
رواية حين يناديك الله الفصل السادس عشر 16 بقلم هيام ايمن الطوخي
"أحيانًا يضع الله في طريقك شخصًا...
لا ليكون نصيبك منه...
بل ليكون سببًا في أن تعود إلى الله."
مرت أيام قليلة...
وكانت جنة تشعر بتغير غريب في حياتها.
لم تعد تبحث عن إجابات لكل شيء...
ولم تعد تخاف من الغد كما كانت.
تعلمت أن بعض الأبواب حين تُغلق...
فليس عليك أن تظل واقفًا أمامها تبكي.
يكفي أن تثق بمن أغلقها.
في صباح أحد الأيام...
كانت جنة داخل مؤسسة "نور الأمل" ترتب بعض الملفات.
وفجأة...
دخلت إحدى الموظفات مسرعة.
وقالت بقلق:
"جنة... مديرة المؤسسة عايزاكي."
رفعت جنة رأسها.
وقالت:
"دلوقتي؟"
هزت المرأة رأسها.
"أيوه... وضروري."
شعرت جنة بشيء من القلق.
وضعت الملفات جانبًا...
ثم توجهت إلى مكتب المديرة.
طرقت الباب.
"اتفضلي يا جنة."
دخلت وجلست.
نظرت إليها المديرة للحظات...
ثم قالت:
"إحنا وصلنا لنا خبر عن واحدة من الحالات اللي بتابعها المؤسسة."
سألت جنة:
"خير؟"
تنهدت المديرة.
"مش خير للأسف."
تغير وجه جنة.
"حصل إيه؟"
قالت المديرة:
"الأسرة محتاجة عملية عاجلة للطفل...
والتكلفة كبيرة جدًا...
والمؤسسة مش قادرة تغطي المبلغ كامل."
صمتت جنة.
ثم سألت:
"يعني الطفل ممكن يحصل له حاجة؟"
قالت المديرة:
"لو العملية اتأخرت... الوضع هيبقى خطر."
شعرت جنة أن قلبها انقبض.
وتذكرت الطفلة الصغيرة التي قابلتها في القرية...
وتذكرت الأم التي أمسكت يدها وهي تبكي.
ثم قالت:
"طب وإحنا هنعمل إيه؟"
أجابتها المديرة:
"هنحاول نعمل حملة تبرعات...
لكن الوقت قليل."
خرجت جنة من المكتب...
وكانت الأفكار تتصارع داخل رأسها.
كيف يمكنها أن تساعد؟
هي نفسها لم تكن تملك الكثير.
لكنها كانت تؤمن بشيء واحد...
أن الله لا يضع الرحمة في قلبك...
ثم يتركك عاجزًا عنها دون سبب.
جلست أمام مكتبها.
وأخرجت هاتفها.
بدأت تكتب منشورًا عن حالة الطفل...
ثم ترددت.
قالت لنفسها:
"يا رب...
أنا مش عايزة أتكلم عن وجع حد علشان الناس تشوفني كويسة...
أنا بس عايزة أنقذ طفل."
رفعت يديها.
وقالت:
"اللهم اجعلها خالصة لوجهك."
ثم نشرت المنشور.
مرت ساعة...
ثم ساعتان.
وبدأت الرسائل تصل.
تبرع بسيط...
ثم تبرع آخر...
ثم شخص تبرع بمبلغ أكبر.
لكن المبلغ لم يكن قد اكتمل.
وفي وسط انشغالها...
وصلتها رسالة من رقم غير مسجل.
فتحتها.
كانت جملة واحدة:
"المبلغ المطلوب هيكتمل بإذن الله... متقلقيش."
تجمدت للحظات.
ثم كتبت:
"حضرتك مين؟"
لم يصل رد.
انتظرت...
ثم اتصلت بالرقم.
لكن الهاتف كان مغلقًا.
شعرت بالحيرة.
وبعد دقائق...
دخل يوسف إلى المؤسسة.
كان يحمل بعض الأوراق.
فقالت له جنة:
"يوسف..."
نظر إليها.
"أيوه؟"
قالت:
"إنت تعرف الرقم ده؟"
ناولته الهاتف.
قرأ الرسالة...
ثم نظر إليها.
وقال:
"لا."
سألته:
"متأكد؟"
ابتسم.
"متأكد."
ثم سألها:
"في حاجة حصلت؟"
حكت له ما حدث.
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال:
"يمكن ربنا بعتلك حد يساعدك."
ابتسمت جنة.
وقالت:
"أنا كنت محتاجة المبلغ...
بس الظاهر إن ربنا كان عايز يعلمني حاجة أهم."
سألها:
"إيه؟"
قالت:
"إن الأسباب مش دايمًا بتيجي بالشكل اللي إحنا متوقعينه."
نظر إليها يوسف طويلًا.
ثم قال:
"إنتِ فعلًا مختلفة."
خفضت عينيها.
وقالت:
"مش مختلفة...
أنا بس اتعلمت إني لما أطلب حاجة من ربنا...
ماحددش له الطريقة."
صمت يوسف.
كانت كلماتها تصل إلى قلبه بطريقة لم يستطع تفسيرها.
ثم قال:
"جنة..."
رفعت عينيها.
"نعم؟"
تردد قليلًا.
ثم قال:
"لو في يوم...
حد جهلك من الباب...
وطلبك بالحلال...
هتوافقي؟"
تسارعت ضربات قلبها.
لم تكن تتوقع السؤال.
قالت بعد صمت:
"لو كان شخص كويس...
وبيخاف ربنا...
وأهلي شايفين إنه مناسب...
ليه لأ؟"
ابتسم يوسف.
وقال:
"ربنا يكتب الخير."
ثم تركها وغادر.
وقفت جنة مكانها...
تحدق في الباب الذي خرج منه.
وضعت يدها على قلبها.
وقالت لنفسها:
"ليه السؤال ده جه منه هو؟"
حاولت أن تطرد الفكرة من رأسها.
لكن قلبها...
كان قد التقط المعنى قبل عقلها.
وفي مساء اليوم نفسه...
عاد يوسف إلى منزله.
دخل فوجد والدته تنتظره.
قالت بابتسامة:
"تعالى يا يوسف...
عايزة أتكلم معاك."
جلس أمامها.
قالت:
"إنت فاكر لما قولتلي إنك مش عايز تتعلق بحد قبل ما تتأكد إنه خير ليك؟"
نظر إليها باستغراب.
"أيوه."
ابتسمت.
وقالت:
"أنا شايفة إنك بقيت متأكد."
صمت يوسف.
ثم قال:
"أنا مش عايز أظلمها بمشاعري."
قالت والدته:
"ومين قال إنك هتظلمها؟"
ثم اقتربت منه.
وقالت:
"لو نيتك حلال...
يبقى متخافش من الخطوة."
نظر إليها.
ثم قال:
"بس أنا محتاج أتأكد إنها مناسبة ليا."
ابتسمت والدته.
"اسأل ربنا...
واستخير.
ولو فيها الخير...
ربنا هيفتحلك الطريق."
ظل يوسف صامتًا.
ثم رفع عينيه إلى والدته.
وقال:
"يمكن الوقت جه."
وفي نفس اللحظة...
كان هاتف جنة يرن.
نظرت إلى الشاشة.
رقم غريب.
فتحت المكالمة.
جاءها صوت امرأة هادئ:
"مساء الخير يا جنة."
قالت:
"مساء النور... مين حضرتك؟"
قالت المرأة:
"أنا والدة يوسف."
توقفت جنة عن الكلام.
وشعرت بقلبها يخفق بقوة.
ثم قالت المرأة:
"ممكن نتقابل بكرة؟
في موضوع مهم جدًا...
ومش عايزة أتكلم فيه في التليفون."
أغلقت جنة المكالمة...
وظلت تنظر إلى الهاتف.
لم تكن تعرف...
هل هذا اللقاء سيكون بداية أجمل شيء في حياتها؟
أم بداية اختبار جديد...
سيجعلها تدرك أن الدعاء لا يعني دائمًا أن الطريق سيكون سهلًا؟
وفي مكان آخر...
كان يوسف يقف أمام نافذة غرفته.
رفع يديه إلى السماء.
وقال:
"يا رب...
أنا لا أريد إلا ما يرضيك.
فإن كانت هي الخير...
فقربها مني بالحلال.
وإن كان الطريق إليها سيبعدني عنك...
فأبعدها عني...
حتى لو كان قلبي لا يريد."
ثم أغمض عينيه.
ولأول مرة...
لم يطلب من الله أن يعطيه ما يحب.
بل طلب أن يحبه الله في اختياره.
وفي صباح اليوم التالي...
استيقظت جنة مبكرًا.
ارتدت ملابسها...
ووقفت أمام المرآة.
ثم قالت لنفسها:
"يا ترى...
إيه اللي مستنيني النهارده؟"
ولم تكن تعلم...
أن خلف ذلك اللقاء...
حكاية كاملة ستبدأ.
حكاية...
لن يكون الاختبار فيها لقلب يوسف وحده.
بل لقلب جنة أيضًا.
يتبع...