
رواية حين يناديك الله الفصل الثامن عشر 18 بقلم هيام ايمن الطوخي
"أحيانًا لا تأتي الفتنة لتُسقطك...
بل لتكشف لك من كان يقف بجانبك حقًا...
ومن كان ينتظر سقوطك منذ البداية."
ظلت جنة تحدق في الهاتف...
لم تستطع استيعاب ما قاله يوسف.
شخص داخل المؤسسة؟
شخص كان قريبًا من الملفات؟
قالت بصوت متوتر:
"إنت متأكد؟"
أجاب يوسف:
"أنا مش هقول حاجة مش متأكد منها."
أخذ الهاتف من الموظف.
وقلب في المنشور مرة أخرى.
كانت الاتهامات كثيرة...
أرقام...
صور من داخل المؤسسة...
تفاصيل عن حملات التبرعات...
بل وحتى صور لبعض الملفات التي لم يكن من المفترض أن يراها أي شخص خارج الإدارة.
قالت جنة:
"الصور دي..."
ثم اقتربت من الهاتف.
"دي مش منشورة في أي مكان."
نظر إليها يوسف.
"علشان كده أنا قلقان."
سألته:
"يعني الشخص ده عنده وصول للملفات؟"
قال:
"أو كان عنده."
ساد الصمت.
ثم قالت جنة:
"مين؟"
نظر إليها يوسف طويلًا.
وقال:
"في أكتر من شخص."
تدخل الموظف وقال:
"بس في شخص واحد كان دايمًا موجود وقت تجهيز الحملات."
سألته جنة:
"مين؟"
تردد قليلًا.
ثم قال:
"محمود."
تغير وجه جنة.
"محمود؟"
أومأ الموظف.
"أيوه."
قالت جنة بسرعة:
"بس محمود شغال هنا من سنين."
رد يوسف:
"وده اللي يخلي الموضوع أخطر."
سألت جنة:
"يعني ممكن يكون هو؟"
قال يوسف:
"ممكن."
ثم أضاف:
"وممكن يكون حد عايزنا نفتكر إنه هو."
نظرت إليه جنة.
"إنت بتشك في مين؟"
لم يجب.
فقالت:
"يوسف..."
تنهد.
"في حاجة لازم تعرفيها."
شعرت جنة بالقلق.
"إيه؟"
قال:
"قبل ما أجي المؤسسة النهارده...
أنا قابلت شخص."
سألته:
"مين؟"
قال:
"راجل كان شغال هنا من فترة."
صمت لحظة.
ثم قال:
"اسمه رائد."
تجمدت جنة.
الاسم لم يكن غريبًا عليها.
كانت قد سمعته من قبل.
لكنها لم تتذكر أين.
قالت:
"رائد..."
ثم وضعت يدها على رأسها.
"أنا سمعت الاسم ده قبل كده."
سأل يوسف:
"من مين؟"
حاولت أن تتذكر.
وفجأة...
اتسعت عيناها.
"من المدير القديم."
سألها:
"قال لك عنه إيه؟"
قالت:
"قال إنه ساب المؤسسة فجأة."
سكتت قليلًا.
ثم تابعت:
"وقال إن خروجه كان بسبب مشكلة في الحسابات."
نظر يوسف إليها.
"وده معناه إيه؟"
قالت:
"معناه إن الموضوع مش بدأ النهارده."
في تلك اللحظة...
رن هاتف يوسف.
نظر إلى الشاشة.
كان رقمًا مجهولًا.
أجاب.
"ألو؟"
لم يأتِ أي رد.
فقط صمت.
ثم سمع صوتًا منخفضًا:
"أنت بتدور غلط يا يوسف."
تغير وجهه.
قال:
"مين؟"
ضحكة خافتة جاءت من الطرف الآخر.
"لو عايز تحمي جنة...
ابعد عن الموضوع."
تدخلت جنة:
"مين بيتكلم؟"
لكن المكالمة انتهت.
نظر يوسف إليها.
كانت ملامحه مختلفة.
قالت:
"قال إيه؟"
أجاب:
"هددني."
سألته:
"بإيه؟"
قال:
"قال إن لو كملت...
إنتِ اللي هتدفعي الثمن."
شعرت جنة بقشعريرة تسري في جسدها.
قالت:
"لا."
نظر إليها.
"إيه؟"
قالت:
"مش هنبعد."
تعجب يوسف.
"جنة..."
قاطعته:
"الموضوع بقى أكبر من المؤسسة."
ثم نظرت إلى الملفات.
وقالت:
"لو حد بيحاول يوقعنا...
لازم نعرف ليه."
ابتسم يوسف رغم قلقه.
وقال:
"عارفة إنك عنيدة؟"
نظرت إليه.
"وعارف إنك مش هتقدر تمنعني."
ضحك لأول مرة منذ بداية الأزمة.
ثم قال:
"للأسف..."
وتابع:
"عندك حق."
في اليوم التالي...
استيقظت جنة على عشرات الرسائل.
الهجوم ازداد.
أشخاص يتهمون المؤسسة بالسرقة.
آخرون يطالبون بإغلاقها.
وبعضهم بدأ يهاجم جنة شخصيًا.
قرأت إحدى الرسائل:
"إنتِ أكيد عارفة الفلوس بتروح فين."
ثم رسالة أخرى:
"بلاش تمثلي دور الملاك."
وضعت الهاتف جانبًا.
كانت الكلمات تؤلمها.
ليس لأنها تصدقها...
بل لأنها تعرف كم تعبوا.
كم طفلًا ساعدوه.
وكم أسرة قضوا ساعات طويلة في خدمتها.
دخلت عليها والدتها.
ورأت وجهها.
قالت:
"مالك يا جنة؟"
لم تجب.
جلست بجانبها.
وقالت:
"اللي بيعمل خير مش لازم كل الناس تصدقه."
رفعت جنة عينيها.
"بس الناس بتظلم."
ابتسمت والدتها.
وقالت:
"الناس ممكن تظلم...
لكن ربنا عمره ما بيظلم."
صمتت جنة.
ثم قالت:
"أنا خايفة."
وضعت والدتها يدها على يدها.
"الخوف مش عيب."
ثم أضافت:
"العيب إن الخوف يخليكي تسيبي الحق."
نزلت دمعة من عين جنة.
وقالت:
"أنا مش هسيبه
في المؤسسة...
كان يوسف يجلس أمام جهاز الكمبيوتر.
وبجواره جنة.
قال:
"أنا راجعت الحسابات."
سألته:
"ولقيت إيه؟"
قال:
"مفيش أي نقص."
تنفست جنة براحة.
لكن يوسف أكمل:
"بس في حاجة غريبة."
اقتربت منه.
"إيه؟"
فتح ملفًا قديمًا.
وقال:
"في تحويل مالي حصل من سنتين."
نظرت جنة إلى الشاشة.
"إيه ده؟"
قال:
"المبلغ خرج من حساب المؤسسة..."
ثم توقف.
"لكن رجع تاني بعد ساعات."
سألته:
"ليه؟"
قال:
"مش عارف."
ثم فتح التفاصيل.
وتغير وجهه.
قالت جنة:
"في إيه؟"
أجاب:
"التحويل اتعمل من جهاز داخل المؤسسة."
سألته:
"مين كان موجود وقتها؟"
فتح سجل الدخول.
ظل يقرأ الأسماء.
ثم توقف.
رفع عينيه إلى جنة.
وقال:
"رائد."
ساد الصمت.
لكن جنة لاحظت شيئًا آخر.
"استنى."
اقتربت من الشاشة.
"في اسم تاني."
نظر يوسف.
كان هناك اسم بجوار رائد.
اسم لم تتوقعه جنة أبدًا.
تغير لون وجهها.
قالت:
"مستحيل."
سألها يوسف:
"تعرفيه؟"
لم تجب.
ظل ينظر إليها.
ثم قالت بصوت مرتجف:
"ده..."
توقفت.
"ده شخص أنا بثق فيه."
وفي اللحظة نفسها...
انطفأت شاشة الكمبيوتر.
ثم أُغلقت أنوار المؤسسة بالكامل.
صرخت إحدى الموظفات من الخارج:
"الكهربا قطعت!"
نظر يوسف إلى جنة.
وقال:
"خليكي هنا."
لكنها أمسكت بيده.
"لا."
قال:
"جنة..."
أجابته:
"مش هسيبك."
أخرج هاتفه وأضاء المكان.
ثم سمعا صوت خطوات في الممر.
خطوة...
ثم أخرى...
ثم توقفت الخطوات أمام باب المكتب.
تبادلا النظرات.
اقترب يوسف من الباب.
وفجأة...
وصلت رسالة إلى هاتف جنة.
فتحتها.
وكانت من رقم مجهول.
رسالة قصيرة جدًا:
"لو عايزة تعرفي الحقيقة...
افتحي الدرج التالت."
نظرت جنة إلى المكتب.
ثم إلى الأدراج.
قال يوسف:
"ماتفتحيش."
سألته:
"ليه؟"
قال:
"لأن اللي بعت الرسالة...
عايزنا نعمل كده."
لكن جنة كانت قد اتجهت بالفعل نحو الدرج.
فتحت الأول.
فارغ.
الثاني...
فارغ.
ثم الثالث.
توقفت أنفاسها.
كان بداخله ظرف أبيض.
أخرجته بيد مرتجفة.
فتحته.
فوجدت بداخله صورة قديمة.
صورة لوالدها...
وبجانبه رجل لم تره جنة منذ سنوات.
اتسعت عيناها.
وقالت:
"بابا..."
اقترب يوسف.
نظر إلى الصورة.
ثم قال:
"مين الراجل اللي واقف معاه؟"
رفعت جنة الصورة.
كانت الدموع تملأ عينيها.
وقالت:
"ده..."
ثم ابتلعت ريقها.
"ده رائد."
وفي أسفل الصورة...
كانت هناك جملة مكتوبة بخط اليد:
"الحقيقة اللي بتدوري عليها...
بدأت قبل ما تولدي."
تجمدت جنة.
لم تعد القضية مجرد مؤسسة...
ولا مجرد حملة تشويه.
لقد أصبحت القضية مرتبطة بماضي عائلتها.
وبسر أخفاه والدها لسنوات.
وفي مكان آخر...
كان الرجل المجهول يراقب شاشة هاتفه.
وحين رأى أن جنة فتحت الظرف...
ابتسم.
وقال:
"أخيرًا..."
ثم أضاف:
"بدأتِ تفتكري يا جنة."
#يتبع...