
رواية حين يناديك الله الفصل الخامس 5 بقلم هيام ايمن الطوخي
"وربَّ تأخيرٍ ظننته حرمانًا... فإذا به أعظم أبواب الرحمة."
مرّت أسابيع...
وأصبح والد جنة أفضل حالًا.
عاد يبتسم أكثر.
وصار يجلس مع الأسرة بعد أن كان المرض قد أنهكه.
وكان ذلك وحده نعمة جعلت جنة تشعر أن الدنيا ما زالت بخير.
وفي أحد الأيام...
رنّ هاتفها.
كان رقمًا غريبًا.
ترددت قليلًا.
ثم أجابت.
ـ السلام عليكم.
جاءها صوت امرأة هادئة:
"وعليكم السلام... هل أنتِ جنة؟"
ـ نعم.
"إحنا من الجمعية اللي قدمتي فيها على منحة التدريب من شهرين."
توقفت أنفاسها.
لقد كانت قد قدّمت بالفعل...
ثم نسيت الأمر تمامًا.
قالت المرأة:
"نحب نبلغك إنك اتقبلتي."
لم تنطق.
ظلت صامتة لثوانٍ.
ثم قالت بصوت يكاد يُسمع:
"الحمد لله..."
أغلقت الهاتف.
وسجدت لله سجدة شكر.
تذكرت يوم النتائج...
ويوم قالت:
*"يا رب... أنا راضية."*
ابتسمت وهي تهمس:
"دي كانت الإجابة يا رب؟"
وفي أول يوم من التدريب...
دخلت القاعة بخجل.
كان الجميع يتحدث بثقة.
أما هي...
فكانت تشعر أنها الأقل خبرة.
جلست في آخر الصف.
وأخذت تستمع.
لم تتكلم كثيرًا.
لكنها كانت تكتب كل كلمة.
وفي أثناء الاستراحة...
جلست وحدها.
فجاءت فتاة تجلس بجوارها.
ابتسمت وقالت:
"أنا مريم."
ابتسمت جنة.
ـ وأنا جنة.
قالت مريم:
"أول مرة أشوف حد مركز بالشكل ده."
ضحكت جنة بخجل.
ـ يمكن لأني بخاف أنسى.
ابتسمت مريم وقالت:
"واضح إن ربنا هيكرمك."
كانت كلمات بسيطة...
لكنها أعادت إلى قلب جنة شيئًا فقدته منذ مدة.
الثقة.
ومرت الأيام...
وأصبحت جنة من أكثر المشاركات اجتهادًا.
لم تكن الأذكى.
ولا الأسرع.
لكنها كانت الأكثر إصرارًا.
وفي نهاية التدريب...
وقف المشرف أمام الجميع وقال:
"فيه شخص لفت انتباهنا بأخلاقه قبل مستواه."
تسارعت دقات قلبها.
ثم قال:
"الأستاذة... جنة."
شعرت أن عينيها امتلأتا بالدموع.
وقفت بخجل.
وسمعت تصفيق الحاضرين.
أخذت شهادتها.
لكنها لم تنظر إليها أولًا.
بل رفعت عينيها إلى السماء.
وقالت في سرها:
"الحمد لله."
عادت إلى منزلها.
وضعت الشهادة أمام والدها.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال مبتسمًا:
"فاكرة لما زعلتي من النتيجة؟"
هزت رأسها.
قال:
"لو كنتِ خدتي اللي نفسك فيه وقتها... يمكن ما كنتيش قدمتي هنا أصلًا."
سكتت جنة.
وفهمت.
بعض الأبواب تُغلق...
حتى تسير نحو بابٍ أفضل.
وفي تلك الليلة...
فتحت دفترها مرة أخرى.
وكتبت:
*"يا رب... سامحني على كل مرة استعجلت فيها قدرك، وظننت أن الخير فيما أريد، ثم اكتشفت أن الخير كان فيما اخترته لي."*
أغلقت الدفتر.
وابتسمت.
لقد بدأت ترى الحياة بعينٍ مختلفة.
ليست عينًا تبحث عن السرعة...
بل عينًا تؤمن أن لكل شيء موعدًا كتبه الله بحكمة.
وهكذا...
تعلمت جنة درسًا جديدًا:
أن الله إذا أغلق بابًا...
فلا يعني أنه تركك.
بل ربما كان يُعدّ لك بابًا أجمل...
لكنك فقط...
لم يحن وقت رؤيته بعد..