
رواية حين يناديك الله الفصل الثالث عشر 13 بقلم هيام ايمن الطوخي
"قد يؤخر الله الإجابة... لا لأنك نُسيت، ولكن لأن العطاء الذي ينتظرك أكبر مما تتخيل."
ظلت جنة تحدق في الهاتف للحظات...
وقلبها يمتلئ بالتساؤلات.
قالت بهدوء:
"وعليكم السلام... نعم، أنا جنة."
جاءها الصوت ودودًا:
"نرجو حضورك اليوم إلى مؤسسة (نور الأمل) في تمام الحادية عشرة صباحًا، هناك أمر يخصك."
سألت باستغراب:
"لكن... من أين حصلتم على رقمي؟"
أجاب الرجل:
"ستعرفين كل شيء عندما تصلين."
ثم أنهى المكالمة.
بقي الهاتف بين يديها...
لكن عقلها كان منشغلًا بألف سؤال.
هل الأمر خير؟
أم ابتلاء جديد؟
ابتسمت لنفسها وهي تتذكر قول الله تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
تنفست بعمق.
وقالت:
"يا رب... لن أشغل نفسي بما أخفيته عني، فأنت أعلم بما يصلحني."
---
استأذنت من مديرها لبضع ساعات...
وروى له ما حدث.
فابتسم وقال:
"اذهبي يا جنة... وأبشرِي بالخير، فأنا أشعر أن الله يفتح لك بابًا جديدًا."
شكرت مديرها...
واتجهت إلى العنوان.
كان مبنى بسيطًا...
تزينه عبارة كبيرة كُتب عليها:
"خير الناس أنفعهم للناس."
دخلت بخطوات مترددة.
فاستقبلتها موظفة بابتسامة.
وقالت:
"أهلًا بكِ... الجميع في انتظارك."
ازدادت دهشتها.
كيف يكون الجميع في انتظارها وهي لا تعرف أحدًا هنا؟
دخلت إلى قاعة متوسطة الحجم...
فوجدت عددًا من الأشخاص يجلسون حول طاولة.
وقف رجل في منتصف العمر...
وقال مبتسمًا:
"أنتِ جنة؟"
أومأت برأسها.
فقال:
"نحن مؤسسة تهتم بالأسر المحتاجة، وقد وصلتنا عنك شهادات كثيرة من أشخاص ساعدتهم دون أن يعرف أحد."
اتسعت عيناها.
وقالت في خجل:
"أنا لم أفعل شيئًا يستحق الذكر."
ابتسم الرجل.
وقال:
"بل فعلتِ الكثير... السيدة التي ساعدتها أمس من المتطوعات لدينا، وقد أخبرتنا عن أخلاقك."
شعرت جنة بالحياء.
فلم تكن تتوقع أن مجرد مساعدة عابرة ستكون سببًا في وجودها هنا.
ثم أكمل الرجل:
"نبحث عن شخص يشرف على فريق المتطوعين، ولم نجد من تنطبق عليه الصفات التي نريدها أكثر منك."
ساد الصمت.
أما جنة...
فلم تعرف بماذا تجيب.
قالت بهدوء:
"لكنني لست صاحبة خبرة."
ابتسم الرجل.
وقال:
"الأخلاق تُكتسب بالاجتهاد، أما الإخلاص فهو رزق من الله."
اغرورقت عيناها بالدموع.
وشعرت أن الله يكرمها بأشياء لم تسعَ إليها.
تذكرت كل ليلة بكت فيها...
وكل دعوة همست بها بين يدي الله.
همست في نفسها:
"يا رب... كم أنت كريم."
---
وفي طريق عودتها...
كانت السماء ملبدة بالغيوم.
ثم بدأت قطرات المطر تتساقط برفق.
رفعت وجهها نحو السماء...
وتركت المطر يلامسها.
وقالت بابتسامة:
"اللهم اجعل هذا المطر رحمة على قلبي... كما جعلته رحمة على الأرض."
وفي تلك اللحظة...
مر طفل صغير يركض خلف طائر ورقي.
ثم تعثر وسقط.
أسرعت إليه جنة.
أزالت التراب عن ثيابه.
وقالت مبتسمة:
"البطل الحقيقي لا يخاف من السقوط... بل يقوم من جديد."
ابتسم الطفل...
وركض مرة أخرى وهو يضحك.
راقبته جنة...
وأدركت أن الإنسان يشبه ذلك الطفل.
يسقط...
ثم يمنحه الله قوة ليقف من جديد.
وفي المساء...
فتحت دفترها.
وكتبت:
"يا رب...
إذا منعتني شيئًا...
فامنحني الرضا.
وإذا أعطيتني...
فاجعلني من الشاكرين.
ولا تجعل الدنيا أكبر همي...
بل اجعل رضاك غايتي."
أغلقت الدفتر...
وقلبها أكثر اطمئنانًا من أي وقت مضى.
لكنها لم تكن تعلم...
أن الأيام القادمة...
ستضع أمامها اختبارًا جديدًا.
اختبارًا...
لن يكون في الرزق...
ولا في العمل...
بل في القلب.
يتبع...