رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الخامس عشر 15 بقلم اية محمود

رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الخامس عشر 15 بقلم اية محمود

 

كانت مريم ونور وسهيلة واقفات أمام غرفة الطوارئ منذ ما يقارب نصف ساعة، لا تعرف أي واحدة منهن ماذا تقول للأخرى، وكأن الصدمة التي أصابتهن في المول جعلت الكلام نفسه شيئًا ثقيلًا على ألسنتهن؛ كانت نور تمشي ذهابًا وإيابًا أمام الباب وهي تعصر يديها من شدة التوتر، بينما جلست سهيلة على أحد المقاعد وهي تحدق في الأرض ودموعها تنزل دون أن تشعر، أما مريم فكانت واقفة أمام الباب مباشرة، عيناها لا تفارقان المكان الذي اختفت خلفه ريتال، وكلما حاولت أن تطمئن نفسها بأن الأمر سيمر كانت صورة ريتال وهي تصرخ وتتألم تعود إلى ذهنها من جديد.




وفجأة انفتح باب الطوارئ، وخرجت الطبيبة وهي تخلع القفازات من يديها، فاندفعت البنات نحوها في نفس اللحظة، وسألتها مريم بصوت مرتجف: "دكتورة... ريتال عاملة إيه؟" نظرت الطبيبة إليهن للحظات ثم قالت بأسف: "هي بخير الحمد لله، وقدرنا نسيطر على النزيف، وحالتها حاليًا مستقرة، لكن اللي حصل لها كان نتيجة إجهاد شديد جدًا وحالة نفسية سيئة، بالإضافة إلى أن نزول الدورة الشهرية جاء في توقيت زاد فيه الضغط على جسمها، وده أدى إلى نزيف حاد،




 لكن الحمد لله إحنا سيطرنا على الوضع في الوقت المناسب." وضعت نور يدها على صدرها وهي تلتقط أنفاسها، بينما قالت سهيلة بسرعة: "يعني هي مش في خطر؟" هزت الطبيبة رأسها قائلة: "حاليًا لا، لكنها محتاجة راحة ومتابعة، وممنوع تمامًا تتعرض لأي ضغط أو توتر، لأنها ما زالت في فترة تعافٍ وجسمها لا يتحمل الإجهاد." ثم أضافت بابتسامة مطمئنة: "هي فقدت وعيها بسبب التعب، لكن غالبًا هتفوق خلال نصف ساعة."




تنفست مريم براحة، وأغمضت عينيها وهي تحمد الله بصوت خافت، ثم احتضنت نور سهيلة معًا، وانفجرت الثلاث في البكاء من شدة الخوف الذي عاشته كل واحدة منهن خلال الدقائق الماضية، وبعدها جلسن ينتظرن أمام الغرفة، وكل واحدة منهن تحاول أن تتخيل شكل ريتال عندما تفتح عينيها.




ومرت الدقائق ببطء شديد، حتى كأن نصف الساعة أصبح ساعات طويلة، إلى أن خرجت الممرضة وأخبرتهن أن ريتال بدأت تستعيد وعيها، فاندفعت مريم نحو الغرفة وتبعتها نور وسهيلة، لكنهن توقفن عند الباب عندما رأين ريتال تفتح عينيها ببطء شديد، بينما كانت تحاول استيعاب المكان من حولها، وقالت بصوت ضعيف: "أنا... فين؟" اقتربت منها مريم بسرعة وجلست بجوارها، وأمسكت يدها وهي تبتسم وسط دموعها: "في المستشفى يا مجنونة... خوفتينا عليكي."




نظرت ريتال إليها للحظات، ثم حاولت الابتسام، وقالت بصوت متعب: "أنا آسفة..." فردت مريم فورًا: "متعتذريش، أهم حاجة إنك بخير." اقتربت نور وهي تمسح دموعها وقالت: "إنتِ عارفة إننا كنا هنموت من الرعب؟" فضحكت ريتال ضحكة صغيرة متعبة، فقالت سهيلة: "أهو بتضحكي... الحمد لله، كده عرفنا إنك رجعتي."




ولم تمر سوى دقائق حتى بدأ أفراد العائلة في الوصول إلى المستشفى بعد أن أخبرتهم البنات بما حدث؛ وصلت أمينة أولًا وهي تكاد تركض من شدة الخوف، وما إن رأت ريتال حتى اقتربت منها واحتضنتها بحذر، وهي تردد: "يا حبيبتي... خوفتيني عليكي." حاولت ريتال طمأنتها قائلة: "أنا كويسة يا ماما، متخافيش." لكن أمينة لم تستطع منع دموعها وهي تنظر إلى وجه ابنتها، وكأنها كانت ترى للمرة الأولى مقدار التعب المختبئ خلف ابتسامتها.




وصل أمل وأيوب وسميرة وأحمد ومحمد، ثم حضر الجد والجدة، وبعدهم بقية أفراد العائلة، وتحول الممر الهادئ إلى حالة من القلق والاطمئنان في الوقت نفسه؛ كل شخص يريد أن يطمئن عليها، وكل شخص لديه سؤال، بينما كانت ريتال تنظر إلى وجوههم جميعًا وتحاول أن تبتسم حتى لا يشعر أحد بأن شيئًا بداخلها ما زال يؤلمها.


أما مريم فكانت واقفة بجوار سريرها، تنظر إليها بصمت، وقد أدركت أن ما حدث اليوم لم يكن مجرد وعكة صحية عابرة، بل كان دليلًا آخر على أن ريتال تحمل داخلها شيئًا أكبر بكثير مما تسمح لأحد برؤيته.


وفي وسط الزحام والقلق...


كانت هناك عيون تراقب من بعيد.




بعد أن اطمأن الجميع على ريتال، بدأت أجواء الغرفة تهدأ شيئًا فشيئًا، وتحولت حالة التوتر التي سيطرت على المكان منذ وصولهم إلى أحاديث جانبية وضحكات خفيفة، وكأن الجميع كان يحتاج إلى أي لحظة فرح تعيد إليهم شيئًا من الحياة الطبيعية التي افتقدوها طوال الفترة الماضية. كانت ريتال مستلقية على السرير، ومريم ونور وسهيلة بجوارها، بينما وقف باقي أفراد العائلة حولها، وفجأة وجد محمد نفسه ينظر إلى الجميع بنظرة غريبة جعلت أحمد يشك فيه فورًا،




 فقال له: "مالك يا محمد؟ شكلك ناوي على مصيبة." ابتسم محمد بثقة مصطنعة وقال: "أنا؟ مصيبة إيه بس؟ أنا راجل محترم وجاي في موضوع رسمي جدًا." رفع آدم حاجبه وقال: "رسمي؟ إنت؟" فرد محمد: "أيوه يا أخويا، ورسمي جدًا كمان." ثم تقدم بخطوة إلى منتصف الغرفة، وعدّل ملابسه وكأنه داخل يقدم طلبًا في مجلس إدارة، وقال بصوت مرتفع: "بسم الله الرحمن الرحيم... يا جماعة أنا بما إننا كلنا مجتمعين النهارده، ودي فرصة مش هتتعوض، فأنا قررت أخلص من الموضوع اللي بقاله سنين بيتأجل." نظر الجميع إليه بفضول، فقال أحمد: "قول يا عم، متعملش فيها خطيب جمعة." فرد محمد: "أنا جاي أطلب إيد نور."




ساد الصمت لثانيتين فقط، ثم انفجر الجميع في الضحك، بينما اتسعت عينا نور وقالت: "محمد!" فضحك وقال: "إيه؟ ما أنا قلت أعملها قدام العيلة كلها، أهو محدش يقول بعد كده إني اتكلمت من وراكم." وضعت نور يدها على وجهها من شدة الإحراج، بينما قالت سهيلة وهي تضحك: "هو إنت فاكر نفسك في فيلم عربي قديم؟" فرد محمد: "أيوه، بس ناقصني بس موسيقى في الخلفية." ثم توجه مباشرة إلى الجد وقال: "يا جدي، أنا طالب إيد حفيدتك نور رسمي، وحابب أعرف رأيك."




 نظر الجد إلى الجدة وقال بكل هدوء: "إيه رأيك يا أم العيال؟" الجدة ضربته بخفة على ذراعه وقالت: "إنت اللي هتجوزها ولا أنا؟ اسأل العروسة الأول." ضحك الجميع، فقال الجد: "طب ماشي، نسأل العروسة." ونظر إلى نور قائلًا: "إيه رأيك يا بنتي؟"




نور ظلت صامتة من شدة الإحراج، بينما محمد يقف أمامها منتظرًا الإجابة وكأنه ينتظر نتيجة امتحان الثانوية العامة، فقالت ريتال من على السرير وهي تضحك: "قوليلهم يا نور، الراجل هيغمى عليه." نظرت نور إليها بضيق مصطنع وقالت: "إنتِ اسكتي خالص." فرد محمد بسرعة: "أيوه اسكتي يا ريتال، دي لحظة تاريخية." فقالت نور: "أنا أصلًا مش موافقة."




 شهق محمد ووضع يده على صدره قائلًا: "يا جماعة حد يلحقني!" وانفجر الجميع بالضحك، ثم قالت نور وهي تبتسم رغماً عنها: "أنا ما قلتش كده." فقال محمد: "أمال قلتي إيه؟" ردت بخجل: "موافقة." فصفق أحمد وسليم، وبدأت سهيلة تضحك، بينما محمد رفع يديه إلى السماء وقال: "الحمد لله... أخيرًا."




لكن الجد رفع يده وقال: "استنى يا محمد، إحنا لسه مخلصناش." نظر إليه محمد بقلق: "في إيه يا جدي؟" قال الجد: "أنا سألت العروسة، بس العروسة ليها أم." ثم نظر إلى أمل وقال: "إيه رأيك يا أم نور؟" ابتسمت أمل وقالت: "أنا موافقة، طالما بنتي موافقة، وأنا عارفة محمد كويس." فقال محمد بسرعة: "ربنا يخليكي يا طنط، كنت عارف إنك هتنصفيني."




 وهنا تدخلت أمينة وهي تضحك وقالت: "بس إنت نسيت أهم حاجة." نظر إليها محمد: "إيه؟" فقالت: "العيلة كلها لازم توافق، مش كده؟" فقال سليم: "أنا عندي شرط." التفت إليه محمد وقال: "إيه هو؟" اقترب سليم منه وقال: "لو زعلت نور يوم واحد، هتلاقيني أنا قدامك." فضحك محمد وقال: "وأنا موافق يا سيدي، بس إنت بتتكلم كأنك أبوها."




اقترب سليم من نور، ولف ذراعه حول كتفها بحنان، وقال أمام الجميع: "نور دي زي أختي، وأنا هفضل جنبها طول العمر، ولو وافقتوا على الجواز، أنا اللي هكون وكيلها." ضحكت نور وقالت: "سليم..." لكن قبل أن يكمل، جاء أيوب من خلفه وأمسك نور من ذراعها وسحبها إليه وهو يضحك، وقال: "استنى يا عم، مين ده اللي وكيلها؟" ضحك سليم وقال: "أخوها." فرد أيوب: "أخوها ماشي، إنما وكيلها؟ لا يا حبيبي، محدش وكيلها غيري أنا." ثم وضع يده على كتف نور وقال بفخر: "دي بنت أختي، وأنا خالها وزي أبوها، واللي عايزها ييجيلي أنا الأول."




محمد رفع يده وقال: "حاضر يا خالي، بس بالراحة عليا، أنا لسه عريس جديد." فضحك أيوب وقال: "لسه؟ ده إنت لسه طالب إيدها من خمس دقايق!" فقال أحمد: "خلاص يا محمد، جهز نفسك بقى، الموضوع طلع أكبر مما توقعت." رد محمد وهو ينظر إلى نور: "أنا موافق على أي حاجة، المهم العروسة ما ترجعش في كلامها." فنظرت نور إليه بخجل وقالت: "مش هرجع."


تعالت الضحكات من جديد في الغرفة، وحتى ريتال التي كانت متعبة لم تستطع منع نفسها من الضحك، بينما نظرت مريم إليها بابتسامة واسعة، وكأنها للمرة الأولى منذ فترة طويلة تراها تضحك من قلبها ولو للحظات.


وفي وسط كل هذا...


كان الجميع قد نسي للحظات المستشفى والخوف والدموع.


كانت هناك ضحكات...ومزاح...


وطلب زواج بدأ بطريقة كوميدية وانتهى بموافقة العائلة.


أما محمد...


فكان واقفًا بجوار نور مبتسمًا بسعادة، وهو لا يزال غير مصدق أنه أخيرًا قالها أمام الجميع.


لكن أحمد كان يراقبه من بعيد، ثم نظر إلى سهيلة للحظات...


وقال في نفسه:


"خلاص... الدور عليا."


بعد عدة ساعات، وبعدما انتهت الطبيبة من فحص ريتال والتأكد من استقرار حالتها، سمحت لها أخيرًا بالخروج من المستشفى، وكانت تلك اللحظة كأنها خبر ينتظره الجميع منذ دخولها الطوارئ؛ تجمع أفراد العائلة حولها، وكل واحد منهم يحاول أن يفعل شيئًا من أجلها، حتى لو كان بسيطًا. أمينة كانت أكثرهم قلقًا، تسأل الطبيبة للمرة الأخيرة عن الأدوية




 ومواعيدها وما الذي يجب أن تتجنبه، بينما أمل كانت تجهز حقيبتها وتراجع معها كل شيء، ونور وسهيلة كانتا تتشاجران بشكل كوميدي على من ستجلس بجوار ريتال في السيارة، في محاولة واضحة لإخراجها من حالة الصمت التي أصبحت تلازمها.




أما ريتال فكانت تقف بهدوء، ترتدي ملابسها، وتستمع لكل هذا دون اعتراض، وفي عينيها شيء من الامتنان رغم أنها لم تستطع إظهاره بشكل واضح. اقتربت منها مريم، التي كانت لا تزال تتعب من حين لآخر، وقالت لها بابتسامة صغيرة: "أهو هنرجع البيت مع بعض، وممنوع عليكي تعملي نفسك قوية وتتعبي نفسك." ابتسمت ريتال وقالت: "حاضر يا ست مريم." فضحكت نور من الخلف: "برافو! بدأت ترجع لها الروح." فردت ريتال بنظرة جانبية: "متحلميش كتير."




خرجت ريتال من المستشفى وسط الجميع، وكان آدم يسير بالقرب منها دون أن يترك عينيه عنها، وفي كل مرة كانت تتعثر أو تتباطأ كان يسألها بهدوء: "تعبانة؟" فتجيبه فورًا: "لا، أنا كويسة." وكان سليم يسير في الجهة الأخرى، يراقبها بصمت، يعرف جيدًا أنها ليست بخير كما تدعي، لكنه احترم رغبتها في عدم الحديث عما حدث.




وعندما وصلت إلى السيارة، أصرت أمينة أن تجلس ريتال في الخلف وتضع وسادة خلف ظهرها، ثم قالت لها بحنان: "ممنوع أي حركة زيادة، وممنوع تقفي كتير، وممنوع تنسي دواكي." ابتسمت ريتال وقالت: "حاضر يا ماما، أنا مش صغيرة." فردت أمينة فورًا: "بالنسبة لي إنتِ لسه صغيرة."


ضحكت سهيلة، وقالت: "خلاص يا جماعة، سيبوها تتنفس، إحنا هنرجع البيت مش هنوديها عملية تانية." فضحك الجميع، حتى ريتال ابتسمت.


تحركت السيارات أخيرًا باتجاه القصر، وكانت ريتال تنظر من النافذة بصمت، بينما كانت العائلة من حولها تتحدث وتضحك وتحاول بكل طريقة أن تجعل عودتها طبيعية.


لكن داخل ريتال...


كان هناك شيء لم يتغير.


الخوف ما زال موجودًا.


والذكريات لم تختفِ.


والليل ما زال يحمل لها دموعًا لا يعرف عنها أحد.


ومع ذلك، عندما نظرت إلى أمينة وهي تراقبها من المقعد المقابل، ثم إلى سليم الذي كان يتأكد من أنها بخير كل دقيقة، وإلى نور وسهيلة وهما تتشاجران بجوارها...


شعرت للحظة أنها ليست وحدها.


وربما...


كان ذلك أول شيء تحتاجه فعلًا.




مر أسبوع آخر...




كانت ريتال قد تعافت بشكل نسبي، وعادت تتحرك داخل القصر بصورة أفضل، رغم أن آثار التعب ما زالت واضحة عليها، لكنها كانت تحاول أن تعود لحياتها الطبيعية قدر الإمكان. وفي ذلك اليوم كانت جالسة مع مريم في الغرفة، وكل واحدة منهما منشغلة بشيء، حين فجأة رن هاتف مريم.




نظرت مريم إلى الشاشة، وما إن ظهر الاسم أمامها حتى تجمدت ملامحها؛ كان المتصل هو ياسر.


رفعت مريم عينيها نحو ريتال، ثم أعادت النظر إلى الهاتف، وتركت المكالمة تنتهي دون أن ترد. لم تمر سوى دقائق حتى عاد الهاتف للرنين من جديد، فرفضت المكالمة مرة أخرى، لكن ياسر لم يتوقف، واستمرت الاتصالات واحدة تلو الأخرى حتى بدأت ريتال تشعر بالقلق.


قالت ريتال وهي تنظر إلى الهاتف: "مترديش."


ردت مريم ببرود: "مش هرد."


لكن الهاتف استمر في الرنين، حتى قالت ريتال: "مريم، واضح إنه مش هيسكت."


نظرت مريم إليها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وضغطت على زر الإجابة.


"ألو؟"


جاء صوت ياسر من الطرف الآخر، هادئًا على غير عادته: "مريم... أخيرًا رديتي."


سكتت.


فقال بسرعة: "أنا عارف إنك مش عايزة تسمعيني، وعارف إني آخر شخص المفروض تكلميه،


بس أنا محتاج منك فرصة واحدة بس."


لم تجبه.


"أنا آسف يا مريم سامحيني. "


ارتجفت ملامحها قليلًا، لكنها بقيت صامتة.


"أنا غلطت في حقك، وغلطت في حاجات كتير، ومش هطلب منك تنسي كل اللي حصل، بس عايزك تسامحيني."


أغلقت مريم عينيها.


ثم قال: "عايز أشوفك."


فتحت عينيها.


"ليه؟"


"عايز أتكلم معاكي وجهًا لوجه... آخر مرة."


قالت ببرود: "مفيش كلام بينا."


"أرجوكي."


"ياسر..."


"آخر مرة يا مريم، وبعدها مش هزعجك تاني وعد. "


ساد الصمت.


كانت ريتال تراقب وجه مريم طوال المكالمة، وكلما سمعت كلمة من ياسر ازداد القلق في عينيها.


وبعد لحظات قالت مريم: ماشي."


اتسعت عينا ريتال.


أنهت مريم المكالمة، وقبل أن تضع الهاتف جانبًا قالت ريتال بسرعة: "إنتِ وافقتي؟!"


"أيوه."


"مريم، إنتِ مجنونة؟!"


"مش هروح أعمل حاجة هنتكلم بس ."


"إنتِ مش فاهمة! الراجل ده أذاكي قبل كده، وإنتِ بنفسك شفتي اللي حصل!"


قالت مريم بحدة: "أنا عارفة كويس أنا بعمل إيه."


"لا، إنتِ مش عارفة!"


وقفت ريتال أمامها.


"هو مش عايز يشوفك عشان يعتذر، أنا متأكدة إن وراه حاجة."


"وإنتِ بقيتي تعرفي نواياه؟"


"أنا بحذرك مش أكتر!"


"وأنا مش محتاجة تحذير."


اقتربت ريتال منها وقالت بإصرار: "مريم، عشان خاطري متروحيش."


لكن مريم فقدت هدوءها.


"إنتِ ليه مصممة تتحكمي في كل حاجة؟!"


تجمدت ريتال.


"أنا؟"


"أيوه إنتِ!"


قالتها مريم بعصبية، ثم تابعت دون أن تنتبه لمدى قسوة كلماتها:


"من ساعة ما حصل اللي حصل وإنتِ بتعاملي كل الناس كأنهم أعداء، وبتشوفي الخطر في كل حاجة!"


اتسعت عينا ريتال.


"أنا خايفة عليكي."


"مش محتاجة خوفك ده، اساساً محدش طلب منك تخافي عليا، هو انتي كنتي من بقيت أهلي وانا معرفش. "


صمتت ريتال.


كانت الكلمات تؤلمها أكثر مما توقعت.


لكن مريم كانت قد وصلت إلى نقطة غضب جعلتها تقول ما لا تقصده.


"إنتِ أصلًا مش ناقصك غير إنك تقوليلي كل اي واشرب اي واعملي ايه ، ايه يا شيخة ارحميني بقى."


بقيت ريتال تنظر إليها بصمت.


ثم قالت بصوت منخفض:


"أنا كنت بحاول أحميكي."


ردت مريم بعصبية:


"وأنا مش طلبت منك تحميني."


كانت الجملة الأخيرة كافية.


انكسرت ملامح ريتال.


لم تدافع عن نفسها.


لم تجادل.


فقط تراجعت خطوة.


ثم قالت:"تمام."


مريم نظرت إليها، وكأنها بدأت تستوعب أنها تجاوزت حدودها، لكن كبرياءها منعها من الاعتذار.


أما ريتال...


فمسحت دمعة نزلت رغماً عنها، وقالت:"روحي."


ثم أضافت:بس لو حصلك حاجة..."


توقفت للحظة.


"متقوليش إني محذرتكيش."


استدارت ريتال وخرجت من الغرفة.


جلست مريم وحدها.


نظرت إلى هاتفها.


ثم إلى الباب الذي خرجت منه ريتال.


كان بداخلها شعور غريب.


شيء يشبه الندم.


لكنها حاولت دفنه بسرعة.


ثم أمسكت هاتفها وفتحت الرسالة التي أرسلها ياسر.


"مستنيكي."


ظلت تنظر إلى الكلمات طويلًا.


ثم كتبت: هكون هناك."


وفي مكان آخر...


كانت ريتال تقف وحدها أمام نافذة غرفتها.


تحاول أن تمنع دموعها.


لكن عقلها كان يقول شيئًا واحدًا:


ياسر لم يتصل بمريم من أجل الاعتذار.


وكان خوفها الأكبر...أن تكتشف مريم ذلك بعد فوات الأوان.


في المكان المتفق عليه ياسر مع مريم... 


كان المكان بعيدًا عن كل شيء...


طريق طويل تحيط به الأشجار من الجانبين، ولا توجد حوله بيوت أو محلات أو حتى أشخاص يمكن أن تستنجد بهم مريم إذا احتاجت إلى ذلك. طوال الطريق كانت تنظر من نافذة السيارة بشرود، بينما كان ذلك الشعور الغريب يزداد بداخلها شيئًا فشيئًا؛ إحساس يخبرها أن تعود، وأن تسمع كلام ريتال، وأنها ربما ترتكب خطأ لن تستطيع إصلاحه بعد ذلك.


وضعت يدها على صدرها وأغمضت عينيها للحظات، ثم قالت لنفسها: "كفاية خوف... أنا رايحة أتكلم معاه وأرجع." حاولت أن تدفن ذلك الشعور، وكلما عاد إليها كانت تتذكر اعتذار ياسر وكلماته عن أنه يريد رؤيتها للمرة الأخيرة، حتى أقنعت نفسها في النهاية بأن الأمر لن يتجاوز مجرد حديث قصير.


توقفت السيارة أخيرًا.


نزلت مريم، وأغلقت الباب خلفها، ثم نظرت إلى السائق الذي اكتفى بإخبارها بأنه سيعود في الموعد المتفق عليه، وبعدها تحركت السيارة واختفت بعيدًا.


التفتت مريم حولها...


وفجأة تغيرت ملامحها.


كان أمامها البحر، والمكان كله مزين بطريقة جميلة بشكل لم تتوقعه؛ أضواء صغيرة موزعة على امتداد الطريق، وطاولة بعيدة مزينة بالورود، وصوت الأمواج يصل إليها بهدوء، فابتسمت دون أن تشعر.


للحظات...


نسيت كل شيء... نسيت خوفها... نسيت ريتال... نسيت المستشفى.


ونسيت كل ما حدث بينها وبين ياسر.


قالت وهي تنظر حولها: هو عمل كل ده؟"


ثم ابتسمت لأول مرة منذ فترة طويلة.


"ياسر؟"


لم يأتِ رد.


رفعت صوتها قليلًا: ياسر!"


لكنها سمعت شيئًا آخر.


خطوات.. خطوات تقترب من خلفها.


توقفت ابتسامتها.


التفتت ببطء.


وفي اللحظة التي استدارت فيها...


شعرت بألم مفاجئ في صدرها.


تجمد جسدها.


اتسعت عيناها وهي تنظر أمامها.


كان ياسر واقفًا أمامها وجهه هادئ بشكل مخيف...وعلى شفتيه ابتسامة باردة.


لم تستوعب مريم ما حدث....


وضعت يدها على صدرها وأمسكت ذلك السلاح ، ونظرت إليه بعدم تصديق.... نعم لقد طعنها بذلك السلاح التي كانت قد اعتطه إياه ذكرى منها كانت قد رأته في رحلتهما وأعجبها فاشترته لها ولكن بعد عودتهم أعطته اياه كاتذكار منها


  لم تتخيل يوم انه سيطعنها بسلاحها.  


"ياسر...؟"


اقترب منها خطوة.


وقال بصوت منخفض: فاكرة إنك جاية تسمعي اعتذاري؟"


لم تستطع الرد.


اقترب أكثر، ثم قال: أنا جبتك هنا عشان تسمعي حاجة واحدة بس."


كانت عينا مريم ممتلئتين بالصدمة.


ابتسم ببرود.


"ده نتيجة خيانتك ليا  ، انا عندي الخيانة يعني الموت ."قالها ثم سحب الس*لا*ح من صدرها و ط ع. ن ها مرة أخرى


نظرت إليه وكأنها لا تعرف الرجل الذي أمامها.


"ااااه..."


لم تستطع إكمال الجملة.


بدأت خطواتها تتراجع ببطء، بينما كان هو واقفًا أمامها دون أن يظهر على وجهه أي ندم.


وفي تلك اللحظة فقط...


فهمت مريم لماذا كان قلبها يصرخ طوال الطريق طالبًا منها أن تعود.


وفهمت أن ريتال كانت محقة.


لكنها أدركت ذلك...بعد فوات الأوان.


     أعطيتك سيفي لاريك وفائي **** فمالي أرى سيفي تملؤه دمائي 


حقاً إنها... فرحة على حافة الهاوية.


                الفصل السادس عشر من هنا 

             لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة