رواية حين يناديك الله الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم هيام ايمن الطوخي

رواية حين يناديك الله الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم هيام ايمن الطوخي 


"أحيانًا لا يكون أصعب اختبار في الحياة أن تختار بين طريقين...


بل أن تكتشف أن الشخص الذي وضعك أمام الاختيار هو نفسه من صنع الطريقين."


ساد الصمت.


لم تعد جنة تسمع شيئًا.


لا صوت الأجهزة.


ولا أنفاس يوسف.


ولا حتى صوت كمال خلفها


كانت عيناها معلقتين بالشاشة.


الصورة ما زالت هناك.


امرأة مقيدة إلى كرسي.


وجهها شاحب.




شعرها مبعثر.




لكن عينيها...




عينا أمها.




قالت جنة بصوت مرتجف:




"ماما..."




اقتربت من الشاشة.




"ماما!"




فتحت المرأة عينيها.




نظرت إلى الكاميرا.




ثم قالت بصوت ضعيف:




"جنة..."




وضعت جنة يدها على فمها.




انهمرت دموعها.




"دي هي..."




التفتت إلى مراد.




"دي أمي."




ابتسم.




"قلت لك."




صرخ كمال:




"إنت كذاب!"




ضحك مراد.




"وأنت كنت إيه طول السنين دي؟ ملاك؟"




قال كمال:




"كنت أحاول أحميهم."




"تحميهم؟"




ضحك مراد.




"وأنت اللي سلمتني مكان المنشأة."




صمت كمال.




نظرت جنة إليه.




"إيه؟"




لم يجب.




قالت:




"كمال."




رفع عينيه إليها.




"إنت سلمت المكان لمراد؟"




قال:




"ما كانش قدامي اختيار."




صرخت:




"كل واحد هنا بيقول مفيش اختيار!"




ثم أشارت إلى الشاشة.




"وأنا اللي مطلوب مني أختار؟"




اقترب يوسف منها.




"جنة، اسمعيني."




التفتت إليه.




"إنت كنت عارف إن أمي عايشة؟"




صمت.




وهنا فهمت.




"كنت عارف."




قال:




"مش عارف إنها لسه هنا."




"بس كنت عارف إنها ممكن تكون عايشة."




"كان عندي شك."




ضحكت جنة وسط دموعها.




"كلهم كانوا عندهم شكوك."




ثم نظرت إلى مراد.




"وأنت؟"




قال:




"أنا عندي الحقيقة."




"طيب قولها."




اقترب مراد من الكاميرا.




"الحقيقة إن أمك ما كانتش ضحية."




تجمدت جنة.




"كانت شريكة."




قالت:




"في إيه؟"




"في كل شيء."




تدخل يوسف:




"كذاب."




ابتسم مراد.




"أنت بالذات ما تتكلمش."




ثم أشار إلى الشاشة.




"أمك كانت واحدة من أهم العلماء في المشروع."




نظرت جنة إلى أمها.




هزت المرأة رأسها بعنف.




"لا تصدقيه."




توقف مراد للحظة.




ثم ضحك.




"لسه بتمثلي؟"




قالت المرأة:




"جنة... اسمعيني."




اقتربت جنة من الشاشة.




"ماما، إنتِ كنتِ في المشروع؟"




صمتت المرأة.




ثم قالت:




"أيوه."




انكسرت ملامح جنة.




"يعني هو مش كذاب."




"كنت هناك."




"كنتِ بتعملي إيه؟"




أغمضت أمها عينيها.




"كنت أحاول أوقفهم."




قال مراد:




"بعد ما شاركتيهم."




ردت المرأة:




"شاركتهم في البداية."




ثم رفعت رأسها.




"لكن لما عرفت هما عايزين يعملوا إيه بأطفالي... انسحبت."




قالت جنة:




"أطفالي؟"




أشارت المرأة إلى الشاشة.




"أنتِ ويوسف."




سكت الجميع.




قالت:




"أنتم ما كنتوش مجرد أطفال بالنسبة لهم."




"كنتوا أول تجربة ناجحة."




تراجع يوسف.




"تجربة؟"




قالت أمه:




"كانوا عايزين يعرفوا هل ممكن نقل الذكريات من شخص لشخص..."




"من غير ما يموت المستقبل؟"




قال كمال:




"أمك كانت أول واحدة تكتشف إن التجربة ممكنة."




قالت جنة:




"عشان كده نقلت ذاكرتها لي."




أومأت أمها.




"كنت عارفة إني مش هقدر أخرجك."




"فحطيت جزءًا من ذاكرتي عندك."




سألت جنة:




"ليه أنا؟"




قالت أمها:




"لأنك كنتِ الوحيدة اللي جسمها رفض التجربة..."




ثم سكتت.




"لكن عقلك قبلها."




قال يوسف:




"وأنا؟"




نظرت إليه.




"أنت كنت مختلفًا."




"إزاي؟"




"أنت ما كنتش تستقبل الذكريات."




توقف يوسف.




"كنت تستخرجها."




نظر كمال إلى يوسف.




"وده السبب اللي خلاهم يسموك المفتاح."




قالت جنة:




"والمشروع؟"




قالت أمها:




"كان هدفه سرقة الذكريات."




سكتت.




"مش حفظها."




"سرقتها."




قال مراد:




"وأنتِ عارفة ليه كانوا محتاجينك؟"




صرخت:




"ما تتكلمش!"




لكن مراد ابتسم.




"لأن جنة عندها آخر ذاكرة من المشروع."




قالت جنة:




"أي ذاكرة؟"




نظر مراد إلى الشاشة.




"ذاكرة البداية."




تجمدت.




"إيه البداية؟"




قال:




"اليوم اللي اتولدتي فيه."




بدأت الصور في عقلها تتداخل.




غرفة بيضاء.




ضوء قوي.




أصوات.




أجهزة.




بكاء طفلين.




ثم صوت امرأة.




"خدوا يوسف."




صوت آخر:




"والبنت؟"




"سيبوها."




ثم صرخة.




فتحت جنة عينيها فجأة.




"أنا شفت ده."




اقترب يوسف.




"إيه اللي شوفتيه؟"




قالت:




"اليوم اللي اتولدنا فيه."




تغير وجه مراد.




ولأول مرة اختفت ابتسامته.




لاحظت جنة ذلك.




قالت:




"إنت خايف."




لم يرد.




ابتسمت رغم دموعها.




"إنت خايف من اللي أنا شوفته."




قال مراد:




"مش فاهمة حاجة."




قالت:




"لأ."




ثم تقدمت خطوة.




"أنا بدأت أفهم."




سأل يوسف:




"جنة، إيه اللي حصل؟"




قالت:




"أمي كانت بتحاول تهربنا."




"لكن..."




توقفت.




"كان فيه شخص تاني."




قال كمال:




"مين؟"




وضعت جنة يدها على رأسها.




"مش عارفة."




ثم ظهرت صورة أخرى.




رجل يقف خلف الزجاج.




لم ترَ وجهه.




لكنها سمعت صوته.




"لو فشل الطفلان..."




ثم صوت مراد:




"مش هيفشلوا."




تراجعت جنة.




"مراد."




نظر إليها.




"نعم؟"




"إنت كنت هناك."




لم يجب.




قالت:




"يوم ولادتنا."




ابتسم.




"كنت موجود."




صرخ يوسف:




"إنت كنت مسؤول عن التجربة؟!"




قال مراد:




"كنت واحدًا من المسؤولين."




اندفع يوسف نحوه.




لكن رجال مراد رفعوا أسلحتهم.




صرخت جنة:




"يوسف!"




توقف.




قال مراد:




"أهو ده بالضبط اللي كنت مستنيه."




نظر إليه يوسف.




"إيه؟"




"رد فعلك."




قال مراد:




"كنت محتاج أشوف هل الذاكرة انتقلت فعلًا ليها."




تجمدت جنة.




"إنت استخدمتني."




قال:




"من أول لحظة."




قال يوسف:




"كل اللي حصل..."




"كان عشان تخليها تفتكر."




أومأ مراد.




"بالضبط."




نظرت جنة إلى أمها.




"ماما..."




كانت تبكي.




قالت:




"أنا آسفة."




"آسفة على إيه؟"




"إني خليتك تدخلي هنا."




"إنتِ ما دخلتيش بإرادتك."




"أنا اللي بعثتلك الإشارة."




توقفت جنة.




"إيه؟"




قالت أمها:




"من أول مرة حلمتي فيها بالمكان."




"كان أنا."




"أنا اللي كنت بحاول أوصلك."




قالت جنة:




"لكن ليه؟"




أجابتها:




"لأن في حاجة لازم تخرجيها من هنا."




"إيه؟"




نظرت أمها إلى يوسف.




ثم قالت:




"مش ذكرى."




صمتت جنة.




"أمال إيه؟"




قالت:




"دليل."




ساد الصمت.




قال مراد:




"ما تكمليش."




قالت الأم:




"الدليل اللي يثبت مين بدأ المشروع."




رفع مراد سلاحه.




"كفاية."




صرخ يوسف:




"مراد!"




لكن كمال تحرك فجأة.




دفع جنة أرضًا.




انطلقت رصاصة.




ارتطمت بالحائط.




صرخت جنة.




"كمال!"




سقط كمال على الأرض.




"كمال!"




ركضت إليه.




كان يضغط على كتفه.




قال يوسف:




"إنت مصاب؟"




ضحك كمال بألم.




"لسه عايش."




نظر إلى جنة.




"اسمعيني."




"الدليل..."




ثم أخرج شيئًا صغيرًا من جيبه.




قطعة معدنية.




وضعها في يدها.




"دي كانت مع أبوكي."




نظرت إليها.




كان محفورًا عليها:




01 - 02




قال كمال:




"مش أرقام أطفال."




سألته:




"أمال إيه؟"




قال:




"المشروعين."




"مشروع الذاكرة..."




"ومشروع محو الذاكرة."




اتسعت عيناها.




قال يوسف:




"محو؟"




أومأ كمال.




"مراد ما كانش عايز يوصل لذكريات جنة بس."




"كان عايز يمسح حاجة."




قالت جنة:




"إيه؟"




نظر إلى مراد.




"الحقيقة."




تغير وجه مراد.




ثم قال:




"اقتلهم."




بدأ الرجال في التقدم.




أمسك يوسف يد جنة.




"اجري!"




ركضت معه.




صوت الرصاص خلفهما.




دخل كمال غرفة جانبية.




"من هنا!"




قال يوسف:




"إنت هتفضل؟"




قال:




"لو خرجت معاكم، مش هتخرجوا."




"كمال..."




ابتسم.




"أبوك كان صاحبي."




ثم نظر إلى جنة.




"ووعدته إني أحافظ عليك."




قالت:




"بس..."




"روحي."




ثم أغلق الباب.




ركضت جنة ويوسف في الممر.




قالت وهي تلهث:




"فين هنروح؟"




"المخرج."




"مراد قال واحد بس هيخرج."




"أنا مش هسيبك."




نظرت إليه.




"حتى لو ده معناه إنك تموت؟"




قال:




"إحنا اتفصلنا مرة."




ثم أمسك يدها بقوة.




"مش هسمح لهم يفصلونا تاني."




وصلا إلى باب ضخم.




كان عليه رقم:




2.




قال يوسف:




"ده مش المخرج."




"إيه ده؟"




"غرفة التحكم."




فتح الباب.




دخلا.




كانت عشرات الشاشات مضاءة.




وفي المنتصف...




جهاز واحد.




كبير.




موصل بأسلاك.




اقتربت جنة.




فجأة شعرت بصداع شديد.




وضعت يدها على رأسها.




"جنة؟"




"أنا..."




ثم سمعت صوت أمها داخل رأسها.




"لو وصلتي للجهاز..."




توقفت.




"ماما؟"




قال يوسف:




"في إيه؟"




رفعت عينيها.




"أمي بتكلمني."




"إزاي؟"




"مش عارفة."




ثم ظهر على الشاشة:




MEMORY TRANSFER — READY




وتحتها:




SUBJECT 01: YOUSSEF




SUBJECT 02: JANNAH




شهقت جنة.




قال يوسف:




"اقفلي الجهاز."




قالت:




"استنى."




ظهر سطر جديد:




FINAL MEMORY — ACCESS DENIED




اقتربت جنة.




"دي الذاكرة الأخيرة."




قال يوسف:




"إزاي نفتحه؟"




نظرت إلى القطعة المعدنية في يدها.




ثم إلى الجهاز.




كان هناك مكان مطابق لها.




وضعتها.




اشتغل الجهاز.




انطفأت كل الشاشات.




ثم ظهرت صورة رجل.




رجل لم تره جنة من قبل.




قال:




"إذا كنتم تشاهدون هذه الرسالة..."




توقفت أنفاسها.




قال الرجل:




"فمعنى ذلك أن مراد فشل."




تجمد يوسف.




"مين ده؟"




لم تستطع جنة الرد.




الرجل تابع:




"أنا والد جنة ويوسف."




سقطت دموع جنة.




"بابا..."




قال:




"لو وصلتكم الحقيقة..."




ثم ظهرت خلفه صورة المنشأة.




"اعرفوا أن مراد لم يبدأ المشروع."




صمت.




"أنا من بدأته."




شهقت جنة.




ثم قال:




"لكنني كنت أحاول إنهاءه."




توقفت الصورة.




ظهر سطر واحد:




THE TRUTH IS INSIDE JANNAH'S FIRST MEMORY.




ثم انطفأت الشاشة.




وفي اللحظة نفسها...




فتح باب الغرفة.




كان مراد يقف هناك.




وحده.




لا رجال خلفه.




ولا سلاح مرفوع.




نظر إلى جنة.




ثم قال بهدوء:




"دلوقتي فهمتي."




قالت:




"إنت كنت عايز الذاكرة الأولى."




أومأ.




"أيوه."




"ليه؟"




اقترب خطوة.




"لأن أبوكي أخفى فيها اسم الشخص اللي خان المشروع."




قال يوسف:




"مين؟"




نظر مراد إليه.




ثم إلى جنة.




وقال:




"أمكم."




تجمدت جنة.




ومن خلف الشاشة...




اشتغل تسجيل صوتي قديم.




صوت أمها.




لكن هذه المرة لم يكن خائفًا.




بل كان غاضبًا.




قال:




"لو سمعتِ التسجيل ده يا جنة..."




توقفت.




ثم قالت:




"ما تثقيش في أبوكي."




رفعت جنة عينيها.




وانحبس صوتها.




لأن التسجيل أكمل:




"هو مش الشخص اللي كنتِ فاكرة إنه يكون."




ثم انقطع التسجيل.




ونظر يوسف إلى جنة.




"إحنا لازم نعرف الحقيقة."




لكن قبل أن تجيب...




انطفأت الأنوار مرة أخرى.




وجاء صوت من مكبرات المنشأة:




"مراد."




رفع رأسه.




صوت مجهول قال:




"لقد تأخرت."




تغير وجه مراد.




لأول مرة...




ظهر الخوف في عينيه.




ثم أُغلقت جميع أبواب المنشأة.




وسُمع صوت قفل إلكتروني واحد:




LOCKDOWN ACTIVATED.




قال يوسف:




"إيه اللي بيحصل؟"




نظر مراد إلى الشاشة.




ثم قال بصوت منخفض:




"هو رجع."




سألت جنة:




"مين؟"




لم يجب.




ثم ظهرت على الشاشة صورة رجل يقف أمام باب المنشأة.




رجل حي.




لكن جنة تعرف وجهه.




لقد رأته من قبل.




في صورة والدها.




كان يقف بجانبه.




رفعت يدها إلى فمها.




"ده..."




قال يوسف:




"مين؟"




همست:




"الشخص اللي كان واقف جنب بابا..."




ثم ظهرت على الشاشة كلمة واحدة:




DIRECTOR.




وانفتح الباب الرئيسي ببطء.




#يتبع...



            الفصل التاسع والعشرون من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة