رواية حين يناديك الله الفصل التاسع عشر 19 بقلم هيام ايمن الطوخي

رواية حين يناديك الله الفصل التاسع عشر 19 بقلم هيام ايمن الطوخي


"أحيانًا لا يكون أصعب ما في الحقيقة أن تعرفها...

بل أن تكتشف أنك عشت سنوات كاملة وأنت تصدق نصف حكاية فقط."


ظلت جنة واقفة أمام المكتب...


والصورة بين يديها ترتجف.


لم تستطع أن ترفع عينيها عن وجه والدها في الصورة.


كان يبتسم.


تلك الابتسامة التي حفظتها منذ طفولتها...


لكنها لم ترَ في حياتها الصورة التي تقف أمامها الآن.


والأغرب...


الرجل الواقف بجواره.


رائد.


قال يوسف بهدوء:


"جنة..."

لم تجبه.


"جنة، بصيلي."


رفعت عينيها إليه ببطء.


كانت الدموع تملأهما.




وقالت:




"بابا عمره ما جاب سيرة الراجل ده."




نظر يوسف للصورة مرة أخرى.




"ومين الشخص التاني اللي كان في سجل التحويل؟"




هزت رأسها.




"مش عارفة."




قال يوسف:




"لازم نعرف."




ردت بصوت مكسور:




"بس أنا خايفة أعرف."




سكت يوسف.




ثم قال:




"الحقيقة ساعات بتوجع..."




اقترب منها.




"بس الكذبة بتوجع أكتر لما تعيشي عمرك كله جواها."




نظرت جنة إلى الصورة.




ثم قلبتها.




وفي ظهرها...




كان هناك تاريخ.




تاريخ يعود إلى أكثر من عشرين عامًا.




تجمدت ملامحها.




قالت:




"يوسف..."




اقترب منها.




"إيه؟"




أشارت إلى التاريخ.




"ده قبل ما أتولد بسنتين."




ظل صامتًا.




ثم قال:




"يعني والدك كان يعرف رائد قبل ولادتك."




هزت رأسها.




"أيوه."




ثم لاحظت شيئًا آخر.




كانت هناك كلمة صغيرة أسفل التاريخ.




"القاهرة."




تساءلت:




"ليه بابا كان في القاهرة وقتها؟"




قال يوسف:




"يمكن ده أول خيط."




وفجأة...




سمعا صوتًا من خارج المكتب.




توقفا.




ثم جاء صوت الموظفة:




"يا أستاذ يوسف؟"




فتح الباب.




كانت إحدى الموظفات تقف أمامه ووجهها شاحب.




قالت:




"في حد بيسأل عنك."




سأل يوسف:




"مين؟"




قالت:




"راجل كبير في السن."




ترددت لحظة.




"وقال إنه كان يعرف والد جنة."




شعرت جنة بقلبها يخفق بقوة.




قالت:




"اسمه إيه؟"




ردت الموظفة:




"قال اسمه..."




ثم نظرت إلى يوسف.




"حسن."




تجمدت جنة.




قالت:




"حسن؟"




أومأت الموظفة.




خرجت جنة ويوسف بسرعة.




كان رجل في أواخر الستينات يجلس في صالة المؤسسة.




ملامحه هادئة...




لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا غريبًا.




شيئًا يشبه الندم.




حين رأى جنة...




وقف ببطء.




وظل ينظر إليها طويلًا.




ثم قال:




"سبحان الله..."




اقتربت جنة.




"حضرتك تعرف بابا؟"




لم يجب.




ظل ينظر إليها.




ثم قال:




"إنتِ بنته."




لم تكن سؤالًا.




كانت حقيقة.




قالت:




"أيوه."




تنهد الرجل.




"كنت متأكد إن اليوم ده هييجي."




سأله يوسف:




"يوم إيه؟"




نظر إليه حسن.




وقال:




"اليوم اللي هتبدأ فيه الحقيقة تظهر."




شعرت جنة بقشعريرة.




قالت:




"أنا عايزة أعرف كل حاجة."




خفض الرجل عينيه.




"مش كل حاجة لازم تعرفيها."




ردت جنة:




"دي حياتي."




ثم اقتربت منه.




"ودي عيلتي."




سكت لحظات.




ثم قال:




"والدك ماكانش حرامي."




شهقت جنة.




"مين قال إنه كان حرامي؟"




نظر إليها حسن.




"الناس."




قالت:




"أنا عمري ما صدقت الكلام ده."




ابتسم بحزن.




"بس والدك صدقه."




تجمدت.




"إيه؟"




قال:




"هو قضى آخر سنين من حياته وهو مقتنع إن الناس كلها شايفاه خائن."




بدأت دموع جنة تنزل.




"ليه؟"




رفع حسن عينيه إليها.




وقال:




"علشان حد خانه."




ساد الصمت.




قال يوسف:




"مين؟"




أجاب حسن:




"رائد."




شعرت جنة بأن الأرض تحركت من تحت قدميها.




قالت:




"بس الصورة..."




قاطعها:




"الصورة دي كانت قبل كل حاجة."




سأل يوسف:




"إيه اللي حصل؟"




تنهد حسن.




"كان والد جنة ورائد أصحاب."




ثم ابتسم بحزن.




"مش مجرد أصحاب... كانوا زي الإخوات."




جلست جنة.




لم تعد قدماها تحملانها.




تابع حسن:




"كانوا بيشتغلوا على مشروع خيري كبير."




سألته:




"المؤسسة؟"




هز رأسه.




"المؤسسة كانت حلمهم."




رفعت جنة عينيها.




"حلمهم هما الاتنين؟"




"أيوه."




صمت قليلًا.




"لكن بعد فترة..."




تغير وجهه.




"دخل شخص ثالث."




سأل يوسف:




"مين؟"




قال حسن:




"الشخص اللي كان بيمول المشروع."




سأله يوسف:




"اسمه؟"




تردد حسن.




ثم قال:




"كمال."




شعرت جنة بأن الاسم مر عليها من قبل.




وضعت يدها على رأسها.




"أنا أعرف الاسم ده."




نظر إليها حسن.




"فين؟"




أغمضت عينيها.




كانت تحاول تذكر شيء قديم...




صوت والدها...




غرفة...




صوت مرتفع...




ثم جملة:




"كمال لازم يبعد عن الموضوع ده."




فتحت عينيها فجأة.




وقالت:




"بابا كان بيتخانق معاه."




هز حسن رأسه.




"أيوه."




قال يوسف:




"وبعدين؟"




قال حسن:




"في ليلة واحدة..."




توقف.




"اختفى مبلغ كبير من الحساب."




سأل يوسف:




"المبلغ اللي رجع بعد ساعات؟"




نظر حسن إليه بدهشة.




"إنت عرفت؟"




قال يوسف:




"لقيناه في السجلات."




خفض حسن رأسه.




"ده كان أول فخ."




سألته جنة:




"فخ لمين؟"




قال:




"لأبوك."




صمتت.




ثم قالت:




"ورائد؟"




أجاب:




"رائد شهد ضده."




ارتعشت جنة.




"رائد؟"




أومأ.




"قال إن والدك هو اللي حول الفلوس."




قال يوسف:




"لكن التحويل اتعمل من جهاز داخل المؤسسة."




قال حسن:




"وكان جهاز والدك."




تجمد يوسف.




قال:




"يعني الأدلة كانت ضده."




"أيوه."




سألت جنة:




"بس الفلوس رجعت."




قال حسن:




"وده اللي محدش فهمه وقتها."




ثم نظر إليها مباشرة.




"لأن اللي حولها..."




توقف.




"كان عايز يعمل تجربة."




سأل يوسف:




"تجربة لإيه؟"




قال حسن:




"كان عايز يعرف إذا كان يقدر يدخل على حسابات المؤسسة ويخرج الفلوس من غير ما حد يكتشف."




سكت.




ثم أضاف:




"ولما نجحت التجربة..."




ابتلع ريقه.




"بدأت الخطة الحقيقية."




قالت جنة:




"إيه الخطة؟"




لم يجب.




فقالت بصوت أعلى:




"إيه الخطة؟!"




نظر حسن إليها.




وقال:




"كانوا عايزين يسيطروا على المؤسسة."




سأل يوسف:




"مين كانوا؟"




قال حسن:




"رائد..."




ثم توقف.




"وكمال."




سقط الصمت.




لكن جنة لم تكن تسمع شيئًا.




كانت تنظر إلى الفراغ.




ثم قالت:




"ليه؟"




أجاب حسن:




"لأن المؤسسة كبرت."




ثم تابع:




"والفلوس كبرت."




"والنفوذ كبر."




قال يوسف:




"بس رائد كان شريك."




ابتسم حسن بمرارة.




"كان عايز يبقى المالك الوحيد."




ثم نظر إلى جنة.




"لكن والدك رفض."




سألت:




"وبابا عمل إيه؟"




قال:




"واجهه."




"وحاول يطلع الحقيقة."




"لكن قبل ما يقدر..."




صمت.




قالت جنة:




"إيه اللي حصل؟"




نظر إليها طويلًا.




ثم قال:




"والدك مات."




تجمدت جنة.




هي تعرف أن والدها مات...




لكنها لم تعرف يومًا أن موته كان مرتبطًا بكل هذا.




قالت بصوت ضعيف:




"إنت بتقول إيه؟"




قال حسن:




"أنا مش بقول إنهم قتلوه."




ثم أضاف:




"لكن موته ماكانش مجرد صدفة زي ما الناس قالت."




وضعت جنة يدها على فمها.




"يعني إيه؟"




قال:




"قبل موته بيوم..."




ثم أخرج من جيبه هاتفًا قديمًا.




"اتصل بيا."




فتحت جنة عينيها.




"قال لي جملة واحدة."




سألته:




"إيه هي؟"




نظر إليها.




وقال:




"لو حصل لي حاجة...




خلي بالك من جنة."




انهارت دموعها.




قالت:




"كان عارف؟"




هز رأسه.




"كان حاسس إن في حاجة غلط."




ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه.




وقال:




"وساب دي."




ناولها لها.




فتحتها جنة.




كان الخط واضحًا.




خط والدها.




قرأت:




"لو وصلت الورقة دي لجنتي..."




توقفت.




لم تستطع إكمالها.




ناولتها ليوسف.




قرأ بصوت منخفض:




"لو وصلت الورقة دي لجنتي...




يبقى أنا فشلت أحميها."




شهقت جنة.




وتابعت بنفسها:




"ما تثقيش في أي حد يقولك إنه كان قريب مني."




ثم سطر آخر:




"الحقيقة مش في اللي حصل لي..."




وسطر أخير:




"الحقيقة في اللي هيحصل لجنتي بعدي."




رفع يوسف عينيه.




كان وجهه شاحبًا.




قال:




"الورقة دي..."




قاطعه صوت حسن:




"دي من عشرين سنة."




قالت جنة:




"يعني بابا كان عارف إن الموضوع هيوصل لي؟"




لم يجب أحد.




وفجأة...




رن هاتف يوسف.




نظر إلى الشاشة.




رقم مجهول.




أجاب بحذر.




"ألو؟"




جاء صوت الرجل نفسه.




هادئًا...




باردًا.




"قلت لك يا يوسف..."




سكت لحظة.




"إنت بتدور غلط."




قال يوسف:




"المرة دي أنا عارف بندور على مين."




ضحك الرجل.




"لأ."




ثم قال:




"إنت لسه فاكر إن رائد هو النهاية."




تغير وجه يوسف.




قال:




"هو مش النهاية؟"




جاء الرد:




"رائد كان مجرد أداة."




سأل يوسف:




"أداة لمين؟"




صمت الطرف الآخر.




ثم قال:




"اسأل جنة عن اسم كمال."




انقطعت المكالمة.




نظر يوسف إلى جنة.




كانت واقفة بلا حركة.




قال:




"جنة..."




لكنها لم تجبه.




كانت تحدق في الورقة.




ثم قالت بصوت مرتجف:




"أنا فاكرة."




اقترب منها يوسف.




"فاكرة إيه؟"




رفعت عينيها إليه.




"كمال..."




ثم وضعت يدها على رأسها.




"أنا شفته."




قال يوسف:




"فين؟"




أغمضت عينيها.




وفجأة...




بدأت صورة قديمة تتشكل في ذاكرتها.




كانت طفلة صغيرة.




تقف خلف باب نصف مفتوح.




والدها يصرخ:




"ابعد عن بنتي يا كمال!"




ثم صوت رجل يرد:




"إنت فاكر إنك تقدر تخبيها طول العمر؟"




ارتجف جسد جنة.




فتحت عينيها.




وقالت:




"هو كان بيتكلم عني."




نظر يوسف إليها بصدمة.




"من إمتى؟"




قالت:




"من وأنا طفلة."




ثم بدأت تبكي.




"بابا ماكانش بيحميني من الناس..."




رفعت عينيها.




"كان بيحميني من شخص بعينه."




وفي تلك اللحظة...




وصلت رسالة جديدة إلى هاتفها.




فتحتها.




كانت صورة حديثة.




لها.




أمام منزلها.




التقطت الصورة من بعيد.




وتحتها جملة:




"أبوك خبّاك عشرين سنة..."




ثم رسالة أخرى ظهرت:




"بس إحنا لقيناكي."




شهقت جنة.




رفع يوسف الهاتف.




قرأ الرسالة.




ثم نظر إليها.




ولأول مرة...




لم يجد ما يقوله.




لأن الحقيقة التي كانوا يبحثون عنها...


لم تعد مدفونة في الماضي.


لقد عادت من الماضي...


لتطرق باب جنة بنفسها.


وفي مكان بعيد...


كان الرجل المجهول يجلس أمام مجموعة من الصور.


صورة والد جنة.


صورة رائد.


صورة كمال.


وصورة جنة.


أخذ صورة والدها...


ووضعها بجوار صورتها.


ثم قال بهدوء:


"سامحني..."


وتوقف لحظة.

ثم ابتسم ابتسامة غامضة.


"بس كان لازم تعرفي الحقيقة بنفسك."


#يتبع....


                   الفصل العشرون من هنا 

            لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة