
رواية جمعية حب الفصل الاربعون 40 بقلم شمس محمد بكري
|| الأرواح تتآلف من بين الحشود||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
كيف أعطيكَ ما لم أملكه أنا قط؟
كيف أجعلك حُرًا في حُبي وأنا لم أكن حرة حتى في نفسي؟
فأنا حين أوهبك شيئًا لا بُد أن يكون الشيء هذا ملكي، لكن معنى الحُرية عندي يساوي الحُلم، كلاهما بعيدًا عني وعن متناول يداي، كيف أدعوك أنك طيرٌ في سماي وأنا مجرد طيرٍ حبيسٍ في القفص ولم اتحرر قط، كيف يزعُم الطير أن السماء مُلكه بوِسعها وهو لم يصلها حُرًا من تلقاء نفسه؟
أنا كي أجعلك حُرًا يتوجب عليَّ أن أتخلص من أسريِ أولًا
وعليك حين تكون معيِّ أن تكون حُرًا حتى ولو من قيدي أنا..
<"إذا تراقص الحمار في ساحتك اتركه يحسب نفسه خيلًا">
لولا ظهور قوة الشيء الأصلي لكان المُزيف أخذ مكانه..
فإذا فرغ الميدان من الخيلِ الحُر لكان ظن الحمار نفسه خيلًا
فاترك الحمار وقتها يستعرض بالغباءِ
وتمتع كونك خيلًا لا يُقهر من جبانٍ..
_والله يابني أنتَ صعبان عليا، هي ياعيني مفهماك إنها قطة مغمضة وبريئة؟ مافكرتش إيه اللي يخلينا نسيبها لوحدها ونسيب البيت والمنطقة ونمشي من غيرها؟ مشيها البطال والقرف اللي كانت بتعمله، اسألها كدا كانت بترجع الساعة كام وجايبالنا الكلام من طوب الأرض، إحنا إذا كُنا مشينا فدا علشان عمايلها الو*** اللي كانت جايبالنا الكلام، اسألها كدا على الشقق اللي كانت بتروحها بتعمل فيها إيه.
توسعت عيناها وهي تتمنى الموت..
والغريب أن الموت لا يأتي حين نرغبه نحن،
بل هو يحضر حين نكون في غفلةٍ وعلى غير استعدادٍ
وهي حتى لو لم تفعل شيئًا لكنها في موقفٍ لا تُحسد عليه، وتتمنى الموت أهون عليها من حديث عمها في حقها وحق شرفها، ساد الصمت لحظة فقط، وقبل أن يُعيد عمها حديثه انقلب كل شيءٍ في طرفة عينٍ..
اندفع "أدهـم" وقبض على عنقهِ وثيابه ودفعه فوق الأريكة وأعلن سطوته عليه، جعله كما الفأر حين يلج المصيدةِ فتمسك فيه وهو يدور حول نفسه، لكن نظرات "أدهـم" كانت أشبه بالنيرانِ الموصدة، نيرانٌ قوية انبثقت من عينيهِ كأنه يصفعه بنظراتهِ وهو يهدر فيه:
_ولما أنتَ راجل أوي كدا ودمك حامي ماقفلتش عليها ليه وصرفت عليها والتزمت بيها أنتَ؟ سيبتها تجري على نفسها وتصرف على أمك وعلاجها ليه وأنتَ شبه دلفة الباب كدا؟ جاي دلوقتي تغلط في شرفها وحقها؟ جاي تتهمها في عرضها بدل ما تقطع لسان اللي يفكر يجيب سيرتها، عرفت ليه بقولك ماكنتش راجل معاها؟ علشان أنتوا ماسيبتوش الرجالة حتى تصونها.
كان "مأمون" يحاول إبان هذا يدفعه بعيدًا عن عمهِ ويفصل الاشتباك بينهما، فدفعه "أدهـم" بعيدًا عنه واستقام بأنفاسٍ لاهثة تعلو وتهبط بانقطاعٍ ثم أعاد هدرهِ مُجددًا:
_لما أنتوا رجالة معاها أوي كدا سيبتوها بينكم تتذل ليه؟ اديتوها ضهركم وكل واحد فيكم قال يلا نفسي ليه؟ خدتوها مننا من الأول ليه؟ علشان خوفتوا تبقى أحسن منكم؟ طب هي فعلًا أحسن منكم ومن أنضف واحد فيكم هنا، قسمًا بربي اللي عمري ما هحلف بيه كدب لو حد فيكم فكر يجيب سيرتها تاني ولا يفكر يغلط فيها، أنا هخليكم تتمنوا الموت قبل ما تلفوا في الشوارع تشحتوا وماتلاقوش تاكلوا.
كانت هي في وادٍ غير واديهم، لا تعلم متى ظهرت البجاحة في واديهم ولا متى أصبحت الحقائق تُزيف بهذه الجودة، منذ متى والمُتبجح يملك هذه الأعين القوية في حديثه؟ انحدرت عبراتها فورًا وشعرت بالنزفِ في قلبها، كأن الأرض تميد بها، حتى اقترب "أدهـم" والتقط كفها كأنه يحميها حتى من سهامِ الأعين، وما إن رفعت عينيها له وجدته يمسح عبراتها بكفهِ ثم التفت يستعد للمغادرةِ..
وحين وصل عند باب الشقة التفت مرة أخرى يهدر بتهديدٍ صريحٍ معبرًا عن سعيره والنيران الموقدة في قلبهِ:
_إحنا هنمشي دلوقتي بس هرجع تاني أنا وهي وقت ما هي تحب تشوف جدتها، وبمزاجها مش مزاج حد تاني، وعلى الله وقتها تعلموا حاجة متعجبنيش، وأنتَ يا عِجل أنتَ..
وجه إهانته لابن عمها الذي انتبه له بعينين واسعتين أشبه بالجحوظ إثر المفاجأة، فداهمه هو كما إعصار الشتاء حين يُلاقي الموج في الاسكندرية بقولهِ:
_بطل شغل اللت والكلام هنا وهناك وانشف شوية، احترم أنها بقت على ذمة راجل دلوقتي، فلما تحب توصل لحاجة كلم صاحبها الأول، أديك شايف لو حد فكر يقرب منها بعمل إيه فيه، حتى لو كان شايب زي عمك الناقص دا كدا.
أهانهم من جديد ولم يُشفَ غليله، لم تنطفيء نيرانه ونيران عرضه وشرفه وهم يخوضون في حقها، رحل بها من البيت ونزل لبهو البرج السكني فتسمرت هي تتنفس أخيرًا، تتنفس بانقطاعٍ ملحوظٍ لاحظه هو فمد يده وضمها لعناقهِ، وبمجرد أن فعل وجدها تنفجر، انفجرت باكيةً، كأنها امرأة مغدورة في حالة حربٍ مُجبرة على النزوحِ من أرضها..
كانت تبكي لأنها لأول مرةٍ منذ أعوامٍ تختبر قسوة شعور الخذلان والركض خلف السراب، كأن الجيش الذي عاشت لأجل تحضيره يوم أن استعد للقتالِ قاتلها هي واستوطن أرضها كي يُحاربها عليها، بينما "أدهـم" فهو لم يعرف أنه يملك هذا الجانب الرقيق من قلبه، وجد نفسه يدعمها ويتولى حمايتها ثم همس لها برفقٍ:
_تحبي تروحي تقعدي على البحر شوية؟ أنتِ بترتاحي هناك.
ابتعدت عنه تطالعه بانكسارٍ وخزيٍ فابتسم لها كأنه يُعاند قسوة شعورها بلُطف قلبه ثم تحرك بها للخارج، سار معها مسافة لا بأس بها حتى وصلا لمدخل الشاطيء، ولجا معًا وجلست على الرمالِ وجلس هو بقربها، تركها تبكي وهي تنظر للبحرِ وتُشاهد تصادم الأمواج خلف بعضها..
تُراقب تتابع الموج وتتعجب كيف تتصادم حياتها مثله، كأنها بحرٌ من نوع آخر يخفي في الأعماق ما لم يكن بمقدورِ العين أن تكشفه، وقد لاحظها هو فتحرك يجلس على عاقبيهِ أمامها ثم مد كفه الباردة ومسح عينيها وهمس بهدوءٍ أشبه بدفء الشمس بعد الأمطار:
_وآخرة العياط دا إيه؟ هما يعني كلامهم دا يتاخد بيه؟ جوزك واقف في ضهرك واللي يفكر يفتح عينه فيكِ أقفلهاله.
قابلته بعينيها في الطريق ذاته ونبست بقهرٍ وبكاءٍ:
_بعيط علشان مش مستوعبة إني عملت كل دا معاهم وعلشانهم وفي الآخر يشوفوني كدا، مش قادرة أصدق إني عمي دا اللي كنت بساعده وبدفع في دروس عياله علشان ظروفه هو أول واحد يقول كدا في حقي وحق شرفي، بعيط علشان خوفت من بصتك ليا اللي هتخليني أدور على مبرر أقوله.
عقد حاجبيه فوجدها تضيف بقوةٍ واهية تُزخرفها فوق ملامحها بأنامل مرتجفة تفتقر للاحترافِ:
_ماهو أنتَ لازم هتسأل وأنا لازم هجاوب، مش هتقدر تخبيها يا أدهـم وهتبقى عاوز تعرف ليه قال كدا، مع إنه والله العظيم كان عارف وساكت، كان عارف أنا بعمل إيه وعامل نفسه مش داري علشان ماطلبش حاجة منه.
حديثها أربك ثباته وبعثر ما كان مُرتبًا في نفسه ليجدها تُضيف من جديد ببكاءٍ اختلط بعبرات قهر أنثى مظلمة بأجنحةٍ مكسورة:
_هو كان عارف إني بروح ساعات بيوت أنضفها وأساعد علشان يطلعي قرشين أصرف بيهم على ياقوت، علشان هما نفسهم كل ما أطلب منهم حاجة تخص علاجها أو أكلها أو حتى الحفاضات بتاعتها كانوا بيقولولي منين؟ مفيش، أديكِ شايفة المصاريف، مش معانا يادوب مكفيين بيوتنا، وكلهم يكبروا دماغهم ودي ست كبيرة، كنت بخاف عليها تتمرمط، لما كنت بتزنق في المصاريف كنت بروح ساعات أروق شقق وبيوت وأغسل سجاجيد كمان لحد ما رُكبي تشقق، وكلهم كانوا عارفين بس كبروا دماغهم علشان محدش منهم يساعدني، و سابوني لوحدي أشيل الهم دا وفي الآخر أطلع فاجرة بتاعة شقق؟.
لا يعلم هل الحقيقة التي تنطقها تؤلمه لأنها تخصها هي أم لأن هي أمست تخصه هو وأصبحت أنثاه؟ لأنها أتت لتُكمل النصف المفقود منه وتجعل اللوحة الباهتة من أيام عمره زاهيةً، أعطته ما لم يأخذه من العالم قبلًا وأنه ليس إنسانًا بهذا القُبحِ الذي يظنه في نفسه، أشفق عليها وشعر بالحزنِ لأجلها وخرج سؤاله بلهفةٍ:
_أنتِ قصدك إنك كنتِ بتشتغلي في البيوت؟.
لا تعلم لمَّ السؤال تسبب في ألمها لهذا الحدِ وكأنها تتعرض للطعنِ مرة أخرى لكن هذه المرة وفي هذه الحالة تُطعن هي في كرامتها، لاحظ تبدل نظراتها وضيق المُقل التي كانت تُرحب به فتلهف موضحًا:
_أنا مش قصدي أضايقك بسؤالي، أنا بس بحاول أفهم لما هما فاهمين وعارفين حاجة زي دي ليه عاملين نفسهم مش فاهمين؟.
وأخيرًا تملكت من صوتها فقالت ببكاءٍ ألمه:
_علشان يكسروني قصادك، شافوك واقف في ضهري وماتكسرتش من غيرهم قالوا يكسروني في عينيك، تعرف إني كنت خايفة تعرف حاجة زي دي؟ كنت حاطة أيدي على قلبي إنك تعرف.
_ليه يعني؟.
سألها بجمودٍ غير مقصودٍ لكن يبدو أن الغضب كان مُتراكمًا بداخلهِ لذا بدت نبرته حادة وغاضبة بهذه الطريقة، لكنها جاوبته بدبلوماسية شديدة الحذرِ إبان التوضيح:
_علشان مايصحش واحد زيك أنتَ بوضعك أو واحد زي آدم بوضعه تكون في حياتهم واحدة خدامة في شقق ومساحة سلالم، جدك لو عرف حاجة زي دي مش بعيد يخليني أروح أمسحله السلم، وأهو يبقى عرف يكسر آدم بالمرة، عرفت ليه كنت بخاف منك؟ علشان كنت خايفة أحبك وأنا ماستاهلكش.
جوابها كان في غاية المنطقية ولم يكن من باب المبالغةِ أو المُغالاة في الحديثِ، هي تسرد عن حقيقة مخبوءة بين السطورِ وهو يراها لتوهِ، رفع كفه يمسح وجهها مختلط الحرارة بسبب عبراتها وبرودة الجو ثم ضم رأسها لعناقهِ، لم يعرف كيف يواسي ماضيها إن كان يسعى هو لقتلهِ، بينما هي فنطقت بالحقيقة التي لن تنتظر وتخفيها عنه أكثر من ذلك:
_أكتر حاجة خوفتني بجد من ساعة قابلتك هي إني اتعود عليك وعلى وجودك، علشان المرة دي الحرمان منك هيكون صعب أوي، أنا لسه مانسيتش أول مرة خدوني فيها، المرة دي هتبقى أصعب، يمكن قبل كدا كنا صغيرين وكنا صحاب، بس دلوقتي أنا مراتك وبحبك.
رمت الكلمة على غير المتوقع منها حتى أن ملامحه تباينت وانشرحت وكأن عينيها تستقبله في رحابها الواسع، تلاقت الأعين وهذه المرة هي من بادرت واعترفت باكيةً:
_أنا لما كنت بخاف منك أول ما جيت علشان كنت حاسة إن هييجي يوم ويبقى فيه جوايا حاجة ليك، بس كنت بفكر نفسي دايمًا إن مش هينفع القصة تتعاد تاني، مش هينفع اللي حصل مع أمي يحصل معايا ويتقال الخدامة بنت الخدامة لفت على الواد زي ما أمها لفت على أبوه، بتوجع أوي.
لأول مرةٍ تُفصح له عن الذي في قلبها بهذه الصراحة المُفرطة، تخبره عن الخوف والأمان معًا في عباراتٍ واحدةٍ، أبعدها عنه برفقٍ وتنهد بقوةٍ ثم نطق بصدقٍ رأته في مُقلتيه الصافيتين:
_مين اللي هيقول؟ ومين اللي هيتكلم يا عُـلا؟ بعدين دي حاجة ماتزعلش إنك كنتِ بتحاولي، عارفة يا عُـلا أنا ليه مبهور بيكِ؟ علشان واحدة زيك كان عندها ١٠٠ فرصة تخليها تعمل اللي هي عاوزاه، أبسطها لما خرجتي من بيتهم كان ممكن تاخدي راحتك وتعملي اللي على كيفك، بس أنتِ اختارتي تيجي لأخوكِ وتكوني قدام عينيه، ولما الزفت دا كلمك وجيتي قولتيلي ساعتها حسيت إني على رقبتي سكينة بإيدك أنتِ هاكون واثق فيكِ.
تبسمت بعينيها له لأنه يتحدث نيابةً عنها فيما لم تستطع السؤال عنه، عيناه كما هما، لم تتبدل النظرة الحنونة منهما، ولم يختلف طبعه عنها حين ينظر لها، وثقت فيه وكان هذا أصلح ما قدمته لنفسها، وقد وضعت رأسها مرة أخرى على كتفهِ فضمها هو يأويها ويحميها داخل عناقهِ، جعلها بغير كلامٍ تؤمن به وبقلبهِ..
بعد مرور بعض الوقتِ اعتدل هو ومد يده لها يسألها بهدوءٍ:
_قادرة تمشي ولا أشيل زي المرة اللي فاتت؟.
انفرجت شفتاها بضحكةٍ خافتة ثم استقامت ووقفت بجوارهِ وتحركت معه حيث السيارة وبمجرد أن استقرا وجدته يتحرك لكنه عاد مرة أخرى للشقة الخاصة بهما، سألته هي بهمسٍ خفيضٍ:
_إحنا مش هنرجع القاهرة؟.
انتبه لصوتها وجاوب إبان تركيزه مع الطريق:
_لأ مش الليلة دي، هانروح الشقة ترتاحي وبكرة الصبح هنكون في القاهرة متقلقيش، مش عاوز أرجع بيكِ تاني زعلانة كدا ووشك باين عليه الزعل وعلشان تاكلي كمان، هجيب أكل وإحنا طالعين.
أنهى الحديث وعاد بكامل تركيزه مع الطريق بينما هي فرمت رأسها عند النافذة تراقبه بصمتٍ، تطمن لأن السر الذي كان يُقلق مضجعها ويؤرق ليلها كما دخيلٍ على صفو أيامها؛ انكشف له ولم يكترث هو به، تمنت لو اكتملت الحياة معه وأصبحت زوجته يفضيان لبعضهما ويأتي يومٌ تحمل في رحمها روحًا منه هو.
بعد مرور بعضِ الوقتِ..
كانت تنام فوق الفراش على جانبها الأيسر تحاول نسيان الموقف الذي حدث أمامه وهناك صوتٌ ظل يجلدها ويذكرها أنه ربما يستفيق ويرفضها ورُبما ينكشف الأمر لجدها فيرفضها هو، ظلت المخاوف تعصف بها حتى تضرعت لربها أن يمن عليها بسكينةٍ تُغدق روحها.
في الخارج حيث الشُرفة شبه الأثرية الواسعة كان يتحدث مع أخيه الذي سأله بلهفةٍ وقلقٍ:
_طب إيه اللي حصل طيب علشان ماتجوش النهاردة؟ بأمانة أنتوا بخير؟.
_بخير يا آدم والله بس لاقيت عُـلا حابة هنا ومبسوطة قولت يوم كمان مش هيضر بحاجة، ولو على الشغل عم "عرفه" موجود ومش هيقصر في حاجة في شغلي، بكرة الصبح حضر فطارك هتلاقينا عندك، وأطلع الشقة بقى خلاص كفاية كدا، على الأقل لما أنزل تكون مع أختك أنتَ، وفكك من حوار إنك تروح شقة تانية دا.
هكذا رد على أخيه ثم ودعه حين أكد له الثاني أنه سيفعل ما قاله له، بينما "أدهـم" فولج الغرفة بعدما أحكم إغلاق الشرفة ثم اقترب من الفراش وتسطح عليه، كانت تشعر به بقربها وأحست به يقترب منها، سارت القشعريرة في جسدها وبدأ الوخز يضرب مقدمة معدتها، لكنه ضمها له كما اعتاد ومسد فوق ظهرها وهمس بخفوتٍ:
_نامي وماتزعليش نفسك، شوية كدا الدنيا تهدا وهجيبك هنا تاني تشوفيها، وفي أي وقت الدنيا تكون متظبطة شوية معايا هجيبك هنا حتى لو يوم تطمني عليها وتمشي تاني، متخافيش أنا جنبك.
تنهدت بقوةٍ وكم كانت ممتنة له لأنه بجوارها حقًا، لأنه معها ولم يتركها وحدها، ونامت أخيرًا بعد أن التفت وضمته ثم ودعت ليلتها العصيبة هذه لتختم اليوم بعناقهِ، رُبما يكون بغير قصدٍ أو عمدٍ لكنه حين أتى حضر إليها كما المطر حين ينزل على أرضٍ قاحلة أصابها وابل الجفاف فأسقاها وكان لروحها العطبة بلسمًا..
____________________________________
<"حين أدرت عيني لأفتش عنك وجدتك بصف عدوي">
يقولون أن النساء يقوين حين يتخلين..
لكن الرجال لا يدركون الضياع إلا بعد ظهور قوتهن هذه
كأنهما دومًا في تضادٍ دائم الوجود، حيث لا يحق أن يكون أحد الطرفين على توافقٍ مع الآخر، لكن يجب دومًا أن يكون ندًا له.
منذ ساعاتٍ هرب وجاء هُنا لمرسمهِ، حيث مكمن الشغف والفن المكبوت بداخلهِ، حيث الموهبة التي يهرب إليها من زخم الحياة وتكدس العوالم حوله، لكن الغريب أن شغفه لم يسعفه هذه المرة، حتى الخمور زهدها وزهد أن يقترب منها، كأنه أدرك أن لن تُشفيه، بل من المؤكد أنها سوف تُشقيه.
كان يرغب في أن يكون واعيًا ومُدركًا لكل شيءٍ حوله، لذا جاهد نفسه كي يرسم، جاهد نفسه كي تستجيب له موهبته فتنصُفه، لكن الغريب أن حتى هذه الموهبة كانت السبب الأكبر في شقاء روحه، وقتها ضرب كل شيءٍ ورمىٰ أدوات وكسر الحامل الخشبي، كُلما تذكر الحبيبة عاد الألم يضربه مرة أخرىٰ في قلبه، وكُلما تذكر حبيبها أحس بالنيران تشتعل فيه..
جلس مستندًا على جدارٍ يثني إحدىٰ رُكبتيهِ بشكلٍ قائمٍ ورمى ذراعهِ بخيبة أملٍ، كان يُطالع الفراغ بعينيه الدافئتين، بُنيتان اللون ممزوجة بلونٍ أشبه بلون العسل الصافي، خصلاته التي قام بتقصيرها كانت ذهبية تميل إلى البُني وكانت في السابق تصل لعنقه بكثافةٍ، رياضي الهيئة والقوام، لكنه حزين ومغدور..
فُتِح الباب فجأةً ووصله حفيف خطواتٍ تقترب منه حتى سقط الظل عليه وأتى الصوت بعتابٍ رقيق:
_كدا برضه يا مُراد؟ طب عبرني ورُد عليا.
رفع عينيه حيث وقوف شقيقه ثم تنهد محسورًا، فيما مال الآخر يجلس على عاقبيه أمامه وهو يقول برقة طبعٍ ولينٍ:
_لما أنتَ بتحبها كدا ليه خليتها تمشي من الأول؟.
أطبق جفونه فوق بعضها كأن سيرتها سبب ألمه، تمالك نفسه لهُنيهةٍ عابرة ثم نطق بصوتٍ هادرٍ خرج دون إرادةٍ منه:
_ماتجيبش سيرتها تاني خلاص، أنا مش عاوز حاجة بخصوصها تتفتح قدامي يا يُسري وسيبك مني.
انفعل الآخر وأراد أن يوقظه لحاله ونفسه فنطق منفعلًا:
_أسيبني منك إزاي يعني؟ هو أنا ليا مين يخصني غيرك علشان أسيبك؟ أنتَ ليه مصمم تخلينا نبعد عن بعض وخلاص؟ بص لنفسك وشوف وضعك وحالك إيه وشوف اللي أنتَ فيه، شوف هي بقت فين وأنتَ بقيت فين، هي حبتك آه بس حبت نفسها أكتر وخافت تخسر اللي وصلتله، صحيح هي خسرتك، بس هي كسبت نفسها.
كان يرغب في إثارة استفزازه فنطق "مُراد" بصوتٍ عالٍ أعلن به غضبه المكبوت داخل روحه:
_هي خِسرتني؟ هي خَسرتني نفسي ودي تفرق، هي جت في عز وجعي وضعفي وخسارتي تقطم فيا وتلومني على شغل ماقدرتش أعمله في الوقت اللي ماكنتش قادر أقف فيه من تاني، هي أصلًا ماحبتنيش، هي حبت اللي كانت هتوصله معايا، بدليل إنها راحت عادي اتخطبت وكملت حياتها ونسيت، حب إيه دا بقى؟.
_أنتَ أهو قولت إنها كملت حياتها ونسيت، مكانش مطلوب منها تقف تمد إيدها لواحد بيغرق وتلاقي نفسها بتغرق معاه، كان لازم تاخد خطوة تخرجها من الغرق دا يا مُراد، وهي خرجت بنفسها.
كان هذا رد شقيقه عليه لكنه ابتسم ساخرًا ورد عليه بما لم يدركه في السابق ويراه في وضح النهار:
_اللي بيحب حد بيقف جنبه مش بيقف يقطمه، بيشاورله على الحلو اللي فيه مش بيلومه إنه اتغير، اللي بيحب حد بيعمل زي ما "ولاء" عملت كدا ورفضت تمشي وتسيبك من خوفها عليك وفضلت معاك حتى وأنتَ بعيد عنها، مش بيمشي ويقوله أنتَ هتأخرني وترجعني لورا، اللي بيحب حد يا يُسري بيفضل وراه لحد ما يخرجه للنور.
كان حديثه يحمل جانبًا من الحقيقة، يواري الصدق بين كلماته لأنه حقًا يرى أن هذا هو الحُب ذاته، من يُحبك عليه أن يختار الخروج من العتمة رفقتك أنتَ، عليه أن يُدرك النور في العالم بدونك فيختار الظلام معك، من يُحبك سوف يرغب في نجاتك من الهلاكِ معه، لذا زفر "يُسري" أنفاسه وقال بتضامنٍ معه:
_لو هي فعلًا عملت كدا، يبقى خليك أنتَ لنفسك وكمل من غيرها، بلاش تقف مكانك كأنها هي اللي كانت بتحركك، طول عمرك ذكي وشاطر وموهوب كمان من غير أي حد، اثبت لنفسك قبل أي حد إنك لسه موجود وقادر تقف على رجلك، زي ما أنا رجعت بيتي وحياتي من تاني ورجعت لنفسي من تاني، أرجع علشان الراجل لما بيقع وقعته بتجيب الفقر، وأنتَ طول عمرك وش عز مش وش فقر.
ترقرق دمعٌ في عينيه وأحس بالحنين لأختهِ، اشتاق لها ولابنتها التي لم تقل عنها في المشاعر، وجلَّ ما استطاع أن يُفصح عنه كان قوله:
_مودة وحشتني أوي يا يُسري، وحشتني أوي.
ضمه شقيقه لعناقهِ بقوةٍ وأغلق عليه فتمسك به "مُراد" بقوةٍ ولأول مرةٍ يشعر بالشوق لهذا العناقِ، لأول مرةٍ منذ ما يُقارب الثلاث أعوامٍ يحتضن أخيه، تمسك به كما الطفل الصغير وظل مُتشبثًا به وذكرىٰ اللقاء الأخير بينه وبينها يتكرر في الطيف المار عليه، كأنها تُعانده بالظهور وهو الذي تجرأ وتخطاها، أو هكذا ظن نفسه أنه تخطاها، لكنها كانت مكمن الوجع كله وكأنها هي ألم العُمر بأكمله.
بعد مرور نصف ساعة ولجا الشقيقان البيت مع بعضهما وقد لمحتهما "ميراف" أمهما فاقتربت منهما تسألهما بلهفةٍ قلقة على فلذات كبدها:
_كنتوا فين كدا واتأخرتوا برة ليه؟ أنتوا كويسين؟.
كانت نظرات "مُراد" غائبة بعيدًا عنها وعيناه خاويتان من الحياة فتولى الأكبر الجواب عليها وحينها تنهدت هي والتقطت بعينيها حال صغيرها فسألته بعتابٍ:
_يعني هو أنا لازم أكون صُهيب علشان ترد عليا وتضحك معايا؟ ماوحشكش حضني خالص؟ كل السنين دي مش مخلياك محتاجني؟ هتحس إمتى طيب؟ لما أموت أنا كمان؟.
توسعت عيناه بهلعٍ وطالعها بخوفٍ كأن السيرة تُمثل له وحشٌ في غاية القسوةِ، اقترب منها الخطوات التي تفصل بينهما فوجدها هي تخطفه في عناقها وتبكي، بكت بحرقةٍ ألهبت قلبها ومشاعرها، بينما هو فكان ضائعًا، كأنه يعرف عن نفسه الاسم فقط لكن الهوية أمست مفقودة، كيف أن يكون الأمر قاسيًا لهذا الحد؟ كيف يغدو المرء غريبًا في نفسهِ؟.
ضمته أمه باكيةً وهي تتمنى أن يعود لها كما عاد الكبير، يكفيها فقد الابنة التي خلفت دمارًا برحيلها عنهم، والثاني يتبعها في طريق هلاك النفس، تتمنى لو يتخلى عن طريق جنونه ويستقر عندها هي في مرساها الآمن، تتمنى ألا يُبحر مرة أخرى نحو هلاك نفسه وأن يتمسك بالنجاةِ في عناقها.
____________________________________
<"وحدك فقط من تُحركين شغفي للإطلاع على فنونك">
أكتوبر 1998
عزيزتي الرئيفة بي وبِـ أيامي..
إن أكثر ما يملكه المرء عزًا ومُلكًا هو قلبه، لكن قلبي أنا لم يكن ملكًا ليِّ كي يكون عزيزًا عليَّ، صدقيني أنني لو أملكه ما كنت يومًا غربته عنكِ أنتِ..
يومٌ بأكملهِ مر عليها في بيت أبيه تنتظره فيه بكل شغفٍ، ارتدى هو بذلته العسكرية ورحل من البيت صُبحِ اليوم للعمل حتى يُنهي بعض أوراق تدريبه في وحدة التدريب الخاصة بالقوات الجوية، انتصف اليوم وهي تتجول في البيت خاصة بعد رحيل والده خلفه، هذا الرجل الذي تبغضه هي وترى فيه والدها بصورةٍ أخرىٰ، تكرهه لأنه يتسبب في وجع "طاهر" وهذا ما يُثير الشغب في نفسها كأنها ترغب في التمرد على الحكومات.
ولجت مطبخ البيت ووجدت أمه تقف فيه بجوار المُساعدة فحمحمت واقتربت منها مبتسمة الوجه حتى قالت أمه لها:
_تعالي يا رئيفة يا حبيبتي، محتاجة حاجة؟.
حركت رأسها نفيًا وقالت بصوتٍ ظهرت فيه البهجة:
_لأ خالص، أنا بس قولت أساعدك لو محتاجة أي حاجة، بتعملي حاجة أساعدك فيها؟.
ردت أمه بضحكةٍ خافتة:
_خلصت الغدا وقولت أعمل حاجة حلوة ليهم، بفكر أعمل رز بلبن علشان طاهر بيحبه و"وجدي" أبوه كمان، دي الحاجة الوحيدة اللي الاتنين اتفقوا عليها، غيرك طبعًا يا حلوة أنتِ.
ابتسمت بخجلٍ لها وسرعان ما طرأت الفكرة في ذهنها فنطقت بلهفةٍ:
_ينفع أعمله أنا؟ أنا بعمله من بدري وأخواتي كانوا بيحبوه من أيدي دايمًا، وبالمرة ترتاحي شوية، لو مش هيضايقك طبعًا.
ابتسمت المرأة بحنوٍ وربتت فوق كفها وهي تقول:
_لأ خالص يا قلبي دا بيتك، أنا هاروح أكلم أختي أتطمن عليها وأنتِ براحتك عندك الرز في دولاب الخزين هنا وعندك اللبن وكل حاجة ومعاكِ "زاهية" أهيه تساعدك، هاجيلك تاني.
تركتها في المطبخ رفقة المساعدة فتحركت "رئيفة" تُلملم خصلاتها ثم رفعت أكمام الكنزة الحريرية التي كانت ترتديها وبدأت تقوم بصنع الحُلوان له، اندمجت فيما تفعل لأجله حين عرفت أن هذا هو حلوانه المُفضل، كانت تبتسم لأنها تنتظره وتنتظر تكملة القصة بكل شغفها.
أنهته في وقتٍ قليلٍ ثم اطفأت الموقد وتركت الطنجرة وتحركت تجذب الأطباق الزجاجية الصغيرة وقامت بسكب الحُلوان فيها وتركته فوق القطعة الرخامية الكبيرة وقامت بتزيينه بـ "جوز الهند المبشور" وهي تبتسم بحنينٍ لأيام بيتهم والدفء الذي حاوطها هي وأخوتها قبل أن يفرق والدها بينهن.
بعد مرور ساعاتٍ عاد "طاهر" للبيتِ فراقبته هي مبتسمة المُحيا لكنه لم ينتبه لها، ولج على الحديقة مباشرةً ولحظة ذاك اُفتتنت به وبمظهره بهذه البذلة الخاصة بعملهِ، تراه مفتول العضلاتِ، قوي البنية، تراه وسيمًا بهذه الخصلات التي استطالت عن فترة تدريبه، كانت تقف على الدرجات الصغيرة للحديقة وراقبته وهو يصعد لغرفتهِ ثم انسحبت وولجت من جديد المطبخ تقوم بتحضير الطعام.
بعد مرور نصف ساعة بالتقريب اجتمعوا حول الطاولة ونزل "طاهر" من غُرفته وجلس على المقعد المجاور لِـ "رئيفة" التي ابتسمت له وبادلها البسمة بأخرىٰ تماثلها، وسُرعان ما انقضىٰ العشاء سريعًا تحت نظرات والده الذي كان يراقب التناغم بينهما وكلٌ منهم بعدها ذهب لوجهته، وصعدت "رئيفة" لغرفتها تنتظره بالأعلى، وقد صعد خلفها هو يحمل في يده صحنين من الحُلوان وولج الغرفةِ.
كانت هي من الأساس تنتظره وبمجرد دخوله انتفضت من موضعها فرفع كفيه وقال بهدوءٍ:
_ماما اديتني دول علشاننا، تعالي كلي رز بلبن.
_أنتَ بجد بتحبه؟.
سألته باهتمامٍ فأومأ لها موافقًا ثم جلس فوق الأريكة وجلست بجوارهِ فمد يده لها يدعوها لتناولهِ وقد أخذت الطبق وراقبت ملامحه وهو يتذوقه، كانت شغوفة برد فعله كما يشغله الشغف تجاه مكتبته، وقد تناول ملعقته الأولى واستشعر جودة المذاق المميز، همهم متلذذًا ونطق مبديًا إعجابه:
_تحفة، مظبوط بالمللي المرة دي معمول بمزاج.
ابتسمت بسعادةٍ على رد فعله وسألته بلهفةٍ أتت من رحم حماسها:
_بجد !! عجبك؟.
نظر في وجهها وابتسم بصدقٍ وهو يقول الحقيقة:
_أوي فوق ما تتخيلي، بجد طعمه جميل أوي.
_عارف مين عمله طيب؟.
سألته برقةٍ بها لمحة مشاكسةٍ حتى انتبه هو لتوهِ وأدرك فأتى حديثه بحماسٍ:
_أنتِ يا رئيفة؟ أنتِ اللي عاملاه؟.
أومأت موافقةً فتنهد هو وارتسمت البسمة فوق وجهه شيئًا فشيئًا ونظر في وجهها يتحدث بانشداهٍ كأنه يكتشفها رويدًا رويدًا:
_أنتِ مميزة أوي يا رئيفة، كل حاجة في شخصيتك مميزة، جميلة وقوية وذكية وشاطرة وبتحبي الحياة وبتحبي تعيشي مهما كان الوضع والحياة حواليكِ، وعلى فكرة أنتِ نفسك جميل أوي وأكلك طعمه حلو، شكرًا إنك عملتيه وتعبتي نفسك.
ابتسمت بخجلٍ طرأ عليها حين مدحها بهذه الصراحة وقد كست الحُمرة وجهها فشخصت بعينيها بعيدًا عنه بينما هو أكمل تناول الصحن الخاص به ثم انتبه للثاني الذي لم تتناوله هي فسألها بمرحٍ وهو يضحك:
_هتاكليه ولا أكله أنا علشان بجد عجبني.
_لأ اتفضله ألف هنا وشفا على قلبك.
ناولته الطبق فتناول منه ملعقة ثم مد يده لها بالثانية وحينها توسعت بسمتها وتناولتها من يده بسعادةٍ تشبه الفراشة حين ينطلق جناحاها في الربيعِ، هو حنونٌ وهذا أكثر ما تفتقده في أيامها، رحيمٌ بقدر ما عانت القسوة مع والدها، لذا كل فعلٍ يصدر عنه لو لم يكن مقصودًا لكنه يُحيي شيئًا مات فيها هي.
تحرك تجاه التلفاز الصغير الموضوع بغرفتهِ، قام بتشغيله على القناة المخصصة لنشرة الأخبار، وقد تابعته بعينيها فسألته بلهفةٍ:
_هينفع تكملي القصة ولا النشرة مهمة؟ خايفة تنام تاني.
ترك جهاز التحكم من يده وانتبه لها يسألها ببسمةٍ مستنكرة:
_لسه مستنياها؟ أنا قولت نسيتيها من إمبارح.
حركت رأسها نفيًا فتنهد هو ثم أغلق التلفاز وتحرك صوبها يمسك الكتاب وهو يقول بهدوءٍ كعادته:
_حاضر هكملهالك.
وجاء الرد منها باستنكارٍ لأنه يترك ما يُحب:
_طب والنشرة؟ معقول مش هتشوفها؟.
وبنفس البسمة جاوبها بصدقٍ جعلها تتمنى مرافقته طوال العمر:
_مش مهمة زيك، أنتِ أهم منها.
من جديد الخجل يطرق قلبها فتنفجر الدماء في وجهها منه، بينما هو جلس على طرف الأريكة وأشار لها فاقتربت منه وجلست تتابعه بشغفٍ وهو يسألها بخبثٍ مرحٍ كأنه ترك زمام الأمور تنفلت:
_فاكرة بقى وقفنا فين ولا مش مركزة فيها؟.
انتبهت لصوتهِ وتجاهلت تلميحه عن قصدٍ وقالت بتوترٍ لجلج صوتها:
_لأ فاكرة طبعًا، آخر حاجة كانت سايكي وصلت الجبل بعدما العرافة قالت تطلع هناك تلبس هدوم سودا وتستنى جوزها وفجأة جت رياح قوية خدتها من مكانها وسافرت بيها للسماء عند بوابات قلعة مهيبة، وصلت ولقت صوت جميل بيرحب بيها كأنها في بيتها وقال:
_"سايكي أنا زوجك، أنتِ أجمل فتاة في هذا العالم، أنتِ الجمال ذاته، حتى أن إلهة الجمال تغار منك".
جاوبته بلهفةٍ كأنها طالبة مثالية تحفظ درسًا لمعلمها المفضل عن ظهر قلبٍ، وقد توسعت بسمته وحرك رأسه موافقًا ثم عاد للخلف وعرض عليها بقوله:
_ممكن تقعدي براحتك وتفردي جسمك بدل قعدة الذنب دي.
توترت وهو يشير على جلستها عند طرف الأريكة لكنه مد ذراعه وأمسكها ثم قربها منه ووضع رأسها فوق ساقيه وجعلها تتمدد بجسدها فوق الأريكة، رفعت عينيها بخجلٍ حيث وجهه فيما بدأ السرد هو بقوله:
_وقتها هي ماكانتش شايفة مين بيكلمها وهو قالها أنه دايمًا هيزورها بليل وحذرها من محاولة رؤيته ولازم هي تثق فيه، كانت القلعة ملهاش مثيل ولا نظير، كانت شبه الحلم بالنسبة ليها، وكانت سايكي هناك طول الوقت بيرعاها خدم محدش شايفهم ولما الليل بييجي والضلمة تحل وتغلف كل حاجة كان أيروس بييجي علشان هي ماتشوفهوش ويقعد معاها في الضلمة ويتكلموا مع بعض ويحصل بينهم تقارب زي أي زوجين، ووقتها هي كانت بتحس بحبه وحنانه، مكانتش بتحس إن اللي معاها دا وَحش أبدًا..
ابتسمت لأن هي الأخرى لم تجد وحشًا في "طاهر" كما ظنت، بل وجدت رجلًا في غاية اللُطف والحنو، عادت له بتركيزها حين أكمل هو متابعًا السرد:
_الأيام مرت عليهم وهي حاسة أنها مبسوطة معاه لدرجة أنها مالقتش أيام في حياتها كانت هي مبسوطة فيها زي الأيام اللي قضيتها مع إيروس، لكن رغم كدا هي كانت قلقانة لأنها ماشفتهوش خالص، وغير كدا هي طول النهار لوحدها وبدأت تضايق من وحدتها والضجر يملا قلبها، وبدأت تفتقد عيلتها، وقالت إنهم أكيد عاملين عليها حداد وهي هنا سعيدة ودا كان ظلم في وجهة نظرها، وإنه مش عدل تكون هي سعيدة وهما عايشين في حزن علشانها، فطلبت من إيروس أنها تشوفهم وهو وافق علشانها وسمح ليها، بس حذرها من إنها تتأثر بكلام أخواتها وإلا علاقتهم هتنهار وهي هتعاني كتير، وهي وافقت وفي اليوم التاني أخواتها وصلوا الرياح شايلاهم لحد القصر وساعتها شافوا أختهم وحسوا بالغيرة منها ولعبوا في دماغها وفضلوا يقولوا ليها إن جوزها دا الأفعى المجنحة اللي العرافة قالت عليها وإلا ليه هي لحد دلوقتي مشافتهوش؟.
كانت هي تنصت له بحماسٍ وشغفٍ وتتمنى وصوله لنهاية القصة حتى قال هو متابعًا بإثارةٍ أكبر لشغفها:
_ساعتها هي فضلت تفكر في الكلام دا، ومباقيتش بتفكر في حاجة غير كلام أخواتها وأكيد هما على حق وإلا ليه هو مش بييجي بالنهار وتشوفه؟ أكيد مخبي عليها حاجة فظيعة هي مش هتتحملها، وليه هو مش عاوزها تشوفه؟ وإيه سره اللي مخبيه عليها؟ وبالذات أنه مش معرفها حاجة عن حياته، وفي الآخر قررت تحط خطة، لأنه أكيد مخبي عليها حاجة كبيرة، وأكيد مش عاوزها تشوفه علشان كدا، وقررت إن لما إيروس ينام جنبها تحط شمعة وتنورها في الضلمة علشان تعرف هو مين، وتعرف هو وحش فعلًا ولا بشر عادي، وارتاحت فعلًا للفكرة دي، ونورت الشمعة، وظهر ليها أجمل راجل في الدنيا، وساعتها قعدت على ركبها تشكر الآلهة على السعادة دي.
رفعت رأسها بلهفةٍ حماسية وبسعادةٍ غير مفسرة تسأله:
_دا بجد؟ طب وخلاص كدا القصة خلصت؟.
_لأ طبعًا القصة ليها تكملة، وهكملهالك، أرجعي تاني.
عادت لسيرتها الأولى حيث ساقيه ووضعت رأسها فبدأ هو يُمسد فوق خصلاتها ويُدلكها ببنان أنامله فاستكانت هي إثر لمساته وعاد يُكمل بشغفٍ:
_وقتها نقطة من زيت الشمعة لمست ضهر إيروس وهو صحي كن النوم بسبب الألم وشاف ضوء الشمعة ووقتها بص في عينها بألم وحس بالجرح منها، وقرر إنه يمشي، من غير كلام ولا عتاب بينهم حتى قالها جملة واحد بس "الحُب لا يمكن أن يعيش بدون الثقة" ودي كانت الجملة الأخيرة اللي قالها قبل ما يسيب الغرفة كلها ويختفي بعدما طار للسما فوق، ووقتها هي عرفت إنه إله الحب دا كان جوزها، وهي موثقتش فيه، فضلت تعيط وتعيط لأيام كتيرة أوي، لكنها قررت إنها هتعمل أي حاجة تاني وترجعه وتثبتله حبها وثقتها.
هذه الجزئية كانت تتلاعب بعقلها كأنها تتوافق ضمنيًا مع قصتهما سويًا، هي حقًا تثق فيه وفي وعده لها بشأن تعليمها، تثق إنه ما إن يستقر في حياته سوف يساعدها كي تستقر هي الأخرىٰ، بينما هو تابع الحديث يسرد التكملة:
_راحت سايكي لمعبد أفروديت وبدأت تصلي للآلهة وطلبت من أفروديت تتكلم مع ابنها وتتواصل معاه وتقنعه يرجع من تاني ويرجعها لحياته، وساعتها أفروديت سمعتها وسمعت صلاتها ورغم كدا ماقدرتش تتغلب على غيرتها من سايكي، وكانت لسه عاوزة تنتقم منها، وقالت ليها إنها محتاجة تتأكد إن هي الزوجة المناسبة لابنها إله الحب، وعلشان كدا سايكي لازم تنجز ٣ مهمات مختلفة علشان تثبت جدارتها بابنها وإلا هتخسره للأبد، ولازم تثبت أنها تستاهل الإله إيروس، ولو فشلت حتى في مهمة واحدة هيضيع منها علطول، فوافقت سايكي وساعتها
وقادتها أفروديت إلي تل مرتفع من كثبان لبذور صغيرة مختلفة من القمح والخشخاش وغيرها كتير من الحبوب وقالت أفروديت ليها إنها عاوزاها تفصل البذور عن بعضها بعد ضهر اليوم دا، ولو ماعملتش كدا مش هتخليها تشوف إيروس تاني، وهي في حيرة من أمرها مرت مجموعة من النمل وشافوها في حالة من اليأس، قالوا لبعضهم "اشعروا بالرحمة لهذه الفتاة المسكينة ودعونا نساعدها" استجابوا كلهم للنساء وعملوا بجد وفصلوا البذور ودي الحاجة الوحيدة اللي كانوا خُبرا فيها علشان قادرين على الوصول لحبة سكر وسط كثبان رمل الصحرا، فشكلوا مجموعة كثبان أصغر ولكل واحدة منها نوع من البذور، شافت أفروديت الكثبان واضايقت وبقت غضبانة لأنها نجحت في المهمة الأولى.
_يا خبر !! دي الحماوات صعبة في كل زمان مش في وقتنا دا بس، أفروديت كانت حما صعبة أوي، كمل يابني كمل.
قاطعته بهذه السُخرية فابتسم هو مُرغمًا ثم أكمل السرد بقولهِ:
_تاني يوم الصبح جت أخبار افروديت باختبار جديد ومهمة أخطر، فشاورت بصباعها للأفق وقالت "هل تري تلك المياه السوداء التي تنحدر من التل؟ هذا نهر إستيج الفظيع والمقيت قالت الإلهة املئي هذه الزجاجة بماءه عند وصولك إلى الشلال" راحت سايكي للشلال وأدركت أن الصخور المحيطة بالشلال كانت بتزحلق ومنحدرة واندفاع المياه من الصخور دي كان رهيب وقاتل كمان، لا يمكن إلا لمخلوق بجناحين إنه يقرب منها، وبالفعل ظهر من العدم نسر كان بيطير بجناحينه الضخمين فوق النهر ولما شاف سايكي تعاطف معاها، أخد منها الإزازة بمنقاره وملاها بشوية من المياه السودا ورجعها ليها، فرجعت من تاني لأفروديت وأديتها الزجاجة، وقالت إفروديت بحدة وغضب إن شخصٍ ما بيساعدك وماعرفش هو مين هو علشان ماعندهاش دليل، وعلشان كدا هي نجحت في الاختبار.
اندفعت هي تقول بلهفةٍ حماسية وكأنها هي التي تنتصر:
_طب حلو دا فاضل مهمة واحدة وتكسب؟ هتكسبه؟ كمل يا طاهر علشان خاطري وقولي نهايتها إيه اتحمست أوي.
ربت فوق رأسها وأكمل القصة بحماسٍ أكبر:
_قالت لها أفروديت هديكِ فرصة كمان لإثبات أنك جديرة بالإله كما تدعي، أديتها صندوق وكان عليها تأخده إلى العالم السفلي عند إله عالم الموتى "هاديس" وتطلب منه أنها تستنزف القليل من جمالها ويحطه في الصندوق وتسيب الصندوق عنده وتجيب منه قارورة وأمرتها أفروديت أنها ماتفتحش القارورة مُطلقًا، وكانت أفروديت تعرف أن فضول المرآة هيخليها تفتح القارورة ووقتها هتُهلك، أخدت سايكي الطريق المؤدي إلى"هاديس - Hades" إله مملكة الموت، وعند بوابات العالم السفلي خدت القارب إلى العالم الآخر عند المكان اللي اعتادوا الموتى مغادرة الأرض عنده، أديت فلوس كتيرة من المال لـ "شارونتي" الملاح والمرشد للعالم الآخر لمساعدتها في العثور على طريق في الضلمة لقصر إله العالم السفلي، و في الواقع ساعدها الملاح وبعد فترة كانت قدامه وعندها طلبت منه أن يَسكب من جمالها في الصندوق، وعمل كدا ببساطة صحت استغرابها وقال لها إنه بيكره أفروديت وعلشان كدا هيساعدها وأداها القارورة، وساعتها أخدت سايكي القارورة ورجعت مبتهجة بس وهي في الطريق وقعت سايكي ضحية لفضولها وفتحت القارورة، والفضول الأنثوي كان طاغي زي ما خططت أفروديت، وشمت رذاذ عطر خرج منها ووقعت في نوم عميق أقرب للموت وهو نوم أبدي مابيتقعطش أبدًا.
شهقت "رئيفة" وانتفضت تواجهه بعينيها الحزينتين وسألته بلهفةٍ تعاتبه:
_هي دي القصة اللي نهايتها سعيدة؟ بعد كل دا تنام ماتصحاش تاني؟ كل دا علشان حماتها بتغير منها؟ سايكي في القصة دي مظلومة وضحية جمالها وماختارتش إن كل دول يتوهموا بيها، قولي إن دي مش النهاية.
كان سعيدًا بهذا التفاعل منها فتنهد وسألها بأسفٍ:
_لو قولتلك دي النهاية هتعملي إيه؟.
_هتضايق طبعًا لأني متوقعتش كدا أبدًا، بعدين دا ظلم وهو مش موجود، هو فين؟ إزاي بيحبها وسايبها كدا؟ هي كانت عاوزة تعرف مين الراجل اللي كل يوم بتكون معاه، المفروض يكون جنبها لأنه المفروض حبها، واللي بيحب حد مش بيسيبه يعاني لوحده.
أحس بضيقها وكأن الضجر ملأ قلبها هي فتابع القصة حتى لا يثير حزنها مرة أخرى كما يظهر في عينيها:
_في وقت اللحظة الحاسمة دي كانوا آلهة الأوليمب بيراقبوا كل الأحداث دي طول الوقت وبيساعدوا "سايكي" عن طريق النمل مرة والنسر مرة تانية، وقرروا في الوقت دا التدخل بشكل مباشر وإتخاذ إجراء حاسم، فبعت زيوس كبير الآلهة رسوله ليروي لإيروس كل المصائب اللي كانت بتمر بها سايكي علشانه فعرف كل حاجة ومشي لغرفته وأنطلق من تاني لـ سايكي في العالم السفلي، فصحاها آيروس بعناق وقبلة محبة شالت اللعنة ومنها جيه مصطلح "قبلة الحياة" وكل واحد منهم شاف التاني لأول مرة في الضوء الساطع، وكانت لحظة جميلة اتلكموا فيها سوا واتصالحوا مع بعض ورجع الحب بينهم ورجع بيها لقصره في السما، ومن اليوم دا عاش الزوجين مع بعض في سعادة أبدية، وكهدية زفاف سمح زيوس كبير الألهة الأغريق لسايكي تدوق مشروب الآلهة أمبروسيا اللي يخليها خالدة لا تهرم أبدًا وبقت إلهة الروح علشان تعيش بينهم في عالمهم، حتى إلهة الجمال أفروديت كانت مبسوطة أنه بعد كل دا عاشت سايكي في السما مع إيروس، والرجال على الأرض نسيوا كل شيء عن سايكي ورجعوا مرة تانية لإلهة الجمال الحقيقية.."أفروديت".
أنهى القصة بنقطة الختام أخيرًا، كان يراقب انفعالات وجهها المترقبة حتى سألته هي بلهفةٍ:
_كدا خلاص؟ دي النهاية ومفيش أي مهمات تانية؟.
أومأ لها مبتسمًا فوجدها تبتسم هي الأخرى وتتنهد بارتياحٍ وشعرت بالانتصار يغمر روحها ويصل لعُمقه بداخلها، ولذلك اقتربت من "طاهر" وهي تطبع لثمة فوق وجنته أذهلته بها ثم هتفت بحماسٍ أكبر:
_دي أحلى قصة سمعتها منك، حلوة أوي، بس أنا ليا طلب منك ممكن؟.
أومأ موافقًا يراقب وجهها الذي ينطق بألف شعورٍ جميعهم يناقضون بعضهم كأنها لوحة مكتظة بالألوانِ التي تعطي للحياةِ معنى:
_عاوزة أشوف فريال أختي علشان بجد وحشتني هي وأدهم ابنها، ينفع؟.
ضيق جفونه وسألها بمزاحٍ ومرحٍ يُضفيه على الأجواء:
_يعني القصة دي كلها مأثرتش معاكِ بحاجة؟ طب عندك علم لو وجدي بيه عرف ممكن يحصل إيه؟ بس حاضر مش هزعلك، بكرة بعد ما أرجع هنروح نشوف أختك، أو ممكن نتفق ونتقابل برة، أديني بس رقم التليفون بتاع البيت عندهم، علشان أكلم توفيق جوزها وأعرفه.
طالعته هي بحبٍ لم تستطع أن تخفيه من عينيها له، ولمح هو نظراتها فابتسم هو الآخر ثم استقام واقفًا ومال يحملها حتى تعلقت في عنقه بكفيها ووضعها فوق الفراش ثم مال على وجهها وطبع اللثمة الحنونة فوق جبينها وهمس لها برفقٍ:
_أي حاجة تحسي إنك محتاجاها عرفيني وأنا عيني ليكِ.
انتهت الليلة وهي في عناقه تنام بحماسٍ وأملٍ في الغدِ، نامت وهي تتمنى لهذا الرجل النبيل أن يكون حُرًا حتى من قيدها هي، أن يكون متحررًا من كل أسرٍ يمنعه من التحليق كي يُحقق مبتغاه، أن يكون طيرًا وهي ترافقه في سماء الحُرية.
____________________________________
<"لو كنت ترعى الورد بالحقِ، كان الرحيق انتشر في حقلك">
يقولون أن الورد لا يزهر إلا لمن يُراعيه حق الرعاية..
من يحميه بداخل الحقل ويسقيه في مسكنه ذاك هو الذي يستحقه، أما من يقطفه ويكون أنانيًا معه فهذا لا يحب الورد، هو فقط يُحب تملكه منها.
فجرًا حين انشقع الضوء تزامن معه الألم، حيث تشنجات ضربت بطنها وشعرت بالقيء يحرق معدتها، انتفضت من فوق الفراشِ ركضًا حيث المرحاض وبدأت تتقيأ بصوتٍ عالٍ، ركضها وصل للطابق الأسفل فانتفضت "خيرية" إثر الركضات وهي تركض تهرول بخوفٍ ثم ركضت للأعلى تضرب الباب ثم تذكرت أمر المفتاح الخاص بها فنزلت تحضره وعادت مرة اخرىٰ، فتحت الباب وولجت للمرحاض ولمحتها تميل عند الحوض.
هرولت لها تساندها ثم غسلت لها وجهها ورفعتها تلتقط أنفاسها وقالت بلهفةٍ قلقة:
_يا ستار يا رب مالك بس؟ أنتِ كلتي حاجة تتعبك؟.
حركت رأسها نفيًا بوجهٍ ذابل كما وردة لم تُسقَ ولم تأخذ حق الرعاية فأجلستها "خيرية" عند أول مقعدٍ يقابلها ثم مسحت لها وجهها وسألتها بلهفةٍ أعربت عن القلق:
_خدتي طيب علاجك النهاردة؟ وشك أصفر كدا ليه؟ فين الفوار اللي بتاخديه طيب لما بطنك توجعك؟ خليني أحطلك قرص في كوباية.
أشارت لها على موضعه فتحركت الأخرى وجلبته لها ثم أعطتها العقار الطبي الخاص بها بينما "ورد" فأحسن بالتعبِ يزداد عليها، خاصة وهي وحدها وقد حمدت ربها لأنها تركت الباب حتى تستطع حماتها الدخول تحسبًا لأي ضررٍ قد يقع عليها، ولذلك شعرت بالغضب من "منتصر" الذي أصر على مجيئها وحدها لهنا..
تمالكت نفسها حتى استعادت ثباتها وبعضًا من قوتها، بعد مرور الوقت استفاقت وهمست لحماتها بخفوتٍ:
_أنزلي يا طنط خلاص أنا بقيت كويسة، أنزلي علشان عمو لو صحي واحتاجك أنا كويسة وهقعد استنى الفجر هو قرب خلاص.
_أنتِ بجد بقيتي كويسة؟.
سألتها بترقبٍ فجاوبتها بتأكيدٍ وحينها تحركت "خيرية" للأسفل حيث شقتها بعد أن أحكمت إغلاق الباب على زوجة ابنها، فيما تحركت "ورد" تتسطح الأريكة وتتمدد عليها وهي تشعر بالألمِ يذهب ويعود من جديد، تتمنى لهذا الجنين أن يكون نصيبه أفضل من الحياة التي هي عليها الآن، ظلت ساهرةً حتى بدأ الأذان ينتشر ويوقظ النائمين ويرحم المُعذبين، تحركت وتوضأت ثم خرجت تقضي فرضها.
جلست على سجادة الصلاة تدعو ربها أن يحميها ويحمي جنينها وأن تمر هذه الأشهر العصيبة عليها بهدوءٍ حتى تضع مولودها في مهدهِ، بعدها بدأت تقوم بترتيب شقتها لأن النوم هاجرها، غادر مسكنه من جفونها وتركها وحدها في سُهادها، وقد صدح صوت هاتفها برقم زوجها فتحركت تجاوب على الاتصال.
لاحظ طريقتها الجافة وجمودها فسألها مترقبًا جوابها:
_مالك يا "ورد" أنتِ تعبانة؟ صوتك ماله؟.
_تعبانة شوية ومش قادرة، من شوية فضلت أرجع ومامتك طلعت على صوتي وساعدتني، أنتَ رايح الشغل دلوقتي؟.
كانت تجاوب بصلدةٍ على عكس المعتاد منها دومًا، وقد جاوب هو لكنه لم يكن مُرتاحًا للطريقة التي تتحدث بها، فسألها مُصرًا على أن تجاوبه:
_أنتِ مالك في إيه مزعلك؟ حصل حاجة ضايقتك طيب؟.
تنهدت بقوةٍ ثم نطقت أخيرًا تعبر عن سخطها:
_منتصر أنتَ صممت إني أرجع الشقة هنا تاني علشان محدش يجيب سيرتك ويقول راميها لأمها وأبوها يصرفوا عليها، وأنا قدرتك وجيت بس أنا تعبانة يا منتصر، الحمل أوله صعب وأنتَ عارف حاجة زي دي، ليه أنا دايمًا بقدرك واسمع كلامك وأشيل هم زعلك وأنتَ حتى راحتي مش بتفكر فيها؟.
_حصل إيه يا ورد لكل دا؟ ما كنا كويسين مع بعض ومفيش أي حاجة حصلت، بعدين ما أنا قولتلك خليكِ في شقتك أحسن ومامتك تيجي تقعد معاكِ، أنا مش فاهم الدنيا قلبت مرة واحدة كدا ليه؟.
حين رد عليها ازداد غضبها منه فقالت بانفعالٍ مكبوتٍ:
_علشان الوضع صعب، أنتَ بعيد مش حاسس بحاجة وفاكر إن الدنيا سهلة زي ما أنتَ حاسبها، تقدر تقولي هستحمل ٨ شهور كمان إزاي في الوضع دا؟ تقدر تقولي السنتين بتوعك هيخلصوا إزاي وتيجي تشوف ابنك؟ أنتَ مستوعب إن فيه عيل هيتولد ويبدأ يكبر وهو مش بيشوف أبوه؟ فكرت فيها دي؟.
كانت الأفكار التي تؤرقها هي التي تسيطر على كلماتها، حتى أن لسانها خانها وأفصح عن مكنون الأفكار المزدحمة فيها، وقد كان هو استمع لحديثها فقال بجمودٍ حيث الفكرة التي سيطرت عليه:
_أنا نفسي أفهم ليه بيعصوكِ عليا لما أمشي ويسخنوكِ علشان تقلبي عليا بالشكل دا، يعني أكون هنا متغرب وطلعان عين اللي جابوني وبدل ما ياخدوا صفي بيقلبوكِ ضدي؟ وأنتِ بتسمعي ليهم.
وجاء الرد منها بانفعالٍ تزعق به وتخرج ما تكتمه عنه في سريرتها:
_بطل كل ما أتكلم معاك تقلل مني وتحسسني إني ماليش رأي ولا كلمة، أنا بكلمك عني أنا وعن اللي حاسة بيه، الأول كنت بطولي وكنت مش فارقة معايا حاجة، لكن دلوقتي هيبقى فيه طفل مسؤولة عنه وهو هيكون ملزوم مني، أي حاجة تخصه أنا هتحاسب عليها، فرحت بالحمل خلاص وإنك عملت اللي نفسك فيه، طب وأنا فكرت فيا؟ فكرت إني بحتاجلك وفي وقت زي دا المفروض تكون جنبي هنا وأنتَ اللي تساعدني مش حد تاني، الرعاية مش فلوس وخلاص يا منتصر.
_ورد أنتِ شكلك مجهدة وتعبانة وأنا والله العظيم ما فايق وصالب طولي بالعافية، روحي نامي وارتاحي شوية وأنا هتطمن عليكِ، إن شاء الله نلاقي حل والدنيا تهدا شوية.
أدركت أنه يتهرب كما المعتاد وأنه يلجأ للمُسكنات دون الأخذ بعين اعتبار الحلول الجذرية، لذلك أنهت المكالمة هي الأخرى ثم عادت وتمددت فوق الأريكة وهي تتمنى أن يُنصفها هذه المرة ويختار ما ترغبه هي ويضع راحتها في المقام الأول عنده.
-ورغم أنها لأول مرةٍ تصر على رأيٍ معه
لكن هذه المرة هي تُحارب لأجل روحٍ قادمة
ولا يحق للأمهات في هذا المجتمع الاستسلام قط.
____________________________________
<"إذا كنت تحمل سكينًا وأنا أحمل زهرةً،
فالحق مع من يملك سلاحًا">
كي نتحدث بالمنطق علينا أن نرى الوضع من النقطة ذاتها..
لكن أنتَ تقف عند النهاية وتظنها بداية الأمر بينما أنا أنظر جهة البداية وأراقب ما بعدها، وقتها المنطق في صالحنا سويًا لأن الذي يرى الوضع من نقطته هو من يلمح ما بعد ذلك..
كانت في مكتبها أنهت عدة مقابلات خاصةً بعد ربح قضية الأمسِ، كانت تشعر بالانتصار كونها نصفت امرأة ضعيفة تم بتر أجنحتها قصرًا وعمدًا، وقد أتت الزوجة التي تحررت أخيرًا بعد الحكم على زوجها ومعها هدية في يدها، وقفت "رحمة" ترحب بها بوجهٍ مبتسمٍ فيما قالت الأخرى:
_أنا جيت أشكرك بشكل شخصي بعيدًا عن علاقة المحامية والعميل والجو الرسمي دا وأشكرك من كل قلبي إنك قبلتي القضية وماخوفتيش منه أو من المحامي بتاعه، أنتِ رديتي ليا الروح من تاني ومن النهاردة أنا أخيرًا هقدر آخد نفسي، إن شاء الله هفتح مشروعي قريب، وهستنى إنك تيجي، محل حلويات ومخبوزات في مول قريب من هنا، دعواتك بقى.
ابتسمت لها "رحمة" بفخرٍ ورأت إنجازًا حقيقيًا تلمسه بيديها وتراه بعينيها، ترى نفسها في صورة كل أنثى مُحررة من قيد الأسر والغدر والخيانة، ترى نفسها حقًا في كل أنثى تحصل على أجنحةٍ وتُحلق بها بعيدًا عن دُنيا الخيانة وطمع الذكور فيها، لذا أضافت ببسمةٍ بشوشة:
_شكرًا ليكِ أنتِ يا نسمة إنك كنتِ قد المحنة دي وكملتي الطريق للآخر، أنا فخورة بيكِ جدًا إنك فضلتي تحاولي لحد ما بقيتي حُرة نفسك، وبكرة تحققي حلمك وتوصلي للي نفسك فيه، وطبعًا أنا معاكِ في أي حاجة، أي ورق أو حاجات قانونية أو ضرايب كل دا عيوني ليكِ فيه، وأتمنى نتقابل تاني وأنتِ محققة كل أهدافك.
ضمتها بعد حديثها وربتت فوق ظهرها وقد نطقت الفتاة المسكينة بلهفةٍ تقترح عليها:
_اسمحيلي أبقى أتواصل معاكِ وأسأل عليكِ علشان أنا حاسة إنك أختي بجد وعلشان بصراحة علاقتي اتقطعت بكل الناس بعد جوازي من الزفت دا، طبعًا لو دا مش هيضايقك.
_أكيد طبعًا وشرف ليا كمان، أنا هستنى دا جدًا منك.
ودعتها الفتاة ببسمةٍ بشوشة والكثير من كلمات المدح والإطراء والثناء عليها وعلى قوتها في التصدي للظالمين، لكن لم يدرك أحدٌ أنها كل يومٍ تنام رهينة الخوف والقلق والوحدة والاضطراب وهجران النوم من جفونها بسبب خطأٍ لم تقترفه هي لكنها تدفع ثمنه كل يومٍ..
جلست بشرودٍ حتى ظهر هو من العدمِ، رائحة عطره وصلتها فكانت هي الأغرب والأكثر جُرأةً من وسط العطور النسائية التي تفوح في هذا المكتب، انتبهت له وهو يقف أمامها وقال بهدوءٍ:
_ها هنشوف بقى اللي ورانا ولا مش فاضيالنا؟.
زفرت بقوةٍ وأشارت له بالجلوس وهي تنطق بتهكمٍ:
_استغفر الله العظيم يا رب، ما الدنيا كانت حلوة لازمته إيه دخولك يعني؟ بعدين أنتَ اللي شكلك فاضي وفايق ورايق، الأستاذ ماوراهوش حاجة ولا إيه يعملها؟.
ابتسم يثير استفزازها ورد عليها يثير غيظها:
_لأ مش ورايا حاجة، طلقت وبقيت فاضيلك أنتِ وصابرين وجاي أعرف بقى هتعملي إيه علشان لو مش ناوياها يبقى سيبيلي حق أخويا آخده أنا منها بمعرفتي، ماظنش ناري فيه قانون هيطفيها.
تنهدت حين وجدت نبرته تتبدل وتأخذ طابع الثار والانتقام، ولأول مرةٍ تعلن تضامنها مع الرجال فتنهدت وقالت بهدوءٍ تحاول به إخماد ثورته:
_أنا عارفة إنك ممكن تكون موجوع أكتر من أخوك كمان، ويمكن عاوز تجيب حقه أكتر منه هو شخصيًا بس صدقني أنا مش عاوزة ضرر ليكم، أنا عاوزة الحل اللي يكون في صالحكم، سالم مايستاهلش يتبهدل تاني بسببها، وخلي بالك هي موقفها لسه في القانون قوي والحكم ماسقطش عنها، يعني هي لو فكرت تاخد خطوة جريئة وراحت المحكمة بمحامي صايع هتقدر تاخد العيال تاني، علشان كدا أنا عاوزة أتاكد فعلًا إنها في العنوان دا.
ضيق جفونه وسألها بسخريةٍ وبالتقريب فهم مقصدها:
_إيه هتعملي من بنها؟.
ابتسمت بثقةٍ ورفعت رأسها بشموخٍ وهي تجاوبه:
_ليه لأ؟ طالما في صالح موكلي يبقى أعمل من بنها.
تنهد بقوةٍ ثم استقام واقفًا ومد يده بالوريقة الصغيرة وقال بثباتٍ:
_دي ورقة فيها معظم عناوين أهل أبوها وبيوتهم، وفيه كمان بيت عيلتنا بس دا فاضي علشان سألت الغفير اللي مسؤول عنه وقالي أنه لسه فاضي زي ما هو، يمكن دول يساعدوكِ، وحاجة كمان معلش يعني، أي خطوة تعرفيها بخصوص صابرين عرفيهالي، يمكن ألحق اللي ماقدرتش ألحقه قبل كدا.
حركت رأسها توميء له موافقةً وقبل أن يخرج أوقفته بلهفةٍ:
_ممكن تسلملي على سليم وسدره؟.
ابتسم لوهلةٍ ثم التفت لها وحرك رأسه موافقًا وودعها وغادر مكتبها وهي تتبعه بعينيها وتعلم أنه على قدرٍ عالٍ من الذكاء، لقد قامت بعمل بحثٍ شامل وكافٍ عنه، هذا البطل الذي ربح عدة بطولات في سباقات السيارات ورياضة "الدريفت" بداخل جمهورية مصر العربية وأقحم اسمه وسط أكبر وأعلى الناس شأنًا في هذه اللعبة، خصم لا يُستهان به، وعميلٌ لا يمكن الضحك على عقله، وهذا ما يجعل المغامرة أكثر مُتعةً.
بينما في البيت..
كان "سالم" يحمل ابنته فوق مقعده وهي تنام على صدره وتمسك هاتفه تلعب عليه فأتت "سُعاد" لهما وقالت بهدوءٍ:
_تعالي يا "سدره" يلا علشان تغيري هدومك وتفطري.
انتبهت لها فقفزت عليها بينما "سالم" فثبت عينيه عليها فوجدها تبتسم له وهي تحمل ابنته ثم وجهت حديثها له هو بقولها:
_هدخل أغيرلها وأسرحلها وهاجي أحطلك الفطار علشان علاجك، عاوز تفطر حاجة مُعينة أعملهالك يا سالم؟.
حرك رأسه نفيًا وأردف بلهفةٍ:
_ماتتعبيش نفسك يا سُعاد، أنتِ محتاجة ترتاحي قبل السفر.
تباينت ملامحها وتبدلت كُليًا حين تذكرت أمر عودتها للخارج مرة أخرىٰ، خاصةً بعدما اعتادت على وجودها مع الصغار وخالتها ومع "سالم" بشكلٍ خاص، اعتادت مراقبته ومعاونته ومساندته، لا تعلم إلى ماذا ستؤول الأوضاع في غيابها عنه، تحركت بالصغيرة للداخل وتنهدت لأنها سوف تفتقد حياتها معهم هنا، وياليت هذا الدور كان حقًا لها.
كانت "ثُريا" أكثر الناس في البيت علمًا بحالة ابنها وابنة شقيقتها لكنها لم تجرؤ على فرض سيطرتها وهيمنتها على أيًا منهما، هي لا تملك إلا الدعاء لكلًا منهما وإن كان لهما نصيبٌ يجمع بينهما تتمنى أن يرزقهما الخالق به عاجلًا حتى ترتاح هي قبل أن تموت والقلق يأكل سنين عمرها.
____________________________________
<"والعودة للموطن لا تحتاج لتذكرةٍ، يكفيها نظرة منك">
بعيدًا عن نكبات البلاد وحصار الحكومات..
بعيدًا عن الغلاء وازدحام المناطق وتكدس البنايات
بعيدًا عن العالم وضجيج المدينة وصخب القاهرة
أحبيني أنا لأكون عالمًا يخصك أنتِ وحدك..
كان "يحيى" يقف في شُرفة شقتهِ مع ابنته التي تتناول فطور الصباحِ وقد كان هو الذي يطعمها ويشرف على الغذاء بنفسه بدلًا من اختيارها هي، وبينما تلعب هي لمحت بعينيها سيارة "أدهـم" تظهر وتدخل للمجمع السكني فأشارت لوالدها الذي انتبه لموضع الإشارة مبتسمًا، ثم نطق يعقد معها صفقة:
_خلاص كملي فطارك والعصير علشان تنزلي لأدهم.
حركت رأسها توميء بحماسٍ وبدأت تتناول الطعام بنهمٍ لأن الرفقاء عادوا من جديد لها، كانت في أوج لحظات حماسها وشغفها، وراقبها "يحيى" متعجبًا من مشاعرها تجاههم لكنه يسعد كونها تتفاعل وتتأثر بمن حولها ويكفيه أنها وجدت مهربًا من بين جدران حزنها.
في الأسفل صف "أدهـم" سيارته وحين ترجل منها وتحرك يسحب الحقيبة منها وجد سيارة أخرى تتبعه، سيارة تحمل ماضيه كله معها، وقف يتابع السيارة الخاصة بـ "حلمي" فوجد عمه ينزل منها وخلفه زوجته ثم لحقت بهما "لمار" التي تعجبت من وقوفه.
وقفوا جميعًا أمام بعضهم في حرب نظراتٍ دارت على الفور بين "حلمي" و "أدهـم" الذي تنهد وحرك عينيه يتابع زوجته التي توترت من الأجواء، وأول من تحرك كان عمه يصافحه ويحتضنه مُرحبًا به، وقد انتبه لوقوف الأخرى بقربه فسأله بسعادةٍ بادية فوق وجهه:
_دي مراتك صح؟ زي القمر ربنا يسعدكم.
ابتسم له "أدهـم" وشكره ثم تحرك أولًا بها يترك لهم الساحة بأكملها لأنه طوىٰ صفحات الماضي من كتابه ويتمتع بحكمةٍ تجعله لا ينشغل إلا بحاضرهِ وملك يمينه فقط.
[ …في مكانٍ آخر منذ صبح اليوم…]
كان "غسان" رفقة خطيبته في الجمعية الخيرية التي تديرها هي بعد رحيل والدها، أرادت أن يشاركها هذا اليوم في هذا المكان، كان يتجول هنا وهُناك ويتابع ما يحتاج جهدًا منها، كان يتولى كل شيءٍ هو بنفسهِ، حتى ولج غرفة في الرواق وجد بها مجموعة من كبار السن، وقف يتابعهم بشفقةٍ من عينيهِ، أشفق عليهم وتحرك يقدم لهم المخبوزات والعصائر وهو ينصت لدعواتهم له وابتسامتهم البشوشة في وجههِ.
ولجت "نوف" له ولاحظته فابتسمت بفخرٍ وهي تراقب موضع وقوفه، تتمنى لو أن كل العالم برقة قلبه وعطوفٌ مثله، وجدته يجلس على عاقبيه أمام وجه امرأةٍ تُطالع شرفة الغرفة بملامح واجمة، اقتربت هي منه ووقفت بجوارهِ فوجدته يسألها بخفوتٍ:
_هي مين دي؟ حاسس إني أعرفها وليه هي زعلانة كدا؟.
اقتربت تمسح على رأسها وهي تقول بحزنٍ لأجلها:
_دي ست طيبة أوي، مسكينة يا عيني لاقوها ناس عند كوبري على الطريق متعورة وكان فيه كلب عاضضها، كلموا الدار وسلموها هنا وبعد الكشف عليها اكتشفنا أنها عندها
"آل زهايمر" ومش فاكرة أي حاجة عن حياتها، بس سبحان الله حنينة أوي وجميلة، لما الأطفال بييجوا ليهم هنا بتحضنهم كلهم وتعطف عليهم.
ابتسم بحزنٍ وتنهد بقوةٍ لأن هذه المشاهد تؤلم قلبه، لكنه أراد أن يُبدد حزنه ووجعه فقال ساخرًا:
_يعني دا اسمه كلام؟ بقى دي هنا وداغر برة عايش يرازي في الخلق كلهم؟.
ضحكت مُرغمةً ثم خرجت وتبعها هو للخارج، وبمجرد أن خرجت وجدت حالة هرجٍ من الصغار وركضاتهم فضحكت وضحك هو الآخر وذهب بعينيه حيث تنظر وهي وسألها بعجبٍ في الأمرِ عن الضيوف الحاضرين:
_مين دول اللي واقفين هناك؟.
ابتسمت بعينيها وقالت براحةٍ تخللت صوتها:
_دي خديجة الرشيد ودا أخوها وليد، من أهم الناس اللي بييجوا هنا الدار متطوعين بقالهم فترة صغيرة جدًا بس بيعملوا فرق كبير أوي هنا على الصغيرين والكبار، حتى بص الولاد ماسكين فيهم إزاي.
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم ثبت عينيه عليها هي وهي تبتسم أخيرًا بعد أيامٍ حرمته فيها من ضي عينيها، وخاصة حين اقتربت من الفتاةِ تحضتنها وتعانقها بقوةٍ، فتأكد أن الأرواح الطيبة تتلاقى لو من بين الحشود والآلاف.
#يُتَبَع
#جمعية_حب
#الفصل_الأربعون
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات...