوجع والتعب اللي جواكِ وآخده انا."




ظل الاثنان هكذا للحظات، في صمت لم يكن فيه أي انتصار ولا كبرياء ولا خصام، فقط فتاة منهكة تشبثت بالشخص الوحيد الذي وجدته في لحظتها الأصعب، ورجل أدرك أن ما أمامه لم يعد مجرد خلاف بين زوجين، بل إنسانة يحبها وصلت إلى حافة ألم لم يكن يراها.




أمسك رحيم يد ريتال بهدوء وأبعدها عن السطح، ثم فتح باب الغرفة وأدخلها، وكانت خطواتها ثقيلة من التعب والبرد، فوقف أمامها وقال بنبرة حازمة ولكن هادئة: "ادخلي غيري هدومك بسرعة، إنتِ مبلولة وممكن تتعبي." 




لم تجبه ريتال، فقط دخلت الغرفة وأغلقت الباب، وبعد دقائق خرجت بملابس جافة، وشعرها لا يزال مبتلًا قليلًا، ووجهها شاحب من الإرهاق.


 نظر إليها رحيم وقال: "اقعدي هنا ومتتحركيش، وأنا جاي." خرج من الغرفة، وبعد دقائق عاد يحمل كوبًا من مشروب ساخن، ومده لها وقال: "خدي ده، اشربيه كله."


 أخذته ريتال منه وجلست على طرف السرير، ووضعت الكوب بين يديها، لكنها لم تشرب، وظلت تنظر إلى رحيم بنظرة غريبة، حتى شعر أن هناك شيئًا آخر تخفيه.


قال رحيم: "مالك؟" رفعت الهاتف أمامه وقالت بصوت مبحوح: "أنا عايزة أعرف الحقيقة." 


عقد حاجبيه وقال: "حقيقة إيه؟"


 فتحت الصور أمامه ومدت الهاتف نحوه، وقالت: "دول مين؟" 


نظر رحيم إلى الشاشة، وبمجرد أن رأى الصورة فهم كل شيء، لكنه في البداية ظل صامتًا، بينما كانت ريتال تراقب وجهه بعينين ممتلئتين بالشك، ثم قالت: "أنا شفتك بعيني، مش مجرد الصور... كنت معاها ومعاك طفل، وكانت بتبصلك بطريقة..." 


توقفت، ثم قالت وهي تحاول أن تتمالك نفسها: "أنا عايزاك تعترف بكل حاجة يا رحيم."


ظل رحيم ينظر إليها ثواني، ثم رفع عينيه إليها وقال: "إنتِ بجد؟" 


ردت بعصبية: "آه بجد، ومفيش حاجة تضحك." وهنا انفجر رحيم في الضحك، ضحكة طويلة جعلت ريتال تنظر إليه بذهول، وقالت: "إنت بتضحك؟! أنا كنت هموت من العياط بسببك وإنت بتضحك؟!" 




حاول رحيم أن يتوقف عن الضحك وقال: "استني... استني بس، عشان أنا لو ما ضحكتش دلوقتي هتجن." رفعت صوتها: "قول الحقيقة!"


جلس رحيم أمامها وقال وهو لا يزال مبتسمًا: "البنت دي أختي."


 تجمدت ريتال وقالت: "أختك؟" هز رأسه: "أيوه، أختي في الرضاعة." ظلت تنظر إليه وكأن عقلها توقف للحظات، ثم قالت: "والطفل؟" ابتسم وقال: "ابنها." اتسعت عيناها أكثر: "يعني... ابن أختك؟" قال: "بالضبط."




سكتت ريتال، ونظرت إلى الهاتف، ثم إلى رحيم، ثم عادت للهاتف مرة أخرى، وكأنها تحاول أن تعيد ترتيب كل الأحداث التي مرت بها منذ الصباح، فقال رحيم: "أنا كنت عازمهم على الفطار، وهي وصلت بدري ومعاها ابنها، ووقفنا قدام المطعم شوية لحد ما جوزها يوصل، وأنا كنت بلعب مع الولد عشان بحبه جدًا، وبعدها جه أبوه ودخلنا كلنا نفطر." ظل يشرح لها بهدوء، بينما كانت ريتال تشعر أن الأرض تحتها تتحرك من شدة الإحراج.




قالت بصوت منخفض: "يعني... مفيش واحدة تانية؟" رد رحيم فورًا: "مفيش." سألت: "والطفل مش ابنك؟" ضحك وقال: "يا ريتال، ده ابن أختي!" 




وضعت ريتال يدها على وجهها وقالت: "يا نهار أسود..."


 رحيم ابتسم وقال: "دلوقتي فهمت ليه كنتِ واقفة في العربية ومراقباني؟" رفعت رأسها بسرعة وقالت: "أنا مكنتش براقبك!" رد: "آه طبعًا، إنتِ كنتِ بتتفرجي على المطعم من بعيد." 


قالت بعناد: "أنا كنت... كنت بتأكد."


 قال وهو يكتم ضحكته: "بتتأكدي من إيه؟ من عدد أفراد عيلتي؟"




رمقته بنظرة غاضبة، لكنه لم يستطع منع نفسه من الابتسام، ثم قال: "بس فيه حاجة أنا مش فاهمها."


 سكتت ريتال، فقال: "إنتِ ليه وصلتي للحالة دي؟" 


لم تجبه، فاقترب منها قليلًا وقال: "ليه لما شفتيني مع أختي وابنها، افترضتي أسوأ حاجة؟" ظلت صامتة، 


ثم قالت بصوت منخفض: "عشان... كنت خايفة." سألها: "خايفة من إيه؟" رفعت عينيها إليه وقالت: "إني أكون رجعت أثق فيك وأسامحك... وأنت تكون عايش حياتك بعيد عني."




اختفت الابتسامة من وجه رحيم تمامًا، وظل ينظر إليها، بينما أكملت: "أنا امبارح كنت مقررة إني أديك فرصة... من غير ما أقولك. كنت هبدأ معاك من جديد. ولما شوفت الصور حسيت إني كنت غبية، وإن كل اللي حصل في الشهرين دول ملوش معنى."


 سكت رحيم لحظة، ثم قال بهدوء: "ريتال... إنتِ كنتِ هتديني فرصة؟" أدارت وجهها وقالت: "انسَى."




ابتسم رحيم وقال: "لا، مش هنساها." ثم أضاف بنبرة أهدأ: "وبالنسبة للي حصل فوق... أنا لما رجعت من المطعم وسألت عنك، قالولي إنك في غرفتك، فطلعت أدور عليك، ولما فتحت باب السطح وشوفتك هناك... أنا عمري ما خفت كده في حياتي." 


سكت لحظة، ثم قال: "أنا كنت فاكر إن أسوأ حاجة ممكن تحصل إنك تطلبي الطلاق مني... لكن لما شوفتك في اللحظة دي، فهمت إن فكرة إني أخسرك نفسها بقت أكتر حاجة بتخوفني."


نظرت إليه ريتال ودموعها عادت إلى عينيها، وقالت: "أنا آسفة." 




هز رأسه وقال: "متعتذريش دلوقتي، إنتِ كنتِ موجوعة ومفكرة إنك خسرتيني بطريقة تانية." ثم مد يده إليها بالكوب وقال: "اشربي قبل ما يبرد." أخذته ريتال هذه المرة وارتشفت منه، بينما جلس رحيم أمامها، وظل الصمت بينهما للحظات.


وبعد قليل قالت ريتال بخجل واضح: "رحيم..." قال: "نعم؟" قالت: "هو... أختك دي عارفة إني موجودة؟" ابتسم وقال: "آه." اتسعت عيناها وقالت بسرعة: "وعارفة إننا متجوزين؟" قال: "طبعًا." وضعت الكوب جانبًا وقالت: "يا فضيحتي!" ضحك رحيم مرة أخرى، وقال: "لا تقلقي، أنا مش هقول لها إنك غيرتي عليا." احمر وجهها وقالت: "أنا مغيرتش!" رد فورًا: "طبعًا."


رمت عليه الوسادة، فضحك وهو يمسكها، وقال: "رجعنا لريتال بتاعة المقالب." لأول مرة منذ ساعات طويلة ابتسمت ريتال بصدق، ثم قالت وهي تنظر إليه: "بس متضحكش عليا تاني." هدأت ملامحه وقال: "مش هضحك عليكِ... بس هفضل أعاكسك لما تديلي فرصة." ابتسمت رغماً عنها، ثم نظرت إلى الأرض وهمست: "يمكن... الفرصة دي لسه موجودة."


رفع رحيم عينيه إليها، وفهم أن الجملة الصغيرة التي قالتها لم تكن عادية، وأن الشهرين اللذين ظنهما انتهيا ربما كانا في الحقيقة مجرد بداية.


أما ريتال، فوضعت يدها فوق قلبها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها، وقد تأكدت أخيرًا أن قرارها الذي اتخذته في السر لم يكن خطأ...


هي فعلًا سامحته.


لكنها لم تكن مستعدة بعد لأن تخبره أنها أحبته.


❤❤❤❤❤❤

ايه رأيكم في الأحداث وفي نهاية الفصل 🤔


محبتش اقفل الفصل بنهاية وحشة او صدمة، بس ده مش معناه ان الصدمات خلصت 🤗لا لسه شويه. 


طيب احرقلكم الأحداث ولا لا 🤔


طب اقولكم حاجة ع السريع كده (الفصل الجاي هيكشف كل الحقائق اللي كانت مستخبية والظاهرة وكل حاجة) 


اللي عايز يعرف الحقيقة كاملة ينتظر الفصل الجاي، و ع فكرة الرواية قربت تفنش يعني مش فاضل كتير. 


تشجيع كتير عشان اكمل يا سكر.


              الفصل الثاني والعشرون من هنا 

            لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة