
رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل التاسع 9 بقلم نسرين نادر
كان الهدوء في أروقة المستشفى حذراً، والجميع يترقب خروج الطبيب ليطمئن قلوبهم.
خرجت الممرضة من غرفة «غالية»، فتقدم منها «يونس» بخطوات واسعة، وعيونه تملؤها اللهفة والقلق، وقال لها
بالحزم والرجاء:
ـ «طمنينا يا ممرضة.. الدكتور قالك إيه؟»
ردت الممرضة باحترام وهي توضح له التعليمات:
ـ «الدكتور وافق على خروجها يا يونس بيه، بس بشرط.. محتاجة راحة تامة، تقعد في السرير وترتاح ومحتاجة رعاية واهتمام ويكون حد جنبها باستمرار الفترة دي.»
اتسعت حدقتا يونس وقال بثقة وحسم:
ـ «ما تجلجيش من الناحية دي واصل.. إحنا هنهتم بيها كويس.»
التفت يونس نحو «زينب» و«كريمة» اللتين كانتا تقفان بجوار «منصور» و«أيمن»، وقال بطلب قاطع:
ـ «يلا يا زينب أنتِ وكريمة، ادخلوا لغالية وساعدوها تجهز عشان نلحج نروح.»
هزت زينب رأسها ومشت مع كريمة لداخل الغرفة. كانت غالية تجلس على طرف السرير، شاحبة الوجه وعيونها زاغية من الخوف والتفكير.
ابتسمت زينب وقالت بنبرة مشجعة:
ـ «يلا يا غالية عشان هنساعدك تجهزي، هتروحي معانا النهاردة.»
نظرت لهما غالية برعب وهمست بصوت يرتجف:
ـ «هنرجعوا الدوار تاني؟!»
ضحكت كريمة بخفة وهي تقترب منها:
ـ «وه! ولينا مكان تاني غير الدوار يعني ولا إيه؟!»
انكمشت ملامح غالية وقالت بمسكنة ورجاء:
ـ «لا.. بس أنا مش رايدة أرجع الدوار.. هملوني هنا كذا يوم، ولا شوفولي أي مكان تاني أقعد فيه، مش هجدر أرجع الدوار ده تاني!»
شخصت زينب بنظرها نحوها وقالت باستنكار:
ـ «إيه الكلام اللي جاعدة تقوليه ده يا غالية؟ نهملوكِ هنا لوحدك كيف يعني؟! باللي حصل ده أنتِ عايزة يونس يجن جنونه أكتر ولا إيه؟ وكمان أبوي الحاج نعمان جلجان عليكي جوي هو وأمي، ونسيتي الخالة حكمة ولا إيه؟ ده ما بتنامش ولا بتاكل ولا بتشرب.. إحنا لازم نرجعوا يا غالية!»
دمعت عينا غالية وهزت رأسها وهي تقبض على يدها:
ـ «أنا خابرة ومجدّرة كل ده والله.. بس أنا مش هجدر أرجع تاني وأتعامل كخدامة وأتهان بالطريقة دي تاني!»
دنت كريمة منها أكتر وضغطت على يدها بحنان وقالت بثقة:
ـ «وه! بس يونس موجود وما هيهملكيش تاني واصل، وكلنا بجنبك.»
في الخارج، كان يونس يذرع الممر جيئة وذهاباً، حك ذقنه وهو ينظر لنهاية الممر ثم التفت نحو «منصور» وقال بتوتر:
ـ «هما اتأخروا إكده ليه؟»
رد منصور بقلة حيلة:
ـ «مش عارف والله يا يونس.»
تدخل «أيمن» وقال بنبرة هادئة:
ـ «خلاص.. دقوا على الباب وشوفوا متأخرين إكده ليه.»
اتجه يونس نحو الباب ليطرق عليه، وقبل أن تلمس يده الخشب، وصله صوت غالية المنكسر من الداخل وهي تقول لزينب وكريمة بنبرة خائفة:
ـ «أنا خابرة إن يونس هيكون بجنبي وفي كل حاجة.. بس أنا مش رايدة أكون سبب في إن يحصل مشاكل تاني في الدوار، ومحدش هيهملني في حالي وأنا خلاص تعبت!»
وقف يونس مكان الخشب، وعيونه أظلمت بتأثر وحسرة وهو يسمع كلماتها. لم ينتظر أكثر، ودق الباب بضربات متتالية خفيفة.
فتحت زينب الباب فوراً، ليتفاجأ يونس بأن غالية ما زالت تجلس كما هي على السرير، وكريمة بجوارها تحاول تهدئتها.
