
رواية جمعية حب الفصل الواحد والاربعون 41 بقلم شمس محمد بكري
|| من جديد الضارية تعود لفريستها||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
_الرجاء الدعاء لـ "نسمة" ولكل أموات المسلمين بالرحمة
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
إلى المرأة الوحيدة التي عبرت لي ضد كل الحدود..
لا أعرف كيف يستسلم المرءُ لقوة صوتٍ بداخلهِ، لكني لأول مرةٍ أنصت لصوتٍ غير صوتي أنا..
صوتٌ يُناديني فيخبرني أنني لن أنجو من العالم بغيرك أنتِ، وقد لا تنجين أنتِ في وجودي،
فأنا رجلٌ دائم الهلاك، والنجاة في طريقي بعيدة بُعد الأفلاك..
لكني وبالرغمِ من كل ذلكِ لا أرغب في أن يكون قلبي هو مقبرة حُبك، ولا أرغب أن يكون حُبي هو مقبرة قلبك..
أنا أريدك امرأة حُرة من القيود حتى قيدي أنا..
لا أرغب في أن أرى الضياع في مُقلتيك، لكني أبغى النجاة من ضياعي وأجدها في عينيك..
أريدك أن تكوني لي ضد العالم، أريد أن أكون لكِ العالم.
<"بعض الحكايا لم تنتهِ، وإنما زمانها يتوقف ثم يعود">
كُل لُقيا الأحبابِ شفاءٌ..
فلن تجد أحلى من رؤية وجه أحبائك كي تُشفىٰ به
حيث الأمان الذي تجده في ملامح تألفها وتعرفها وتنتمي إليها قد ينتشلك من غُربتك.
بمجرد أن خرجت "نـوف" وجدت حالة هرجٍ من الصغار وركضاتهم فضحكت وضحك هو الآخر وذهب بعينيه حيث تنظر وهي وسألها بعجبٍ في الأمرِ عن الضيوف الحاضرين:
_مين دول اللي واقفين هناك؟.
ابتسمت بعينيها وقالت براحةٍ تخللت صوتها:
_دي خديجة الرشيد ودا أخوها وليد، من أهم الناس اللي بييجوا هنا الدار متطوعين بقالهم فترة صغيرة جدًا بس بيعملوا فرق كبير أوي هنا على الصغيرين والكبار، حتى بص الولاد ماسكين فيهم إزاي.
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم ثبت عينيه عليها هي وهي تبتسم أخيرًا بعد أيامٍ حرمته فيها من ضي عينيها، وخاصة حين اقتربت من الفتاةِ تحضتنها وتعانقها بقوةٍ، فتأكد أن الأرواح الطيبة تتلاقى لو من بين الحشود والآلاف، اندمجت "نوف" مع ضيوفها وعانقتها "خديجة" باسمة الوجهِ والعينين ثم نطقت بحماسٍ:
_أنا فرحت أوي إنك هنا النهاردة ولما قولتيلي علشان آجي، أنا كنت محتاجة اليوم دا جدًا، بقيت بفرح أوي لما آجي هنا.
ابتسمت الأخرى بدورها وقالت بحماسٍ كبير وحفاوةٍ أُضيفت للكلمات فأعطتها المعنى الأحلى:
_المكان هنا هو اللي بقى يفرح بوجودك فيه يا خديجة، وكل الكبار والصغيرين بيحبوكِ تيجي هنا ويكونوا معاكِ، نورتي الدنيا كلها، وهستناكِ تنوري يوم كتب كتابي هو الخميس الجاي إن شاء الله.
نشغت "خديجة" بفرحةٍ وضمتها تبارك لها بسعادةٍ كأنها أختٌ لها اكتسبتها خلال أيامٍ معدوداتٍ، تبادلا الفرحة سويًا مع بعضهما فاقترب "وليد" من أخته مبتسمًا وحينها قالت "نوف" بحماسٍ:
_هستناك تجيبها وتيجي كتب كتابي إن شاء الله يوم الخميس الجاي، مفيش أعذار وحجج علشان مش هقبلها.
ابتسم هو وأكد المجيء بقوله:
_لأ مفيش حجج متقلقيش، هجيبها إن شاء الله.
أتى "غسـان" تزامنًا مع اقتراب "وليد" فأشارت عليه تعرفهما لبعضهما، وبعد المُصافحات والترحيب وتأكيد دعوى الحضور من "غسان" بارك لهما "وليد" وأكد المجيء ومعه زوجته أيضًا بعدما عرضت عليه "نـوف" الحضور مع أختهِ، ومن ثم بدأ العمل بمختلف الأنواع في الأنشطة المختلفة المتنوعة بداخل الدار، حيث رعاية كبار السن، ثم رعاية الصغار وتقديم الألعاب والهدايا لهم، عمل أنشطة عينية لتعبئة وتغليف الوجبات والأطعمة، كان العمل رغم مشقته لكنه مميزًا عن أي عملٍ آخرِ..
كانت "خديجة" وسط الصغار تسرد لهم بعض الحكايا والحواديت التي تحمل كلٌ منهم هدفًا نفيسًا يترك أثرًا طيبًا لهم من بعد سردها، كانت تلمح فيهم أملًا في حياةٍ جديدة يعيشونها بأملٍ وحُلمٍ، ترى فيهم عوضًا عن طفولةٍ منهوبة وأحلام مسروقة، صغار يشبهون اليمام المكبل بحجرٍ يمنعه من أداء حُريته في فضاء الدنيا، وكأن الحُرية مسكنها برأسهم لكن الأغلال قيدها في أجنحتهم.
في الداخل كان "غسان" يشرح لـ "وليد" بعض المهام التي يستطع فعلها هُنا، فكان الآخر يعمل بشغفٍ في التعبئة والتوزيعات واللعب مع الصغار، كان يركض وسط الأطفال ويحملهم ويلعب معهم، يرسم لهم فوق الجدران أشكالًا كرتونية، يمد لهم يديه ويجعلهم يُحلقون فوق السُحبِ بأقل الإمكانيات وأقلها وفرةً..
في الداخل ولجت "خديجة" غرفة كبار السن وهي تبتسم بسمتها البشوشة رفقة "نـوف" التي كانت تعاونها، وبمجرد أن ولجت هذه الغرفة بدأت ترتاح وهي ترى الملامح البشوشة والضحكات الطيبة رُغم مرور الزمن وترك الأثر بائنًا عليهن، هذه الغرفة متنوعة الحكايا والقصص بمختلف أنواعها ومُعانتها، وهي بكل أسفٍ تملك قلبًا رقيقًا يبكي لأقل شيءٍ، وإن مست الرياح الفقير في الطريق حتى.
اقتربت من السيدة الصامتة التي تجلس وحدها هناك وسحبت مقعدًا تجلس عليه قُربها وهمست ببشاشةٍ في ملامحها:
_عاملة إيه؟ أنا عارفاكِ على فكرة، عارفاني؟.
ابتسمت لها السيدة بطيبةٍ وحركت رأسها توميء لها موافقةً ثم رفعت كفها المُجعد وربتت فوق كف "خديجة" وهي تبتسم لها لأنها تألف ملامحها، تألف تواجدها معها منذ أن بدأت خطاها تتردد على المكانِ، وقد ترقرق الدمع في عيني الأخرىٰ وتحشرج صوتها ببكاءٍ وهي تقول:
_تعرفي إنك جميلة أوي وحنينة أوي وأنا بحبك أوي وبحب أقضي وقتي معاكِ؟ وحكيت كمان لجوزي عنك، وهو بقى بيحبك من كلامي الكتير عليكِ، إن شاء الله لما يرجع من السفر هخليه ييجي معايا هنا مرة يشوفك، هتحبيه أوي.
_هو هو جوزك يعرفني؟.
سألتها بترددٍ وبصوتٍ عاجز عن الحُرية ومطلعها، حيث أمست فريسة مرضٍ يفتك بها وبذاكرتها، والجواب أتاها بحماسٍ من الأخرى وقالت بلهفةٍ حماسية حين وجدتها تتجاوب معها أخيرًا:
_أيوة طبعًا يعرفك أنا لما قعدت معاكِ قبل كدا روحت قولتله، وفضلت أحكيله كتير عنك وهو قالي إنه عاوز يشوفك وممكن يكلمك مرة يتطمن عليكِ، تيجي نكلمه مع بعض؟.
ابتسمت لها السيدة بأملٍ نطق من عينيها، انتظرتها كما ينتظر مفتقد الدفء لشعاع الشمس في الشتاءِ، انتظرتها وعيناها تبتسمان لأنها لم تشعر بالخوفِ كما كل لحظةٍ عليها وهي تواجه هواجس أفكارها ووحش النسيان، وقد تمنت الأخرى أن يجاوب زوجها المكالمة بعيدًا عن مشكلات التغطية هناك في مدينة سفره، وبعد المحاولة الثانية فلحت حيث جاوبها مباشرةً..
نطقت بلهفةٍ وسعادةٍ لم تستطع أن تخفيهما خلف غمامٍ رمادية:
_كويس إنك رديت يا ياسين، فاكر طنط اللي قولتلك عليها إني حبيتها أوي وفضلت أحكيلك عنها؟ قاعدة قدامي أهيه سلم عليها بقى.
رفع حاجبيه والتفت حوله في تلك الصحراء التي يسكنها وابتعد عن الموقع والرجال وهو يتمنى أن تتوقف زوجته عن توريطه في المزيد من المشكلات والمواقف التي تُحرجه، ورُغم ذلك هو لم يستطع أن يرفض طلبًا لها، لذا حين أشارت له نطق بهدوءٍ اكتسبه على الفورِ:
_إزيك يا أمي عاملة إيه؟ يا رب تكوني بخير ومبسوط.
نبرته جاءت حنونة عليها حتى لمعت عيناها، استمعت لحديثه وكلمة "أمي" وهي تتردد على مسمعها تترقرق العبرات في مدمعها، الكلمة أثارت شعورًا في غاية الغرابةٍ عليها وكأنها دافئة تمر على صقيع القلب تُلطفه، ابتسمت دون إكثارٍ في الحديث حتى أغلق معها ومع زوجته التي تبتسم لها، بينما هي قالت بصوتٍ ضعيفٍ وواهنٍ:
_تعرفي؟ أنا كان عندي ابن زيه تمام، بس مش عارفة هو فين دلوقتي.
لمعت عينا الأخرى وتوسعت بأملٍ تزامنًا مع قدوم "نـوف" التي جلست بقربهما وسألتها بهدوءٍ:
_طيب تعرفي اسمه؟ أو شكله؟ يعني لو وريتك صورته هتعرفيها؟.
حركت رأسها نفيًا لأنها حقًا لم تعرفه، ولا حتى تعرف كيف انتهى المصير بينهما لكنها تعرف أنها أنجبت من رحمها ورحم اليأس شابًا يافعًا، تتذكر أن هناك ابنٌ كان بارًا بها، رُبما يكون مات، ورُبما يكون هجر البلاد، ورُبما يكون تركها لأنه ملَّ منها ومن النسيان، لا تعرف من هو ولا هويته الحقيقية، لكنها تعرف أن هذا القلب موصولٌ بقلبٍ ثانٍ يبعد عنه بُعد أطراف المدينة النائية المنسية عن أوسطها العامر المزدحم.
ربتت فوق كفها "خديجة" وتحركت للخارج مع الفتاة التي تنهدت بأسفٍ وقالت بتضامنٍ مع السيدة بمشاعرها:
_بتصعب عليا أوي لأنها الوحيدة اللي مش فاكرة حاجة هنا، يعني المعظم عارفين أهاليهم وأولادهم وعارفين إنهم هنا لأن أولادهم مش قادرين على الرعاية أو أخواتهم فقدوا فيهم الأمل، هي بقى تايهة واللي تفتكره للأسف مابيفيدش بحاجة.
مطت "خديجة" شفتيها بيأسٍ وقالت بصوتٍ غلبه الحزن:
_أنا بس مستغربة موضوع ابنها اللي هي مش فاكراه دا ولا فاكرة اسمه ولا شكله حتى، بعدين بتقولي أنها ناس لاقوها في الشارع ممكن يكون هو اللي عمل كدا فيها؟.
دارت عينا "نـوف" بتفكيرٍ ثم ردت بدبلوماسية شديدة دون الانحياز لأي طرفٍ حيث بدا تفكيرها في غاية العملية:
_ماظنش حاجة زي كدا، لأن أغلب اللي عندهم أمراض من النوع دا بيكونوا ناس كبيرة وأغلبهم بيمشي في وشه أو ينسى وينزل لوحده، ودا بنشوفه كتير في إعلانات المفقودين، والجمعية برضه اسمها مش معروف أوي علشان الناس تدور فيها، بس هي حاليًا أفضل بكتير.
جاء في هذه اللحظة "وليد" يحمل طفلًا فوق كتفيه ويمسك يده ويركض به في الهواء الحُر والطفل يضحك بسعادةٍ، لمحته أخته التي توسعت بسمتها فيما اقترب هو منها وقال بضحكةٍ مرحة:
_أعملي حسابك نخطفه وإحنا ماشيين، البيه بيقولي ولا تعرف تعمل حاجة، آخده البيت أوريه أنا بعرف أعمل إيه بالظبط؟ تحب تشوف بعينك يعني؟.
حرك الصغير رأسه ضاحكًا فحمله "وليد" بكفٍ واحدٍ للأعلى وظل يدور به والصغير يرفرف بأطرافهِ حتى أنزله "وليد" وضمه لصدرهِ وهو يُضاحكه في المكانِ ثم عاد به مرة أخرى للصغار في الداخلِ مع "غسـان" الذي كان يُعلمهم بعض الحروف والأرقام ويُدربهم وبدأ يعاونه "وليد" في ذلك.
بعد مرور بعض الوقت الكثير..
تحركت "خديجة" مع أخيها استعدادًا للرحيلِ لكن "غسـان" أكد عليهما مرة أخرى من جديد الحضور لعقد القران وأكد الموعد والدعوىٰ الأكيدة لأفراد العائلة أيضًا ومن يرغب منهم في الحضور، ثم رحلا معًا، بينما "نـوف" فهي وضعت كل طاقتها في المكان، كانت تتحرك بنشاطٍ وأملٍ وضحكةٍ واسعة، ثم جلست بعيدًا عن الأنظار ومعها صورة أبيها تُطالعها ببسمةٍ بشوشة وعينان ترقرق دمعهما وهي تتمنى حضوره معها..
وقف "غسـان" من على بُعدٍ يُراقبها ثم أطلق زفرة قوية واقترب يجلس على مقربةٍ منها ثم قال مبتسمًا:
_على فكرة هتلاقيه فخور أوي بيكِ، فخور بكل اللي بنته بتعمله من غيره وإنها قدرت تقف على رجليها من تاني وتقوم مكانه اللي تعب فيه واشتغل علشانه ومن غير ما تكون ضعيفة أو هشة أو تستلم لحد، صدقيني هو لو عايش نظرته مكانتش هتختلف عن نظرتي ليكِ، أنتِ سبب لأي حد أنه يحب الحياة ويفضل عنده أمل فيها.
رفعت عينيها الحزينتين كما قمر الشتاءِ المنسيّ ونظرت له وهي تُجاهد ألا تبكي أمامه وتُفرغ مخزون الدمع عندها، لكنه جثى على رُكبتيه مقابلًا لها وقال بهدوءٍ:
_كل ما تحسي إنك خلاص مش قادرة ولازم توقفي افتكري إن فيه رجالة بعرض الحيطة مايعرفوش يعملوا اللي أنتِ بتعمليه لوحدك، وإن لسه في ناس بتلف تشحت بوجعها وعياطها قدام الناس، أنا أكتر واحد في الدنيا فاهم إنك نفسك تكشفي ضعفك وتعيطي وتخرجي اللي جواكِ كله، علشان كدا مصمم على الجواز بأسرع وقت، علشان أكون جنبك.
نزلت عبراتها أخيرًا وهي تتنهد وتشهق بصوتٍ متقطعٍ كانت تطالعه بامتنانٍ لأنه يعرفها، يعرف ما تخفيه في سريرتها عن العالمِ بأسرهِ لكنه الوحيد الذي يخرج عن المألوف لأجلها، يرفض المفروض من العالم والناس ويصنع ما يُفيدها هي، تمنت حقًا لو أصبح اقرب إليها بدون حدودٍ أو فواصل أو خجلٍ، تمنت لو انتمت له بشكلٍ كاملٍ يوفيها حقها الذي ترغبه منه.
-تمنت لو كانت هي قمر الشتاء الحزين،
ويكون هو المُضحي لأجلها
والوحيد الذي يرغب في أُنسِ من قمرٍ أمسىٰ وحيدًا في سماهِ.
____________________________________
<"لا بأس بالعالم، الغابة أيضًا لها قوانين، لكن من يُطبقها؟">
في حقيقة الأمرِ المؤسفة قد يصنع الإنسان من نفسه أضحوكة العالمين حين يستسلم لرأي جبانٍ في نفسهِ، حين يترك جهل الناس بقدرهِ ونواياه يغلب علمه عن نفسهِ، حين يترك التشكيك من الجاهل يغلب اليقين بالعالِم، حين يستسلم لقانون الغاب أن الكثرة تغلب الشجاعة.
لكن منذ متى وسرب الضباع أخاف أسدًا؟.
وصلا للشقة سويًا مع بعضهما ورحب بهما "آدم" بعد غيابهما عنه، وقد كان سبق وأعد وليمة طعامٍ فوق المائدةِ ترحيبًا بهما، في حين أن "أدهـم" كان عجولًا في أمرهِ بسبب العمل الذي يحتاج لعودتهِ بعد أيامٍ قضاها بعيدًا عنه، بدل ثيابه بأخرى غير رسمية حيث ارتدى قميصًا أبيض اللون فضفاضًا من خامة قطنية ثقيلة وارتدى بنطالًا من خامة الجينز وخرج يُهندم نفسه فسأله أخوه بملامح حائرة:
_رايح فين مش هتفطر؟ دا أنا حضرت فطار ملوكي علشانك.
ابتسم له بعينيه وعاد له مرة أخرىٰ يسأله بمزاحٍ:
_علشاني أنا برضه ولا علشان أختك؟ عليا أنا الشويتين دول.
ضحك "آدم" بيأسٍ ورد عليه ماحيًا أفكاره تجاهه:
_ماشي أحسبها زي ما تحب براحتك، بس تعالى أفطر الأول بعدها أنزل شوف شغلك، يلا لحد ما عُـلا تخرج من الحمام هتلاقيها خلصت وقربت تيجي.
جلس "أدهـم" وسحب كوب العصير وبدأ يرتشف منه لكنه تذكر أمر عمه فوجه كلماته لأخيه بقوله:
_صحيح عمك "هشام" رجع من السفر، شوفته الصبح وسلم عليا وممكن يطلع في أي وقت علشان يبارك على الجواز، لو بعتلي هبقى آجي بسرعة، أبقى سلم عليه.
لوىٰ "آدم" ملامحه وبدلها للسخطِ من سيرته ثم نطق بضجرٍ ملأ صدره واحتل صفاء الجلسة الصباحية بينهما:
_بصراحة مابيجيش معايا في نفس الطريق خالص، وجوده زي عدمه بالنسبة ليا، دا عمك "عرفه" اللي مش من دمنا ولا يقرب حاجة لينا ولا حتى من نفس البلد وقف معانا وسندنا أكتر من عمك، بعدين هو فين أصلًا؟ دا من ساعة اللي حصل بينك وبين بنته وهو محدش يعرف عنه حاجة، ولا كلف خاطره يسأل حتى.
وقتذاك تحدث "أدهـم" بصوتٍ خفيضٍ مراعاةً لتواجدها في الداخل:
_خلاص اللي حصل حصل مش لازم نفتح في حاجة قديمة علشان أنا مش قايل حاجة لأختك، وبلاش بقى نفضل نجيب السيرة دي بحاجة مالهاش لازمة، مش يمكن نطلع ظالمينهم؟.
افتر ثغر "آدم" ذاهلًا وكرر خلفه بانكارٍ واضحٍ للكلامِ:
_نعم !! ظالمينهم؟ طب ماشي خليني معاك إننا ظالمين لمار علشان هي ست ومشاعرها غلبتها وكانت ومازالت شخصيتها ضعيفة ومحتاجة حد أقوى منها يحركها، لكن حلمي بقى؟ مبرره إيه غير إنه ندل وزبالة؟ أقولك لو آخر حاجة في الدنيا دي تخليني أصالح حلمي مش علشان أدخل الجنة، أنا هطلب من ربنا يسامحني ومش هقدر أسامح حلمي.
توقف "أدهـم" عن الحديث مع أخيه لأنه يعلم أن الحديث بشأن هذا الموضوع يتطلب تفاصيل كثيرة لم يرد أن يتطرق إليها فيما بينهم، ولأنه حقًا لم يعد يرغب في شيءٍ من هذا القبيل وهذه العلاقات، وقد خرجت في هذا التوقيت "عُـلا" من الداخل تبتسم لهما بعدما ارتدت منامة شتوية ثقيلة وصنعت جديلة وألقتها على كتفها الأيسر فبدت في صورة بريئة تبعد كل البُعد عن الشرسة التي أتت لهُنا.
همست تلقي عليهما تحية الصباح فابتسما لها سويًا، وقد تحدث "آدم" بمزاحٍ مرح يقصد مشاكستهما:
_شوف برضه وجود ست بيفرق إزاي؟ فيه ريحة ياسمين هلت على المكان وصوت رقيق كدا سبحان الله، هو الواحد كان عايش مع عشماوي ولا إيه؟.
كان يقصد أخيه الذي عض فوق شفته يتوعد له بعينيه بينما هي ضحكت ثم سحبت مقعدًا تلقائيًا بجوار "أدهـم" الذي ابتسم لها وكذلك أخوها أيضًا ثم بدأ يضع الطعام أمامها وهي تبتسم له ثم شكرته وبدأت تتناول الفطور وراقبت "أدهـم" بطرف عينها فوجدته يجلس فقط دون أن يمس طعامه، فمالت تهمس له:
_مش هتفطر؟ مبتاكلش ليه؟.
_شربت العصير وبصراحة مش قادر.
رد عليها بهذه النبرة الآسفة فمدت يدها هي وصنعت له شطيرة بيديها ثم مدت يدها له وهي تقول بصوتٍ هاديء ملأ الأمل تردده:
_أمسك دا مني، هتكسف أيدي ولا إيه؟.
حرك رأسه نفيًا وابتسم مغلوبًا على أمره والتقط الشطيرة منها ثم بدأ يتناول الطعام المميز صنيعة يد أخيه، كان حقًا يشتاق للمذاق المميز الخاص بأخيه، وهي أيضًا وجدت المذاق مميزًا لحدٍ كبيرٍ فتناولته باستمتاعٍ ثم شكرت أخيها بقولها:
_تسلم إيدك يا آدم، الأكل حلو أوي، والفول طعمه حلو أوى.
_ألف هنا وشفا على قلبك، كُلي واشبعي وأنا قاعد معاكِ لحد بليل مش رايح المطعم دلوقتي، لسه قدامي شوية، أدهـم بس يتكل على الله علشان آخد راحتي مع أختي.
نظر له "أدهـم" بطرف عينه يُرشقه بنظرةٍ نارية كأنهما ملكان يتشاجران على ميراثٍ في قلعةٍ نفيسة تركها لهما الأب ورحل، لكن "أدهـم" كان مُدركًا كم يحتاج كلًا منهما الآخر فأنهى طعامه ثم استقام واقفًا وتشدق بنزقٍ:
_أنا الحمدلله فطرت، يادوب ألحق أمشي علشان الشغل اللي ورايا وعلشان مابحبش أتطفل على اتنين أخوات، يلا عاوزين حاجة؟.
ضحكا له معًا فيما ودعهما هو ثم تحرك نحو المرحاض يغسل يديه وفمه وقد تيقنت أنه مهووسٌ بالنظافة وهذا ما لاحظته من غرفته وترتيبه وكل شيءٍ يخصه، خرج يتجه نحو الباب فوجدها تلحق به بلهفةٍ ثم اقتربت منه تقول بحنوٍ بالغٍ:
_أمسك دول كُلهم في الطريق وأنتَ سايق، أنتَ مفطرتش كويس وأكيد الشغل هياخدك مش هتلحق تاكل، يلا خُدهم.
كانت تمد يدها بإصرارٍ وهي تضع الشطائر في طبق أسود مُحكم الإغلاق، وقد أبتسم هو دون أن يُحكم حصار شفتيه ويُقيدهما، ثم مال عليها ولثم وجنتها بحركةٍ أجفلتها بينما هو استقام واقفًا ثم شاكسها بقوله:
_هاخدهم علشان خاطرك أنتِ، بس مفيش تصبيرة كدا زي اللي اتقالت على الشط إمبارح؟ أي حاجة ترفع من روحي المعنوية.
خجلت على الفورِ حين أدركت مقصده بشأن الاعتراف الذي أدلت به وسط خبايا ألمها ووجعها، وحينها عادت تتمرد مرة أخرى فرفعت رأسها بشموخٍ وأومأت سلبًا وأضافت كلمة واحدة قاطعة:
_مفيش.
رفع حاجبيه بتسليةٍ واضحة ثم همس لها بشقاوةٍ:
_قلبك جِمد يعني علشان أخوكِ هنا؟ خدي بالك أنا اللي قولتله يطلع تاني، هترجعي بقى تاني الأول هرميه في الشارع وأشرده.
ضحكت بعينيها ثم عاندته من جديدٍ بروح المقاتلة:
_ولا تقدر تعمل أي حاجة، أنتَ روحك فيه.
ابتسم لأنها موقنة من حبه لنصفه الثاني، وقد قرَّب رأسها منه ثم لثمها بحنوٍ وحين ودعها وجدها تقول بصدقٍ كأنها تترك نفسها لموجه يغمرها حتى يُعيدها لبرِ الأمان:
_ربنا يقويك ويرزقك بكل خير وترجعلي بالسلامة.
توسعت بسمته ثم سألها بحنوٍ غريبٍ عليها ككلٍ:
_محتاجة حاجة أجيبهالك وأنا جاي معايا؟.
_تيجي بألف سلامة بس.
استحسن جوابها فربت فوق ظهرها ثم ابتعد عنها وغادر وهي تبتسم في أثره، تبتسم لأن السر الذي كان يؤرقها حين انكشف لم يؤثر معه بأي شيءٍ، لأنه لم يخذلها أمام نفسها حين راهنت على شهامته كرجلٍ، فوجدته ينصرها أولًا وأخيرًا بحبه ومروءة طباعه، ولذلك هي لن تخجل كونها تنتمي لهذا الرجل، كما فعلت أمها وانتمت لأبيه لأنه غلب خوفها بطباعهِ وشهامته.
فكان الشبل الذي شابه أباه فخُلقَ بمثل طباع الأسدِ.
____________________________________
<"حديثهم عن قوة الخيال وعنادها قد يتغافل عن رقتها">
نوفمبر 1998
رُغم أن الخيول أكثر المخلوقات شموخًا وعزة نفسٍ..
لكنها أيضًا أكثرها رقةً وتأثرًا.
وقد يكون الحديث المنسوب لها عن قوتها هو السبب الذي يجعل الناس يتناسوّن أنها مخلوقات مرهوفة الحسِ، تتأثر وتحزن وتغضب وتُشفق على حالها حتى تموت قبل أن تكون محط أنظار الشفقةِ..
لم يجرؤ ويحنث بوعده لها، حيث مر يومان بعد مطلب "رئيفة" في رؤية أختها وبمجرد أن انتهى الشهر وأتى اليوم الأول في الشهر الجديد وزادت معه برودة الجو، قرر أن يفي بوعده لها، حيث تواصل مع "توفيق" الذي رحب بالفكرة كثيرًا وأراد أن يُبدل حالة زوجته التي تعاني من اكتئابٍ حاد بعد الولادةِ خاصةً، فمنذ صبيحة اليوم قررا الذهاب لأكثر الأماكن رفاهيةً وقتها..
اتجهوا صُبح اليوم لمنطقة القناطر الخيرية، كانت إبان ذلك تتمتع بشهرةٍ واسعة للتنزه والترفيه، كانت منطقة تمتاز باختلاف جوها عن بقية المدينة، وتمتاز بوسيلة تنقل فريدة من نوعها، حيث "الاتوبيس النهري" الذي يتحرك في نهر النيل برحلةٍ مائية قصيرة المدىٰ لكنها مميزة.
كان "توفيق" أحضر كاميرا قديمة معه كي يوثق لحظات اليوم، خاصةً حين كانت "فريال" تضحك مع أختها وابنها الذي كان يُجعد ملامحه بسبب كثرة تواجد ملامح غير مألوفةٍ حوله، لكن خالته كانت تضمه وتشاكسه فيضحك لها، وقد التقط لهم "توفيق" الصور سويًا ثم عرض بمزاحٍ:
_تعالى يا طاهر أتصور معاهم.
لم يجرؤ على إحراجه فاقترب من "رئيفة" يحمل الصبي عنها ثم حمله وهو يُضاحكه بعينيه و "أدهـم" يتقافز بحماسٍ فوق يديه ضحوكًا فضحك الآخر ووقف بجوار زوجته ثم ضمها من خصرها يُقربه منه فابتسمت بخجلٍ، بينما "فريال" تحركت تجاور زوجها ثم همست له:
_عاوزة أتصور معاك أنتَ و أدهـم.
ابتسم لها ثم ناول الكاميرا للآخر الذي رحب بالفكرة ثم وقف يلتقط الصور للأسرة بأكملها، حتى وجدوا بالونات مع بائعٍ يمر خلال الممرِ فاقترب منه "طاهـر" واشترى منه بالونات لزوجته وللصغير معها كي يلتقطون الصور بها، كانت "رئيفة" سعيدة بطفولتها المكبوتة وهي تنل حُريتها معه، ولمحت ذلك شقيقتها التي ابتسمت بحبٍ لأجلها، لأجل عيشها بحريةٍ أخيرًا بعيدًا عن سجنِ أبيها.
انتهوا من الرحلة النيلية بسعادةٍ ثم خرجوا منها فسألهم "توفيق" عن الوجهة الثانية، فقالت "رئيفة" بحماسٍ:
_أنا عن نفسي اخترت المكان اللي كان نفسي آجيه من بدري، نفسك تروحي فين يا فريال؟ يلا فرصة مش هتتكرر دول بيضحوا.
كانت "فريال" هادئة الطباع وتمتاز برجاحة عقلٍ كبيرة، لذا لم تكن ترغب في التمسك بصفاتٍ شبابية كما حماس أختها، هي أصبحت أمًا وبدأت تنضج فكريًا وعقليًا حتى أنها قالت بهدوءٍ:
_لو هيتعطلوا أو تعبوا خلاص مش لازم ممكن نقعد نشرب حاجة ونروح.
تدخل وقتذاك "طاهر" وقال بلباقةٍ يرفع بها الحرج عنهم:
_بالعكس اليوم كله إجازة ليكم والمهم تكونوا مبسوطين وتقضوا أكتر وقت ممكن مع بعض، تحبوا تروحوا فين تاني؟.
شهقت "رئيفة" بلهفةٍ ونطقت بحماسٍ عاد لها:
_صح فريال طول عمرها نفسها تطلع برج القاهرة وتتفرج من فوق على مصر وتتصور هناك، مالكيش حجة بقى معانا كاميرا ومعاكِ جوزك وابنك، دي أحسن فرصة لينا.
توسعت ابتسامتها تلقائيًا وكذلك أختها التي لم تجد مفرًا غير الموافقةِ فتحرك بهم "توفيق" بسيارته نحو المكان، صعدوا للبرجِ ووقتذاك كان البرج هو أعلى نقطة في المدينة، وكان معلمًا سياحيًا فاخرًا يجذب الزوار من كل حدبٍ وصوبٍ، كما كان مزودًا بأجهزة مراقبة بصرية مُكبرة "تليسكوب" وكانت آنذاك جزءًا أساسيًا من السطح المفتوح..
ولأول مرةٍ تشاهد "فريال" المدينة بهذا الجمال..
تفعل ما كانت ترغب فعله بغير قيودٍ ولا أغلالٍ، وتشاركه الرفيق الذي اخترته لنفسه كي يكون حبيب العُمر ورجل الأحلام، و "توفيق" يبتسم لأجلها وهي تضحك بملامحها الرقيقة وغُرتها خفيفة الخصلات وهي تتمركز فوق عينيها كأنها تحميها من نظراتٍ غادرة.
بينما "طاهر" فهو لم يحكمه شغفًا كبيرًا لمراقبة المدينة..
بل كان شغوفًا برؤية ما هو أجمل منها، رؤية فتاة مندفعة صغيرة تضحك وتحلم وتُعاند الحياة، تلك الرئيفة التي لم ترأف به وبحاله، قاسية كما حكم قاضٍ في غاية القسوةِ والاستبدادِ، يُراقب لمعة عينيها ويتعجب كيف لم تقتبس مدينته الضوء منها؟
-آهٍ منكِ يا رئيفة ومني ومن قلبي السجين ومن بلادي.
همسها بلسان حالهِ وهو يُراقبها، وكم بدا شعوره قاسيًا عليه وهو يطحنه بين الضروس والأنياب لأنه لم ينل حُريته لكنه يسعى كي ينل حُريتها هي، انتهت هي من النظر في جهاز التليسكوب وهي تشاهد من خلاله أشهر المعالم التاريخية وقتذاك ثم أمسكت مرفقه بحماسٍ وشدته حتى مال عليها ودفعته نحو الجهاز ليراقب ما كانت تراقبه..
اعتدل مبتسمًا في وجهها فوجدها تقول بحماسٍ وشموخٍ وثقةٍ كادت أن تصل للغرورِ بقولها:
_لو سايكي كانت جميلة وضعيفة، أنا جميلة وقوية يا طاهر.
توسعت بسمته ثم نادىٰ للرفيق الجديد ثم طلب منه أن يلتقط لهما صورًا رفقة بعضهما، وحينها فعل "توفيق" ما طُلِبَ منه وظل يلتقط لهما الصور رفقة ابنه "أدهـم" أيضًا حتى انتهت رحلتهم بتناول الطعام داخل البرج بعزيمةٍ من "توفيق" بمناسبة زواج العروسين..
بعد ذلك قام "توفيق" بتوصيلهما لأقرب منطقة من بيت عائلة "طاهر" الذي لم يملك سيارة وقتذاك، رُغم أن والده كان يملك الكثير من المال الوفير ومعه ما يكفي ويزيد لعيش حياة الرغد لكنه كان عصاميًا يلتزم بقوانين صارمة في العيشِ، وخاصةً مع أولادهِ، حينها طلبت منه "رئيفة" السير معًا في الطرقاتِ.
لم تكن القاهرة وقتذاك مزدحمة، ولم تكن المدينة مزعجة، ولم يكن ناسها ضوضائيين، ولم تكن قاسية كما الوقت الحالي، قاهرة التسعينيات كانت مميزة بكل شيءٍ فيها، خاصةً الحي الذي يقطن هو فيه منذ صغرهِ.
كان الهواء يلفح وجهيهما وخصلاتها تطير في الهواء للخلفِ، وهي تبتسم بيأسٍ لأن الخصلات تضرب عينيها فتدور رأسها لتُحرر عينيها، فيضحك هو على فعلها الغريب ثم توقف فجأةً في وجهها ثم رفع خصلاتها للخلف وضمهم بالمشبك المعدني ثم همس يمازحها بقوله:
_أنتِ شكلك شقية أوي يا رئيفة.
كان لازال يقوم بضبط خصلاتها الحُرة فضحكت ثم قالت بتأكيدٍ لقوله:
_ماما الله يرحمها قبل ما تموت قالتلي إنها كان نفسها في ولد وتقريبًا جيت أنا بصفات الولد دا وشقاوته، عندك مشكلة يا طاهر؟ لا يكون فيه مشكلة بس عرفني.
_مشكلتي الوحيدة معاكِ إنك حُرة، وأنا للأسف مش حُر نفسي.
رد بهذه الكلمات حين عاد للخلف فطالعته بعينين حزينتين، بينما هو فاستانف سيرهِ مرة أخرى وهي تلحق به في مشيتهِ، وقد عادت الفكرة من جديد لرأسها فنطقت هي تستفسر منه بترقبٍ:
_أنا عارفة إنك عمرك ما هتخلف بوعدك معايا، بس موضوع دخولي الجامعة دا هعمل إيه فيه؟ نفسي أكمل يا طاهر تعليمي ونفسي أدخل جامعة، هو مانعني علشان خاف أدخل الجامعة وأعمل زي فريال وفيروز وأخرج عن طوعه، وجبرني اتجوزك و….
بترت حديثها حين توقف عن السيرِ وتوسعت عيناه كأن الكلمة ضربت كرامته بشيءٍ لم يرغبه، وقد أدركت هي ما فعلته لتوها لذا نطقت بلهفةٍ لجلجت صوتها وهي توضح له مُردفةً:
_مش قصدي والله، بس أنتَ أكيد عارف إحنا قصتنا بدأت إزاي وإن محدش فينا كان عاوز التاني، وأنتَ كمان مجبور عليا زيك زيي، يمكن لأننا بقينا مع بعض وبنكتشف بعض دا السبب اللي مخلينا نتقبل الحياة مع بعض.
حرك رأسه موافقًا وكأن بكلماتها أعلنت القوة على كلماته هو حتى تقهقرت الحروف على طرف لسانهِ، أكمل السير بصمتٍ ثقيلٍ وهي معه تُراقبه بعينيها بحزنِ احتل وجهها، لكنها توقفت فجأةً توقف سيره ونطقت بلهفةٍ تُراضيه:
_أنتَ زعلت مني؟ والله ما كان قصدي، أنا مش عاوزاك تحس إني بفكرك بحاجة مضايقاك بس دي حقيقة يا طاهر ومحدش فينا هيقدر ينكرها، أنا وأنتَ كنا مغصوبين ومش لاقيين الحُرية، خلينا نساعد بعض، ولو مش هتقدر يبقى بلاها، بس الأهم إنك ماتزعلش مني.
ابتسم لأنها لم تتهاون بغضبهِ وحزنه، لم تتجاهل مشاعره، لذا شقت البسمة وجهه العابس ونطق أخيرًا:
_ولا يهمك، أنا مش متضايق منك أنتِ يا رئيفة، أنا متضايق علشانك وعلشاني، علشان مش عارفين نكون أحرار ونختار بمزاجنا، وطبعنا مش القسوة علشان إحنا مش جاهلين، الجاهل بس هو اللي قاسي بطبعه وعقله، أنا لو حُر نفسي كنت هخليكِ حُرة، بس إزاي أديكِ حاجة أنا ماملكهاش؟.
وقتها فهمت ما تفكر فيه لأجلهِ، لذلك السبب مدت يدها تقبض فوق كفه بكفها الحُرة ثم نطقت بهدوءٍ:
_أنا حُرة وبختارك أنتَ يا طاهر.
وزع نظراته بين كفه وكفها ثم ابتسم لها ونطق مبديًا إعجابه:
_يبقى يا حظ طاهر وبخته بيكِ.
بعدها عادا للبيت سويًا مع بعضهما، ولجا في الليل من البوابة الرئيسية فوجد والده في ردهة البيت، وقفا سويًا فنظر لهما بنظراتٍ حادة وغاضبة فهمها ابنه فهمس لها:
_اطلعي فوق أنتِ يا رئيفة دلوقتي.
كادت أن تعترض لكن نظراته كانت جامدة وقوية جعلتها تتراجع وتحركت نحو الأعلى مسرعةً فيما اقترب منه "وجدي" ورفع رأسه بشموخٍ وهو يقول بتصلدٍ:
_كنت فين سيادتك كل دا أنتَ وهي؟.
_كنا خارجين عادي، عرسان جداد وخرجوا يغيروا جو.
رد بهذه الحدة المقصودة ليوقفه عند حدوده، فيما ابتسم والده ساخرًا وتهكم بملامحه وعينيه وأضاف بمزيدٍ من القسوةِ:
_والجو دا كنتوا بتغيروه لوحدكم؟ ولا روحت لأختها؟ اسمع يا طاهر علشان مش هكرر كلامي مرة تانية، علاقتك بيها مش معناها إنك تتمرد على تصرفات مالكش حق فيها، وتاني مرة ياريت تراعوا الوقت والناس وتلتزموا بالمواعيد، مفيش راجل محترم بيرجع بمرات في نص الليل من برة والناس تتفرج عليهم، عيب.
وبنفس الإندفاع تحدث "طاهر" يدافع عن حُريته:
_العيب هو إني كراجل أسمح لحد يتحكم فيا وفي حياتي، إيه الغلط إني خارج مع مراتي؟ وإيه الغلط أنها تشوف أختها اللي وحشتها؟ إيه الفكرة إني أكون راجل متجوز وأنتَ وهو بتقرروا حياتنا تمشي إزاي؟ شكلك نسيت إني مش من النوع دا، عن إذنك.
أنهى الحديث واختفى في لمح البصر من المكانِ، رحل مسرعًا حتى لا يُزيد والده من الحديث أكثر، بينما "وجدي" فأدرك أن "رئيفة" لن تكون سببًا في كسب طواعية ابنه، وإنما هي ستكون سبب التمرد الأكبر عليه، وما عليه حقًا هو أن يضع الحدود لها كما أخبره "داغـر" أنها الفتاة المُشاغبة في بيتهِ.
-سيكون كما الصقور الجارحة..
حين تنشر رُعبها في الفضاء
فتمنع الطير من نيل الحُرية
وتعرقل وصوله للسماءِ.
____________________________________
<"لولا الأمل ما كُنا حيينا رُغم أن المرء لا يموت إلا بأملهِ">
للأملِ أثرٌ قد يتخطى حدود اليأسِ..
والغريب في أمر المرء أن يأسه قد لا يُشقيه بقدر ما يُشقيه أمله، أن يترك الأمل يحيا في نفسهِ حتى يزيد ومن ثم يموت الأمل فيُقتل هو بالتبعية من موت أحدهم..
انتهى وقت صلاة الظُهر وكان "سُليمان" يجلس في المعرض بعد خروجه من المسجدِ، كان يسعد بكونه يعود للسباقِ من جديد بل وينتظر رد الاتحاد لمشاركته في مسابقةٍ عالمية، حيث فاز في العديد من المسابقات خارج الدولة، لكن هذه الرياضة المُهملة في دولته تحتاج للمزيد من العمل لأجلها..
كان بالمساء كتب منشورًا عبر صفحته الشخصية يرفق معها صورة خاصة بالبذلة السوداء الخاصة به في السباقات والمضمار الذي يقوده، كان يتحدث عن حُلمه في صناعة سيارة خاصة بهذا المجال منذ أن كان مُراهقًا، لكن والده لم يتركه ينتهج هذا الطريق لأجل تعليمه.
كان شغوفًا بهذا المجال ويرى نفسه حُرًا فيه، ولازال يفخر بكل ما صنعه في مجال السيارات وعالمها حتى أصبح علمًا في المضمار وتواجد أساس هذه الرياضة، أخرج هاتفه يتصفح المنشور ويرى التفاعل معه فوجد تعليقًا على المنشور الخاص يطلب منه تصفح الرسائل، في البداية هو لم يكترث لكن الفضول دفعه لذلك.
وجدها رسالة من صفحة إلكترونية تطلب منه التحدث معه بصفته مُحبًا لهذا المجالِ، فوافق ورحب مبدأيًا ليجد رسالة أخرى تليها من شابٍ وهو يطلب منه بأدبٍ:
_مع حضرتك سَيْفُ الله بكلم حضرتك بخصوص مجال السيارات وكنت محتاج أشوف حضرتك متاح؟.
فكر "سُليمان" لوهلةٍ ورحب بالفكرة حيث كتب له:
_مفيش أي مشاكل، هبعتلك العنوان والرقم وتقدر تنورني.
أرسل بياناته ولم يشغله الفضول أكثر لأنه يحب الأشياء تنل وقتها المُستحق، وقد تواصل معه الشاب وأخبره عن معرفته به وعن حماسه وشغفه بما يفعل، وحينها أحس "سُليمان" بالحماس وبدأ يتجاوب مع الشاب في الحديث، ووقتها طلب مقابلته في المعرض الخاص به كي يعرفه بشكلٍ أقوى..
بعد مرور ساعتين كان يجلس في معرضهِ يتابع العمل وتمم صفقة مع أحد العملاء ثم رحل العميل بعد تحديد موعد الاستلام، وقد أعلن مساعده عن وجود شابين يطلبان مقابلته شخصيًا، وحينها خمن هويتهما، فرحب بهما، كان ينتظر رجالًا في عمره لكنه وجد شبابًا في مقتبل العمر، رحب بهما ببسمةٍ بشوشة، وقد نطق "سَيْفُ الله" بنفس اللباقةِ التي حدثه بها سابقًا:
_مع حضرتك "سَيْفُ الله" أنا اللي اتواصلت مع حضرتك، ودا باشمهندس "خالد زكريا" وكنا حابين نتكلم مع حضرتك بخصوص مجال السيارات وبما إنك من أكتر الناس الشغوفة بالمجال دا، وعلى فكرة أنا متابع حضرتك من بدري جدًا، ومبسوط برجوعك تاني.
لمح "سُليمان" حماس الشاب وشغفه الكبير والآخر كذلك، شباب في مقتبل العمر بملامح سمحة بشوشة ينطق فيها الأمل مُعبرًا عن نفسه، ابتسم لهما بدورهِ وجلس معهما بعيدًا عن مكتبه، حيث الجزء الذي يُشبه السيارة في تكوينه وتصميمه وديكورات التزيين، جلس الشابان وبدأ "خالد" الحديث عن نفسه بقوله:
_أولًا إحنا هندخل في الموضوع علطول علشان وقت حضرتك، إحنا مجموعة شباب طلاب من كلية هندسة جامعة حلوان الأهلية، الفكرة كلها إننا بنعمل مشروع عبارة عن عربية مصرية ١٠٠% بصناعة شباب مصرية بكل حاجة فيها، وعاوزين نحقق الهدف دا والعربية تدخل مسابقات عالمية، بس للأسف بتواجهنا شوية مشاكل.
عقد حاحبيه وشعر بفضولٍ يدفعه نحو الفكرة لكنها لازالت مُبهمة التفاصيل في نظرهِ، فاعتدل في جلسته ليأخذ ميلًا قليلًا للأمام وهو يستفسر بقوله:
_معلش وضحلي أكتر الفكرة ككل.
بدأ "خالد" الحديث مرة أخرى باستفاضةٍ كُبرىٰ عن الفكرة:
_طيب، إحنا بالصدفة البحتة كنا عندنا 2 Events "فعاليتين" واحدة عن الـ Ai والتانية عن الـ auto motor، بالصدفة برضه كنا المفروض هنروح الأول بتاع الـ Ai بس حصل لبس في الموضوع وروحنا التاني، وهناك شوفنا طلبة من هندسة المطرية عاملين عربية كاملة بنفسهم، كلها بفكرتها بكل حاجة، والحقيقة الحماس دفعنا وبقى عندنا شغف نعمل حاجة زي دي، خصوصًا إنهم طلاب زينا زيهم، بس فيه مشاكل واجهتنا من البداية دي، وللأسف ماقدرناش نكون معاهم.
عقد "سُليمان" حاحبيه وسأل بهدوءٍ:
_مش المفروض إنكم طُلاب زيهم؟ يعني إيه الفكرة؟.
_الفكرة إن إحنا جامعة حلوان الأهلية، مفيش فيها أي أنشطة طلابية وقتها ولا كان مسموح بحاجة زي دي لأن الجامعة كانت لسه بتبدأ، والمشكلة اللي واجهتنا إننا لما حاولنا نكون معاهم لاقينا إن وجودنا هيكون زي عدمه، يعني هنشتغل ونتعب ونحط أفكار وجُهد لكن مالناش دور، حتى اسمنا مش هيتقال، لأننا بكل أسف مش مُقيدين معاهم في الجامعة، ودي كانت أول مشكلة، إننا حتى لو انضمينا فإحنا خارج السياق ككل، ومن هنا بدأت الفكرة، ليه ما نشتغلش ونعمل حاجة باسمنا إحنا كمان؟.
بدأت الفكرة تعجب "سُليمان" وتضوي في ظلام عقله، بدأ ينشغل بها ويرى تميزها، لمح حُلمه حين كان بمثل عمرهم لكن قيدته بعض الأغلال فتنازل عن الحُلمِ، وقد استأنف الشاب الحديث بقولهِ متابعًا:
_وقتها روحت الجامعة وحاولت أشوف الموضوع بس زي ما قولت ماكانش فيه أي أنشطة أو اهتمامات بالموضوع دا، ولا كان فيه أساسيات أصلًا ثابتة، وقتها الإحباط برضه فضل يزيد، لأن مفيش إمكانيات تساعدنا وتخلينا نبدأ حاجة زي دي، بس أنا ماحبيتش استسلم برضه، قولت خلاص هجمع الـ team "فريق" ولما ربنا يكرم ويكون مُتاح النشاط الطلابي جوة الجامعة نبدأ نعمل كدا، وبالفعل بدأت أجمع الفريق وبدأنا نشتغل على العربية، وبدأنا ناخد كورسات كتيرة جدًا، كنت بجمع الناس وبدور وبشوف التفكير والأدمغة وساعتها، زي ما قابلت الحلو قابلت الوحش، ناس وعدتنا تكون موجودة واختفت، وناس قالت هتقف في صفنا وللأسف مع ظهور الإحباطات مقدرتش تكمل، وكان علينا نكمل رغم كل الضغوطات دي، بس كملنا، وبدأت أكمل بالـ team بتاعي، وكل هدفنا نشتغل على العربية، طبعًا كان فيه حاجات كتيرة خاصة بالميكانيكا والكهربا، لأن العربية كلها بالكهربا، ولما ظبطنا الحاجات دي حصلت مشكلة تانية، زي إننا مش لاقيين Sponsors "رُعاة" وللأسف كل ما نحل مشكلة تظهر لينا مشكلة غيرها، يعني مثلًا مشكلة في الميديا والتسويق، فبنحاول بكل جهدنا، وكلنا بالمعنى الحرفي بنشتغل ونحاول.
كان "سُليمان" حقًا يشعر بروح العزيمة تنتفض بداخله وتنفض غبار الخمول والفشل عنها، بدأ يرى نفسه حقًا ويتخيل ماضيه وهو يسعى ويحاول، وقد لوح سؤالٌ في عقله جعله يتساءل:
_طب معلش أنتوا عرفتوني أنا منين؟.
جاوبه "خالد" بثباتٍ وتفسيرٍ تزامنًا مع رسم بسمةٍ بشوشة فوق مُحياه حين كان يشاور على الآخر بقوله:
_دا بقى كان دور باشمهندس "سَيْفُ الله" هو اللي عرفنا.
ردد خلفه الاسم الذي طال سمعه فأثار غرابتهِ:
_" سَيْفُ الله" !! مش سِيف يعني؟.
تدخل الشاب صاحب الاسم بضحكةٍ مرحة:
_لأ هو "سَيْفُ الله" لأني بعتز بهوية الاسم جدًا.
_معاك حق، أنا كمان بعتز بهوية "سُليمان" جدًا فمقدر شعورك.
كانت درجة التوافق كُبرى بينهما، كلاهما يُحركهما الشغف تجاه الشيء نفسه وكلاهما يُحب ما يفعله، وقد تولى "سَيْفُ الله" الحديث بقوله مُفسرًا ومُردفًا سبب المعرفة بقوله:
_أنا اللي اقترحت فكرة التواصل مع حضرتك، بما إني متابعك من زمان وعارف إنك مهتم جدًا بالمجال دا ونفسك يكون فيه النوع دا من السباقات والرياضة دي في مصر، وفرحت جدًا لما حضرتك رجعت تاني للمجال دا بعد غياب، وكمان حضرت كذا سباق على طريق العين السُخنة وكنت مبسوط جدًا وأنا بشوفك، وفرحان جدًا بالمقابلة دي مع حضرتك.
ابتسم "سُليمان" له ثم نطق بصدقٍ حقيقي:
_دا شرف ليا أنا يا باشمهندس "سَيْفُ الله" وأنا مبسوط جدًا بمقابلتنا دي، المهم أنا أقدر أساعد معاكم بإيه؟ إيه المطلوب مني؟.
وهنا جاوبه "خالد" بهدوءٍ وثباتٍ انفعالي:
_كل المطلوب من حضرتك إنك حضرتك تكون داعم لينا، يعني إحنا لسه بنبدأ وبنعاني من قلة خبرة في المجال، حضرتك خبرتك أوسع وأشمل، غير كدا محتاجين وجهة مشرفة زيك تكون معانا دا هيساعدنا كتير جدًا، وبما إن حضرتك كان نفسك تصنع عربية من صغرك وكان دا حلمك تقدر تكون معانا وتنضم لينا ونحقق الحلم دا مع بعض، وآخر حاجة أنا بطلب منك تكون مُدرب ليا بما إني أنا حلمي أوصل للمسابقة وأكون زيك، وأكيد مش هلاقي أفضل منك.
في هذه اللحظة شعر "سُليمان" بالفخرِ وأحس أن ما كان يفعله الآن يحصد نتائجه، نتيجة تعبه وشغفه وطاقته تعود عليه بالنفعِ الآن، وفي الحقيقة لم ينتوِ رفضًا قط، لكنه كان يرغب في الإتيان بالصورةِ كاملةً، لذا سألهم ببسمةٍ بدأت ترتسم فوق محياه:
_طب والـ Team "فريق" دا اسمه إيه؟.
بسمته كانت مؤشر خيرٍ فجاوبه "خالد" بلهفةٍ حماسية تشبه حماسه وحماس أفكاره نحو الضوء بالدفاعٍ:
_الـ Team اسمه Spurk، ودي شخصية إحنا اخترعناها علشان تكون علامة تجارية وشعار لينا بيميزنا، ولينا كمان صفحات تقريبًا على كل مواقع التواصل الإجتماعي وشغالين عليها حاليًا ومتخصصين في محتوى السيارات والفورميلا وعالم السباقات، وأكيد نفسنا نعمل لقاء عنك أو معاك، لو حضرتك تحب حاجة زي دي طبعًا.
كانت الطريقة التي يتحدثون بها تجبره على احترامهم وتقدير شخصياتهم، كونهم فتيان يسعون للنجاح مهما كانت الظروف حولهم، هُم نماذج تستحق التقدير والتشرف بها، نماذج تستحق أن يفخر العالم والمجتمع بتواجدها وسط آخرين يسقطون بالناس والمجتمع والبلد نحو القاع، لذا بدأ الحماس يزداد في صدره، أعلن الموافقة في انضمامه معهم ومساعدته بما يستطع فعله، ومن هُنا كانت البداية له ولهم حتى يتحقق الحُلم الذي كان وليد اللحظةِ ثم أصبح أمل الغدِ وكل يومٍ.
____________________________________
<"لأنني معكِ في كل شيءٍ؛ اليوم يوم عيدي أنا بجمعنا">
اليوم للناسِ يومٌ ولي أنا عيد..
معكِ أيامي جنةٌ وعن الأرض بعيد
اليوم أكون معكِ وقلبي سعيدٌ
اليوم اتحرر من قيدي
وأغني لأجل حُبك كل ما هو جديد…
مرت الأيام المتبقية وأتى يومهما الموعود، اليوم الذي ظل "غسـان" يُمني نفسه لأجله أتى، يوم عقد القران على الفتاة التي أحبها وسحرته ودمرت خططه كافة حتى عجز عن صدها وصد سحرها، الفتاة التي جعلته يتخلى عن درب التعقل فيصبح مجنونًا بها، لذا اليوم يشعر كأنه يوم إطلالة هلال عيده..
كان يقوم بتحضير نفسه وتجهيز ثيابه في غرفته ثم سحب الهاتف وأرسل لها صورة الثياب والعطر والحذاء وكتب لها يشاكسها بقوله:
_حضرت الحاجات اللي هتحضني صاحبها كمان شوية.
ضحك بشقاوةٍ ثم ترك الهاتف وبدأ يتجهز بعدما عاد من صالون حلاقة الرجال وأنهى العناية بهيئتهِ في وقتٍ سريعٍ قياسي، وفي الخارج كان "طاهر" سبقه وارتدى ثيابه وجهز نفسه ثم تحدث بلهفةٍ يوجه الحديث لزوجته بقوله:
_أنا هتحرك يا رئيفة علشان المعازيم قربوا يطلعوا على هناك، اتحركي من هنا مع "غسـان" وعند العروسة هتركبي مع "آدم" عربيته، هو قالي واتفق معايا، يادوب اتحرك.
اقتربت منه هي بلهفةٍ ثم وقفت أمامه وأعادت ترتيب هيئته وهندمة ثيابه ومظهره وهي تبتسم بحنينٍ وشوقٍ ثم سحبت نفسًا عميقًا وقالت بهدوءٍ:
_غسان كبر وبيتجوز يا طاهر خلاص، مين كان يصدق إن العمر يجري بينا كدا ورغم كل حاجة حصلت نكمل العمر كله مع بعض ونفرح بابننا؟ أنا مبسوطة أني عيشت الباقي من عمري مع رَجلين زيك وزي غسـان، أنا ربنا عوضني بيكم أنتوا الاتنين.
ابتسم هو بالتبعيةِ ثم لثم جبينها بحنوٍ وربت فوق ظهرها وعاد للخلف ينطق بمشاعر أبٍ وزوجٍ تحكمت فيه:
_أنا وهو كنا أكتر من محظوظين بيكِ في حياتنا، إنك كنتِ طول عمرك حنينة وطيبة ورئيفة بينا وسط الدنيا دي، أنتِ بتحصدي اللي زرعتيه معانا يا رئيفة، طول عمرك بتزرعي فينا الخير.
ارتمت برأسها تضعها على صدرهِ فضمها هو ومسح فوق ذراعها ثم ودعها ورحل من البيت، تركها تبتسم في أثره ثم عادت تُكمل ارتداء الثياب والتزيين حتى تكون جاهزة قبل الموعد الذي حدده ابنها للرحيل، هذا المُتحذلق الوقح سوف تعيد تربيته مرة أخرى بعد عقد قرانه.
وفي مكانٍ آخرٍ كانت "ورد" في شقتها تجلس بضجرٍ بعد أيام قضتها بركودٍ وجمودٍ بينها وبين "منتصر" زوجها، حيث تقتصر المكالمات على مجرد كلمات اطمئنان فقط، مكالمة لا تستغرق أكثر من ثوانٍ عابرة وتنتهي، لكن اليوم هو تعنت ورفض ذهابها عقد القران بحجة تعبها وحملها، وحين هاتفها أخوها جاوبته بيأسٍ:
_مش راضي يخليني أروح بيقولي أنتِ تعبانة ومحتاجة ترتاحي، وبيقولي إنه خايف عليا، مش عارفة بقى خلاص مش هاروح بارك للعريس وقوله إني تعبانة ماعرفتش أحضر.
لم يقتنع "آدم" بالحديثِ ولم يستسغ فعل زوجها، فزاد الغضب منه وخرج من غرفته حيث تواجد "أدهـم" في صالة الشقة وتحدث بغضبٍ:
_بص علشان ماترجعش تقول عليا بعك الدنيا، الزفت منتصر مش راضي يخلي ورد تيجي الفرح ولو أنا كلمته هخرب الدنيا، تكلمه أنتَ بالهدوء والعقل يا أدهـم وتقوله إننا هناخدها ونتنيل نرجعها تاني بيت اللي جابوه، مش فاهم بيفكر إزاي والله البني آدم دا.
كان غاضبًا وناقمًا عليه وعلى أفعاله الغبية، يكره أفكاره وطريقة حلوله للمُشكلات، يكره كونه يتحكم في "ورد" بصفته الزوج وصاحب الرأي المُطاع، لذا تنهد أخوه وقال بيأسٍ منه لأنه يعرف إلى أين سوف تصل الأوضاع بينهما إذا خاطبه:
_خليك أنتَ بعيد عنه وأنا هكلمه، هتيجي متقلقش.
أخرج هاتفه بعدما ترك ثيابه وتحرك يجلس على طرف الأريكة وبدأ الحديث بقوله المرح حتى لا يثير استفزاز الآخر وبجعله مُحرجًا منه بطريقةٍ ما غير مُباشرةٍ، فأتى حديثه ودودًا:
_إيه يا معلم أخبارك إيه؟ من ساعة السفر يعني مابتسألش ولا بتعبرنا، لازم يكون اسمي ورد يعني علشان تكلمني؟ مكانش العشم منك والله، المهم سيبك أخبارك إيه؟.
_بخير يا "أدهـم" والله وحقك عليا بس الشغل هنا ضغط أوي يادوب بروح أرتاح شوية قبل ما أنزل الشيفت التاني، طمني عليكم كلكم بخير؟ صحتك جت على الجواز ولا لسه؟.
كان يمازحه فابتسم "أدهـم" وسايره في الحديث ثم فاجئه بقوله:
_طب إيه صح علشان أنا لسه مستني ومش عاوز اتأخر أكتر من كدا، كنت بقول لآدم يروح يجيب ورد علشان نتحرك بيقولي إنك مش موافق تروح، استغربت وقولت هو منتصر خاب ولا إيه؟ أومال لو مش رايحة مع أخواتها وأبوها وأمها وكلنا هنكون تحت أمرها، قولت مستحيل يعني يكون بيفكر بالتخلف دا.
أحرجه بكلماته وسد عليه سبيل الرد بالكلمات، كأنه يضعه في مكانة عالية ولا يسقطه منها حتى بالكلام، وهذا ما أحس به "منتصر" فحمحم وتولى مُرافعة الدفاع عن فكره بقوله مضطربًا:
_والله مش دا قصدي، أنا بس خايف عليها تتعب ولا يحصل حاجة ليها هناك ودا مقلقني، هي بقالها كام يوم مش مظبوطة وحملها صعب أوي من أوله، بس بعد مكالمتك دي أنا ماقدرش أقولك حاجة، خلي بالك منها بس ومش هوصيك عليها.
ابتسم "أدهـم" بظفرٍ وأكد ما يقوله ثم ودعه ونظر في وجه أخيه الذي كانت ملامحه متأهبة للقادم، فنطق هو بدهاءٍ امتزج بالشموخِ:
_اللي زي منتصر لازم تاخده بوش حنية ماينفعش معاه القفش، دا تحرجه بالكلام وتخليه يعملك اللي أنتَ عاوزه، عارف لو كنت كلمته أنتَ؟ كان زمانه قلب عليك الترابيزة وخلاك أنتَ الحشري المتطفل، رغم أنها أختك بس هو مابيحبش يعمل المجبور عليه، علشان كدا لما أحرجته بالكلام من نفسه أداني تصريح وإذن، فكك منه وكلمها تحضر نفسها لحد ما عُـلا تخلص.
تحرك "آدم" بسرعة البرقِ لعنوانها هي، فيما ولج "أدهـم" الغرفة على زوجته التي كانت تبتسم بجوار الفستان البُني ثم اقترب منها وهو يسألها بهدوءٍ:
_العريس بيلبس، هتلبسي إمتى؟.
رفعت عينيها نحوه وهي تنطق بخجلٍ:
_أول مرة فستان يبقى حلو كدا جاي علشاني، عاجبني ونفسي أشوفه عليا بس خايفة أخلص بدري وأقعد من غير ما أعمل حاجة، عاوزة شكلي يكون حلو وأنا جنبك ومعاك.
ابتسم لها ثم اقترب وطبع لثمة وجنتها ثم كرر الفعل مع الأخرى ثم همس بخفوتٍ دافيء وصلها:
_شكلك حلو من غير حاجة يا عُـلا، ومن غير ما تعملي أي حاجة أنتِ وجودك بيحلي كل حاجة، أنا اللي عاوز أليق بيكِ وأكون فعلًا راجل يستاهلك، أنا محظوظ إنك نصيبي أنا، الحمدلله إنك مش نصيب العجل مأمون.
ضحكت بيأسٍ واستسلمت لعناقهِ فيما ضمها بقوةٍ بعطيها جرعة أملٍ وأمانٍ تُكمل بهما يومها، تحارب بهما اليأس والخوف والضياع، تستمد منه قوةً ثم تحارب بها في وجه ضعفها، لذا هي حتى لم تعترض حين يزيد قربه ويختلس قبلةً منها ويبثها غرامه وحُبه بعناقٍ دافيءٍ وبلمسةٍ حنونة، وبربتة متضامنة، ثم يأويها من جديد في عناقهِ وهي تستسلم للأمان حين يغمرها في حضرتهِ.
في شقة "يحيى" كانت ابنته تقفز لأنها ترتدي ثيابها لأجل حضور المناسبة معهم، بعدما تقدم "آدم" له بدعوى عقد القرانِ وحينها وافق لأجل ابنته، لأجل حياتها المنطفأة ولأجل شغفها المُهاجر، اشترى لأجلها فستانًا أبيض اللونِ وابتسم وهو يتمنى أن يراها عروسًا في ليلة زفافها، تمنى أن تحيا الباقي من حياتها بالأملِ وليس الألمِ..
عاونها في ارتداء الفستان ثم تسوية خصلاتها كما تحب مع وضع فراشة فضية اللون فوق خصلاتها الشقراء ثم ألبسها الحذاء الأبيض ذي الكعب المتوسط حتى ضحكت ودارت حول نفسها وهي تسأله بملامحها وعينيها، فجاوبها حين فهم عليها:
_زي القمر يا عيون يحيى، عقبال فستان فرحك.
ركضت له ترتمي في عناقهِ فحملها فوق ذراعهِ ثم لثم وجنتها بحبٍ بالغٍ وهو يضمها لصدرهِ متمنيًا أن يرزقه الله بطاقةٍ تجعله يُكمل الدرب لأجلها هي، وأن يكون نصيبها أفضل من نصيبه هو كرجلٍ أكل الحزن قلبه ومزق اليأس عزيمته.
بعد مرور ساعاتٍ..
عند مدخل القاعةِ وقف "غسان" ينتظر خروج عروسهِ من السيارة وحين لمحها ابتسم بعينيه قبل شفتيهِ، هل هلال عيده عبر شفتي تلك السمراء صاحبة الأعين الغريبة المميزة، العالم لم يسعه كما تسعه هي بعينيها الواسعتين الضحوكتين، اقترب منها "طاهر" مبتسمًا ثم أمسك كفها كي يكون هو وكيلًا في زواجها بعد مطلبها منه، وحين اقترب من ابنه حذره أمام الجميع بقوله يمازحه:
_والله ما هتلمحها قبل ما تبصم بالعشرة جوة.
زادت الضحكات عليهما حتى ولج بها للطاولةِ المُحدد جلوسها عليها لعقد القران، كانت ترتدي فستانًا باللون الأبيض الكريمي، يتسع من عند بداية التنورة والخصرِ، به شريطين عريضين متعاكسين من عند الكتفين، كانت عروسًا في غاية البساطةِ والرقةِ، جلس "غسان" على المقعد ووقفت بجواره "رحيق" ضاحكةً في وجه أبيها.
في الخارج توقفت سيارة "وليد" وتحدث يوجه حديثه لأخته التي تجلس في الخلف بقوله:
_أنزلي يا خديجة لحد ما أشوف ركنة في السواد اللي إحنا فيه دا.
كان يسخر من السيارات والماركات التجارية الغالية حتى ضحكت هي عليه وكذلك زوجته لكن صوت هاتف أخته صدح برقم زوجها فخرجت من السيارة مسرعةً حتى تجاوبه بحريةٍ، بينما زوجته "عبلة" فضحكت عليها وعلى ملامح زوجها الذي جاهد حتى صف سيارته ثم تحدث بعنادٍ:
_هي حلوة هنا، دا آخرهم معايا خلاص.
نزل بزوجته من السيارة وانتظر أخته ثم ولج بهما فلمحتهما العروس، وفي نفس التوقيت بدأ المأذون عقد القران أمام الجميع بحديثٍ منمقٍ وببدايةٍ في غاية البساطةٍ والسلاسة مُعرفًا للناسِ معنى كلمة المثياق الغليظ، ومعنى الزواج في الشريعة الإسلامية، وقد آثرت "فريدة" أم العروس عدم مجيء عائلة زوجها حفاظًا على حفل ابنتها ويومها..
وضع "غسـان" يده في يده والده وبدأ المأذون يُملي كلًا منهما والآخر يردد خلفه حتى أنهى العقد بترديده الديباغة المعتادة:
_اللهم بارك لهما وبارك عليهما واجمع بينهما في خيرٍ..
عند هذه الجملة ظهر "داغـر" من بين الحضور واقترب يقف بجوار حفيده الذي تأهبت حواسه بترقبٍ وقلقٍ لكنه ابتسم له ثم ضمه بقوةٍ أمام الجميع وحين تيبس جسد "غسـان" همس هو له بهدوءٍ:
_هديتك جهزت يا عريس وحضرتهالك، عيلة مراتك بيتحقق معاهم دلوقتي علشان اللي عملوه، دورك توفي بوعدك ليا.
مرة أخرىٰ الضارية تعود من جديد لفريستها وتُطالبها الوفاء بالوعدِ، حتى وإن كان وعدًا بالتنازل عن الحُرية والحياة مقابل العيش في الأسرِ والقيود.
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات..