
رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم اية محمود
" انا الشخص الوحيد اللي يقدر يقولك مين اللي ق. تل والدك. "
مرت الأيام الأولى من بداية ريتال لحياتها الجديدة داخل الكلية ببطء غريب، فبالرغم من أنها وصلت أخيرًا إلى المكان الذي حلمت به سنوات طويلة، وبالرغم من أنها أصبحت دكتورة داخل الكلية التي كانت يومًا تجلس فيها بين الطلاب وتكتب ملاحظاتها وتحلم بالمستقبل، إلا أن قلبها لم يكن قادرًا على الاستمتاع الكامل بكل ما وصلت إليه، فقد كانت تشعر دائمًا أن هناك جزءًا من حياتها ما زال ناقصًا، جزءًا مدفونًا تحت سنوات طويلة من الألم والخوف والأسرار، وكلما حاولت أن تقنع نفسها بأنها تجاوزت الماضي، كانت ذكرى واحدة كفيلة بأن تعيدها إلى نقطة البداية، ولهذا كانت في ذلك اليوم جالسة داخل مكتبها الجديد، تنظر إلى بعض الأوراق أمامها دون أن تقرأ منها حرفًا واحدًا، حتى اهتز هاتفها فوق المكتب، فنظرت إلى الشاشة لتجد رقمًا غريبًا لا تعرفه، وظلت للحظات تفكر هل تجيب أم لا، ثم ضغطت على زر الاتصال وقالت بحذر: "ألو؟"، فجاءها صمت طويل من الطرف الآخر جعلها ترفع حاجبيها باستغراب، ثم سمعت صوت امرأة يبدو عليه التردد والحزن وهي تقول: أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يقولك مين اللي ق. تل والدك."
تغيرت ملامحها قليلًا.
"أنتِ مين؟"
تنفست المرأة ببطء، وكأنها تحاول جمع شجاعتها قبل أن تقول شيئًا كانت تؤجله منذ سنوات.
"أنا اسمي نسرين."
ظلت ريتال صامتة.
"نسرين مين؟"
جاء الرد:
"أخت كارما."
سقط الاسم على قلب ريتال بصورة مفاجئة، وكأن أحدهم فتح بابًا قديمًا داخل ذاكرتها بالقوة، فعادت أمام عينيها صورة آدم وهو جالس أمامها في السجن، وصوته وهو يحكي لها عن فتاة أحبها في صغره، ثم عن موتها، ثم عن السنوات التي عاشها وهو يحمّل طفلة صغيرة ذنب شيء لم تفهمه أصلًا.
قالت ريتال بصوت خافت:
"كارما..."
"أيوه."
سكتت نسرين للحظات، ثم قالت:
"أنا عارفة إن الاسم ده ممكن يوجعك."
أجابت ريتال بمرارة:
"الاسم ده وجعني طول عمري وأنا حتى ماكنتش عارفة حكايته."
ساد الصمت.
ثم قالت نسرين:
"وعشان كده أنا اتصلت بيكي."
وساد بينهما صمت ثقيل قبل أن تقول ريتال: "إنتِ عايزة مني إيه؟"، فجاء صوت نسرين أكثر حزنًا: "أنا عارفة الحقيقة"، فقالت ريتال: "حقيقة إيه؟"، فأجابتها: "أنا عارفة مين ق. تل والدك يا ريتال."
شعرت ريتال للحظة أن المكان كله توقف من حولها، فلم تعد تسمع صوت السيارات في الخارج ولا أصوات الطلاب في الممرات ولا حتى صوت أنفاسها، وظلت ممسكة بالهاتف وهي تحدق أمامها بعينين ثابتتين، ثم قالت بعد لحظات طويلة وكأنها تحاول التأكد مما سمعته: "إنتِ قلتي إيه؟"، فردت نسرين: "قلتلك إني عارفة مين ق. تل والدك"، فابتلعت ريتال ريقها بصعوبة وقالت: "مين؟"، لكنها لم تحصل على الإجابة التي انتظرتها،
فقد قالت نسرين: "مش هقدر أقولك في التليفون"، فردت ريتال بعصبية ممزوجة بالخوف: "أمال اتصلتي بيا ليه؟"، فقالت نسرين: "عشان أقابلك، وأحكيلك كل حاجة وأنا قدامك"، سكتت ريتال طويلًا ثم قالت: "وأنا ليه أثق فيكي؟"، فردت نسرين بهدوء: "مش مطلوب منك تثقي فيا، ومش هطلب منك تصدقي كلمة واحدة من غير ما تسمعي كل الحقيقة، بس لو عايزة تعرفي مين ق. تل والدك وليه، لازم تقابليني"، وظلت ريتال صامتة، فتابعت نسرين: "إنتِ اختاري المكان والوقت، وأنا هاجي"، ثم أضافت بصوت مكسور: "بس أوعديني إنك مش هتضيعي الفرصة دي، لأن في حاجات لو ماعرفتيهاش دلوقتي، ممكن تفضلي طول عمرك تدوري على إجاباتها."
أغلقت ريتال المكالمة بعد دقائق، لكنها لم تستطع أن تعود إلى أوراقها، فقد أصبحت كل أفكارها معلقة بجملة واحدة فقط: "أنا عارفة مين ق. تل والدك"، وظلت تتساءل كيف يمكن لأخت كارما أن تعرف شيئًا عن والدها، ولماذا تظهر الآن بعد كل هذه السنوات، وهل ما تقوله حقيقة فعلًا أم أن هناك شخصًا آخر يحاول استخدامها للوصول إلى شيء لا تعرفه، لكنها في النهاية قررت أن الحقيقة مهما كانت مؤلمة أفضل من أن تظل بقية عمرها أسيرة للأسئلة، فاتصلت بنسرين مرة أخرى وحددت لها مكانًا عامًا تختاره بنفسها، وأخبرتها أن اللقاء لن يتم إلا في ذلك المكان وفي الموعد الذي حددته، فوافقت نسرين دون اعتراض، وبعد أن أغلقت ريتال الهاتف بقيت تنظر إلى الشاشة للحظات، ثم أمسكت هاتفها واتصلت بالحاج مصطفى، وما إن أجاب حتى قالت: "بابا، محتاجة أقولك حاجة"، فتغير صوته فورًا وقال: "مالك يا ريتال؟"، وحكت له كل ما حدث، وعندما انتهت لم يتردد لحظة وقال لها: "أنا هاجي معاكي"، فابتسمت ريتال بحزن وقالت: "كنت عارفة إنك هتقول كده"، فرد عليها: "وطبعًا هقول كده، إنتِ فاكرة بعد كل اللي حصل لك إني هسيبك تروحي تقابلي واحدة غريبة لوحدك؟"، فقالت: "أنا مش هكون في مكان مقفول، أنا اللي اخترت المكان، والمكان عام"، لكنه أصر، فأخذت نفسًا طويلًا وقالت له: "بابا، أنا محتاجة المرة دي أواجه الحقيقة بنفسي"، فسألها بخوف: "ولو حصل لك حاجة؟"، فردت بصوت هادئ لكنه متعب: "مش هيحصل"، ثم قالت: "أنا هكلمك أول ما أوصل، وهفضل فاتحة موبايلي، ولو عدى نص ساعة من غير ما أكلمك أو ترد عليك مكالمتي، ساعتها متستناش، بلغ الشرطة وتعالى ورايا"، ظل مصطفى صامتًا للحظات، ثم قال بصوت أثقل من قبل: "وعد"، فقالت: "وعد؟"، فأجاب: "وعد يا بنتي"، ثم أضاف بحنان: "بس ترجعيلي، ده أهم من أي حقيقة"، فاغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول: "هارجعلك يا بابا."
وفي اليوم التالي ذهبت ريتال إلى المكان المتفق عليه قبل الموعد بوقت كافٍ، واختارت مكانًا مفتوحًا مليئًا بالناس، وجلست وهي تضع هاتفها أمامها وتراقب كل شخص يقترب منها، حتى ظهرت امرأة في منتصف الثلاثينات تقريبًا، كانت ملامحها هادئة لكن الحزن كان واضحًا جدًا في عينيها، وتوقفت أمام ريتال وقالت: "ريتال؟"، رفعت ريتال عينيها إليها وقالت: "نسرين؟"، فأومأت المرأة وجلست أمامها، وبقيت الاثنتان صامتتين للحظات طويلة، وكأن كل واحدة منهما تحاول أن تجد الكلمات المناسبة للبداية، ثم قالت نسرين: "أنا عارفة إنك مش واثقة فيا"، فقالت ريتال: "بعد اللي شوفته، مبقتش بثق في حد بسهولة"، فردت نسرين: "ومعندكيش حق تلوميني لو كنت مكانك كنت هعمل أكتر من كده"، ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت: "أنا ماجيتش هنا عشان أفتحلك جرح قديم وأمشي، أنا جاية عشان أقولك الحقيقة اللي والدي عاش سنين يخبيها"، فقالت ريتال بصوت خافت: "مين ق. تل بابا؟"، رفعت نسرين عينيها إليها وقالت ببطء: "والدي."
توقفت ريتال تمامًا، وكأن الكلمة اخترقت صدرها، وظلت تحدق في نسرين غير قادرة على استيعاب ما قيل، ثم قالت: "والدك؟"، فأومأت نسرين وعيناها بدأتا تمتلئان بالدموع وقالت: "أيوه، والدي هو اللي ق. تل والدك"، فقالت ريتال بصوت مكسور: "ليه؟"، فأجابت نسرين: "بسبب كارما"، فأغمضت ريتال عينيها للحظات وقالت: "بس كارما ماتت في حادث"، فقالت نسرين: "عارفة، وأنا عارفة إنك كنتِ طفلة، وإنك ماكنتيش السبب، لكن والدي وقتها ماكانش شايف الحقيقة، كان شايف بنته ماتت، وكان محتاج حد يحمّله الذنب، ومع الوقت أقنع نفسه إن عيلتكم السبب، وإن والدك كان لازم يدفع الثمن"، فقالت ريتال والدموع بدأت تنزل من عينيها: "فقتله؟"، أجابتها نسرين: "أيوه"، فخفضت ريتال رأسها ووضعت يدها على فمها وهي تحاول أن تمنع شهقة خرجت منها دون إرادة، ثم قالت: "يعني أبويا مات بسبب حاجة أنا حتى ماكنتش فاهمها؟"، فقالت نسرين: "أبوكي مات بسبب انتقام شخص كان مكسور من جواه، مش بسببك إنتِ"، رفعت ريتال عينيها إليها وقالت: "طب ليه كل الناس خلتني أحس إني السبب؟ آدم عاش عمره كله بيكرهني بسبب كارما، وأنا طول عمري مش فاهمة ليه، وفي الآخر أكتشف إن كارما نفسها ماتت في حادث"، فقالت نسرين: "لأن الحزن ساعات بيخلي الإنسان أعمى، ووالدي كان أعمى من الحزن."
ثم سكتت نسرين قليلًا قبل أن تقول: "بس والدي في آخر عمره عرف الحقيقة"، رفعت ريتال رأسها وقالت: "إزاي؟"، فقالت: "لما مرض"، ثم أخذت نفسًا طويلًا وقالت: "لما المرض اشتد عليه وبقى عارف إن الموت ممكن ياخده في أي لحظة، بدأ يراجع كل حاجة عملها، وكل شخص ظلمه، وكل قرار أخده وهو غضبان، وفهم أخيرًا إن كارما ماتت بقضاء وقدر، وإنه قضى سنين يعاقب ناس على ذنب ماعملوهوش، وإنه حوّل موت بنته إلى سبب في موت ناس تانية وخراب بيوت تانية"، ثم مسحت دموعها وقالت: "ومن يومها وهو عايش على الندم"، سألتها ريتال: "هو فين دلوقتي؟"، فردت نسرين بصوت متردد: "في المستشفى"، رفعت ريتال رأسها بسرعة، فأكملت: "في العناية المركزة، وحالته حرجة جدًا، والدكاترة قالوا إن حالته ممكن تتدهور في أي لحظة"، سكتت ريتال، ثم قالت: "وعايز مني إيه؟"، نظرت نسرين إليها بعينين ممتلئتين بالدموع وقالت: "عايز يشوفك"، فقالت ريتال: "يشوفني ليه؟"، فأجابتها نسرين: "عشان يطلب منك السماح."
ظل الصمت بينهما طويلًا، طويلًا لدرجة أن ريتال شعرت أن قلبها أصبح أثقل من قدرتها على الاحتمال، فقد كان من السهل أن تكره الرجل الذي قتل والدها، ومن السهل أن تقول إنها لن تراه، ولن تسامحه، ولن تمنحه حتى فرصة للكلام، لكن فكرة أن هذا الرجل الآن يحتضر، وأنه يريد أن يرى ابنة الرجل الذي قتله قبل أن يرحل، جعلت داخلها صراعًا لا تستطيع حسمه، فهي لم تكن تريد أن تسامح، لكنها كانت تريد أن تسمع، كانت تريد أن تعرف ماذا حدث لوالدها، ولماذا أصبح موت كارما سببًا في كل هذه المآسي، فقالت أخيرًا بصوت خافت: "أنا هروح"، نظرت إليها نسرين بدهشة وقالت: "متأكدة؟"، فقالت ريتال وهي تمسح دموعها: "أنا مش رايحة عشان أسامحه، ومش عارفة أصلًا إذا كنت هقدر أسامحه ولا لأ"، ثم نظرت إليها بثبات وقالت: "أنا رايحة عشان أسمع الحقيقة منه، ولو دي آخر حاجة هيعملها في حياته، يبقى من حقه يقولها، ومن حقي أنا كمان أسمعها."
وقفت ريتال من مكانها، وأمسكت حقيبتها، وقبل أن تتحرك نظرت إلى نسرين وقالت: "بس في حاجة واحدة"، فسألتها نسرين: "إيه؟"، فقالت ريتال: "أنا هروح له، لكن مش هقدر أوعدك إني هسامحه"، فقالت نسرين والدموع في عينيها: "أنا مش طالبة منك تسامحيه"، ثم أضافت: "أنا بس عايزاكي تسمعيه... وبعدها اعملي اللي قلبك يقدر عليه."
خرجت ريتال من المكان وهي تسير ببطء، وأمسكت هاتفها واتصلت بالحاج مصطفى مرة أخرى، وما إن رد حتى قالت: "بابا... أنا عرفت مين قتل بابا"، صمت مصطفى في الطرف الآخر، ثم قال بصوت مرتجف: "مين؟"، أغمضت ريتال عينيها وقالت: "والد كارما"، ساد صمت ثقيل بينهما، ثم قالت: "أنا رايحة المستشفى أقابله"، فقال مصطفى فورًا: "أنا جاي"، لكنها قالت: "لا يا بابا، استناني هنا، أنا هكلمك أول ما أخرج"، ثم أضافت بصوت خافت: "حاسّة إن في حاجات كتير لسه مستخبية ورا الحكاية دي، انا جيالك يا قا.تل بابا ."
وأغلقت الهاتف، لكنها لم تكن تعرف أن إحساسها كان في مكانه تمامًا، لأن الرجل الموجود في العناية لم يكن يريد فقط أن يطلب منها السماح، بل كان يحمل في ذاكرته تفاصيل أخرى.
خرجت ريتال من المكان بصحبة نسرين، ولم تتحدث أي منهما طوال الطريق، فقد كانت ريتال تنظر من نافذة السيارة إلى الشوارع التي تمر بجوارها، لكن عينيها لم تكونا تريان شيئًا مما حولها، كانت تسمع فقط كلمات نسرين تتكرر داخل رأسها مرة بعد مرة: "والدي هو اللي قتل والدك"، وكلما حاولت أن تستوعب الجملة شعرت أن صدرها يضيق أكثر، فقد عاشت سنوات طويلة وهي تعرف أن والدها مات، لكنها لم تعرف كيف مات، ثم عرفت أن هناك شخصًا قتله، والآن أصبحت تعرف اسم ذلك الشخص وسبب جريمته، والأصعب من كل ذلك أنها كانت في طريقها لمقابلة الرجل الذي حرمها من والدها، الرجل الذي لم يكتفِ بقتله، بل كان يريد أن ينتقم منها هي الأخرى لأنها كانت ابنته الصغيرة التي ارتبط اسمها في ذهنه بموت كارما، ولهذا كانت كل خطوة تقطعها السيارة نحو المستشفى تجعل قلبها يزداد خوفًا، ومع ذلك لم تطلب من نسرين أن تعود، ولم تقل إنها غيرت رأيها، لأنها كانت تعرف أن الحقيقة مهما كانت قاسية، فإنها لن تستطيع أن تعيش بقية حياتها وهي تهرب منها.
توقفت السيارة أمام المستشفى، ونزلت ريتال وهي تأخذ نفسًا عميقًا، ثم نظرت إلى المبنى أمامها، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها، فقالت نسرين بهدوء: "مستعدة؟"، ظلت ريتال صامتة للحظات، ثم قالت: "مش عارفة"، فأجابتها نسرين: "مش لازم تكوني مستعدة، بس لازم تدخلي"، أومأت ريتال، ودخلتا معًا، وصعدتا إلى الطابق الذي توجد فيه العناية المركزة، وهناك كان كل شيء مختلفًا؛ رائحة المطهرات، أصوات الأجهزة، خطوات الممرضين السريعة، الوجوه المتعبة لعائلات المرضى، وكل ذلك جعل ريتال تشعر أنها دخلت عالمًا لا يعرف الرحمة، حتى توقفت نسرين أمام باب غرفة العناية وقالت: "هو جوه"، نظرت ريتال إلى الباب طويلًا، ثم قالت: "هو عارف إني جاية؟"، فأجابتها نسرين: "من الصبح وهو بيسألني عنك"، ثم أضافت: "من وقت ما قلت له إنك وافقتي تيجي، وهو مستني."
دخلت ريتال الغرفة، وكانت أول صدمة لها أن الرجل الذي تخيلته طوال الطريق قويًا وقادرًا على الوقوف أمامها لم يكن كذلك، فقد كان مستلقيًا على السرير، جسده ضعيف، وجهه شاحب، أنفاسه متقطعة، وأسلاك الأجهزة تحيط به من كل جانب، وكان يبدو وكأن المرض أخذ منه كل شيء، إلا عينيه، فعندما فتح عينيه ورآها واقفة أمامه، تغير وجهه بالكامل، وكأن شخصًا أعاد إليه الحياة للحظة واحدة، ارتجفت شفتاه، وحاول أن يرفع رأسه قليلًا، ثم قال بصوت ضعيف جدًا: "ريتال؟"، لم تجبه فورًا، فقط وقفت مكانها تنظر إليه، فقال مرة أخرى وكأنه يخشى أن تكون صورة من خياله: "إنتِ ريتال؟"، فقالت بصوت هادئ: "أيوه"، ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة، وكانت ابتسامة تحمل فرحة وحزنًا في الوقت نفسه، وقال: "كنت خايف أموت قبل ما أشوفك"، فاقتربت ريتال خطوة واحدة فقط، ثم وقفت، وقالت: "أنا جيت عشان أسمع منك"، أغمض عينيه للحظات، وكأن هذه الجملة كانت أكثر مما يستطيع تحمله، ثم فتحهما وقال: "وأنا مستني اليوم ده من سنين."
جلست ريتال على الكرسي بجوار السرير، لكنها لم تقترب منه أكثر، وظلت المسافة بينهما واضحة، فقال الرجل بصعوبة: "أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة"، فردت ريتال: "أنا مش جاية أوعدك بحاجة"، فأومأ برأسه وقال: "وعندك حق"، ثم أخذ نفسًا متقطعًا وقال: "بس قبل ما أموت لازم تعرفي كل حاجة، مش جزء منها"، ظلت ريتال صامتة، فبدأ حديثه، وقال إن كراهيته لوالدها لم تبدأ يوم ماتت كارما، بل بدأت قبل ذلك بسنوات، لأنه كان يرى فيه رجلًا ناجحًا، محبوبًا، قادرًا على بناء حياته وعائلته، بينما هو كان يعيش دائمًا وهو يشعر أنه أقل منه، وكل نجاح كان يحققه والد ريتال كان يتحول داخل قلبه إلى حقد، وكل مرة يسمع فيها الناس يتحدثون عنه بإعجاب كان يشعر أن شيئًا بداخله ينكسر، ولم يكن والد ريتال يعرف حجم الكراهية التي كان يحملها له، لأنه لم يكن يعتبره عدوًا أصلًا، بينما كان هو يبني عداوته في صمت.
قال الرجل بصوت متعب: "أنا كنت بحقد على أبوكي قبل ما كارما تموت، ودي الحقيقة اللي عمري ما اعترفت بيها لحد، كنت شايف إنه أخد كل حاجة أنا كنت نفسي فيها، النجاح، احترام الناس، البيت، العيلة، وحتى نظرة الناس ليه، وبدل ما أسأل نفسي أنا ليه مش ناجح زيه، اخترت أكرهه، ولما ماتت كارما... لقيت الفرصة اللي كنت مستنيها من غير ما أعرف إني مستنيها"، شعرت ريتال بألم في صدرها، لكنها لم تقاطعه، فأكمل: "يومها أنا ماكنتش شايف قدامي غير بنتي، وماكنتش قادر أصدق إنها راحت، ولما الحزن اتجمع مع الحقد اللي جوايا، عقلي صورلي إن موت كارما لازم يكون له ثمن، وإن أبوكي هو الشخص اللي لازم أدفعه الثمن"، قال ريتال بصوت مرتجف: "بس بابا ماقتلش كارما"، فأغمض الرجل عينيه وقال: "عارف"، ثم فتحهما والدموع تتجمع فيهما: "عرفت بعد فوات الأوان، لكن وقتها ماكنتش عايز أعرف."
سكت قليلًا، ثم قال: "أنا قتلت أبوكي"، انهمرت دموع ريتال بصمت، لكنها بقيت جالسة، فقال: "وبعدها... كنت ناوي أقتلك إنتِ كمان"، رفعت ريتال عينيها إليه، فخفض الرجل نظره وقال: "كنت شايفك امتداد له، وكنت عايز آخد منه كل حاجة، حتى الحاجة اللي كان بيحبها"، ارتجفت أصابع ريتال، ثم قالت: "طب ليه ماقتلتنيش؟"، رفع عينيه إليها، وقال: "لأني عرفت إن مصطفى أخدك"، سكت قليلًا، ثم أضاف: "عرفت إن مصطفى أخدك مكان بنته شغف، وإنك بقيتي بالنسبة له ابنته، وساعتها... معرفتش أعملها"، قالت ريتال: "ليه؟"، ابتسم بحزن وقال: "لأن لأول مرة شفت فيكي طفلة مالهاش ذنب، مش بنت الراجل اللي كنت بكرهه، وشفت إن مصطفى فتح بيته ليكي وأصبح أبوكي، وساعتها حسيت إن قتلك مش هيكون انتقام... هيكون جريمة في حق طفلة."
نظرت ريتال إليه والدموع على وجهها، وقالت: "بس انتقمت مني بطرق تانية"، أغمض عينيه وقال: "عارف"، فقالت: "أنا عشت سنين وأنا مش فاهمة ليه حياتي مليانة خوف، ليه كل ما أقرب من الحقيقة ألاقي حد بيكسرني، ليه خسرت أبويا، وليه كل الناس اللي المفروض تحميني أذوني"، بدأ الرجل يبكي بصعوبة، وقال: "أنا آسف"، فردت ريتال: "الأسف مش هيرجع بابا"، فأجاب: "عارف"، ثم قال: "ولا هيشيل اللي حصل منك"، فسكتت ريتال، فقال: "أنا مش طالب منك ترجعي الماضي، أنا بس طالب منك تعرفي إني ندمت، وإن آخر سنين حياتي كانت عقابًا لنفسي على اللي عملته."
مد يده بصعوبة نحوها، لكنه لم يستطع الوصول إليها، فتوقف، وقال: "أنا كنت عايز ألمس إيدك وأقولك سامحيني، بس حتى ده مش من حقي"، نظرت ريتال إلى يده الممدودة، وظلت للحظات لا تعرف ماذا تفعل، ثم مدت يدها ببطء، لكنها لم تمسك يده، وإنما وضعتها بالقرب منها على طرف السرير، فقال الرجل ودموعه تنزل: "كفاية إنك جيتي."
وفي تلك اللحظة شعرت ريتال أن هناك شيئًا داخلها انهار، ليس لأنها سامحته، وإنما لأنها رأت أمامها إنسانًا يحتضر، إنسانًا أمضى سنوات يهرب من الحقيقة، ثم اكتشفها عندما لم يعد لديه وقت لإصلاح شيء، فقالت له بهدوء: "أنا مش هقولك إني سامحتك دلوقتي"، أومأ، فقالت: "بس هسمعك للآخر"، فابتسم لأول مرة بصدق، وقال: "ده أكتر مما أستحق."
وبعد وقت طويل خرجت ريتال من الغرفة، ووقفت في الممر وهي تمسح دموعها، ثم أخرجت هاتفها واتصلت بأمينة، وما إن سمعت أمينة صوتها حتى تغير صوتها من أول كلمة وقالت بلهفة: "ريتال؟ حبيبتي إنتِ فين؟"، لكن ريتال لم تتعامل معها كما كانت تفعل من قبل، لم تقل "ماما"، ولم تسمح لصوتها أن يحمل ذلك الدفء القديم، وقالت بهدوء رسمي: "أنا في المستشفى"، صمتت أمينة للحظات ثم سألت بخوف: "في المستشفى ليه؟ حصل لك حاجة؟"، فقالت ريتال: "أنا كويسة، متقلقيش"، ثم أضافت: "بس محتاجة منك خدمة"، قالت أمينة فورًا: "أي حاجة"، فقالت ريتال: "خدي آدم وسليم وتعالوا المستشفى"، سألت أمينة: "ليه؟"، فقالت ريتال: "عشان في شخص لازم تسمعوا منه الحقيقة بنفسكم"، ثم سكتت لحظة وقالت: "الحقيقة اللي أنا دورت عليها سنين."
بعد فترة وصل آدم وسليم بصحبة أمينة، وكانت ملامحهم متوترة، وما إن رأوا ريتال حتى حاولت أمينة الاقتراب منها، لكنها توقفت عندما رأت نظرة ريتال الهادئة، فقالت: "إنتِ كويسة يا بنتي؟"، أجابتها ريتال: "أنا كويسة"، ثم قالت: "تعالوا ورايا"، ولم تضف كلمة أخرى، فساروا خلفها حتى وصلوا إلى غرفة والد كارما، وعندما دخلوا، رفع الرجل عينيه بصعوبة، وحين رأى آدم، تغيرت ملامحه، لأنه عرفه، وحين رأى سليم وأمينة أدرك أن الماضي كله يقف أمامه في لحظة واحدة، فقال آدم بصوت متوتر: "إنت؟"، فأجابت ريتال: "أيوه، هو"، ثم قالت: "هو اللي قتل بابا."
تجمد آدم مكانه، أما أمينة فوضعت يدها على صدرها، وسليم لم يستطع الكلام، وبدأ الرجل يحكي لهم كل شيء من البداية، حقده على والد ريتال، غيرته منه، استغلاله لموت كارما، قتله لوالد ريتال، ومحاولته الانتقام من ريتال، ثم تراجعه عندما عرف أن مصطفى أخذها مكان ابنته شغف، وكل كلمة كان يقولها كانت تسقط على الموجودين كأنها حكم جديد على الماضي، نظر الرجل إلى آدم وقال: "إنت ظلمتها سنين بسبب حاجة أنا نفسي اكتشفت متأخر إنها كانت قضاء وقدر"، تجمد آدم في مكانه، بينما كانت أمينة تبكي بشدة وهي تنظر إلى ريتال، وكأنها بدأت ترى حجم الظلم الذي شاركت فيه عندما صدقت الاتهامات ولم تسمع ابنتها.
بعد أن انتهى الرجل من كل اعترافاته، نظر إليهم واحدًا واحدًا، ثم قال بصوت متقطع: "أنا عارف إني ماستحقش السماح، بس لو هتقدروا... سامحوني"، لم يرد أحد في البداية، وكان الصمت ثقيلًا، حتى اقترب سليم منه وقال بصوت مكسور: "أنا مش هقدر أنسى اللي حصل، بس... مسامحك"، ثم اقتربت أمينة وهي تبكي وقالت: "ربنا يسامحك"، وبعدها نظر آدم إلى الرجل طويلًا، وكانت دموعه تنزل دون توقف، ثم قال: "أنا عشت سنين أكره ريتال بسبب كارما... وفي الآخر اكتشفت إني كنت بكره نفسي، ومش قادر أواجه الحقيقة، سامحتك."
أما ريتال فظلت واقفة في مكانها، تنظر إلى الرجل المحتضر، ثم قالت بصوت هادئ: "أنا مش قادرة أقول إني سامحتك عن كل حاجة، بس مش هتمنى لك العذاب، وربنا هو اللي يحكم بينا."
ابتسم الرجل.
ابتسامة صغيرة جدًا.
وكأنه كان ينتظر هذه الجملة تحديدًا.
ثم قال بصوت بالكاد سُمع:
"كده... أقدر أموت مرتاح."
وفجأة تغير صوت الأجهزة من حوله، وبدأت المؤشرات تتحرك بصورة سريعة، فصرخت نسرين وهي تقترب من والدها، ودخل الأطباء والممرضون مسرعين، وطُلب من الجميع الخروج، وقفت ريتال في الممر، وأمينة تبكي، وآدم يضع يده على وجهه، وسليم ينظر إلى الأرض، بينما كانت نسرين خلف باب الغرفة تبكي وتقول: "بابا..."
مرت دقائق بدت كأنها ساعات.
ثم خرج الطبيب.
نظر إليهم بحزن.
وقال بهدوء:
"البقاء لله."
تجمد الجميع.
وضعت نسرين يدها على فمها وانفجرت في البكاء، بينما أغمضت ريتال عينيها، ونزلت دمعة واحدة على خدها.
لم تكن دمعة تسامح.
ولم تكن دمعة ندم.
كانت دمعة على حياة كاملة ضاعت بسبب كراهية لم يكن لها أي معنى.
ثم فتحت ريتال عينيها ونظرت إلى باب غرفة العناية، وقالت في سرها:
"أبويا مات بسببك... لكنك مش هتاخد مني بقية حياتي."
ثم استدارت ومشت.
وللمرة الأولى...
لم تكن تسير هاربة من الماضي.
كانت تسير تاركة الماضي خلفها.
مرت أربع سنوات كاملة منذ ذلك اليوم الذي انكشفت فيه الحقيقة على البحر، أربع سنوات منذ أن وقفت ريتال أمام عائلتها واستمعت لأول مرة إلى الحقيقة الكاملة عن موت والدها، وأربع سنوات منذ أن انتهت قصة رحيم خلف القضبان، وأربع سنوات منذ أن أُغلقت صفحة ياسر إلى الأبد، وبعد كل تلك السنوات كانت الحياة قد تغيرت بصورة لم يكن أي منهم يتوقعها، فالأشخاص الذين كانوا في يوم من الأيام يعيشون وسط الخوف والانتقام والدموع أصبحوا الآن يعيشون حياة أكثر هدوءًا، وبعضهم تعلم كيف يسامح، وبعضهم تعلم كيف ينسى، وبعضهم ظل يحمل جرحه لكنه تعلم ألا يسمح له بأن يحدد مستقبله.
كانت ريتال قد أصبحت في السادسة والعشرين من عمرها، ولم تعد تلك الفتاة التي كانت تدخل الجامعة وهي تحمل أحلامًا بسيطة ولا تعرف ماذا تخبئ لها الأيام، فقد أصبحت امرأة مختلفة تمامًا؛ قوية، مستقلة، هادئة، تعرف قيمة نفسها جيدًا، ولا تسمح لأي شخص أن يتجاوز حدودها مهما كان قريبًا منها، وبعد تخرجها وتعيينها في الكلية، بدأت تعمل إلى جانب ذلك في إحدى الشركات الهندسية الكبرى، ومع الوقت أثبتت نفسها بطريقة جعلت اسمها معروفًا داخل مجالها، فلم تكن مجرد مهندسة تؤدي عملها وتنصرف، وإنما كانت من الأشخاص الذين يعتمد عليهم الآخرون في المشاريع المهمة، وكانت كل خطوة تخطوها في عملها نتيجة سنوات طويلة من التعب والسهر والمذاكرة والإصرار، حتى أصبح من الطبيعي أن يسمع أحدهم اسم "المهندسة ريتال" في اجتماع مهم فيعرف مباشرة أنه أمام شخص يعرف جيدًا ماذا يفعل.
ولم تكن ريتال قد تخلت عن الكلية أيضًا، فقد استمرت في عملها الأكاديمي، وكانت تحب وجودها بين الطلاب، وربما كان ذلك من أكثر الأشياء التي جعلتها تشعر بأنها وصلت بالفعل إلى المكان الذي حلمت به، فكلما دخلت المدرج ورأت طالبة تجلس في الصفوف الأولى وتكتب ملاحظاتها بحماس، كانت تتذكر نفسها منذ سنوات، وتتذكر الفتاة التي كانت تجلس في نفس المكان وتحلم بأن تصبح يومًا شيئًا كبيرًا، ثم تنظر إلى حياتها الآن وتبتسم في سرها، لأنها تعرف أن الطريق لم يكن سهلًا، وأنها لم تصل إلى هنا لأن الحياة كانت رحيمة معها، بل لأنها في كل مرة سقطت فيها قررت أن تنهض من جديد.
أما مريم، فقد كانت بجوارها في كل تلك السنوات، وكأن الصداقة التي بدأت منذ أيام الجامعة قررت أن تستمر رغم كل شيء، وبعد تخرجها التحقت بالعمل في نفس الشركة التي تعمل بها ريتال، وأصبحتا تقضيان معظم يومهما معًا، مرة في العمل، ومرة في الكلية، ومرة في أحد المقاهي تتحدثان عن كل شيء إلا الماضي، وكان هناك اتفاق غير معلن بينهما ألا تسمحا لما حدث قديمًا بأن يسرق منهما بقية العمر، ولهذا كانت مريم تقول لريتال أحيانًا وهي تضحك: "إحنا كنا فاكرين إننا هنخلص جامعة ونرتاح"، فترد ريتال وهي تضحك: "طلعنا دخلنا مرحلة أصعب"، فتقول مريم: "على الأقل بقى معانا مرتب"، فتضحك ريتال وتقول: "أهو ده أهم إنجاز"، وتضحكان معًا، وكأن الضحك أصبح بالنسبة لهما دليلًا بسيطًا على أنهما نجتا فعلًا.
أما أمينة، فلم تستسلم طوال السنوات الأربع، فقد حاولت مرة بعد مرة أن تعود إلى حياة ريتال، لم تكن تريد شيئًا سوى أن تسمع منها كلمة "ماما" مرة أخرى، وكانت تعرف أن ما فعلته لا يمكن إصلاحه بسهولة، لكنها كانت تحاول، تأتي إليها في مكان عملها أحيانًا، ترسل لها الطعام، تسأل عنها من بعيد، وتنتظر فرصة واحدة فقط لتعتذر، وفي كل مرة كانت ريتال تستقبلها بهدوء دون أن تجرحها، لكنها كانت تضع حدودًا واضحة، وكانت تقول لها: "أنا مش بكرهك يا أمي، بس اللي حصل مش حاجة أقدر أنساها في يوم وليلة"، وكانت أمينة تبكي وتقول: "أنا عارفة"، فترد ريتال: "أنا محتاجة وقت"، وظلت أمينة تعطيها الوقت، حتى جاء يوم بعد محاولات كثيرة وطويلة، جلست فيه الاثنتان وحدهما، وبكت أمينة أمام ابنتها وهي تعترف بكل أخطائها، وتقول إنها لن تطلب منها أن تنسى، ولن تطلب منها أن تعود كما كانت، وإنما تريد فقط فرصة لتثبت لها أنها نادمة.
نظرت ريتال إليها طويلًا، ثم قالت بصوت هادئ: "أنا سامحتك يا أمي"، فرفعت أمينة عينيها إليها والدموع تملأ وجهها، وكأنها لم تصدق ما سمعته، وقالت: "بجد؟"، فأومأت ريتال وقالت: "أيوه، سامحتك"، ثم أضافت بعد لحظات: "بس السماح مش معناه إني هرجع أعيش معاكم زي الأول"، سكتت أمينة، ثم أومأت برأسها وهي تبكي وقالت: "أنا مش هطلب منك أكتر من كده"، فاقتربت منها ريتال واحتضنتها لأول مرة منذ سنوات، وكان ذلك الاحتضان قصيرًا، لكنه كان كافيًا ليخبر أمينة أن ابنتها لم تعد تحمل الكراهية في قلبها، لكنها أيضًا لم تعد مستعدة للتنازل عن حياتها الجديدة.
أما آدم، فكانت السنوات الأربع قد غيرته هو الآخر، لكنه حمل ندمًا مختلفًا، فقد اكتشف بعد وقت طويل أنه وقع في حب مريم، وربما كان ذلك أكثر الأشياء التي جعلته يشعر بالارتباك، لأنه كان يعرف تاريخ مريم، ويعرف كم عانت، ويعرف أن آخر شيء تحتاجه هو علاقة جديدة، ومع ذلك حاول الاقتراب منها أكثر من مرة، حاول أن يخبرها بمشاعره، وأن يثبت لها أنه تغير، وأنه مستعد لأن ينتظر، لكنها كانت دائمًا ترفض بهدوء، وفي إحدى المرات قالت له: "آدم، أنا مش قادرة"، فسألها: "مش قادرة تحبيني؟"، فقالت: "مش قادرة أدخل في علاقة أصلًا"، ثم أضافت: "أنا قضيت وقت طويل جدًا بحاول أرجع أعرف أنا مين، ومش مستعدة أخلي حياتي كلها تتوقف على شخص تاني"، فهم آدم أن الرفض ليس كراهية، وأن مريم لا تعاقبه، وإنما تحاول أن تحمي نفسها، ولذلك ابتعد عنها، لكنه لم يتوقف عن احترامها.
وحاول آدم كذلك أن يصلح علاقته بريتال، فذهب إليها أكثر من مرة، واعتذر لها عن كل ما فعله، وعن السنوات التي جعلها تعيشها وهي تشعر بأنها مذنبة في شيء لم ترتكبه، وقال لها ذات مرة: "أنا عارف إني مش هقدر أصلح اللي عملته"، فردت ريتال: "ولا أنا مستنية منك تصلحه"، فسألها: "يبقى أعمل إيه؟"، قالت: "اتقبل إنك خسرتني بسبب أفعالك"، وظل آدم يحاول، لكنها لم تستطع أن تمنحه المسامحة، ليس لأنها تريد الانتقام منه، وإنما لأن الجرح الذي سببه لها كان أعمق من أن يغلق بكلمة اعتذار، ولذلك كانت تقول له دائمًا: "أنا مش بكرهك، بس مش قادرة أسامحك"، وكان ذلك بالنسبة لآدم أقسى من أي عقوبة أخرى.
أما سليم، فكانت قصته مختلفة، لأنه لم يتوقف عن محاولة إصلاح ما بينه وبين ريتال، اعتذر لها مرات كثيرة، واعترف بأنه أخطأ عندما صدق كلام الآخرين ولم يقف بجانبها في الوقت الذي كانت تحتاجه فيه، وفي النهاية، وبعد وقت طويل، سامحته ريتال، لأن سليم لم يكن مثل آدم، ولم يتوقف عن الاعتراف بخطئه، وكانت تعرف أنه رغم ضعفه في بعض المواقف لم يكن يحمل لها الكراهية، وبعد أن تصالحا، جاءها في أحد الأيام وهو يبدو مترددًا، فقالت له وهي تضحك: "مالك؟ شكلك جاي تطلب فلوس"، فضحك وقال: "لا، المرة دي الموضوع أكبر"، فسألته: "إيه؟"، فقال وهو يخفض عينيه: "أنا بحب ريما"، نظرت إليه ريتال للحظات، ثم انفجرت ضاحكة وقالت: "وأخيرًا اعترفت!"، رفع سليم رأسه بدهشة: "إنتِ كنتِ عارفة؟"، فقالت: "من زمان"، ثم أضافت: "وأنا هساعدك"، فابتسم وقال: "بجد؟"، فأجابته: "طبعًا، خصوصًا إن ريما رجعت من بره"، وهكذا بدأت ريتال تساعد سليم في التقرب من ريما، وكانت ترى أن من حق أخيها أن يجد هو الآخر فرصة للحب والحياة.
وعندما عادت ريما، ابنة أيوب، من خارج البلاد، كانت تحمل معها حياة جديدة وأفكارًا مختلفة، ولم تكن تعرف أن هناك شخصًا ينتظر عودتها منذ فترة طويلة، لكنها كانت قد حاولت في الماضي الاقتراب من آدم، وحين عرفت أنه يحب مريم وأن قلبه متعلق بها، قررت أن تتراجع دون أن تخلق مشكلة، ولم تحاول أن تنافس مريم أو تضغط على آدم، بل أخذت قرارها بهدوء، وقالت لنفسها إن الحب الحقيقي لا يعني أن تفرض نفسك على شخص اختار غيرك، ولذلك بدأت تركز على حياتها، عملها، مستقبلها، وعندما قابلت آدم بعد عودتها، تعاملت معه بشكل طبيعي جدًا، وكأنها أغلقت الصفحة دون ضجيج، وكان آدم يلاحظ ذلك، لكنه لم يحاول العودة إليها، لأنه عرف أنه لا يستطيع أن يعطيها قلبًا ليس له.
وفي وسط كل تلك التغييرات، كان هناك شخص واحد لم يكن حاضرًا في حياتهم اليومية، لكنه لم يكن غائبًا عن ذاكرة ريتال تمامًا.
رحيم.
مرت أربع سنوات منذ دخوله السجن.
أربع سنوات لم ير فيها ريتال، ولم يحاول الوصول إليها، ولم يطلب من أحد أن يتحدث معها، لأنه كان يعرف أن أي محاولة منه قد تكون أنانية، وأن ريتال اختارت حياتها بعيدًا عنه، وكان عليه أن يحترم ذلك.
في السجن تغير رحيم كثيرًا.
لم يعد الرجل الذي دخل إليه وهو يعتقد أن الانتقام حق، وأن الألم الذي تسبب فيه للآخرين يمكن تبريره بألمه القديم، فقد أمضى سنوات طويلة وحيدًا مع نفسه، وكانت الوحدة أقسى شيء يمكن أن يواجهه شخص مثله، لأنها أجبرته على سماع كل شيء كان يحاول الهروب منه، وكل ليلة كان يتذكر ريتال، ليس كما كانت في أيام الانتقام، وإنما كما كانت في الأيام القليلة التي عاش فيها معها لحظات بسيطة؛ ضحكتها، عنادها، طريقتها في استفزازه، خوفها، وحتى صمتها، وكان يعرف الآن أنه أحبها بالفعل، لكنه كان يعرف أيضًا أن الحب لا يمحو الجريمة، ولا يعيد الثقة، ولا يعطي الإنسان حقًا في العودة إلى حياة شخص دمرها بيديه.
وفي مكان آخر من المدينة، كانت ريتال تعيش حياتها التي بنتها بنفسها، تخرج صباحًا إلى الشركة، ثم تذهب إلى الكلية، وتعود في المساء إلى بيتها، وكانت أحيانًا تجلس وحدها أمام النافذة وتشرب قهوتها في هدوء، وتنظر إلى المدينة وهي تتحرك تحتها، فتتذكر الماضي للحظات، ثم تبتسم وتقول لنفسها إن الحياة لم تتوقف.
لكنها لم تكن تعرف أن الأيام القادمة ستضع أمامها شخصًا من الماضي لم تتوقع أن تراه مرة أخرى.
شخصًا قضى أربع سنوات كاملة خلف القضبان.
شخصًا خرج من حياتها وهي تكرهه...
ثم أمضى سنوات يتعلم كيف يعيش مع ذنبه.
وشخصًا كانت قصته معها قد انتهت منذ زمن...
أو هكذا كانت تظن.
لأن بعد أربع سنوات من الغياب...كان موعد رحيم مع الحرية قد اقترب.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بوقت طويل، والبيت كله غارق في السكون، بينما كانت ريتال نائمة في غرفتها بملامح هادئة على غير عادتها، وكأن النوم وحده كان المكان الوحيد الذي تستطيع فيه أن تهرب من كل شيء، ومن كل الوجوه، ومن كل الذكريات التي ظلت تطاردها لسنوات، ولم تكن تعلم أن باب غرفتها قد فُتح بهدوء شديد، وأن شخصًا وقف عند العتبة للحظات طويلة لا يجرؤ حتى على التنفس بصوت مرتفع، كان ينظر إليها وكأن أمامه حلمًا ظل يطارده أربع سنوات كاملة، أربع سنوات قضاها خلف القضبان، وكل ليلة كان يسأل نفسه سؤالًا واحدًا: هل ما زالت ريتال تذكرني؟ هل تكرهني؟ هل نسيتني؟ وهل يمكن أن يأتي يوم أراها فيه مرة أخرى؟ والآن كان واقفًا أمامها، لا يفصل بينهما سوى خطوات قليلة، لكنه شعر أن المسافة بينهما أطول من كل السنوات التي مرت.
اقترب رحيم ببطء، وجلس على الكرسي الموجود بجوار سريرها، وظل يتأملها دون أن يلمسها، كانت ريتال مختلفة تمامًا، أكثر نضجًا، أكثر هدوءًا، لكن رغم كل التغيرات كان يستطيع أن يرى فيها الفتاة التي أحبها، الفتاة التي كانت تزعجه بمقالبها، وتغضبه بعنادها، ثم تجعله يضحك رغمًا عنه، الفتاة التي استطاعت أن تدخل قلبه في الوقت الذي كان هو نفسه لا يعرف فيه كيف يحب، ظل ينظر إليها بعينين امتلأتا بالشوق والندم، ثم تمتم بصوت خافت لم تسمعه: "وحشتيني..."، وسكت قليلًا، ثم أضاف: "وحشتيني لدرجة إني كنت بخاف أنسى صوتك."
مد يده وكأنه يريد أن يلمس شعرها، لكنه تراجع قبل أن يفعل، وكأن جزءًا منه كان يعرف أن ريتال لم تعد ملكًا لأي أحد، وأنه لا يملك حق الاقتراب منها كما كان يفعل في الماضي، لكنه في لحظة ضعف غلبه اشتياقه، فانحنى وقبّل جبينها قبلة رقيقة، ثم ظل للحظات ينظر إلى وجهها، وبعد صراع طويل مع نفسه استلقى بجوارها من دون أن يوقظها، وأحاطها بذراعيه بحذر شديد، كأنه يخشى أن تختفي من بين يديه إن تحرك، وأغمض عينيه، ولأول مرة منذ أربع سنوات شعر أن صدره قادر على التنفس، وكأنه قضى كل هذه السنوات يبحث عن شيء واحد فقط... الأمان.
تتوقعوا ردة فعل ريتال لما تفوق من النوم.