تخطى يونس العتبة وعيونه معلقة بغالية، وقال متسائلاً:
ـ «إيه يا زينب.. اتأخرتوا إكده ليه؟ وأنتِ يا غالية، ليه جاعدة مكانك لسه ما جهزتيش؟»
رفعت غالية عيونها المترجية ونظرت له، ثم وضعت قدميها على الأرض بنعومة، وقالت بصوت خافت يملؤه التوسل:
ـ «هملوني هنا لوحدي يا يونس.. أنا حاسة إن أنا هبقى هنا مرتاحة أكتر من الدوار.»
ساد الصمت الغرفة للحظة، ونظر يونس لغالية ملياً، ثم التفت نحو زينب وكريمة وقال بصوت هادئ لكنه آمر:
ـ «اطلعوا أنتم يا بنات بره.. عم أتحدث ويا غالية بكلمتين.»
✍🏻بقلم الكاتبة نسرين نادر
في بهو الدوار الكبير، كان الصمت أثقل من الحجارة، والوجوه واجمة يتصاعد منها التوتر. خيوط الفجر الأولى بدأت تتسلل بشحوب من النوافذ المرتفعة، تنشر نوراً بارداً يطرد عتمة الليل، لكنه لم يطرد الخوف والشك من قلوب الجالسين.
كانت «وصال» تجلس بمحاذاة «رجب»، وعيونها تترقب الطريق الخارجي، قبل أن تلتفت نحو الحاضرين وتبث سمّها بنبرة تفيض بالمكر والتظاهر بالقلق:
ـ «خيوط الفجر بدت تبان في السما والنهار هيشجشج، ولسه البنات ما رجعوش! هيكون حصلهم حاجة ولا راحوا فين في الليل الرايق ده؟!»
نقلت وصال نظرتها الخبيثة إلى «رجب»، الذي التقط الخيط فوراً، ونظر للحاضرين بنظرات حادة ورفع صوته مستنكراً بحدّة:
ـ «أنا ما خابرش كيف البنات يطلعوا لوحدهم في وقت متأخر كيف ده؟! هات العواقب سليمة يا رب.. هما بس يرجعوا وأنا هعلمهم كيف بنات العزايزة يطلعوا من غير ما حد يعرف!»
في صدر المجلس، كان «الحاج نعمان» يمسك بعصاه بقبضة متشنجة، وضغطه قد وصل مداه. التفت ونهر رجب بنبرة حادة كالسيف جعلت الرؤوس تتطأطأ:
ـ «اكتم يا رجب! اكتم وخلي الليلة دي تعدي على خير عشان أنا خلاص جبت آخري! عيب لما تتجرأ إكده على إخواتك.. إخواتك متربيين زين، واللي حصل ده أكيد ما هينسكتش عليه.. بس برضه لازم نعرفوا إيه اللي حصل عشان يخرجوا ومحدش يجولنا على حاجة!»
تنهدت «نعمة» بلوعة وأمسكت بأسفل ثوبها، وعيونها تتنقل بين الحاضرين وهي تقول بحسرة وألم:
ـ «أنا كريمة بنتي عمرها ما خرجت عن طوعي، وعمرها ما كانت مهملة البيت إكده ولا راحت مكان إلا لما تجولي الأول.. يا ترى إيه اللي حصل؟ وكيف تمشي من دماغها إكده؟! بس لما تجيلي والله لأقطع من لحمها تقطيع!»
التقط زوجها «عبد الرحيم» أطراف الحديث، وكانت شرارات الغضب تطاير من عينيه، فضرب بقبضته على ذراع الكرسي وصاح بقسوة:
ـ «والله لأكون دافنها بالحياة بنت الـ...!»
وعلى الجانب الآخر، كانت «صفية» تجلس منزوية، واضعة يدها على قلبها الذي يخفق برعب، وعقلها يطحن الأفكار طحناً: (يا ترى بنتي راحت فين؟ وإزاي يخرجوا في وقت زي ده؟ وإيه اللي حصل وشقلب الحال إكده؟!)
أما «وصال»، فكانت تجلس مستريحة ومطمئنة بجوار «عبد الحميد» و«رجب»، وتبادلا نظرات الخبث الشامتة، وهم يرون النار التي أضرموها تأكل الأخضر واليابس في الدوار، بانتظار لحظة وصول البنات لتكتمل الفتنة!
✍🏻بقلم الكاتبة نسرين نادر
خرجت زينب وكريمة وأغلقتا الباب خلفهما، ليبقى «يونس» و«غالية» بمفردهما في الغرفة.
كان يونس واقفاً يتأملها بعيون تتألم لأجلها، ولما لاحظ اضطرابها وشحوب وجهها وكأنها ستسقط، خطى نحوها بلهفة خفيفة وأمسك بساعدها بنعومة، ثم جعلها تجلس على طرف السرير برفق. شدّ كرسياً خشبياً وقعد أمامها مباشرة، لتدنو نظراته من وجهها الشاحب، وقال لها بنبرة هادئة تملؤها الحنية والرجاء:
ـ «ليه بتقولي إنك مش رايدة ترجعي الدوار معانا تاني يا غالية؟ ليكي مكان تاني غيره أصلًا يا بت؟ افهمي.. أنا جلتلك أنا موجود، وما هخليش حد يبص لك بعينه بصة ما تعجبكيش واصل! عارف إنك اتبهدلتي، وعارف إن فيه حاجات أنتِ أكيد مخبيها عليا كمان.. بس أنا مش هضغط عليكي، وهعرف كل حاجة لوحدي.. ومش رايدك تخافي، أنا بجنبك وهاخدلك حقك من كل واحد آذاكي!»
رفعت غالية عيونها المنكسرة ونظرت في عمق عينيه، ودمعة محبوسة تلمع في جفنها، وقالت بصوت يرتجف:
ـ «أنا خابرة إنك ما بترجعش في كلمتك واصل يا يونس، وعارفة إنك جد الجول.. بس أنا خايفة أكون سبب المشاكل اللي بتحصل عندكم في الدوار، وكل من هب ودب هيقعد يقطع في لحمي ويجول إن أنا السبب.. وأنا ما عملتش حاجة واصل!»
نظر إليها يونس بحنان جارف، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة وهو يقول لها بلهجة تذيب الخوف:
ـ «خليكي أنتِ يا ستي سبب المشاكل.. خليكي أنتِ اللي مولعة حريقة في البيت، على جلبي زي العسل! وبرضه ما ههملكيش واصل.. ولا أنتِ مش مصدقاني يا غالية؟»
شبكت غالية أصابعها بتوتر وزادت حيرتها، ونظرت للأرض ثم رفعت عينيها إليه وقالت مترددة:
ـ «عايزة أجولك على حاجة بس ما تزعلش مني يا يونس..»
أومأ لها يونس برأسه بنظرة مشجعة تطمئنها لكي تتحدث.
ابتلعت غالية غصتها وتوترت أكثر وهي تهرب بعينيها منه ثم تعود إليه، وقالت بصراحة ممتزجة بالبكاء والدموع تسيل على خديها:
ـ «بصراحة.. بصراحة يا يونس أنا محتارة في كلامك وفي اللي بيحصل.. وغير إكده أنت رحت البندر وشوفت بنات البندر هناك وحلاوتهم إزاي، وبنات ناس وأصول.. لكن أنا؟ لا معروف أنا مين، ولا أصلي إيه ولا فضلي إيه! وأكيد الحاج نعمان والحاجة صفية يتمنوا إنك تاخد بنت حسب ونسب، وده المفروض اللي يحصل صح! حتى لو كنت... لو كنت حاسس بحاجة ناحيتي ولا رايدني.. أهلك ما هيوافقوش إكده، وأنا مش رايدة أكون سبب كسرتك ولا المشاكل بينك وبين أهلك!»
أنصت يونس لحديثها دون أن يقاطعها، ينظر لعينيها بعمق وشموخ. وفجأة، قام وقف من الكرسي متجاهلاً كل ما قالته، وقال بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
ـ «قومي يا غالية.. قومي جهزي حالك لأن أنا ما ههملكيش، وما همشيش من غيرك واصل!»
نظرت إليه غالية باستغراب وحيرة، وصدمها أنه لم يرد على أي حرف من كلامها وشهقاتها، وظلت مكانها لا تتحرك.
اقترب يونس منها بخطوات هادئة، وجلس على أطراف قدميه أمامها، ثم مد يديه الحنونتين وأمسك وجهها بين كفيه ببطء، ولمست أصابعه شعرها يمسح عليه برفق، وقال بصوت دافئ يملؤه اليقين والقوة:
ـ «عايزك تعرفي يا غالية.. إن لما يونس العزايزي يقول كلمة، يبقى محدش هنيها بعديه واصل! واللّي خَلَق الخلق يا بت، ما غالية إلا ومكتوبة على اسم يونس من يوم ما اتولدتي.. ده جَدَرِك إنك تاجي عندنا عشان أشوفك وأعشقك وما أشوفش غيرك!»
اتسعت عينا غالية وزادت ضربات قلبها وهي تستمع لنبرته الصادقة، واسترسل يونس وهو يضغط على وجنتيها بنعومة:
ـ «قومي يا بنت الناس.. وإذا كان مش معروف مين أهلك، فأنا أهلك وناسك! أنا أمك وأبوكي، وأنا كل حاجة تتمني إنها تكون موجودة ليكي يا غالية.. وإذا ما جدرتش أعمل إكده، يبقى فوتيني براحتك!»
انحنى يونس برأسه وطبع قبلة دافئة على رأسها، ثم ابتعد قليلاً وقال بنبرة مبتسمة:
ـ «قومي يالّا..»
✍🏻بقلم الكاتبة نسرين نادر
كانت السيارة تتهادى على الطريق الزراعي، «منصور» يمسك بقطب القيادة، و«يونس» يجلس بجواره وعيونه تترقب الطريق الشبه خالي، بينما في المقعد الخلفي كانت «غالية» تجلس بين «زينب» و«كريمة» اللتين تمسكان بيديها بدفء، وتتبعهما سيارة «أيمن» من الخلف لتؤمن طريقهما.
بدأت خيوط الشمس الذهبية تشق عتمة الليل، وأخذت زقزقة العصافير تتصاعد على جانبي الطريق المعلنة عن بداية نهار جديد.
نظرت زينب من النافذة لضوء الفجر المتسلل، ثم التفتت بنظرة قلقة لـ «كريمة». فهمت كريمة المغزى فوراً، وابتلعت ريقها بتوتر وقالت بصوت خافت يرتجف:
ـ «أنا خايفة يكون حد من الدوار فاجنا وما لجانا أصلًا.. هتبقى مصيبة وكارثة كبرى!»
تطلع منصور إليها عبر المرآة ورد عليها بهدوء يحاول به تهدئة خوفهن:
ـ «ربنا يستر وما يكونش حد فاجأ قبل ما نوصلوا.. هانت أهيه.»
في تلك اللحظة، عدّل يونس جِلسته، ونظر إليهن في المرآة العلوية بنظرة شموخ هادئة، وقال بنبرة ثقيلة تطمئن القلوب:
ـ «جرى إيه يا بنات؟ كنتم معاكم اكياس جوافه ولا إيه؟! مش ماليين عينكم إياك؟!»
سكت قليلاً ثم التفت برأسه للخلف نحوهم وواصل بلهجة أخوية حاسمة:
ـ «ما تجلقوش.. إذا كنتم خرجتم بالليل، فهي أه غلطة كبيرة ومش هجول غير إكده، بس عذركم معاكم.. وبعدين لما خرجتم، خرجتم مع منصور أخوكم، ولما يكون خطيب زينب فهو برضه أخوها وأخوكي يا كريمة، يعني ما خرجتوش لوحدكم لا سمح الله ولا عملتوا حاجة تعيبكم!»
ثم نقل نظراته نحو غالية، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة وهو يكمل بنبرة تفيض بالفخر:
ـ «وإذا كانت على غالية.. فهي راجعة الدوار مع زوجها المستقبلي، وليه هيجولوا إيه ولا يعتبوا بإيه؟!»
اتسعت عينا غالية بخجل وارتسمت ابتسامة رقيقة على وجهها الشاحب، فنغزتها كريمة وزينب بكتفها بخفة وضحكتا بصوت خافت، ليتبدد الخوف قليلاً في أحضان تلك الكلمات.
وصلت السيارات أمام البوابة الحديدية الضخمة لدوار العزايزة. وما إن ألمح الغفير مجيئهم حتى سارع بفتح البوابة.
انطلق «نجاتي» يركض بلهفة نحو الساحة الداخلية، وصعد الدرجات يضرب على الباب الخشبي بقوة وهو ينادي:
ـ «يا حاج نعمان! يا حاج نعمان! الحج يا حاج!»
جرى الجميع في البهو نحو الباب؛ أسرعت «حكمة» لتفتح الباب بقلب محروق، ووقفت «صفية» ترفع يديها للسماء وتتمتم: (يا رب جيب العواقب سليمة يا رب..)، بينما وقف «رجب» و«وصال» و«راوية» و«عبد الحميد» يتطلعون بنظرات ملتهبة ينتظرون الفضيحة والفتنة.
قال نجاتي وهو يلهث ومسند يديه على ركبتيه:
ـ «عربية سي منصور وصلت يا حاج.. ونزل منها هو وسي يونس!»
شهقت «صفية» ووضعت يدها على صدرها: (يونس ومنصور رجعوا؟! ربنا يستر لما يعرفوا إن كريمة وزينب مش هنا!)، وشاركتها «نعمة» الذعر وهي تطبق قبضتها على ثوبها، بينما ابتسمت «وصال» بمكر لأن نجاتي لم يذكر رؤية البنات، ظناً منها أن الفخ قد اكتمل!
لكن المشهد في الساحة كان غير ذلك تماماً..
ترجل «منصور» أولاً، وتبعه «يونس» بكبرياء، ثم فتحا الباب الخلفي ليخرج منها «زينب» و«كريمة» وهما تسندان «غالية» برفقهما وخطواتها البطيئة!
شخصت الأبصار وصُدم الجميع! لم تصدق «حكمة» عينها، فصرخت بدموع جارفة وركضت نحو الساحة فوراً وهي تصيح:
ـ «بتي! حمد الله على السلامة يا بنتي!»
ارتمت غالية في أحضان حكمة وهي تبكي بااشتياق وألم، بينما وقفت «صفية» تسد فمها بذهول، وتبادلت «نعمة» و«سمر» نظرات الذهول وعدم تصديق عودة غالية، أما «وصال» و«رجب» و«راوية» فقد اسودّت وجوههم وشخصت أعينهم بصدمة عارمة!
تقدم «الحاج نعمان» بخطوات سريعة نحو غالية، وعيونه تفيض بالأبوة والقلق، وقال بصوت ينبض بالحنان واللوم:
ـ «غالية! غالية يا بنتي كنتِ فين؟ حرام عليكي نشفتِ الدم في عروقنا.. كنتِ فين يا بنتي كل ده؟!»
تدخل يونس فوراً ووقف حائلاً بين الجميع، وقال بنبرة حازمة ومحترمة لأبيه:
ـ «بعدين.. بعدين يا أبوي هجولك كل حاجة، غالية بس تدخل ترتاح الأول لأنها لسه طالعة من المستشفى!»
ضربت حكمة على صدرها بفزع وقالت:
ـ «واه! مستشفى ليه يا بنتي؟! حصلك إيه؟ جوليلي طمنيني عليكي!»
ردت زينب فوراً لتهدئتها:
ـ «ما تجلجيش يا خالة حكمة.. هي بس محتاجة تدخل ترتاح وهتبقى زي الفل.»
اقتربت الحاجة «صفية» بقلب أم ونظرت ليونس ثم لغالية وقالت بحنية:
ـ «حمد الله على سلامتك يا بنتي..»
ردت غالية بصوت خافت مجهد ودموعها تسيل:
ـ «الله يسلمكم جميعاً..»
أمسكت بها كريمة وزينب وأدخلتاها إلى البهو الكبير لتقعد على إحدى الأرائك الخشبية الفاخرة، ووقفت الشابتان بجوارها وعيونهما تتنقل بين الوجوه الخائفة والمترقبة لما سيحدث.
✍🏻بقلم الكاتبة نسرين نادر
وقف الحاج «نعمان» في منتصف البهو، ووجه نظراته الصارمة نحو «يونس» و«منصور»، وقال بصوت جهوري يملؤه التساؤل والهيبة:
ـ «جلولنا بقى.. فهمونا إيه اللي حصل وإيه سر الخروجة دي من ورانا، وإزاي غالية راجعة معاكم ومن المستشفى كمان؟!»
وقبل أن ينطق يونس بكلمة، قاطعته «وصال» متقدمة بخطوات سريعة وهي تصفق بيديها بتهكم، وبثت سمّها بصوت عالٍ:
ـ «أيوه صح! كيف تخرجوا إكده من غير ما تقولوا لحد هني في البيت ولا في الدوار؟! خلاص ما عدتوش بتعملوا اعتبار لأهاليكم ولا للحاج نعمان كبير العزايزة وعمدة النجع كله؟!»
ثم التفتت وصال ونظرت للحاج نعمان وهي تؤجج النار بنبرة مكر وخباثة:
ـ «شفت يا حاج نعمان؟ شفت كيف ما قلت لك وجايين ولا كأنهم عملوا حاجة واصل؟! شفت إنهم ما عادوش بيعملوا لكلمتك اعتبار ولا بيخافوك خالص؟!»
احمرّ وجه يونس واشتعلت عيونه بالغضب، فالتفت إليها بخطوات هادرة ونظر إليها بحِدّة، وصاح بنبرة حاسمة هزت أركان البهو:
ـ «إيه اللي بتقوليه ده يا مرت عمي؟! خبي لسانك جوه خشمك واوزني كلامك اللي هتقوليه زين.. عشان كلامك ده هيوديكي في ستين داهية!»
اضطرب «عبد الحميد» وخاف من نبرة يونس النارية وهيبته، فمال على زوجته وغمزها في كتفها وقال بخوف مكتوم:
ـ «اسكتي يا وصال.. اكتمي خالص!»
لكن وصال نظرت لزوجها بغيظ شديد، ورفعت رأسها وقالت بحدّة وتحدٍ:
ـ «وأسكت ليه؟! هو اللي هيقول كلمة الحق هني هيكون عِفِش ولا إيه؟!»
رد يونس بثبات وشوكة لا تتزحزح، ونظر لأبيه باحترام ثم لوصال بقسوة:
ـ «ما عاش ولا كان اللي ما يعملش لأبوه اعتبار، ولا اللي ما يوفيش كلمته ويخاف منها! زينب وكريمة كانوا مع إخواتهم.. كانوا معايا أنا ومنصور! ولما عرفنا طريق غالية، ما كانش ينفع إحنا كرجالة نروحوا نطلوا عليها في المستشفى لحالها، كان لازم ناخدوا معانا حريم يسندوها ويكشفوا عليها.. وطبعاً بما إن محدش هني بيطيق غالية ولا بيراعيها غير زينب وكريمة، أخدناهم معاهم لأنهم كيف إخواتها! ولا اللي إحنا عملناه ده فيه حاجة تعيب يا أبوي؟!»
اتسعت ابتسامة الحاج «نعمان» بالرضا والفخر، ونظر لابنه بجمال وهيبة وقال بصوت جليّ:
ـ «عداك العيب يا ولدي.. وصح، عندك كل الحق!»
هنا تدخل «عبد الرحيم» والد كريمة ومنصور، ونظر لابنه ولإخوته وقال بنبرة عتاب حازمة:
ـ «بس برضه كان المفروض تقولوا لنا وتاخدوا الإذن منينا الأول يا يونس!»
رد عليه «منصور» فوراً بذكاء وتهدئة لأبيه:
ـ «عندك حق يا أبوي.. بس ما كانش فيه وقت ساعتها واصل، وكنا خايفين نصحوا حد من الدوار والوقت متأخر ونعملوا جلبة مالهاش لازمة.. وبعدين هما ما عملوش حاجة غلط، خرجوا مع خطيبها وأخوهم برضه.. ولا إحنا مش رجالة ومليانين عينين الناس إياك؟!»
ضرب الحاج نعمان بعصاه على الأرض وقال بصرامة يُسكت بها الجميع:
ـ «كيف يعني يا ولدي؟! رجالة ومن صلب رجالة كمان!»
التفت يونس نحو أبيه وقال بنبرة أنهت النقاش تماماً:
ـ «خلاص.. يبقى الموضوع راح لحاله ومش محتاج كل العمايل والدوشة دي!»
رمق يونس «وصال» بنظرة حادة، فنظرت وصال بسرعة نحو ابنها «رجب» ليتدخل ويتكلم، لكن يونس لمس حركتها بلمح البصر، فنقل نظراته الخشنة والصارمة فوراً نحو رجب وحذّره بصلابة، فارتجف رجب وسكت فوراً، وأدار وجهه للجهة الأخرى يتفادى المواجهة!
اتغاظت وصال حتى كادت تنفجر لأن زوجها وابنها لم يستطيعا الوقوف أمام يونس، فأخذت طرف ثوبها وانسحبت متجهة للأعلى بغيظ، ونظرت لها ابنتها «راوية» وتبعتها فوراً، وكذلك رجب الذي انسحب خلفهما بقلة حيلة.
بعد خروجهم، التفت الحاج «نعمان» برأس خفيفة نحو غالية الجالسة بضعف، ثم وجه نظره ليونس ومنصور وقال بتساؤل ورفق:
ـ «وغالية.. لقيتوها وين يا ولدي؟ وإيه اللي جرى لها بالضبط؟»
تبادل يونس ومنصور النظرات، ثم تقدم يونس خطوة وقال بوضوح وثبات:
ـ «أبداً يا أبوي.. غالية لما خرجت من هني تعبت وأغمى عليها في الطريق، والناس في الشارع طلبوا لها الإسعاف ونقلوها على المستشفى العامة.. وبالصدفة، الحاجة أم محمود اللي في أول البلد كانت هناك بتكشف، فلما شافتها وعرفتها إنها من عندنا في الدوار، اتصلت بمنصور فوراً وتلفنت له عشان تطمنا وتستر البت.. ومنصور بلغني، وأخدنا البنات وطلعنا جراي عشان نلحقوها ونجيبوها.»
تنهد الحاج نعمان براحة وقال:
ـ «يزيها خير الحاجة أم محمود.. وألف حمد الله على سلامتك يا بنتي.»
بعد أن هدأت الأمور في البهو وانصرف الحاقدون، تقدمت «زينب» نحو أبيها الحاج «نعمان» وأمها الحاجة «صفية»، وانحنت بحب واحترام، وطبعت قبلة دافئة على أيديهم وعلى دماغهم اعتذاراً، وقالت بصوت خافت يملأه الرجاء:
ـ «حقك عليّا يا أبوي.. وحقك عليّ ياما، حقكم على راسي أنتم الاتنين، والله ما كان قصدي أعمل حاجة تزعلكم أبداً.»
ثم تقدمت «كريمة» هي الأخرى بخطوات خجولة وعيون مدمعة نحو أمها «نعمة» وأبيها «عبد الرحيم»، وانحنت تعتذر منهما نادمة وقالت:
ـ «حقك عليّ ياما.. حقك عليّ يا أبوي، حقكم على راسي.. والله ما كان قصدي أزعلكم.»
في هذه اللحظات، رفعت «نعمة» عينها بنظرة ثاقبة ونظرت ناحية السلم، المكان الذي صعدت منه «وصال» قبل قليل. أدركت نعمة بذكائها وفطنتها أن وصال هي من افتعلت كل هذه الضجة وسعت لتلك الفتنة، وكانت تهدف بتمثيليتها إلى إظهار بنتها هي الصالحة والمتربية، بينما تظهر كريمة وزينب في صورة سيئة!
تنهدت نعمة بأسف وهي تنظر لأثر وصال، ثم التفتت لابنتها كريمة وقالت لها بنبرة حازمة وحنونة في نفس الوقت:
ـ «أول وآخر مرة تخرجي من غير ما تقولي لي يا كريمة!»
نكست كريمة رأسها وقالت بسرعة وطاعة:
ـ «حاضر ياما.. حقك عليّ.»
ابتسمت نعمة بخفة وقالت لها بحنو:
ـ «طيب يا بنتي، يلا اطلعي ارتاحي.. والصبح بعد ما ترتاحي نبقى نتكلم.»
في هذه اللحظة، نظرت كريمة نحو «غالية» وهي جالسة، فرأتها شاحبة وتعبانة للغاية ولا تستطيع الوقوف من شدة الإرهاق، فحن قلبها وقالت:
ـ «هسند غالية مع زينب نوديها ترتاح، وبعد كده أطلع.»
وقبل أن تتحرك كريمة، مسكت نعمة إيدها برفق ونظرت لها وقالت:
ـ «اطلعي دلوقتي يا كريمة، وأنا هساند غالية مع زينب.»
شالَت «زينب» بعينيها وشاورت لكريمة كي تسكت ولا تجادل، وفي نفس الوقت أومأ «يونس» بدماغه لكريمة لتصعد وتطيع كلام أمها.
التفتت الحاجة صفية وقالت:
ـ «خدي يا حكمة غالية خليها ترتاح.»
ردت حكمة باهتمام:
ـ «حاضر يا ست الحاجة.»
فقالت زينب مسرعة:
ـ «استني يا خالة هساعدك نسندها ونوديها ترتاح.»
وبينما هم يسندون غالية وقائمين بها، لمحهم يونس يتجهون نحو الممر المؤدي لغرفتها القديمة التي كانت تقيم فيها مع «حكمة»، فاستوقفهم فوراً بصوت حاسم:
ـ «استني يا خالة حكمة.. استني يا زينب!»
بصوا له باستغراب، فقال يونس وهو ينظر إليها بصرامة ورجولة:
ـ «أنتم واخدينها إيدكم إكده ورايحين على فين؟! خدوها على أوضة زينب فوق.. لأنها هترتاح في أوضة زينب النهار ده عما نعمل لها الأوضة اللي جنبك يا زينب!»
بقلم الكاتبة نسرين نادر
ساد ذهول خفيف وممتزج بابتسامة مكتومة فور صدور أمر «يونس» القاطع.
أطرقت «غالية» رأسها حياءً خجلاً، وخبأت وجهها المشتعل بالخجل في الأرض، بينما تهللت ملامح «حكمة» وابتسمت من أسرها ودعت ليونس في سرها بحب وفرحة.
مالت «زينب» على أذن غالية ونغزتها بكتفها بخفة، وهمست لها بنبرة شقية ضاحكة:
ـ «الله! هنعملوا سهرة إكده النهاردة يا حلوة.. وشفتِ أخويا كيف خايف عليكي يا بت يا غالية؟! والنبي أخويا ده طلع واقع في عشقك وغرقان كمان!»
ازداد وجه غالية احمراراً وشبكت أصابعها بتوتر حنون، في حين كانت الحاجة «صفية» تنقل نظراتها الدافئة بين ابنها يونس وبين غالية. أما «الحاج نعمان»، فنظر لابنه يونس الشامخ، ثم تطلّع لغالية وحكمة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة أبوية تفهم كل شيء.
تقدم الحاج نعمان من يونس، وطبطب على كتفه برفق ورجولة وقال له بمساندة:
ـ «عندك حق يا ولدي.. خدوها يا زينب أنتِ وحكمة على أوضتك يلا، ويا حكمة.. بعد ما تعملي لها الوكل، شيعي لحد من الحريم يساعدكم وتخلصوا الأوضة اللي جنب زينب، عشان من النهاردة هتبقى دي أوضة غالية!»
اتسعت ابتسامة يونس ونظر لأبيه بعيون تفيض بالامتنان والفرحة لتقديره وتفهمه.
لكن «نعمة» لم يعجبها الأمر، فنظرت لهم باستغراب وقالت بضيق مكتوم:
ـ «وه! طب ما هي كانت قاعدة ويا حكمة وأوضتها مع حكمة نضيفة وحلوة، إيه اللي استجد إكده؟!»
التفتت الحاجة صفية لنعمة وقالت بنبرة هادئة قطعت بها أي مجادلة:
ـ «خلاص يا نعمة، ما فرجتش الأوضة اللي تحت من الأوضة اللي فوق.. خدوها يلا طلعوها ترتاح.»
في هذه اللحظة، التفت الحاج نعمان لنشامى البيت وقال بصوت جهوري:
ـ «تعالوا ورايا يا أولاد على المكتب عشان فيه شوية امور في الأرض عايزين نجهزوا لها.. وكمان حمزة أخوك يا يونس جاي عشية النهاردة.»
تهللت أسارير يونس لذكر اسم أخيه حمزة، وأومأ برأسه قائلاً:
ـ «حاضر يا أبوي.. يتنصب له أحلى استقبال.»
وانطلق الحاج نعمان ومعه يونس ومنصور نحو غرفة المكتب، بينما استأذن «عبد الرحيم» وقال:
ـ «أنا هطلع أرتاح شوية يا حاج عشان أنزل أباشر الأرض الغربية.»
وانصرف عبد الرحيم صاعداً لغرفته، ليخلو البهو الواسع إلا من «نعمة» و«صفية».
أخذت نعمة تتطلع في أثر الصاعدين، ثم التفتت نحو صفية وقالت بنبرة حادة ومتحفزة:
ـ «عايزة أتحدث وياكي كلمتين يا حاجة صفية!»
تنهدت صفية بتعب وأمسكت برأسها وقالت:
ـ «مش وقته يا نعمة.. عايزة أطلع أرتاح شوية عشان دماغي وجعاني من الصبح.»
ردت نعمة بصرامة وعدم تراجع:
ـ «لا وقته! عايزة أتحدث وياكي كلمتين دلوقتي صايمين!»
زفرت صفية بقلة حيلة وقعدت على الأريكة وقالت لها:
ـ «اجعدي يا نعمة.. خير، جولي اللي في جوفك خلينا أطلع أرتاح.»
قعدت نعمة قبالتها، ونظرت لها بعيون ملتهبة وقالت بصراحة وهجوم:
ـ «هو أنتِ مش شايفة إن يونس راجع بغالية وهيفروش لها أوضة من بتوع السرايا فوق، وأوضة كبيرة كمان؟! مش شايفه إنهم بقوا قريبين جوي من بعض ولا إيه يا صفية؟! وما كانش ده اتفاقنا من الأول خالص.. وأنتِ عارفة زين إن بنتي قصاد بنتك يا صفية!»💣
🔥 بعد ما يونس قرّب غالية منه بالشكل ده… يا ترى صفية هتسكت؟ ولا هتبدأ تحط أول حجر في طريقهم؟
😏 ونعمة قالت إن “بنتي قصاد بنتك”... يا ترى قصدها إيه؟ ومين فيهم هيكون له الكلمة الأخيرة؟
💍 ويا ترى منصور وزينب هيقدروا يكملوا طريقهم للخطوبة في هدوء… ولا الدوار لسه مخبّي لهم مفاجآت هتقلب كل الحسابات؟ 👀🔥...