
رواية حين يناديك الله الفصل السادس 6 بقلم هيام ايمن الطوخي
"ليس كل ابتلاءٍ عقوبة... فقد يكون دليلًا على أن الله يُربّي قلبًا ليحمل نعمةً أكبر."
مرّت أشهر...
وأصبحت جنة أكثر هدوءًا.
لم تعد تخاف من المستقبل كما كانت.
وصارت كلما ضاقت بها الحياة، تردد:
*"سيختار الله لي الخير... كما اختاره من قبل."*
لكن الحياة...
لا تعطي الإنسان درسًا واحدًا فقط.
بل تختبره...
لتعرف هل تعلّم فعلًا.
في صباح أحد الأيام...
وصلت إلى بريدها الإلكتروني رسالة.
كانت من شركة كبيرة.
كانت قد أرسلت إليها سيرتها الذاتية منذ فترة.
فتحت الرسالة بسرعة.
وقرأت أول سطر.
*"يسعدنا دعوتك لإجراء مقابلة عمل..."*
قفز قلبها من الفرحة.
هذه هي الفرصة التي كانت تتمناها.
قضت أيامًا تستعد.
راجعت كل ما تعلمته.
وصلّت ركعتين
وقالت قبل أن تنام:
"يا رب... إن كان فيها خير فقرّبها لي، وإن لم تكن خيرًا فاصرفها عني وارضني."
جاء يوم المقابلة.
دخلت بثقة أكبر من ذي قبل.
أجابت عن الأسئلة.
وخرجت وهي تشعر أنها قدّمت أفضل ما عندها.
انتظرت الرد.
يومًا...
ثم يومين...
ثم أسبوعًا.
حتى وصلتها الرسالة.
*"نعتذر... لقد وقع الاختيار على مرشح آخر."*
توقفت للحظة.
عاد ذلك الشعور القديم...
شعور الخيبة.
لكن هذه المرة...
لم تبكِ.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت بهدوء:
"أكيد الخير في غيرها يا رب."
حتى هي...
تعجبت من نفسها.
كيف تغيّر قلبها إلى هذا الحد؟
وفي المساء...
كانت تجلس مع والدتها.
فسألتها:
"ما زعلانة؟"
ابتسمت جنة.
وقالت:
"زمان كنت هفضل أعيط أيام... لكن دلوقتي بقيت واثقة إن ربنا شايل لي حاجة أحسن."
ابتسمت أمها وربّتت على يدها.
وقالت:
"الرضا نعمة يا بنتي... وربنا ما بيديهاش إلا للي بيحبه."
مرت أيام قليلة.
ثم رن هاتفها مرة أخرى.
كان المشرف الذي درّبها في المنحة.
قال لها:
"يا جنة... إحنا رشحنا اسمك لمكان أفضل من الشركة دي."
سكتت من المفاجأة.
أكمل الرجل:
"إحنا شايفين إنك تستحقي فرصة أكبر... وحابين تبدأي معانا في مشروع جديد."
لم تتمالك دموعها.
أغلقت الهاتف.
ورفعت يديها إلى السماء.
وقالت:
"يا رب... سبحانك."
تذكرت المقابلة التي لم تُقبل فيها.
ولو كانت قُبلت...
لما جاءت هذه الفرصة.
جلست في غرفتها.
وفتحت دفترها للمرة الثالثة.
وكتبت:
"كل مرة أظن أن الطريق انتهى... يفتح الله طريقًا لم أكن أتخيله."
ثم أغلقت الدفتر.
ونظرت من نافذتها إلى السماء.
كانت الغيوم تتحرك ببطء.
فابتسمت وهي تهمس:
"حتى الغيم... لا يبقى للأبد."
وفي تلك الليلة...
أدركت جنة أن الإيمان الحقيقي...
ليس أن تشكر الله عندما تأتيك النعمة فقط.
بل أن تثق به...
حتى عندما لا ترى شيئًا.
لأن المؤمن يعلم...
أن الله يعمل في الخفاء...
بينما نحن لا نرى إلا الظاهر..