
رواية حين يناديك الله الفصل الاول 1 بقلم هيام ايمن الطوخي
"ليس كل ضياعٍ يكون في الطرقات... أحيانًا يكون الضياع داخل القلب."
كانت "جنة" تظن أن الحياة لا تمنح أحدًا فرصةً ثانية.
كل صباحٍ تستيقظ بالوجه نفسه، والابتسامة نفسها التي ترتديها أمام الناس، بينما في داخلها كانت تشعر كأنها تغرق ببطء، دون أن يلاحظ أحد.
كانت تصلي أحيانًا، وتترك الصلاة أحيانًا أخرى.
تقرأ القرآن يومًا، ثم تهجره أيامًا.
تؤجل التوبة وهي تردد في نفسها:
"عندما أستقيم أكثر... سأقترب من الله."
ولم تكن تعلم أن الشيطان يُحب كلمة "غدًا"، لأنها تؤجل الخير حتى يذبل في القلب.
في إحدى الليالي، انقطع التيار الكهربائي، وغرقت الغرفة في ظلامٍ كامل.
جلست قرب النافذة تتأمل السماء.
كانت النجوم بعيدة، لكنها بدت أقرب إليها من البشر.
سألت نفسها بصوتٍ خافت:
"لو متُّ الليلة... هل سأكون مستعدة للقاء الله؟"
ارتجف قلبها.
لم تجد جوابًا.
لأول مرة، لم تهرب من السؤال.
بكت.
بكت كما لم تبكِ من قبل.
لم يكن بكاء خوفٍ من الناس، ولا حسرةً على دنيا، بل كان بكاء إنسانٍ أدرك أنه ابتعد طويلًا عن ربه.
رفعت يديها إلى السماء، وهمست:
"يا رب... لا أملك كلامًا جميلًا، ولا دعاءً طويلًا، لكني أتيتك بقلبٍ متعب... فإن لم تقبلني، فمن يقبلني؟"
وساد الصمت.
ذلك الصمت الذي يسبق ولادة إنسانٍ جديد.
لم ترَ نورًا يملأ الغرفة.
ولم تسمع صوتًا من السماء.
لكن شيئًا في قلبها تغيّر.
كأن بابًا كان مغلقًا منذ سنوات، ففُتح برحمة الله.
في تلك الليلة، لم تتغير الدنيا.
لكنها هي... بدأت تتغير.
وكانت تلك البداية.
بداية الرحلة التي ستعلمها أن أقصر طريقٍ إلى السعادة ليس المال، ولا الشهرة، ولا حب الناس...
بل أن يعرف القلب طريقه إلى الله.
ولم تكن تعلم أن الأيام القادمة ستختبر إيمانها مرةً بعد مرة، وأن كل ابتلاءٍ سيقربها أكثر، حتى تدرك أن الله إذا أحب عبدًا، لم يتركه لنفسه، بل ساقه إليه، ولو عبر الدموع.
وهكذا بدأت الحكاية...
حكاية فتاةٍ كانت تبحث عن الحياة، فاكتشفت أن الحياة الحقيقية تبدأ عندما يمتلئ القلب بالإيمان
رنَّ المنبّه قبل أذان الفجر بعشر دقائق.
فتحت "جنة" عينيها بتثاقل، ثم نظرت إلى السقف طويلًا.
كان بداخلها صوتان.
أحدهما يقول:
"نامي... ما زال الوقت مبكرًا."
والآخر يهمس:
"قومي... ربما تكون هذه الصلاة سبب نجاتك."
أغمضت عينيها مرة أخرى.
لكنها تذكرت دعاء الليلة الماضية.
تذكرت دموعها.
وتذكرت سؤالها الذي لم يفارق قلبها:
"لو متُّ الآن... ماذا سأقول لله؟"
نهضت.
كانت خطواتها بطيئة، لكنها كانت أثقل على الشيطان من الجبال.
توضأت، وكل قطرة ماء كانت تُطفئ شيئًا من قلقها.
وقفت بين يدي الله.
لم تحفظ كثيرًا من القرآن، ولم تُحسن إطالة الدعاء، لكنها وقفت بقلبٍ منكسر.
وكان الله يحب القلوب المنكسرة إذا صدقت في رجوعها إليه.
بعد الصلاة، جلست تقرأ بضع آيات من القرآن.
كانت تقرأ ببطء، وكأنها تسمعها لأول مرة.
توقفت عند قوله تعالى:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾.
أغلقت المصحف، وابتسمت.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت أنها ليست وحدها.
في الجامعة، لم يكن شيء قد تغيّر.
الضجيج نفسه.
والوجوه نفسها.
والأحاديث التي لا تنتهي.
جلست مع صديقاتها، فبدأت إحداهن تغتاب فتاةً أخرى.
في الماضي، كانت تشاركهن الحديث دون أن تفكر.
أما اليوم...
ظلت صامتة.
قالت إحداهن باستغراب:
"مالك؟ ساكتة ليه؟"
ابتسمت جنة وقالت بهدوء:
"خلينا نتكلم في حاجة تنفعنا."
ساد الصمت للحظة.
ثم ضحكت إحداهن ساخرة:
"إيه يا بنتي؟ بقيتي شيخة؟"
شعرت بوخزة في قلبها.
كادت تتراجع.
لكنها تذكرت أن رضا الناس غاية لا تُدرك، وأن رضا الله هو الغاية التي تستحق أن يُجاهد الإنسان نفسه من أجلها.
فاكتفت بالابتسام.
عادت إلى بيتها مع غروب الشمس.
دخلت غرفتها، وأغلقت الباب.
جلست على سجادة الصلاة.
ورفعت يديها.
"يا رب... أنا ما زلت ضعيفة، وقد أقع كثيرًا، لكن لا تتركني لنفسي، ولا تجعلني أعود إلى الطريق الذي أبعدني عنك."
وانهمرت دموعها.
كانت تعلم أن طريق الهداية ليس طريقًا بلا عثرات.
لكنه الطريق الوحيد الذي ينتهي بالطمأنينة.
وفي تلك الليلة...
كانت السماء تمطر.
أما قلبها...
فكان يغتسل برحمة الله، قطرةً بعد قطرة..