رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الرابع عشر 14 بقلم اية محمود

 

رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الرابع عشر 14 بقلم اية محمود

 

كانت السيارة تسير في طريق طويل...


والصمت يملأ المكان.


مريم كانت جالسة بجوار النافذة، تنظر إلى الخارج دون أن ترى شيئًا.


منذ أن تركوا ياسر...


وكلماته لا تتوقف عن الدوران داخل رأسها: أنا أساسًا محبيتكش."


أغمضت عينيها.


لكن صوته ظل يتردد :أنا عمري ما حبيتك بالطريقة اللي إنتِ كنتِ فاكرة."


وضعت يدها على صدرها، وكأنها تحاول إيقاف ذلك الألم الذي عاد من جديد.


آدم كان يقود بصمت من وقت ما ركبت السيارة...وهو يراقبها من المرآة بين الحين والآخر.


لم يكن يعرف ماذا يقول ولم يكن يفهم تمامًا سبب اهتمامه بها هل كان مجرد تعاطف؟ شفقة؟ أم شيء آخر لم يستطع تسميته؟ كل ما كان يعرفه أنه لم يحتمل رؤيتها بهذا الانكسار.


قال بهدوء:مريم."


لم تجبه.


آدم : متفكريش في كلامه."


ظلت تنظر من النافذة.


قال: ياسر كان عايز يوجعك."


ردت ببرود: أنا مش محتاجة حد يواسيني."


سكت آدم ثم قال: أنا مش بواسيكي."


التفتت إليه لأول مرة: أمال بتعمل إيه؟"


تردد لم يجد إجابة واضحة لكنه قال: بحاول أساعد."


أشاحت بوجهها : مش محتاجة."


تنهد آدم: طيب."


ثم عاد للصمت... مرت دقائق.


ثم قال: بس على الأقل متلوميش نفسك."


تغيرت ملامحها: أنا مش بلوم نفسي."


آدم: كويس."


مريم: ومش عايزة أتكلم في الموضوع ده تمام "


آدم  : تمام."


عاد الصمت لكن بعد لحظات...


قال آدم:لو حبيتي تتكلمي في أي وقت..."


قاطعته:مش هحب."


نظر إليها للحظة.


ثم ابتسم ابتسامة خفيفة رغم الموقف.


"إنتِ عنيدة."


لم ترد ظل يقود.


ثم قال: بس أنا مش هضغط عليكي."


مريم أغمضت عينيها كانت تريد أن تبكي لكنها رفضت ليس أمامه ليس أمام أي شخص.


أما آدم...فقد عاد ينظر إلى الطريق.


وكان السؤال نفسه يراوده:ليه أنا مهتم بيها بالشكل ده؟


لم يجد إجابة فاكتفى بالصمت...والقيادة...والتأكد من أنها بخير دون أن تشعر.


وصلت السيارة إلى القصر أخيرًا توقفت أمام البوابة الرئيسية.


ظل آدم في مكانه للحظات، ممسكًا بعجلة القيادة، بينما كانت مريم تفتح باب السيارة ببطء.


وضعت قدمها على الأرض...ثم حاولت أن تقف.


لكن بمجرد أن تحركت، شعرت بألم حاد في جسدها، خصوصًا في المنطقة التي أجريت فيها عملية زراعة الكبد.


توقفت للحظة أخذت نفسًا عميقًا وضغطت على أسنانها حتى لا يظهر منها أي صوت.


لم تكن تريد أن يراها أحد ضعيفة خصوصًا آدم، رفعت رأسها، وحاولت أن تبدو طبيعية.نزلت من السيارة


 بخطوات بطيئةكان كل تحرك يؤلمها، لكن وجهها ظل ثابتًا.


أما آدم...


فلم ينزل ظل جالسًا خلف عجلة القيادة نظر إليها من خلال الزجاج كانت خطواتها متعبة، كان واضحًا أنه يستطيع أن يخرج ويساعدها لكنه لم يفعل.


حاول أن يقنع نفسه: هي تقدر تمشي."


ثم أضاف في داخله: وبعدين... أنا مالي؟"


لكنه ظل يراقبها.


"مجرد شفقة."قالها لنفسه كأنه يريد تصديقها. "أنا بس متعاطف معاها."


لكن شيئًا بداخله لم يكن مقتنعًا تمامًا.


مريم وصلت إلى باب القصر.


لم تلتفت خلفها.


دخلت.


أما آدم فظل مكانه لثوانٍ أخرى...ثم أدار السيارة وغادر.... صعدت مريم الدرج ببطء.


كل خطوة كانت أصعب من التي قبلهاوضعت يدها على الدرابزين.توقفت في منتصف الطريق أغمضت عينيها.


ألم...تعب...وذكريات لا تتوقف.لكنها أكملت.


وصلت إلى غرفتها فتحت الباب دخلت.


وأغلقته خلفها.


في اللحظة التي أُغلق فيها الباب...سقطت كل الأقنعة.


لم تعد مريم القويةولا الزوجة التي تحاول التماسك ولا الفتاة التي كانت تقول للجميع إنها بخير.


لم تعد قادرة على الاستمرار استندت إلى الباب ثم انزلقت ببطء حتى جلست على الأرض.


وضعت يدها على وجهها.


وظلت صامتة لثوانٍ.


ثم خرجت أول شهقة تلتها أخرى وفجأة...انهارت.... انفجرت في البكاء... وضمت جسدها إلى نفسها.


"ليه؟"خرجت الكلمة منها بصعوبة.


"ليه حصل كل ده؟"كانت دموعها تنهمر بلا توقف.


تذكرت ياسر.. كلماته... نظراته.


ثم تذكرت جنينها...فوضعت يدها على بطنها وانهارت أكثر.


"أنا آسفة...قالتها وهي تبكي... "آسفة..."لم تكن تعرف لمن تقولها.


لنفسها؟ لطفلها؟ أم للحياة التي فقدتها؟


ظلت على الأرض وقتًا طويلًا.


تبكي حتى أصبح صوتها مبحوحًا.


وفي الخارج...كان القصر هادئًا لا أحد يعرف أن مريم، التي ظن الجميع أنها صلبة...كانت في غرفتها تخوض أصعب معركة وحدها.


أما آدم...


فكان يقود سيارته بعيدًا.


وكلما حاول أن يقنع نفسه أن ما يشعر به مجرد شفقة...كان وجه مريم المنهك يعود إلى ذهنه.


ولأول مرة...بدأ يشك في نفسه، هل هي فعلًا مجرد شفقة؟. 




عادت ريتال إلى القصر برفقة سليم...




كانت السيارة تسير ببطء، بينما كانت هي جالسة بجواره في صمت.


وجهها كان مليئًا بالكدمات.


إحدى عينيها متورمة، وأسفلها ازرقّ بشكل واضح، وعلى وجهها آثار تعب جعلتها تبدو وكأنها لم تنم منذ أيام.


أما جسدها كله...


فكان يؤلمها.


كل حركة كانت تذكرها بما حدث.


لكنها ظلت صامتة.


لم تكن تريد أن يشفق عليها أحد.


توقفت السيارة أمام القصر.


نظر سليم إليها: وصلنا."


هزت رأسهاثم فتحت الباب ببطء وضعت قدمها على الأرض...وحاولت أن تقف.


"أنا كويسة."قالتها قبل أن يسألها حتى.


خطت خطوة... ثم أخرى... لكن فجأة...خذلتها قدماها... اختل توازنها وسقطت على الأرض.


"ريتال!"فتح سليم باب السيارة بسرعة، ونزل وركض نحوها.


انحنى بجوارها: إنتِ كويسة؟!"


لم تجبه كانت تحاول التقاط أنفاسها قالت بصوت ضعيف:أنا... كويسة."


نظر إلى وجهها.، لم يصدقها بالطبع، مد يديه إليها.


"تعالي."


حاولت الاعتراض:سليم، أنا أقدر..."


لكنه لم يسمح لها بإكمال كلامها حملها بين ذراعيه.


"مش هتتعبي نفسك."


وضعت ريتال رأسها على كتفه وأغمضت عينيها... لم تكن لديها حتى الطاقة لتجادله.


دخل بها إلى القصر ولحسن الحظ...لم يكن هناك أحد، صعد بها الدرج بهدوء حتى وصل إلى غرفتها.


فتح الباب.


سألها:أحطك فين؟"


فتحت عينيها بصعوبة وأشارت إلى منتصف الغرفة.


