رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الحادي عشر 11 بقلم اية محمود

 

رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الحادي عشر 11 بقلم اية محمود

 

كان الممر أمام العناية المركزة ممتلئًا بأفراد العائلة.


الجميع واقف...

ولا أحد يتحدث.


من خلف الزجاج كانت أصوات الأجهزة تتعالى.


أطباء يتحركون بسرعة.


ممرضات يدخلن ويخرجن.


وصوت جهاز القلب كان يتردد في المكان.


بيب... بيب... بيب...


كانت أمينة تبكي وهي ممسكة بيد أمل.


"يا رب.... يا رب أنقذها."


أما ريتال فكانت واقفة أمام باب العناية مباشرة.


عيناها لا تفارقان الغرفة.


كانت تشعر بأن قلبها سينفجر من الخوف.


وفجأة...


تغير صوت الجهاز من الداخل.


وتحرك الأطباء بسرعة أكبر.


صرخت إحدى الممرضات:النبض بيضعف!"




تجمد الجميع.




صرخ الطبيب:جهزوا الإنعاش!"




بدأت محاولات إنعاش مريم.




والعائلة بالخارج لم تكن تسمع سوى أصوات متقطعة.




"أبعدوا!"




"مرة تانية!"




"تاني!"




ثم...




صمت للحظات.




أمينة وضعت يدها على فمها.




"يا رب..."




الحاج مصطفى أغمض عينيه.




وسليم أمسك رأسه بيديه.




أما ريتال...




فكانت تبكي بصمت.




ثم فجأة...




جاء صوت من خلفهم.




صوت رجل.




قوي.




هادئ.




وواثق بشكل غريب :أنا اللي هتبرع."




تجمد الجميع.




استداروا في نفس اللحظة.




كان يقف أمامهم رجل لم يروه من قبل.




ملابسه بسيطة، وملامحه هادئة، لكن نظرته كانت ثابتة بشكل أثار القلق.




تقدم خطوة.




"أنا اللي هتبرع لمريم."




ظل الجميع ينظر إليه في صدمة.




سأله آدم:إنت مين؟"




أجاب الرجل بهدوء:أنا بشتغل هنا في المستشفى."




ثم أشار إلى نفسه: وعرفت بحالة مريم."




قال سليم:وعرفت منين إنها محتاجة متبرع؟"




رد: الموضوع اتعرف بين الأطباء."




ثم نظر إلى باب العناية.




"ولما عرفت إن مفيش متبرع متوافق..."




توقف للحظة.




"قررت أتبرع."




الحاج مصطفى اقترب منه: إنت تعرف بنتي؟"




هز الرجل رأسه :  لا."




آدم : و لا تعرفنا؟"




الرجل : لا."




ادم :أمال ليه هتتبرع لحد متعرفوش ؟"




نظر إليه الرجل: لأنها محتاجة."




ساد الصمت.




كانت الإجابة بسيطة...




لكنها لم تُشعر الجميع بالراحة.




خصوصًا ريتال.




كانت تحدق فيه منذ اللحظة التي ظهر فيها.




شيء ما بداخلها كان يصرخ: في حاجة غلط لم تكن تعرف ما هي لكن وجود الرجل نفسه جعل قلبها ينقبض.




نظرت إلى آدم.




فوجدته ينظر إليه بالطريقة نفسها.




كان آدم صامتًا، عيناه تتحركان بين وجه الرجل وباب العناية.




اقترب منه: اسمك إيه؟"




ذكر الرجل اسمه.




ثم قال: لو سمحتوا، الوقت مهم."




في تلك اللحظة خرج الطبيب مسرعًا من العناية.




"المريضة حالتها بتتدهور."




توجهت إليه أمينة : يعني إيه؟"




قال الطبيب: إحنا محتاجين المتبرع فورًا."




نظر آدم إلى الرجل.




ثم إلى ريتال.




كانت عيناها مليئتين بالخوف.




قالت بصوت منخفض: آدم..."




نظر إليها. 




ريتال :أنا مش مرتاحة."




سكت ثم نظر إلى الرجل مرة أخرى.




لكن الطبيب قاطعهم:دي فرصتها الأخيرة."




الجميع صمت.




كانت مريم في الداخل تصارع من أجل حياتها.




والشخص الوحيد الذي ظهر في اللحظة الأخيرة...كان غريبًا عنهم جميعًا.




آدم قبض يده.




ثم قال: ابدأوا الفحوصات."




الرجل أومأ.




"حاضر."




ثم تحرك مع الطبيب.




لكن قبل أن يختفي خلف باب العناية...




التفت للحظة.




نظر مباشرة إلى ريتال.




نظرة قصيرة جدًا.




ثم أكمل طريقه.




ريتال ظلت تحدق في المكان الذي اختفى فيه.




وشعورها لم يختفِ بل أصبح أقوى شيء ما كان يخبرها أن هذا الرجل لم يظهر هنا بالصدفة.




مرت الدقائق التالية وكأنها ساعات...




كان الرجل داخل غرفة الفحوصات، والأطباء يتحركون حوله بسرعة.




أما العائلة...




فكانت تنتظر في الخارج.




وفجأة خرج الطبيب.




رفع الجميع رؤوسهم في نفس اللحظة.




قال الطبيب: التحاليل الأولية متوافقة."




ساد الصمت لثانية واحدة...




ثم انفجرت أمينة في البكاء.




لكن هذه المرة...كانت دموع فرح.




"الحمد لله!"




الحاج مصطفى رفع يديه إلى السماء.




"الحمد لله يا رب."




سليم ابتسم لأول مرة منذ ساعات.




أما ريتال...




فابتسمت، لكن ابتسامتها لم تستمر طويلًا.




كانت تنظر ناحية الرجل الذي دخل غرفة العمليات شيء ما بداخلها لم يكن مطمئنًا.




التفت آدم إليها: إنتِ لسه قلقانة؟"




هزت رأسها: مش عارفة... حاسّة إن في حاجة غلط."




نظر آدم ناحية باب غرفة العمليات.




ثم قال: أنا كمان."




اقترب منهما سليم: إنتوا الاتنين ليه بتبصوا لبعض كده؟"




قال آدم: الراجل ده مش مريحني."




سليم سكت.




ثم قال:أنا كمان بدأت أحس إن الموضوع غريب."




نظر إليه آدم: اعرف عنه كل حاجة."




سليم فهم فورًا : هكلم الرجالة ."




ابتعد قليلًا، وأخرج هاتفه.




"عايز كل المعلومات عن الراجل اللي دخل المستشفى النهارده."




صمت يستمع.




"اسمه بالكامل."




"مكان شغله."




"من إمتى شغال هنا."




"وأهم حاجة..."




خفض صوته.




"عايز أعرف هو ظهر في المستشفى النهارده ليه بالضبط."




أنهى المكالمة.




ثم عاد إليهما.




"هعرف كل حاجة."




بعد وقت قصير...




بدأت العملية.




أُغلقت أبواب غرفة العمليات.




وتحول الممر إلى ساحة انتظار طويلة.




كل شخص جلس أو وقف في مكانه.




الجميع يدعو.




الجميع ينتظر.




كانت نور تجلس على أحد المقاعد، وعيناها ممتلئتان بالدموع.




اقترب منها محمد.




جلس بجوارها.




"نور."




لم تجبه.




قال:هتكون بخير."




مسحت دموعها :انت متأكد؟"




ابتسم رغم قلقه :أنا لو مش متأكد، هقولك إيه؟"




نظرت إليه: أنا خايفة."




مد يده إليها: خافي براحتك..."




ثم ابتسم.




"بس متعيطيش."




نظرت إليه باستغراب: إنت بتأمرني؟"




قال: أيوه."




نور : ليه؟"




محمد :عشان لو عيطتي، أنا هعيط."




نظرت إليه للحظات...




ثم خرجت منها ضحكة صغيرة رغم دموعها.




نور :إنت غبي."




ابتسم: المهم ضحكتي."




على الجانب الآخر...




كانت سهيلة تبكي بصمت.




جلس أحمد بجوارها.




"سهيلة."




لم ترفع رأسها.




"مش قادرة أبطل عياط."




قال:طب جربي."




نظرت إليه باستغراب.




سهيلة : جربي إيه؟"




احمد:  تبطلي شوفتي سهلة اهي ."




سهيلة : يا أحمد!"




ضحك : أهو انتي اتعصبتي، كده أحسن."




مسحت دموعها.




"إنت مستفز."




"بس قدرت أخليكي تتكلمي."




ابتسمت رغمًا عنها.




قال أحمد: مريم قويةوإحنا كلنا مستنيينها تخرج من العملية."




ثم أضاف:




"فلازم لما تفتح عينيها تلاقينا مبتسمين."




هزت سهيلة رأسها.




"إن شاء الله."




كانت أمل واقفة بجوار أختها أمينة.




وضعت يدها على كتفها.




"اهدي."




أمينة كانت تبكي.




"مش قادرة."




"مريم هترجع لنا."




"إن شاء الله."




أمل احتضنتها.




على الجانب الآخر...




كان الحاج مصطفى واقفًا بجوار زوجته أميرة.




أمسك يدها.




لم يتحدثا.




لكن نظراتهما كانت تكفي.




أما أيوب فكان يقف بجوار سميرة.




وكان الصمت هو المسيطر بينهما.




حتى الجد والجدة جلسا بجوار بعضهما، وكل منهما يرفع يديه بالدعاء.




أما ريتال...




فكانت جالسة بين آدم وسليم.




كانت عيناها مثبتتين على باب غرفة العمليات.




قال آدم:متقلقيش."




ردت:أنا بحاول."




قال سليم:مريم هتخرج."




ريتال نظرت إليهما.




"طب والرجل ده؟"




سكت الاثنان.




قال آدم:سليم بيتأكد من كل حاجة."




وأضاف سليم:ولو في أي حاجة غريبة هنكتشفها."




ريتال ابتلعت ريقها.




"أنا مش عارفة ليه...بس أول ما شوفته حسيت إني شفته قبل كده."




آدم نظر إليها باهتمام.




"متأكدة؟"




هزت رأسها.




"مش فاكرة فين."




في تلك اللحظة...




اهتز هاتف سليم.




نظر إلى الشاشة.




كانت رسالة من أحد رجاله.




فتحها.




قرأ أول سطر...




فتغير وجهه.




لاحظ آدم ذلك فورًا.




"في إيه؟"




سليم لم يجب.




رفع عينيه إليه ببطء.




ثم قال:المعلومات وصلت."




بعد ساعات طويلة جدًا...




كانت الساعة قد تجاوزت منتصف اليوم ، والممر لم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار.




الجميع كان مرهقًا، لكن لا أحد فكر في المغادرة.




وفجأة...




انفتح باب غرفة العمليات.




خرج الطبيب.




وقف الجميع في لحظة واحدة.




"دكتور!"




رفع الطبيب يده بهدوء.




"اهدوا."




اقترب الحاج مصطفى منه.




"مريم؟"




ابتسم الطبيب ابتسامة صغيرة.




"العملية انتهت."




ساد صمت قصير...




ثم قال:




"الحمد لله، كل شيء تم بالشكل المطلوب."




وضعت أمينة يدها على فمها، وانهمرت دموعها.




"الحمد لله..."




الحاج مصطفى رفع يديه إلى السماء.




"يا رب لك الحمد."




نور احتضنت سهيلة، ومحمد وأحمد تنفسا براحة.




أما ريتال...




فبدأت تبكي وهي تبتسم.




"الحمد لله..."




لكن الطبيب لم يتركهم يفرحون طويلًا.




قال:




"بس لازم أوضح حاجة مهمة."




سكت الجميع.




"إحنا دلوقتي مش هنقدر نقول إن العملية نجحت بشكل نهائي."




تغيرت ملامحهم.




"إزاي؟"




قال الطبيب:




"العضو الجديد تم وضعه بنجاح، لكن أهم مرحلة لسه بدأت استجابة جسم مريم للعضو هي اللي هتحدد النتيجة."




ثم أضاف:الساعات والأيام القادمة مهمة جدًا."




أمينة سألت بقلق:يعني لسه في خطر؟"




الطبيب :هي تحت المراقبة، وإحنا هنتابعها لحظة بلحظة."




ثم ابتسم.




"لكن حاليًا... العملية تمت بنجاح من الناحية الجراحية."




تنفس الجميع براحة.




الحاج مصطفى قال:الحمد لله."




بعد أن ابتعد الطبيب...




نظر آدم إلى الجميع.




كان واضحًا عليه الإرهاق الشديد.




قال:خلاص."




نظروا إليه.




"كلكم تروحوا."




اعترضت أمينة فورًا:وأنت؟"




آدم :  أنا هفضل."




قال سليم:وأنا هفضل معاه."




آدم أومأ.




لكن ريتال اقتربت منه.




"أنا مش هروح."




نظر إليها.




"ريتال..."




"لا."




"إنتِ من امبارح مش نمتي."




"مش فارق."




"إنتِ جسمك محتاج راحة."




هزت رأسها.




"مريم محتاجاني."




قال آدم بهدوء:




"مريم محتاجة إنك تفضلي قوية."




سكتت.




أكمل:




"لو فضلتي هنا وإنتِ بالحالة دي، هتتعبي."




"وبعدين؟"




"أنا هكون معاها."




نظرت إليه.




"هتطمني عليها؟"




"كل دقيقة."




سليم تدخل:




"وأنا كمان."




ثم ابتسم.




"يعني مش هسيبه لوحده."




ريتال نظرت إليهما.




كانت لا تزال مترددة.




لكن آدم قال:




"ارجعي ارتاحي كام ساعة."




"وأول ما يحصل أي حاجة هكلمك."




ظلت صامتة.




ثم قالت:




"وعد؟"




أومأ.




"وعد."




احتضنته ريتال للحظات.




ثم ابتعدت.




بدأ الجميع يستعد للمغادرة.




أمينة احتضنت آدم.




"خلي بالك من مريم."




"متقلقيش."




الحاج مصطفى وضع يده على كتفه.




"أنا واثق فيك."




أومأ آدم.




ثم خرجت العائلة واحدًا تلو الآخر.




نور مع محمد.




سهيلة مع أحمد.




أمل مع أمينة.




أيوب وسميرة.




الجد والجدة.




وبقي آدم وسليم فقط.




وقفت ريتال عند نهاية الممر.




التفتت إلى باب غرفة مريم مرة أخيرة.




ثم قالت بصوت منخفض:




"استحملي يا مريم..."




"أنا هرجعلك."




وغادرت.




بعد أن اختفى الجميع...




عاد الهدوء إلى الممر.




جلس آدم أمام غرفة مريم.




وسليم بجواره.




قال سليم:




"أنت فعلًا مش هتنام؟"




آدم نظر إلى الباب.




"مش قبل ما أعرف إنها فاقت."




سليم تنهد.




"يبقى هنستنى."




جلس بجواره.




وبقي الاثنان صامتين.




خلف الباب...




كانت مريم ما تزال تحت الأجهزة.




وفي غرفة أخرى...




كان الرجل الغريب الذي تبرع لها يخضع للمراقبة.




أما آدم...




فلم يكن يعلم أن هناك سؤالًا واحدًا سيظل يطارده طوال الليل:




من هو هذا الرجل... ولماذا قرر فجأة أن ينقذ مريم؟




انتهت الليلة أخيرًا...




وبعد ساعات طويلة من الخوف والانتظار، بدأت العائلة تغادر المستشفى واحدًا تلو الآخر.




اتجه معظمهم إلى القصر الملكي، بينما عاد الحاج مصطفى وزوجته أميرة إلى منزلهما.




كان التعب قد أنهك الجميع.




حتى إن بعضهم لم يستطع تبديل ملابسه.




مجرد أن وصلوا...




ناموا.




ناموا وكأن أجسادهم كانت تنتظر فقط أن تطمئن على مريم حتى تنهار.




أما آدم وسليم...




فلم يغادرا المستشفى.




بقي الاثنان في الممر أمام غرفة مريم.




سليم كان جالسًا على المقعد، ورأسه مستند إلى الحائط.




أما آدم فظل واقفًا أمام باب الغرفة.




لم يكن قادرًا على النوم.




كلما حاول أن يغمض عينيه...




تذكر وجه مريم.




وتذكر الرجل الغريب.




وتذكر نظرة ريتال قبل أن تغادر.




في صباح اليوم التالي...




بدأ أفراد العائلة في العودة إلى المستشفى.




كانت ريتال أول من وصل.




دخلت الممر مسرعة.




"آدم!"




خرج آدم من أمام غرفة مريم.




قالت بسرعة:




"في أي أخبار؟"




هز رأسه.




"الدكتور قال إن حالتها مستقرة."




تنفست براحة.




"يعني فاقت؟"




"لسه."




انخفض وجهها.




لكنها قالت:




"هتفيق."




ثم جلست أمام غرفة مريم.




ومنذ ذلك اليوم...




أصبح للمستشفى موعد ثابت في حياتهم.




كل صباح...




كانت ريتال وآدم يصلان معًا.




يجلسان أمام غرفة مريم.




يسألان الطبيب.




ينتظران أي حركة.




أي خبر.




أي شيء يطمئنهما.




وفي الظهر...




كانت بقية العائلة تأتي.




أمينة.




أمل.




نور.




سهيلة.




محمد.




أحمد.




أيوب وسميرة.




والحاج مصطفى وزوجته.




الجميع أصبح يعرف طريق غرفة مريم.




حتى أصبح الممرضون يعرفون وجوههم.




مر أسبوع.




سبعة أيام كاملة...




ومريم لم تفتح عينيها.




لكن حالتها بدأت تتحسن تدريجيًا.




الأطباء أصبحوا أكثر اطمئنانًا.




الأجهزة بدأت تستقر.




والتحاليل أصبحت أفضل.




لكنها...




ما زالت غائبة عن الوعي.




كانت ريتال تجلس بجوارها كلما سمح لها الأطباء.




تمسك يدها.




وتتكلم معها.




"أنا هنا."




"سامعاني؟"




"لو سامعاني... افتحي عينيكي بس."




ثم تضحك وهي تبكي:




"حتى لو هتزعقيلي بعدها."




لكن مريم لم تجب.




مر يوم آخر...




ثم آخر.




ثم آخر.




حتى أصبحوا عشرة أيام.




عشرة أيام كاملة.




عشرة أيام كانت ريتال خلالها تعيش على أمل واحد:




أن تفتح مريم عينيها.




كانت تذهب إليها كل صباح.




وأحيانًا تبقى حتى المساء.




تنام قليلًا.




تستيقظ.




وتعود.




حتى بدأ الجميع يقلق عليها هي أيضًا.




وفي صباح اليوم العاشر...




كانت ريتال جالسة بجوار آدم.




رأسها مستند إلى كتفه من شدة الإرهاق.




قال آدم:




"إنتِ لازم ترتاحي."




هزت رأسها.




"مش هقدر."




"ريتال..."




"أنا عايزة أول ما تفتح عينيها أكون هنا."




ابتسم آدم بحزن.




"هتكوني."




وفجأة...




صدر صوت من داخل الغرفة.




صوت جهاز تغير إيقاعه.




رفع آدم رأسه.




ريتال انتفضت من مكانها.




"إيه ده؟"




فتح الباب الطبيب والممرضة بسرعة.




ثم أُغلق الباب مرة أخرى.




وقفت ريتال أمامه.




"آدم..."




"استني."




مرت دقائق.




ثم خرج الطبيب.




وكانت على وجهه ابتسامة.




"مريم فاقت."




لم تستوعب ريتال.




"فاقت؟"




"أيوه."




انهارت دموعها فورًا.




"الحمد لله..."




آدم وضع يده على وجهه من شدة الارتياح.




حتى سليم الذي كان يقف بعيدًا ابتسم لأول مرة منذ أيام.




بدأ الجميع يتصل ببعضه.




"مريم فاقت!"




انتشر الخبر بين العائلة كأنه عيد.




أمينة بكت من الفرح.




الحاج مصطفى ظل يردد:




"الحمد لله."




وبعد دقائق...




سمح الطبيب لريتال بالدخول.




دخلت ببطء.




كانت مريم مستلقية على السرير.




وجهها شاحب.




لكن عينيها كانتا مفتوحتين.




اقتربت ريتال منها.




"مريم..."




مريم نظرت إليها.




ولثوانٍ...




لم تتحدث.




ثم حركت رأسها قليلًا.




ريتال أمسكت يدها.




"وحشتيني."




نزلت دمعة من عين مريم.




ريتال ابتسمت وهي تبكي.




"أنتِ رجعتيلي."




لكن مريم...




لم تجب.




فقط أغمضت عينيها للحظة.




وخارج الغرفة...




كان آدم واقفًا ينتظر.




لم يكن يعرف أن الأيام العشرة الماضية جعلته أكثر تعلقًا بمريم مما كان يتخيل.




وحين خرجت ريتال من الغرفة وهي تبتسم وسط دموعها...




قال لها:




"عاملة إيه؟"




ابتسمت.




"فاقت."




أغمض آدم عينيه للحظة.




"الحمد لله."




ثم فتحهما.




"كنت حاسس إن قلبي هيقف."




ضحكت ريتال رغم دموعها.




"وأنا كنت هموت من القهر."




لكن خلف كل تلك الفرحة...




كان هناك شيء لم ينتبه له أحد.




مريم لم تكن تريد الكلام.




ولا تريد رؤية أحد.




ولا حتى تريد أن تعرف ماذا حدث خلال الأيام العشرة الماضية.




كانت قد عادت للحياة...




لكنها لم تعد كما كانت.




وفي اللحظة التي بدأت فيها العائلة تحتفل بنجاتها...




كانت مريم قد اتخذت قرارًا صامتًا:




أنها لن تسمح لأي شخص أن يقترب منها مرة أخرى.




مر شهر آخر...




وبعد رحلة طويلة من العلاج والمراقبة...




أخيرًا سمح الأطباء لمريم بالخروج من المستشفى.




كانت لحظة انتظرها الجميع.




لكنها لم تكن كما تخيلوا.




خرجت مريم من المستشفى جالسة على كرسي متحرك، وملامحها شاحبة، وجسدها ما زال ضعيفًا.




وقفت ريتال أمامها وهي تبتسم وسط دموعها.




"أخيرًا يا مريم..."




مدت يدها إليها.




مريم نظرت إليها فقط.




ثم أمسكت يدها دون أن تقول شيئًا.




كان الجميع سعيدًا.




أمينة تبكي من الفرح.




الحاج مصطفى يردد الحمد لله.




نور وسهيلة تحاولان إخفاء دموعهما.




أما آدم...




فكان واقفًا بعيدًا يراقب مريم بصمت.




كان يعرف أن خروجها من المستشفى لا يعني أنها بخير.




وصلوا إلى بيت ريتال.




كانت الغرفة قد جُهزت بالكامل.




سرير مريح.




الأدوية.




كل ما تحتاجه.




حتى ريتال وضعت بجوارها بعض الأشياء التي تعرف أن مريم تحبها.




لكن مريم...




لم تهتم بشيء.




جلست على السرير.




وعيناها معلقتان في نقطة مجهولة أمامها.




دخلت ريتال.




جلست بجوارها.




"تحبي تاكلي حاجة؟"




لا رد.




"أعملك حاجة تشربيها؟"




صمت.




"طب أنادي الدكتور؟"




مريم ظلت كما هي.




تنهدت ريتال.




"مريم..."




رفعت مريم عينيها إليها.




"أنا تعبت."




قالتها بصوت خافت.




ريتال ابتلعت دموعها.




"عارفة."




"مش من العملية."




صمتت.




ثم قالت:




"من كل حاجة."




اقتربت ريتال منها.




"احكيلي."




هزت مريم رأسها.




"مفيش حاجة تتحكي."




"لا، في."




"كل اللي حصل سببه ياسر."




تغير وجه مريم.




"ريتال...أنا عارفة إنه هو اللي عمل فيكي كده."




سكتت مريم.




"ليه مش عايزة تعملي محضر؟"




لم تجب.




"ليه مش عايزة تاخدي حقك؟"




مريم أغمضت عينيها.




"مش عايزة."




"بس ليه؟"




فتحت عينيها.




وكان الألم واضحًا فيهما.




"عشان أنا مش عايزة أشوفه تاني."




ريتال قالت:




"بس ده مش سبب إنك تسكتي."




مريم ابتسمت ابتسامة حزينة.




"أنا مش ساكتة."




"أمال؟"




"أنا بس مش عايزة أعيش حياتي كلها وأنا بحارب."




سكتت ريتال.




ثم قالت:




"والجنين؟"




بمجرد سماع الكلمة...




تغير وجه مريم.




نزلت دمعة واحدة.




ثم أخرى.




وضعت يدها على بطنها دون وعي.




"ده أكتر حاجة وجعتني."




ريتال لم تعرف ماذا تقول.




مريم تابعت بصوت مكسور:




"أنا كنت فاكرة إن أي حاجة هتحصل..."




"بس هو يفضل موجود."




ثم ابتسمت وسط دموعها.




"حتى أنا كنت مستعدة أتحمل كل حاجة..."




"بس مش دي."




ريتال احتضنتها.




ولأول مرة منذ خروجها من المستشفى...




انهارت مريم بالبكاء.




بكت بصوت مكتوم.




كأنها كانت تخزن كل الألم طوال الشهر الماضي.




ريتال ظلت تحتضنها.




"ابكي."




"متكتميش."




"أنا معاكي."




وبعد فترة طويلة...




هدأت مريم.




لكنها لم تتحدث عن ياسر مرة أخرى.




ولم تطلب الانتقام.




ولم تطلب محاسبة.




وعندما حاول الحاج مصطفى الحديث معها عن الأمر...




قالت جملة واحدة:




"أنا مش عايزة قضية."




وعندما سألتها أمينة:




"ليه يا بنتي؟"




أجابت:




"عايزة أنسى."




لكن الجميع كان يعرف...




أن مريم لم تكن قد نسيت.




كانت فقط تحاول أن تدفن كل شيء في داخلها.




والأخطر...




أنها لم تكن تعرف أن الشخص الذي ظنت أنه دمر حياتها بالكامل...




لم يكن قد انتهى من قصته معها بعد.




بعد أسبوع...




بدأت امتحانات منتصف الترم.




كانت الجامعة تعج بالطلاب، وكل شخص منهم يركض بين المدرجات والممرات استعدادًا للامتحانات.




لكن ريتال لم تكن تفكر في أي شيء من ذلك.




كانت تسير داخل الجامعة بخطوات سريعة، وملامحها شاحبة.




منذ أن خرجت مريم من المستشفى...




وهي تفكر في شيء واحد.




مريم لن تستطيع دخول الامتحانات.




بل حتى هي نفسها لم تكن قادرة على التركيز.




كانت تريد أن تطلب تأجيل السنة الدراسية لهما.




دخلت مبنى الإدارة، وصعدت إلى مكتب عميد الكلية.




طرقت الباب.




"اتفضل."




دخلت.




"السلام عليكم."




رفع العميد عينيه إليها.




"وعليكم السلام."




قالت:




"أنا ريتال..."




"أيوه، عارفك."




جلست أمامه.




"كنت جاية بخصوص مريم."




بمجرد سماع الاسم...




تغيرت ملامح العميد قليلًا.




"مريم؟"




"أيوه."




ثم بدأت تشرح:




"هي كانت في المستشفى الفترة اللي فاتت، وحالتها الصحية والنفسية لسه مش مستقرة، وأنا كمان كنت..."




قاطعها العميد:




"إنتِ بتتكلمي عن مريم اللي اسمها مريم امين؟"




"أيوه."




سكت لحظة.




ثم قال:




"إنتِ متأخرة جدًا."




ريتال عقدت حاجبيها.




"متأخرة في إيه؟"




"مريم صدر ضدها قرار فصل."




تجمدت.




"إيه؟"




"قرار الفصل صدر من أكتر من شهر ونص."




ظلت تنظر إليه وكأنها لم تسمع جيدًا.




"مستحيل."




"للأسف، ده الموجود في الملف."




مد يده إلى أحد الملفات.




فتحه.




ثم أخرج مجموعة من الأوراق.




"دي الشكوى."




ناولها لها.




أخذتها ريتال بيد مرتجفة.




بدأت تقرأ.




وكان اسم مقدم البلاغ واضحًا.




ياسر.




اتسعت عيناها.




"إزاي؟"




قلبت الصفحة.




بلاغ آخر.




ثم مستند آخر.




ثم قرار رسمي.




"كل ده من شهر ونص؟"




أومأ العميد.




"أيوه."




قالت ريتال بصوت مخنوق:




"بس مريم كانت في المستشفى..."




"القرار كان قبل دخولها المستشفى."




رفعت عينيها إليه.




الصدمة كانت أكبر من قدرتها على الاستيعاب.




إذن...




ياسر لم يتخذ القرار بعد كل ما حدث.




لقد كان قد بدأ في تدمير حياتها قبل ذلك بوقت طويل.




وقفت فجأة.




"أنا لازم أمشي."




"ريتال..."




لكنها لم تسمعه.




خرجت من المكتب.




كانت تمشي في الممر كأنها لا ترى شيئًا.




الطلاب يمرون بجوارها.




الأصوات من حولها أصبحت بعيدة.




كانت كل كلمة قرأتها تدور في رأسها.




"قرار فصل."




"بلاغ."




"ياسر."




ثم فجأة...




سمعت صوت سيارة.




رفعت رأسها.




كانت سيارة سوداء تقترب بسرعة من بوابة الجامعة.




توقفت أمامها بشكل مفاجئ.




انفتح الباب.




نزل شخصان بسرعة.




ريتال تراجعت خطوة.




"إنتوا مين؟!"




لم تجد وقتًا لتفعل شيئًا.




اقترب أحدهما منها وأمسك بها.




صرخت:




"الحقوووني!"




حاولت مقاومته.




لكن شخصًا آخر أمسك بها من الخلف.




سقطت الأوراق من يدها على الأرض.




تناثرت حولها.




ثم...




أُجبرت على الدخول إلى السيارة.




أُغلق الباب بعنف.




وانطلقت السيارة بسرعة.




كل شيء حدث خلال ثوانٍ.




الطلاب الموجودون بالقرب من المكان وقفوا في صدمة.




بعضهم صرخ.




وأحدهم ركض ناحية الأمن.




أما ريتال...




فكانت داخل السيارة تحاول أن تفهم ماذا يحدث.




قالت وهي ترتجف:




"إنتوا عايزين مني إيه؟!"




لم يجبها أحد.




ثم سمعت صوت الرجل الجالس بجوارها:




"متقلقيش."




نظرت إليه بخوف.


فقال:


"إنتِ هتعرفي كل حاجة قريب."


تجمدت ملامحها.


لأن صوته...


كان مألوفًا بشكل مخيف.


لكنها لم تستطع أن تتذكر أين سمعته من قبل.


( ومن هنا تبدأ معاناة ريتال) 


*تفتكروا مين اللي خطف ريتال *

*كمان هل مريم هتقدر تتخطى اللي*

#يتبع..


               الفصل الثاني عشر من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة