
رواية حين يناديك الله الفصل العشرون 20 بقلم هيام ايمن الطوخي
"قد يأخذك الله إلى آخر الطريق الذي ظننته نهايتك...
ثم يريك أن نهايتك هناك كانت بداية عودتك إليه."
ظلت جنة تحدق في الهاتف...
الصورة أمام عينيها.
صورة بيتها.
صورتها.
والرسالة أسفلها:
"أبوك خبّاك عشرين سنة...
بس إحنا لقيناكي."
لم تشعر بنفسها إلا وهي تتراجع خطوة.
ثم خطوة أخرى.
حتى اصطدمت بالحائط.
قال يوسف بسرعة:
"جنة!"
لم تجبه.
كانت تتنفس بصعوبة.
كل شيء بداخلها كان يصرخ.
الخوف...
الغضب...
الأسئلة...
والأصعب من كل ذلك...
أنها للمرة الأولى شعرت أن الموت الذي ظنت أنه أخذ والدها منذ سنوات...
ربما كان مجرد بداية لحكاية لم تنتهِ بعد.
قال يوسف:
"لازم نمشي من هنا."
نظرت إليه.
"نروح فين؟"
"أي مكان آمن."
ابتسمت جنة بمرارة.
"وأين المكان الآمن يا يوسف؟"
سكت.
فأكملت:
"بيتي اتصور..."
"المؤسسة مراقبة..."
"والشخص اللي كان بيهدد بابا من وأنا طفلة رجع يظهر بعد عشرين سنة."
ثم نظرت إلى حسن.
"وأنا حتى مش عارفة أثق في مين."
خفض حسن عينيه.
قال بهدوء:
"في واحد بس تقدري تثقي فيه."
نظرت إليه.
"مين؟"
رفع عينيه إليها.
وقال:
"ربنا."
ساد الصمت.
كأن الكلمة وقعت في قلبها في مكان لم تستطع كل الحقائق الوصول إليه.
بعد ساعات...
كانت جنة تجلس وحدها في غرفة صغيرة داخل منزل إحدى صديقات المؤسسة.
لم تستطع النوم.
وضعت الهاتف بجوارها.
ثم نظرت إلى الساعة.
كانت تقترب من الثالثة فجرًا.
قامت من مكانها.
توضأت.
وقفت أمام المرآة.
كانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء.
نظرت إلى نفسها طويلًا.
ثم همست:
"أنا تعبت يا رب."
سكتت.
"تعبت من إني أحاول أفهم كل حاجة لوحدي."
نزلت دمعة على خدها.
"أنا مش عارفة مين صادق ومين كداب."
ثم أغمضت عينيها.
"بس إنت عارف."
فرشت سجادة الصلاة.
وقفت.
وكبرت.
لأول مرة منذ أيام...
لم تفكر في رائد.
ولا كمال.
ولا الأوراق.
ولا الصور.
ولا التهديد.
فقط...
كانت تقف بين يدي الله.
وبعد الصلاة...
جلست جنة على سجادة الصلاة.
رفعت يديها.
وقالت بصوت متقطع:
"يا رب..."
ثم سكتت.
كانت تحاول أن تجد الكلمات.
لكنها لم تجد.
فقالت:
"أنا مش عايزة أعرف الحقيقة علشان أنتقم."
شهقت وهي تبكي.
"أنا بس عايزة أعرف علشان أفهم."
"علشان أعرف بابا مات ليه."
"وعلشان أعرف مين كان بيكذب عليا."
ثم وضعت يدها على قلبها.
"ولو الحقيقة هتوجعني..."
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
"قويني."
"ولو الطريق اللي أنا ماشية فيه غلط..."
"ابعدني عنه."
"ولو الشخص اللي قدامي شر..."
"اكشفهولي."
ثم ابتسمت وسط دموعها.
"ولو أنا ضعفت..."
"افتكرني إنك معايا."
وفي اللحظة نفسها...
وقعت عيناها على المصحف الموضوع بجوارها.
مدت يدها إليه.
فتحته دون تفكير.
وقعت عيناها على الآية:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
ظلت تنظر إليها.
مرة...
ثم مرة أخرى.
ثم انفجرت في البكاء.
لكن هذه المرة...
لم تكن دموع خوف.
كانت دموع طمأنينة.
همست:
"مخرج..."
ثم ابتسمت.
"يعني لسه في مخرج."
في صباح اليوم التالي...
دخل يوسف الغرفة بسرعة.
كانت جنة تجلس أمام اللابتوب.
قال:
"نمتي؟"
ردت دون أن تنظر إليه:
"شوية."
"ولسه مصممة نكمل؟"
رفعت عينيها.
كان فيها شيء مختلف.
هدوء غريب.
قالت:
"أيوه."
اقترب منها.
"إنتِ مش خايفة؟"
ابتسمت.
"خايفة."
ثم أغلقت اللابتوب.
"بس أنا فهمت حاجة."
"إيه؟"
قالت:
"إن الخوف مش معناه إني أهرب."
ثم أضافت:
"ومش معناه إني أواجه لوحدي."
نظر إليها يوسف.
"أمال؟"
قالت:
"معناه إني أعمل اللي عليا..."
"وأسيب الباقي على ربنا."
ظل يوسف صامتًا.
ثم ابتسم.
"واضح إنك اتغيرتي."
هزت رأسها.
"أنا لسه أنا."
ثم نظرت إلى المصحف الموجود بجوارها.
"بس افتكرت مين اللي كان معايا طول الوقت."
في ذلك الوقت...
كان حسن يقلب في أوراق قديمة.
ثم فجأة...
توقف.
قال:
"يوسف."
دخل يوسف.
"في إيه؟"
رفع حسن ورقة.
"لقيت حاجة."
اقتربت جنة.
كانت الورقة تحمل ختم المؤسسة القديم.
قالت:
"دي إيه؟"
قال حسن:
"كشف بأسماء المؤسسين."
نظر يوسف إلى الورقة.
"والدك..."
ثم تحرك إصبعه.
"رائد..."
"كمال..."
ثم توقف.
"استنى."
كانت هناك أربعة أسماء.
لكن الاسم الرابع كان مطموسًا بالحبر.
قالت جنة:
"مين الشخص الرابع؟"
قال حسن:
"ده اللي بحاول أعرفه من عشرين سنة."
ثم قلب الورقة.
كان خلفها سطر مكتوب بخط والد جنة:
"إذا حدث لي شيء، لا تبحثوا عن القاتل...
ابحثوا عمن استفاد من غيابي."
تجمد يوسف.
قال:
"والدك كان عارف إن اللي حصل مش مجرد خيانة."
هز حسن رأسه.
"كان عارف إن في حد أكبر من رائد وكمال."
قالت جنة:
"يعني مين؟"
وفجأة...
رن هاتف حسن.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
أجاب:
"ألو؟"
لم يأتِ رد.
فقط...
صوت تسجيل قديم.
صوت رجل.
صوت والد جنة.
**"لو سمعت التسجيل ده...
يبقى أنا متأكد إن جنة كبرت."**
تجمدت جنة.
اقتربت من الهاتف.
جاء صوت والدها:
"بنتي..."
انهارت ملامحها.
"لو بتسمعي كلامي دلوقتي..."
صمت التسجيل لحظات.
ثم قال:
"فأنا آسف."
بدأت دموع جنة تنزل.
"آسف إني سيبتك تواجهِي أسئلة كتير من غير إجابات."
ثم جاء صوته أكثر ضعفًا:
"لكن في حاجات..."
"كنت مضطر أخبيها عنك."
شهقت جنة.
"مش علشان أنا مش واثق فيكي..."
ثم توقف.
"علشان كنت خايف عليكي."
نظر يوسف إلى حسن.
لكن التسجيل استمر.
"لو وصلتي للحقيقة..."
صمت.
ثم قال:
"ما تنتقميش."
رفعت جنة رأسها.
"بابا..."
جاء صوته:
"الانتقام عمره ما بيرجع اللي راح."
"ولو ظلمك حد..."
"خلي حقك عند ربنا."
"لأن ربنا شايف حاجات إحنا مش شايفينها."
ثم قال:
"افتكري دايمًا..."
"إن ربنا ما بيضيعش حق حد."
أغلقت جنة عينيها.
كانت تبكي بصمت.
ثم جاء آخر جزء من التسجيل.
"وأهم حاجة..."
تغير صوت والدها.
كأنه كان يحاول أن يقول شيئًا لا يريد أن يخرج.
"لو الشخص اللي بخاف منه عرف إنك عايشة..."
توقف.
ثم قال:
"ما تثقيش فيه..."
انقطع التسجيل.
ساد الصمت.
قال يوسف:
"مين؟"
لم تجب جنة.
قال حسن:
"التسجيل ناقص."
فجأة...
أضاء هاتف جنة.
وصل ملف جديد.
"Audio_2"
نظرت إلى يوسف.
"ده كان متبعت مع التسجيل."
ضغطت تشغيل.
جاء صوت والدها.
لكن هذه المرة...
كان يرتجف.
"جنة..."
"لو سمعتي الجزء ده..."
صمت.
ثم قال:
"يبقى الشخص اللي كنت بحميكي منه..."
توقف طويلًا.
ثم نطق اسمًا واحدًا.
اسمًا جعل الدم يتجمد في عروق جنة.
"مش كمال."
ثم جاء صوت طرق قوي على الباب.
انتفض الجميع.
نظر يوسف إلى حسن.
قال:
"حد يعرف إننا هنا؟"
لم يجب.
جاء الطرق مرة أخرى.
أقوى.
ثم صوت رجل من الخارج:
"جنة!"
تجمدت.
كانت تعرف الصوت.
ليس لأنها سمعته كثيرًا...
بل لأنها سمعته مرة واحدة فقط في طفولتها.
تلك الليلة التي اختبأت فيها خلف الباب...
حين صرخ والدها:
"ابعد عن بنتي يا كمال!"
لكن الصوت هذه المرة...
لم يكن صوت كمال.
كان صوت شخص آخر.
شخص تعرفه جنة جيدًا.
اقتربت من الباب ببطء.
قال يوسف:
"ما تفتحيش."
لكنها كانت قد فهمت.
نظرت إلى حسن.
ثم إلى يوسف.
وقالت:
"أنا عارفة مين."
سألها يوسف:
"مين؟"
فتحت جنة عينيها.
وقالت:
"الراجل اللي بابا كان بيموت خوفًا منه..."
ثم اقتربت من الباب.
"كان أقرب واحد لينا."
وخارج الباب...
كان الرجل واقفًا.
وفي يده...
صورة قديمة لوالد جنة.
ابتسم.
ثم قال بصوت منخفض:
"أخيرًا..."
"عرفتي إني موجود."
وفي تلك اللحظة...
لم تكن جنة تعرف أن الحقيقة التي طلبتها من الله في تلك الليلة...
بدأت تظهر.
لكنها لم تكن تعرف أيضًا...
أن بعض الحقائق حين يكشفها الله لك...
لا تكون لتخيفك.
بل لتُخرجك من الوهم.
ولتُريك من أحبك حقًا...
ومن خانك...
ومن كان الله يحميك منه دون أن تعرف.
وربما...
كان كل باب أُغلق في وجه جنة طوال السنوات الماضية...
مجرد طريق يقودها إلى باب واحد فقط.
باب الله.
وحين يناديك الله...
لا تكن المشكلة أنك لا تسمع النداء...
بل أن بعض الناس لا يسمعونه إلا بعد أن يسقط كل شيء حولهم.
يتبع...