"هناك."


نظر إليها باستغراب: على الأرض؟"


هزت رأسها: يوه."


سليم: ليه؟"


قالت بصوت خافت: بس اعمل اللي بقولك عليه."


تنهد سليم... ثم وضعها بحذر في المكان الذي أشارت إليه.جلست ريتال على الأرض وأسندت ظهرها إلى طرف السرير.


اقترب منها :متأكدة إنك مش محتاجة دكتور؟"


هزت رأسها: لا."


سليم : أكل؟"


. ريتال : لا."


سليم : مياه؟"


ريتال : بعد شوية."


ظل واقفًا أمامها كان واضحًا أنه غير مقتنع.


"هسيب الباب مفتوح."


قالت بسرعة: لا."


توقف.


ريتال : اقفله."


نظر إليها للحظات ثم قال: حاضر."


وقبل أن يخرج...انحنى بجوارها : لو احتجتي أي حاجة، نادي عليا."


نظرت إليه ثم ابتسمت ابتسامة ضعيفة."حاضر يا سليم."


خرج وأغلق الباب خلفه وبمجرد أن اختفى صوته من الخارج...


وضعت ريتال يدها على وجهها... غمضت عينيها... وأخذت نفسًا عميقًا.


كانت تحاول أن تبدو قوية أمام الجميع...لكنها في الحقيقة كانت بالكاد تستطيع الوقوف.


والأصعب من الألم كله...أنها لم تكن تعرف لماذا اختُطفت أصلًا... ولا من الذي يقف وراء كل ما يحدث لها.


ظلت ريتال جالسة في منتصف الغرفة...ظهرها مستند إلى السرير، وعيناها مغمضتان.


لكن فجأة...


عادت إليها ذكرى المستشفى... ذلك الصباح...حين فتحت عينيها للمرة الأولى... كان سليم جالسًا أمام سريرها.


يمسك يدها بكلتا يديه...ويبكي.


تذكرت صوته وهو يردد: أنا آسف..."


ثم عادت إليها بقية التفاصيل... الخوف.. السيارة... الطريق.... كل شيء.


فتحت عينيها ببطء.. وسقطت دمعة على خدها، ثم أخرى، وفي تلك اللحظة...


فتح سليم عينيه.


كان قد غلبه التعب وجلس خارج الغرفة للحظات، لكنه لمحها من الباب.


"ريتال؟"


رفعت عينيها إليه... دخل بسرعة.


"إنتِ كويسة ؟"


مسحت دموعها.


"لا."


جلس أمامها."طمنيني عليكي."


سكتت.


مد يده إليها. "قوليلي بس إيه اللي حصل."


لم تجبه.


قال بصوت مكسور:أنا عارف إنك مش عايزة تتكلمي بس أنا أخوكي... ومن حقي أعرف مين عمل فيكي كده."


هزت رأسها : مش هقول."


تغيرت ملامحه: ليه؟"


,_مش عارفة."


ثم أضافت: بس مش عايزة حد يعرف."


سليم: ريتال..."


توقفت.. ثم قالت:ولا حد من العيلة."


سألها:حتى ماما أمينة؟"


أغلقت عينيها: خصوصًا ماما."


"ليه؟"


قالت بصوت خافت:مش عايزة أشوفها مكسورة بسببي."


سليم تنهد: بس إنتِ مش السبب."


لم تجبه.ظل ينظر إليها طويلًا.


ثم قال:أنا آسف."


رفعت عينيها إليه : على إيه؟"


سليم: إني مقدرتش أحميكي."


هزت رأسها بسرعة: متقولش كده."


سليم: كان لازم أكون معاكي."


ريتال: سليم..."


سليم: كان لازم..."


قاطعته وهي تمسك يده :إنت عملت كل اللي تقدر عليه و ده نصيبي وقدري."


سكت.ثم قال: بس أنا مش هقدر أسكت بسهولة."


نظرت إليه برجاء.


"عشان خاطري...متقولش لحد."


ظل صامتًا.


كان واضحًا أنه غير مقتنع.


لكن عندما رأى نظرتها...


استسلم.


"حاضر."


تنفست ريتال براحة.


قال سليم: بس هافضل أراقبك."


ابتسمت ابتسامة صغيرة.


"عارفة."


ثم اقترب منها واحتضنها بحذر.


"وعديني...لو حصل أي حاجة تانية، تقوليلي فورًا."


هزت رأسها.


"وعد."


ابتعد عنها.


وقبل أن يخرج، نظر إليها مرة أخيرة.


"بس خلي بالك..."


توقفت أنفاسه للحظة.


ثم قال:


"أنا هاحترم طلبك... لكن ده مش معناه إني هنسى حقك."


خرج وأغلق الباب.


وبقيت ريتال وحدها.


نظرت إلى الباب.


ثم همست:


"أنا آسفة يا سليم..."بس لو عرفت الحقيقة... هتتأذي ."


وسقطت دمعة أخرى على خدها.


انتفضت ريتال من شرودها...


مسحت دموعها بسرعة، ثم رفعت رأسها كانت مريم في الغرفة المجاورة فكرت للحظة أن تذهب إليها.


ربما...مجرد رؤيتها ستجعلها تشعر بالأمان.


وقفت بصعوبةجسدها كان يؤلمها، لكن الألم لم يكن مهمًا الآن.فتحت الباب وخرجت سارت في الممر ببطء حتى وصلت إلى غرفة مريم طرقت الباب بخفة لم تسمع ردًا فتحت الباب كانت مريم جالسة على السرير وجهها شاحب، وعيناها مرهقتان.. لكن بمجرد أن رفعت عينيها...تجمدت.. ظلت تنظر إلى ريتال لثوانٍ.


إلى وجهها إلى الكدمات إلى عينيها المتورمتين.


"ريتال؟!"


لم تنتظر إجابة.. نزلت من السرير بسرعة رغم ألمها.


"إنتِ مالك؟!"


اقتربت منها... ثم أمسكت وجهها بين يديها.


شهقت.


"مين عمل فيكي كده؟!"


ريتال لم تستطع الرد كانت تنظر إليها فقط.


مريم احتضنتها فجأة احتضانًا قويًا رغم ألم جسدها.


"قوليلي! إيه اللي حصل؟"


لكن ريتال...بمجرد أن شعرت بذراعي مريم حولها...


انهارت قدماها لم تعودا قادرتين على حملهاسقطت على الأرض وهي تتمسك بمريم.


صرخت مريم: ريتال!"


ثم جلست بجوارها واحتضنتها.


"أنا معاكي!"


وهنا...انفجرت ريتال في البكاء بكاء هستيري كانت تصرخ وتبكي في الوقت نفسه.


"أنا كنت خايفة..."


مريم كانت تبكي معها اهدي...أنا معاكي."


لكن ريتال لم تستطع التوقف.


"خدوني...أنا معرفتش أعمل حاجة...كنت لوحدي..."


كانت الكلمات تخرج متقطعة بين شهقاتها.


مريم احتضنتها أكثر.


"خلاص...إنتِ هنا محدش هيأذيكي،بس ايه اللي حصل؟."


لكن ريتال هزت رأسها بعنف.


"أنا مش عايزة أقول...مش عايزة حد يعرف."


مريم نظرت إليها بصدمة.


"ليه؟"


ريتال لم تجب فقط دفنت وجهها في صدرها وظلت تبكي.


ومريم، رغم كل ما تحمله بداخلها...لم تسألها أكثر اكتفت باحتضانها.


وكأنها فهمت دون أن تعرف التفاصيل...أن صديقتها لم تكن بحاجة إلى الأسئلةكانت بحاجة فقط إلى شخص يقول لها:


"إنتِ مش لوحدك."


وبينما كانت مريم تمسح على شعرها...رفعت عينيها نحو باب الغرفةكانت نظرتها مليئة بالخوف.


لأنها أدركت شيئًا واحدًا:الكدمات الموجودة على وجه ريتال لم تكن مجرد آثار إصابة...


كان خلفها شيء أكبر بكثير شيء جعل ريتال، التي كانت دائمًا قوية...تنهار بهذه الطريقة.


ظلّت مريم محتضنة ريتال، بينما كانت شهقاتها تهدأ شيئًا فشيئًا...حتى بدأ جسدها يثقل.


رفعت مريم عينيها إليها."ريتال؟"


لم تجب كانت قد غلبها النوم من شدة الإرهاق نامت في حضن مريم، ووجهها ما زال يحمل آثار الدموع والخوف.


مريم مسحت على شعرها بحنان : نامي يا حبيبتي..."


ثم حاولت أن تحركها نحو السرير لكن جسد مريم نفسه لم يكن قد استعاد قوته بعد وضعت يدها على حافة السرير، وحاولت الوقوف تألمت، لكنها تماسكت"آه..."


نظرت إلى ريتال: عشانك بس."


حاولت مساعدتها على النهوض مرة...ثم توقفت تلتقط أنفاسها ثم حاولت مرة أخرى وبصعوبة شديدة...


نجحت في إيصال ريتال إلى السرير أنزلتها برفق، وعدلت الوسادة تحت رأسها.


ثم جلست بجوارها كانت تنظر إلى وجهها طويلًا إلى الكدمات إلى عينيها المتورمتين وانهمرت دموع مريم من جديد.


"إيه اللي حصلك يا ريتال؟"


مسحت دمعة من على خد صديقتها ثم رفعت يديها وبدأت تقرأ لها بعض آيات القرآن بصوت منخفض وهادئ.


كانت تقرأ...وتبكي.


كلما انتهت من آية، مسحت دموعها، ثم عادت للقراءة لم تكن تعرف كيف تساعدها.


لم تكن تملك علاجًا لخوفها ولا تستطيع أن تمحو ما حدث لكنها كانت تملك الدعاء وبين آية وأخرى...


كانت تنظر إلى ريتال وتهمس: يا رب اشفيها."


ثم تنظر إلى نفسها فتنزل دمعة جديدة :واشفيني أنا كمان يا رب."


كانت ليلة طويلة...ثقيلة...مريرة.


في القصر...


كان الجميع قد غلبهم التعب.


منهم من نام وهو موجوع.


ومنهم من نام وقلبه مقهور.


ومنهم من نام سعيدًا لأن شخصًا عزيزًا عليه نجا.


ومنهم...


من لم يستطع النوم أصلًا.


كان هناك من يفكر في القادم.


ومن يخفي أسرارًا.


ومن يخطط لشيء لا يعرفه أحد.


وفي غرفة مريم...


كانت ريتال نائمة بسلام لأول مرة منذ عودتها.


ومريم جالسة بجوارها، تقرأ القرآن بصوت خافت، ودموعها تنزل دون توقف.


ومع مرور الساعات...


هدأ كل شيء.


أُغلقت الأبواب.


انطفأت الأنوار.


وساد القصر السكون.


لكن خلف هذا السكون...


كانت هناك حكايات لم تنتهِ بعد.


حكايات موجعة...


وحكايات سعيدة...


وأخرى كان أصحابها يخططون لها في الظلام.


وانتهت تلك الليلة...


على وعدٍ غير معلن بأن صباح الغد...


لن يكون عاديًا.


بعد شهرين...


كانت الحياة قد عادت إلى طبيعتها...


أو هكذا كان يبدو الأمر من الخارج.


القصر عاد هادئًا.


الضحكات عادت للممرات.


والجلسات العائلية عادت من جديد.


لكن الحقيقة...


أن لا شيء عاد كما كان.


كل شخص في هذه العائلة خرج من الأشهر الماضية بشيء مختلف.


شيء لم يكن ظاهرًا للعين...


لكنه كان موجودًا في القلب.


في الجامعة...


كانت مريم تسير في الممرات من جديد.


حقيبتها على كتفها، ونظرات الطلاب تتبعها بين الحين والآخر.


بعدما استطاع آدم، بكل نفوذه وإصراره، أن يعيد لها حقها.


لم يكتفِ بإلغاء قرار فصلها...


بل رفع قضية ضد عميد الكلية، بعدما أثبت أن قرار فصل مريم صدر دون وجه حق.


وبالفعل...


صدر الحكم بسجنه.


أما مريم...


فقد قرر آدم تأجيل عامها الدراسي... هي وريتال معًاحتى تتعافيا وتستطيعا العودة من جديد.


كانت مريم تسير وسط الجامعة بهدوء لكنها لم تعد الفتاة نفسهاجسدها بدأ يستعيد عافيته شيئًا فشيئًا.


أما قلبها...فكان ما يزال يحمل جرحًا لم يلتئم كانت تتعامل مع الجميع بابتسامة هادئة.


تجيب عندما تُسأل... وتتحدث عندما تضطر... لكنها لم تعد تسمح لأحد بالاقتراب كثيرًا.


وكأنها بنت حول قلبها جدارًا عاليًا...ولا تنوي السماح لأحد بتجاوزه.


أما سليم...


فلم يتوقف.


منذ حادث اختطاف ريتال...


وهو يبحث.


اتصالات.


كاميرات.


أشخاص.


معلومات.


أسماء.


كل طريق كان يظن أنه سيقوده إلى الشخص المسؤول...كان ينتهي بلا شيء.


ومع ذلك...لم ييأس.


كان يعرف أن الشخص الذي أذى أخته ما زال موجودًا... وكان مؤمنًا أن اليوم الذي سيجده فيه...


سيأتي حتى لو بعد سنوات.


أما ريتال...


فقد كانت أكثر من تغير لم تعد تلك الفتاة التي كانت تضحك لأتفه الأسباب.ولا التي تملأ المكان بحكاياتها.


ولا التي كانت تتحدى آدم في كل شيء أصبحت هادئة.. هادئة بشكل مخيف.


تجلس مع الجميع.. تبتسم.. تجيب... وتتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.


لكنها في الليل...كانت شخصية أخرى تمامًا... عندما يغلق الجميع أبواب غرفهم...كانت ريتال تجلس وحدها.


تضم ركبتيها إلى صدرها.. وتبكي بهدوء دون صوت حتى لا يسمعها أحد.


كانت تحاول أن تكون قوية أمام الجميع لكنها لم تكن تعرف أن سليم وحده كان يعرف كان يراها أحيانًا بعينيها الحمراوين في الصباح...ويفهم دون أن تسأله وكان يحترم صمتها فقط يظل قريبًا منها.


وفي مكان آخر...


كان ياسر يجلس وحده.


أمامه أوراق كثيرة.


وصور.


وأسماء.


كان ينظر إليها بشرود.


لم يعد يعرف...


هل كان على حق؟


هل ظلم مريم؟


هل صدق الكذبة؟


أم أن كل شيء حدث لأنه فقد السيطرة على نفسه؟


أسئلة كثيرة.


لكن وسط كل هذه الأسئلة...


كان هناك شيء واحد فقط يعرفه.


الانتقام.


رفع عينيه عن الأوراق.


وقال بصوت منخفض:


"المرة دي..."


توقف.


ثم ابتسم ابتسامة باردة.


"مش هتكون زي اللي فاتت."


كان يجهز لخطة جديدة.


خطة أكثر تعقيدًا.


وأكثر خطورة.


ولم يكن يعرف أحد...


ما الذي يخطط له.


أما نور ومحمد...


فكانت حكايتهما مختلفة تمامًا.


كل منهما يعرف أن الآخر يحبه.


وكل منهما ينتظر.


نور تنتظر أن يعترف محمد.


ومحمد ينتظر أن تعطيه نور إشارة.


وفي كل مرة يجتمعان فيها...


تحدث أشياء كثيرة.


إلا أهم شيء.


الحب.


كان موجودًا بينهما...


لكن كلمة واحدة فقط كانت ناقصة.


"بحبك."


أما أحمد...


فقد اتخذ قراره أخيرًا.


جلس وحده في غرفته، يفكر في سهيلة.


تذكر ضحكتها.


خجلها.


طريقتها في الكلام.


وكل مرة حاول فيها إخفاء مشاعره.


ابتسم لنفسه.


ثم قال:


"كفاية بقى."


نهض.


"لازم أقولها."


فتح باب غرفته.


واتجه إلى الخارج.


كان يعرف أن الاعتراف ليس سهلًا.


لكن هناك أشياء...


لو تأخرنا في قولها...


قد نفقد فرصة قولها إلى الأبد.


وهكذا...


مرت الأيام.


من الخارج...


كانت الحياة تبدو هادئة.


جامعة.


قصر.


ضحكات.


حب جديد.


وأيام عادية.


لكن في الحقيقة...


كان كل شخص يحمل شيئًا مخفيًا.


مريم تحمل وجعها.


ريتال تحمل سرها.


سليم يحمل غضبه.


آدم يحمل أسئلته.


نور ومحمد يحملان حبًا لم يُعلن.


أحمد يحمل اعترافًا ينتظر اللحظة المناسبة.


وياسر...


كان يحمل خطة.


خطة لم يكن أحد يعرف إلى أين ستقودهم.


والأسوأ...


أن هذه المرة...


لم يكن الخطر قادمًا من الماضي فقط.


بل كان يقترب منهم...


خطوة بعد خطوة.


كان صباح يوم جديد قد بدأ في القصر...


أشعة الشمس تسللت من النوافذ، وبدأت أصوات الحركة تنتشر في المكان من جديد.


في الطابق العلوي...


كانت ريتال تقف أمام المرآة، ترتب خمارها بهدوء، بينما كانت مريم تجهز نفسها بجوارها.


دخلت نور وهي تحمل حقيبتها.


"خلصتوا؟"


نظرت إليها ريتال.


"أيوه."


دخلت سهيلة خلفها مباشرة.


"وأخيرًا!"


ثم نظرت إلى مريم.


"النهارده ممنوع كلمة لا."


ابتسمت مريم بخفة.


"هو أنا قلت حاجة؟"


ردت نور:


"وشك لوحده بيقول إنك هتفضلي قاعدة في العربية ومش هتنزلي."


ضحكت سهيلة.


"عشان كده إحنا قررنا."


رفعت مريم حاجبها.


"قررتم إيه؟"


"هنخرجكم غصب."


نظرت ريتال إليهما.


"إنتوا الاتنين مجانين."


قالت نور:


"أيوه."


وأضافت سهيلة:


"بس مجانين عايزين يفرحوكم."


نظرت مريم إلى ريتال.


للحظة...


ظهرت على وجهها ابتسامة حقيقية صغيرة.


ثم قالت:


"طيب."


في الطابق السفلي...


كانت أمينة تجلس مع أمل.


كانتا تتحدثان، لكن ملامح أمينة لم تكن تحمل أي فرحة.


قالت بحزن:


"أمل..."


رفعت أمل عينيها إليها.


"نعم؟"


تنهدت أمينة.


"إنتِ شايفة ريتال؟"


سكتت أمل.


"دي مش ريتال."


ثم تابعت بصوت مكسور:


"دي كانت مالية البيت فرح."


"ضحكها كان بيوصل لكل مكان."


"كانت تدخل علينا الصبح وهي بتتكلم وتضحك وتعمل دوشة."


ابتسمت أمل بحزن.


"يمكن الوقت ده كله اللي حصل لمريم أثر عليها."


هزت أمينة رأسها.


"أنا فكرت في ده."


"بس مش مقتنعة."


نظرت إليها أمل.


"ليه؟"


قالت أمينة:


"لأن ريتال بتحب مريم جدًا، آه."


"لكن أنا أمها."


"وأنا عارفة بنتي."


خفضت صوتها.


"اللي في عينيها مش مجرد حزن على صاحبتها."


صمتت أمل.


أكملت أمينة:


"في حاجة بتوجعها."


"حاجة هي مش عايزة تقولها."


أمل حاولت تهدئتها.


"يمكن هي محتاجة وقت."


"يمكن."


لكن أمينة لم تبدُ مقتنعة.


ظلت تنظر إلى الدرج.


وكأنها تنتظر أن تظهر ريتال أمامها في أي لحظة.


ثم قالت:


"نفسي بنتي ترجع زي الأول."


وضعت أمل يدها فوق يدها.


"هترجع."


أمينة ابتسمت ابتسامة حزينة.


"يا رب."


وفي تلك اللحظة...


سمعتا صوت ضحكة من الطابق العلوي.


رفعت أمينة رأسها بسرعة.


لكن الضحكة اختفت بسرعة.


فعادت ملامحها للحزن.


كانت ضحكة قصيرة جدًا...


لكنها جعلتها تتمنى لو سمعتها كل يوم.


ولم تكن تعرف...


أن ريتال في تلك اللحظة كانت تجهز نفسها للخروج.


وأن هذا اليوم الذي بدأ عاديًا جدًا...


قد يحمل لها شيئًا لم تكن مستعدة له.




كان المول مزدحمًا...


أصوات الناس في كل مكان، والموسيقى الهادئة تخرج من المحلات، بينما كانت نور وسهيلة تتنقلان بين المتاجر بحماس.


"بصي يا مريم! ده تحفة!"


رفعت مريم الفستان أمامها وضحكت بخفة.


"إنتِ عايزة تلبسيني كل اللي في المحل؟"


ضحكت سهيلة.


"طبعًا!"


أما ريتال...


فكانت تسير خلفهما بصمت.


كانت تحاول أن تبتسم.


تحاول أن تشاركهما الحديث.


لكنها لم تكن تشعر بأي فرح.


منذ أن دخلوا المول...


كان هناك ألم غريب في بطنها.


في البداية تجاهلته.


ثم بدأ يزداد تدريجيًا.


وضعت يدها على بطنها دون أن يلاحظ أحد.


أخذت نفسًا عميقًا.


"هستحمل."


قالتها لنفسها.


لكن الألم لم يتوقف.


بل أصبح أشد.


كانت نور تتحدث بحماس:


"ريتال، إيه رأيك في ده؟"


التفتت إليها.


"حلو."


سهيلة ضحكت.


"إنتِ حتى مبصتيش عليه."


ابتسمت ريتال ابتسامة باهتة.


"حلو والله."


لكن مريم لاحظت شحوب وجهها.


"إنتِ كويسة؟"


"آه."


"متأكدة؟"


"بس تعبانة شوية."


ثم قالت:


"أنا هروح الحمام."


اتجهت بعيدًا عنهم.


خطوة...


ثم أخرى...


لكن الألم أصبح مفاجئًا وقاسيًا.


توقفت.


وضعت يدها على بطنها.


"آه..."


حاولت أن تستند إلى أحد الأعمدة.


ثم فجأة...


صرخت بأعلى صوتها.


"آآآآه!"


استدار الجميع نحوها.


"ريتال!"


ركضت مريم ونور وسهيلة إليها.


لكن قبل أن يصلوا...


بدأ الدم يظهر.


تجمدت مريم مكانها.


"يا نهار أبيض!"


صرخت نور:


"اتصلوا بالإسعاف!"


سهيلة أخرجت هاتفها بسرعة.


"ألو؟! في واحدة تعبانة جدًا وبتنزف!"


مريم كانت بجوار ريتال، تمسك يدها.


"ريتال، بصيلي!"


كانت ريتال شاحبة للغاية.


"أنا... تعبانة..."


"استحملي."


"الإسعاف جاي."


بدأ الناس يتجمعون حولهم.


فصرخت نور:


"ابعدوا! سيبوها تتنفس!"


كانت سهيلة تبكي وهي تتحدث مع الإسعاف.


"أيوه... المول..."


ثم نظرت إلى ريتال.


"استحملي يا ريتال."


بعد دقائق بدت كأنها ساعات...


وصلت سيارة الإسعاف.


اندفع المسعفون نحوها.


"لازم ننقلها فورًا."


مريم أمسكت بيدها.


"أنا جاية معاها."


ركبت معها.


نور وسهيلة صعدتا خلفهما.


وانطلقت سيارة الإسعاف بسرعة.


أما ريتال...


فكانت عيناها تغلقان ببطء.


ومريم تمسك يدها وهي تبكي.


"افتحي عينيكي يا ريتال."


"إنتِ سامعاني؟"


لكن ريتال لم تجب.


وفي تلك اللحظة...


لم تكن أي واحدة منهن تعرف ما الذي يحدث داخل جسد ريتال.


ولا لماذا بدأ هذا النزيف فجأة.


كل ما كن يعرفنه...


أن صديقتهم التي حاولوا إخراجها من حزنها...


كانت الآن في طريقها إلى المستشفى من جديد.


والخوف الذي ظنوا أنهم تركوه خلفهم...


عاد إليهم مرة أخرى.


بعد وقت... 


صلت عربية الاسعاف والاطباء دخلوا ريتال الطوارئ 


وبعد نصف ساعة خرجت الطبيبة وعلى وجهها علامات الحزن وقالت:  انا اسفة... 


البنات بصدمة وذهول وصوت واحد: انتي بتقولي ايه؟ 


ياترا الدكتورة هتقول ايه؟ ده اللي هنعرفه الفصل الجاي.


                الفصل الخامس عشر من هنا 

            لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة