
رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل العاشر 10 بقلم اية محمود
قالت الطبيبة بهدوء:
"إحنا قدرنا نوقف جزء من النزيف، والحالة مستقرة مؤقتًا."
تنفست ريتال براحة صغيرة.
لكن الطبيبة لم تبتسم.
وهنا فهمت ريتال أن هناك شيئًا آخر.
قالت:
"بس؟"
خفضت الطبيبة عينيها للحظات.
"للأسف... مريم فقدت الجنين احنا حاولنا اننا ننقذه لكن للاسف هي نزفت كتير جداً انا أسفة."
تجمدت ريتال لم تتحرك.
"الجنين ؟"
أومأت الطبيبة.
"أنا آسفة."
وضعت ريتال يدها على فمها.
وبدأت دموعها تنزل دون أن تشعر.
"لا..."
خرجت الكلمة منها كأنها رفضت تصديقها.
"مريم كانت حامل؟"
أمينة بدأت تبكي.
أما نور وسهيلة فاحتضنت كل واحدة منهما الأخرى وبكيا بشدة.
لكن الطبيبة أكملت:
"مش بس كده للأسف الإصابات كانت شديدة."
ثم بدأت تشرح:
"عندها كسر في ضلعين من القفص الصدري، وكسر مضاعف في الذراع الشمال."
شهقت ريتال.
"لااا.."
وضعت يدها على قلبها.
لكن الطبيبة لم تكن قد وصلت إلى أسوأ خبر.
قالت:
"وفي إصابة أخطر."
رفع آدم رأسه.
"إيه؟"
نظرت الطبيبة إليه مباشرة.
"الكبد."
ساد الصمت.
الدكتورة: إصابة الكبد شديدة، وحالتها لا تسمح لنا بالاعتماد على العلاج وحده."
سأل آدم:يعني إيه؟"
قالت الطبيبة: مريم محتاجة زراعة كبد."
لم يتحرك أحد.
ثم أضافت: وبأسرع وقت ممكن."
ريتال حدقت فيها: يعني... لو ملقيناش متبرع؟"
الطبيبة لم تجب فورًا.
وهذا كان أسوأ من أي إجابة.
قالت أخيرًا:لازم نلاقي متبرع مناسب في أسرع وقت."
بدأت ريتال تتنفس بسرعة.
ريتال"طب حد من العيلة..."
قاطعتها الطبيبة:في الحالة دي لازم نعمل إجراءات وفحوصات دقيقة، لكن الطبيب المسؤول عن زراعة الأعضاء هو اللي يحدد مدى إمكانية التبرع."
آدم قال بحسم:مش هنستنى."
التفتت إليه العائلة: أنا هدور على متبرع."
ثم نظر إلى الطبيبة: من خارج العيلة."
أومأت.
الدكتورة : ممكن نبدأ البحث في قوائم المتبرعين ونشوف كل الخيارات المتاحة."
آدم قال:ابدئي."
ثم أخرج هاتفه.
"وأنا هعمل كل حاجة أقدر عليها."
في تلك اللحظة...
نظرت ريتال إلى باب غرفة الطوارئ.
ريتال: هي جوه لوحدها..."
ثم بدأت دموعها تنزل بغزارة.
"وهي أصلًا مكسورة من جواها..."
أمينة احتضنتها : ريتال..."
لكن ريتال قالت بصوت مخنوق: كانت لسه بتضحك معايا الصبح... كانت بتتكلم عن حياتها كانت...
ثم انهارت.
"ليه يحصلها كل ده؟!"
حاول آدم الاقتراب منها.
لكن ريتال ترنحت فجأة.
آدم : ريتال!"
أمسكها آدم قبل أن تسقط.
جاء سليم بسرعة وساعده.
: ريتال! افتحي عينيك!"
لكنها كانت قد فقدت الوعي.
صرخت أمينة: ريتال بنتي..."
دخل أحد الممرضين مسرعًا: حطوها على السرير!"
تحرك آدم وسليم معها بسرعة.
وفي وسط كل هذه الفوضى...
بقي باب غرفة مريم مغلقًا.
وراءه كانت مريم تصارع من أجل البقاء.
كانت ريتال مستلقية على السرير غائبه عن الوعي ، والطبيبة تقف بجوارها تفحصها بعناية.
بعد دقائق، رفعت الطبيبة عينيها إلى أمينة.
الدكتورة: هي أغمي عليها بسبب صدمة عصبية شديدة."
أمينة سألت بخوف: يعني هي كويسة؟"
الدكتورة : مفيش خطر مباشر عليها، لكنها محتاجة ترتاح."
ثم أعطتها الممرضة الدواء.
الدكتورة : المهدئ ده هيساعدها تنام وتهدى."
أمينة أمسكت يد ريتال : نامي يا حبيبتي..."
ثم قبلت جبينها: مريم محتاجاكي لما تصحي."
مرّت الساعات ببطء شديد.
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.
لكن لا أحد في العائلة كان يفكر في النوم.
في إحدى زوايا المستشفى، كان آدم واقفًا والهاتف في يده.
آدم : أيوه... محتاجين متبرع بشكل عاجل."
صمت يستمع للطرف الآخر.
ثم تغير وجهه.
آدم: تمام... شكرًا."
أنهى المكالمة.
ولم تمر سوى ثوانٍ حتى اتصل برقم آخر.
على الجانب الآخر...
كان سليم جالسًا على أحد المقاعد.
هاتفه لا يفارق يده.
اتصل بأحد معارفه.
سليم: لو تعرف أي حد يقدر يساعدنا، حتى لو مش من العيلة، بلغني فورًا."
صمت.
ثم قال: أيوه، الحالة حرجة."
وأغلق المكالمة.
رفع عينيه إلى باب غرفة مريم.
"يا رب..."
أما أحمد ومحمد...
فكانا يتحركان في أرجاء المستشفى، وكل واحد منهما يجري اتصالًا تلو الآخر.
أحمد: مفيش حد مناسب؟"
محمد : طب شوفوا أي سجل متبرعين."
أحمد : أي حد ممكن يساعد."
لكن كل مكالمة كانت تنتهي بالجملة نفسها:
"هنحاول."
ومع مرور الوقت...
بدأ الأمل يقل.
حتى الجد...
جلس في أحد المقاعد وأخرج هاتفه.
رغم كبر سنه، ظل يتصل بكل شخص يعرفه.
"أنا محتاج منك خدمة لو تعرف حد يقدر يتبرع...حالة بنتنا حرجة."
لكن حتى اتصالاته لم تأتِ بنتيجة.
وفي منتصف الليل تقريبًا...
وصل الحاج مصطفى.
كان وجهه شاحبًا بعدما عرف بما حدث مع مريم.
تقدم نحو آدم.
"أنا هتبرع."
آدم نظر إليه: حج مصطفى..."
قاطعه: دي بنتي."
ثم قال بحزم: اعملوا التحاليل."
حاول آدم الاعتراض: ايوه بس..."
الحج مصطفى: مفيش بس... أنا بعتبرها بنتي ، وانا مش هستنى لحد ما تروح مني. "
سكت الجميع.
دخل الحاج مصطفى لإجراء الفحوصات.
مرت الدقائق ثقيلة.
الجميع كان ينتظر.
كانت أمينة تدعو بصوت منخفض.
"يا رب يكون متوافق..."
وبعد فترة...
خرج الطبيب.
اقترب منه آدم بسرعة: خير؟"
نظر الطبيب إلى الجميع.
ثم قال:للأسف..."
توقف.
الحاج مصطفى نفسه اقترب: قول يا دكتور."
قال الطبيب: الكبد غير متوافق مع كبد مريم."
سقطت الكلمات كالصاعقة.
الحاج مصطفى ظل صامتًا.
ثم قال: يعني... حتى أنا مش نافع؟"
الطبيب هز رأسه بأسف: للأسف."
خفض الحاج مصطفى رأسه.
كانت عيناه تلمعان بالدموع: كنت أتمنى أقدر أنقذ بنتي."
اقترب منه الجد واحتضنه .
"إنت عملت اللي تقدر عليه."
لكن الحاج مصطفى قال : أنا أبوها..."
ثم نظر إلى باب غرفة مريم: المفروض أقدر أنقذها."
لم يجد الجد ما يقوله.
وفي تلك اللحظة خرجت الممرضة من غرفة مريم مسرعة.
نظر الجميع إليها.
قالت: الدكتور بيسأل عن المتبرع."
آدم أجاب:لسه مفيش."
الممرضة ترددت.
ثم قالت: لازم نلاقي حل بسرعة."
ساد الصمت.
نظر آدم إلى سليم.
ثم إلى أحمد ومحمد.
ثم إلى الجد.
كل واحد منهم كان مرهقًا...
لكن لا أحد كان مستعدًا للاستسلام.
رفع آدم هاتفه مرة أخرى.
وقال: هنكمل مش هنوقف."
ثم نظر إلى باب غرفة مريم.
آدم: لازم نلاقي شخص واحد."
وفي مكان ما...
كان شخص لا يعرفونه حتى الآن...
قد يكون هو الوحيد القادر على إنقاذها.
مرت الساعات...
والليل بدأ ينسحب ببطء.
لكن أحدًا لم يغادر مكانه.
كان الجميع قد وصل إلى مرحلة من الإرهاق لم يعد معها أحد يعرف كم مرة اتصل، وكم تحليل أُجري، وكم مرة سمعوا كلمة:
"غير متوافق."
جلس آدم على أحد المقاعد، ويداه متشابكتان أمام وجهه.
قال سليم: لسه في أمل."
رفع آدم عينيه إليه: أمل إيه يا سليم؟"
سليم : إن حد فينا يطلع متوافق."
نظر آدم إلى باقي العائلة.
ثم وقف.
آدم: كلنا نعمل التحاليل."
سأل محمد: كلنا؟"
سليم قال: أيوه."
قال آدم بحسم : أي حد يقدر يعمل التحليل يعمله وبرضاه مش هنغصب على حد انه يتبرع ."
وبدأت رحلة جديدة.
واحدًا تلو الآخر...
دخل أفراد العائلة لإجراء الفحوصات.
خرج أدم أولًا.
هز الطبيب رأسه.
"للأسف، غير متوافق."
سليم كان التالي.
وبعد دقائق...
كانت النتيجة نفسها.
"غير متوافق."
ثم أحمد.
ثم محمد.
ثم أمينة.
ثم بقية أفراد العائلة.
كل مرة...
كان الأمل يظهر للحظات.
ثم يموت.
كان أيوب يقف بعيدًا يراقب كل شيء.
رغم علاقته المعقدة بأمينة وأولادها...
لم يستطع أن يتجاهل ما يحدث لمريم.
نظر إلى باب غرفة العناية.
ثم قال:
"أنا كمان هعمل التحليل."
التفت الجميع إليه.
سميرة قالت:
"أيوب..."
قاطعها:
"دي زي بنتي يا سميرة ."
ثم نظر إلى غرفة العناية المركزة وقال: وأنا مش وحش لدرجة إني اشوف انسانة بتموت قدامي وأنا بايدي أساعدها ومعملش كده ."
أغمض عينيه.
"يا رب أكون أنا."
دخل لإجراء الفحص.
جلس بعدها وحده.
كانت يده ترتجف.
"يا رب متخذلنيش."
مرت الدقائق.
ثم خرج الطبيب.
أيوب وقف بسرعة.
"ها؟"
الطبيب هز رأسه بأسف.
"للأسف... غير متوافق."
أغمض أيوب عينيه.
وانخفض رأسه.
" يارب.."
قالها بصوت مكسور.
"الحمد لله على كل حال."
بدأ الفجر يظهر.
ضوء خافت تسلل من نوافذ المستشفى.
لكن لا أحد شعر بالصباح.
الجميع كان جالسًا في الممر.
مرهقًا.
محبطًا.
لا أحد يعرف ماذا يفعل بعد ذلك.
حتى الحاج مصطفى جلس صامتًا.
وأمينة لم تتوقف عن الدعاء.
"يا رب..."
"يا رب متاخدهاش منا... يارب أشفيها. "
وفي الصباح.
تحركت ريتال داخل الغرفة.
فتحت عينيها ببطء.
نظرت حولها كان الجميع موجود في الغرفة بنتظار افاقتها.
ثم همست:
"ماما؟"
اقتربت أمينة بسرعة.
"أنا هنا يا حبيبتي."
حاولت ريتال الجلوس.
"مريم..."
قالت أمينة: لسه في العناية."
بدأت ريتال تتذكر.
وفجأة قالت: لازم ننقذها."
أمينة احتضنتها: بنحاول يا بنتي."
ريتال : لقيتوا متبرع؟"
ساد الصمت.
ريتال نظرت إلى وجوههم.
فهمت الإجابة.
ثم قالت فجأة: سعد."
رفع آدم رأسه : إيه؟"
قالت ريتال: سعد ، هو الوحيد اللي ممكن ينقذها."
نظر الجميع إليها.
أكملت: ده أخوها لازم نجيبه... اعملوا التحاليل عليه."
سكت الحاج مصطفى طويلًا.
ثم قال بصوت حزين: ريتال..."
نظرت إليه: نعم؟"
قال: سعد مش هنا."
ريتال: فين؟"
تردد قبل أن يقول:اتقبض عليه."
اتسعت عينا ريتال: اتقبض عليه؟"
أومأ: هو وهناء."
ريتال ظلت تحدق فيه: بس... ليه؟"
لم يجب أحد.
بدأت دموعها تنزل.
ثم قالت: يعني الشخص الوحيد اللي ممكن ينقذها..."
توقفت: مش موجود؟"
اقترب آدم منها : هنلاقي حل."
لكن ريتال هزت رأسها: إنت مش فاهم..."
ثم نظرت إلى باب غرفة مريم.
"الوقت بيخلص."
ساد الصمت.
وفي اللحظة نفسها...
صدر صوت جهاز من داخل غرفة مريم.
تغيرت ملامح الجميع.
الممرضة ركضت إلى الداخل.
والجميع وقفوا في مكانهم.
أما ريتال...
فأمسكت بيد أمينة بقوة.
وهمست:
"يا رب..."
"متاخدهاش مننا."
الجميع خرج من الغرفة حتى ريتال خرجت معاهم و أمينة والبنات بيسندوها.
كلهم وقفوا قدام غرفة العناية المركزة اللي فيها مريم وهما بيدعولها.
لكنهم التفتوا بصدمة لما سمعوا صوت واثق و قوي بيقول: انا اللي هتبرع. "
( ياترا مين الشخص ده)
💦💦💦💦💦💦
في نفس الوقت...
كانت الفيلا غارقة في الصمت.
منذ الليلة الماضية...
لم يتحرك ياسر من مكانه.
كان جالسًا على الأرض في الغرفة، مسندًا ظهره إلى الأريكة، وعيناه معلقتان بالسقف.
لم ينم.
لم يأكل.
ولم يتحدث مع أحد.
كان كل شيء حوله يذكره بما حدث.
الأثاث المبعثر...
الصمت...
والمكان الذي كانت مريم تقف فيه منذ ساعات فقط.
أغمض عينيه.
فجاء وجهها إلى ذهنه.
دموعها.
صوتها.
وكلمتها الأخيرة:
"أنا عايزة الطلاق."
فتح عينيه ببطء.
كان الغضب لا يزال موجودًا.
لكن هذه المرة كان أكثر هدوءًا...
وأكثر خطورة.
قال لنفسه: هي خانتني."
ثم ضحك بمرارة.
"وفاكرة إنها هتخرج من حياتي كده؟"
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال:لا."
مد يده إلى هاتفه.
اتصل بأحد الأشخاص الذين يثق بهم: عايزك تعرفلي مكان مريم."
صمت يستمع.
ثم قال: أي مكان تكون فيه ، عايز أعرف هي راحت فين."
أنهى المكالمة.
وظل ينظر إلى الهاتف.
ثم ظهرت أمامه فكرة أخرى.
إذا كانت مريم تريد أن تنهي كل شيء...
فهو يستطيع أن يجعلها تدفع الثمن.
فتح قائمة الأرقام.
توقف عند رقم معين.
عميد الكلية.
اتصل.
بعد لحظات جاءه الرد.
"ألو؟"
قال ياسر بهدوء: أنا الدكتور ياسر."
العميد: أهلًا يا دكتور."
ياسر : عندي شكوى رسمية بخصوص الطالبة مريم."
تغير صوت العميد : مريم؟"
ياسر : أيوه."
العميد : في إيه؟"
بدأ ياسر يسرد اتهامات ضدها، مطالبًا بفتح تحقيق واتخاذ إجراء تأديبي.
ثم قال بلهجة حاسمة:
"وأنا بطلب إيقافها فورًا لحين انتهاء التحقيق."
سكت الطرف الآخر.
ثم قال: دكتور ياسر، الموضوع محتاج إجراءات خصوصاً إننا داخلين على امتحانات"
رد ياسر: أنا عارف."
ثم أضاف: لكن عندي ما يكفي لفتح البلاغ."
وبعد حديث طويل...
انتهت المكالمة.
ياسر وضع الهاتف بجواره.
مر وقت قصير...
ثم رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
كان رئيس الكلية.
رد.
"ألو؟"
جاءه صوت العميد :تم اتخاذ القرار."
سكت ياسر: إيه القرار؟"
العميد: تم فصل مريم من الجامعة."
ظل ياسر صامتًا.
ثم قال: تمام."
أنهى المكالمة.
وضع الهاتف على الأرض.
وظل يحدق أمامه.
كان يستطيع أن يشعر بالانتصار...
لكن الغريب أنه لم يشعر بأي شيء.
فقط فراغ.
لأن فكرة واحدة كانت لا تزال تسيطر عليه:
الانتقام لم ينتهِ.
( ياسر دمر كل حاجة و اتمنى ميرجعش يندم ع اللي عمله ) ...