
رواية جمعية حب الفصل الثاني والاربعون 42 بقلم شمس محمد بكري
|| غياب تام بث الرُعب فيه ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
هُنا في السابق قبل مجيئك كل شيءٍ كان نقيضًا للوقتِ الراهنِ..
أتري بعينيكِ هذه السماء المُضيئة؟ قبل أن أتعثر في طريقك كانت معتمةً في غاية القسوةِ والظلام،
أتلمحين هذه الساحة الخضراء؟ كيف أخبرك أنها قبل ظهورك كانت مجرد أرضٍ قاحلة؟ أتدركين حُريتي هذه؟
كانت قبل معرفتكِ سجنًا لي ولقلبي..
ومن هُنا أدركت أنه كان لزامًا عليَّ أن أُحبك
كان لزامًا عليَّ أن أختار طريقك لأنجُ بنفسي من التيهِ
كان لا بُد ليّ من حُبك، فبماذا أنجُ أنا من دونِ حُبك؟..
<"أهل الحُب سُكارىٰ والشارب منه يعيش مخمورًا">
كانت حُرة تُشبه الشمس تمامًا..
لا تجد قيودًا تمنع ضيْها
ولا تمنعها حدودٌ من إشراقها
دافئةٌ هي تشبه شعاع الشمس من بعد الأمطار
وكأنها تتشر النور في كل مدارٍ..
_اللهم بارك لهما وبارك عليهما واجمع بينهما في خيرٍ..
أعلن المأذون انتهاء عقد القران بينهما وسط جوٍ تسوده البهجة والأُلفة؛ وتزامنًا مع هذه الجملة ظهر "داغـر" من بين الحضورِ واقترب يقف بجوار حفيده الذي تأهبت حواسه بترقبٍ وقلقٍ لكنه ابتسم له ثم ضمه بقوةٍ أمام الجميع وحين تيبس جسد "غسـان" همس هو له بهدوءٍ:
_هديتك جهزت يا عريس وحضرتهالك، عيلة مراتك بيتحقق معاهم دلوقتي علشان اللي عملوه، دورك توفي بوعدك ليا.
مرة أخرىٰ الضارية تعود من جديد لفريستها وتُطالبها الوفاء بالوعدِ، حتى وإن كان وعدًا بالتنازل عن الحُرية والحياة مقابل العيش في الأسرِ والقيود، لكنه يظل إلزامًا على الفريسةِ أن تفي بوعدها، وبينما انتشرت المباركات انقبض قلب "رئيفة" وهي تشاهده بجوار ابنها الذي شخص بعينيه نحوها يلحظ خوفها، فتولى دفة الحديث حين همس له:
_وأنا مابخلفش بوعدي وأنتَ عارفني، بس اللي يخصوني يكونوا في أمان، وليلتي دي تعدي على خير معاك.
ابتعد عنه "داغـر" وطالعه بعينين لا تُفهم النظرة منهما، أهي نظرات آسرة بالحنين أم أنها مجرد استدلالة مشاعر طفيفة لا يُعتَرفُ بها، وفي هذه اللحظة اقترب "أدهـم" من ابن خالته متجاهلًا عن عمدٍ جده ثم ضمه يبارك له بحبٍ أخوي، كان كما الأخ الكبير الذي يسعد بنجاح وفرح أخيه الأصغر ثم همس له في أذنه:
_روح سلم على مراتك وسيبك منه، البت مستنية.
وفي الحقيقة ظهور جده أربكه حتى تبدلت كل مخططاته، فكان ينوي أن تكون هي أول من يعانقه بعد عقد القران؛ خاصة بعد مشاكسةٍ في أبيه ومضايقته، لكنه أدرك لتوهِ أنها وسط الصديقات وفتيات الجيران والأصحاب، فتحرك لها مبتسمًا وتلاقت الأعين لمرتها الأولى بحقٍ، حق في النظرة والابتسامة والهيام والشغف، حق في أن يُطالع المرء ملكه بكل شغفٍ وصدقٍ وكأنه لا يُصدق أنه وصل لهُنا أخيرًا..
مال عليها وضمها في عناقهِ بحركةٍ رتيبة وقورة ثم همس لها في أذنها والأعين تأويهما معًا في إطار العاشقيْن:
_من دلوقتي يا "نـوف" أمانك هنا في قُربي.
كان يقصد عناقه الذي أخفاها بداخلهِ كأنه يرغب في أن يحفظها فيه بعيدًا عن قُبحِ العالم، بينما هي فاستسلمت لعناقهِ الآمن حين آواها فيه، لأول مرةٍ من بعد رحيل أبيها تستشعر الأمان بهذه الطريقة، تحاوطها هالة من الأمنِ وتساورها طمأنينةٌ في حضرته، تشعر به كأنه عاشقٌ نال عشيقته، حتى سارت قشعريرة لذيذة بمجرد الشعور هذا خاصة حين ابتعد عنها ومال يطبع لثمة حنونة فوق جبينها، كأنه يُخبرها بكل صمتٍ أنه معها مهما كلفه الأمر من أيام عمرهِ وحياتهِ.
كانت الكلمات تصدح عاليًا في المكان، بغير موسيقى وبدون اختلاط من الجنسين، عقد قرانٍ وقورٍ انتشرت فيه البهجة والأُلفة بين الجميع، مباركات الأهل بدأت تنهال على العروسين، فرحة الأصدقاء والأهل والجيران الحاضرين كانت بائنة كوضوح الشمسِ في الوجوه والأعين.
والعروس..
كانت في نظره كما الشمس المُشرقة لا يجوز لها أن تنطفيء، كانت مُضيئة، آمنة، دافئة، تُشع نورًا وأملًا في وجه مصاعب الحياة، كأنها دفءٌ من بعد الإعصار والأمطار، ولا يعلم هو منذ متى وهو ينتمي لها وهي تنتمي له؛ لكنه أخيرًا وجد مرساه هُنا بعد الغُربة والإبحار في أطراف المدينة..
ابتعد "داغـر" يقف بمحاذاة ابنته كي يُبارك لها زواج ابنها، وهي بدورها ابتسمت له ابتسامة منقوصة مُرتبكة؛ لكنها كانت تبحث عن "طاهر" الذي انشغل بمباركات الأصدقاء والرفقة له، بينما "داغـر" على الفور عيناه تعلقتا بها هي، ابنته البعيدة عنه قلبًا وقالبًا، الوحيدة التي تبقت من صلبهِ، الغائبة عن عينيه ومشاعره، راقبها بصمتٍ وهي تنسحب من محيطه وتقترن بموضع زوجها.
استمر الحفل بعد ذلك وسط مباركات وتهانٍ من الجمعِ، بدأت جلسة تصوير العروسين معًا برفقة عائلتيهما، صور برفقة الأهلِ والأصدقاء، حتى اقترب "أدهـم" بزوجته التي باركت للعروسين وضمت العروس ثم اُلتقطت صورة لهم سويًا، وصورة أخرى برفقة "آدم" الذي وقف يضم أخيه ورفيقه والعروسين على الطرفينِ، صورة ملأت البهجة كل زواياها، ثم تحرك واستدعى "ورد" ووقف بها فبدوا كأنهما عاشقان مثل الآخرين.
بعد انتهاء الصور تحدث "غسـان" يُمازح رفيقه "آدم" بقولهِ:
_طب بدل ما تحضن أختك اتشطر كدا وشوفلك حد يلمك، هتفضل لوحدك بطولك كدا يعني؟ خلاص أنا وأخوك خلصنا، دا حتى أختك بقت نصيب أخوك.
_يا عم ما تخليك في حالك هي ناقصة صداع يعني؟ أهو عندك القدوة سليمان باشا، طلق وبقى حُر نفسه، قولهم يا سليمان، أنهي أحسن؟.
كان "سُليمان" يقف بجوار رفيقه وقد ضحك بعينيه أولًا، ثم انتبه للسؤال فقال بنبرةٍ ضحوكة بها شيءٌ من المرحِ والمزاحِ:
_الحُرية طبعًا وأنتَ حُر نفسك طول اليوم ولا حد ياكل دماغك ولا يصدعك ولا كل شوية يدوشك هات وجيب وعاوزة وحط ووديني وجيبني، يلا يا عم هي ناقصة قرف يعني، اشتري دماغك وكمل زي ما أنتَ.
استهلت ملامح "آدم" وبدا الانتصار جليًا فوق ملمح وجههِ كونه وجد من يوافقه الرأي وينتهج مسلكه في الحياة، بينما "أدهـم" فابتسم ساخرًا لأنه وجد من تُخالف قواعده وقواعد قلبه، أتت من جعلته يتخلى عن حياة حُريتهِ ويرغب في السجن لو كان معها هي، وحدها أتت عوضًا لقلبه وهي تأسره بعيدًا عن العالمِ ليكوْن معها عالمه الخاص بهما.
وقفوا الشباب مع بعضهم كي يتم التقاط الصور لهم رفقة بعضهم حتى "يحيى" ولج بابنته معهم، وقد حملها عنه "آدم" ثم "أدهـم" وهي تضحك وتضيف للصورة بهجةً من نوعٍ آخر، وكذلك تم تصوير الفتيات بقرب "نـوف" التي كانت وسط الصديقات تلمع كما شعاع الشمسِ؛ تتوهج بضي الفرحِ وعيناها تغزلان حكاية أملٍ وحياةٍ يسعىٰ المرءُ لعيشهما في رغدٍ.
جلست "عُـلا" بقرب "ورد" التي تابعت "أدهـم" بعينيها فوجدته يبحث عن زوجته، كانت شبه مخبوءةٍ خلف الزهور فابتسمت "ورد" ومالت تهمس لها بشقاوةِ مرحة:
_عينه بتدور عليكِ، اظهريله.
عقدت حاجبيها والتفَّت برأسها لتجده تقدم للأمامِ وعيناه تُمشطان المكانِ بحثًا عنها فابتسمت وتحركت من مقعدها تقترب منه، بينما نزل هو الدرجات الصغيرة التي تفصله عنها واستفسر بهدوءٍ:
_كنتِ فين؟ بدور عليكِ.
توسعت بسمتها لأنها لمحت وميض عينيه لأجلها ثم أشارت على موضعها السابق وهي تقول بنبرةٍ متزنة تخفي خلفها فرحتها:
_كنت قاعدة هناك بس الورد كان مخبيني.
_بيفهم والله.
نطقها بمراوغةٍ أخجلتها بينما قبض هو فوق كفها ثم تحرك بها يقف منزويًا وشاور لـ "ورد" التي اقتربت منهما فطلب منها ببسمةٍ هادئة:
_صوريني معاها يا ورد بعد إذنك.
رحبت كثيرًا بالطلب وبدت الحفاوة جليةً فوق ملامحها، فلطالما كانت تدري وتُدرك أن الحب هو موطن الشفاء حين يكون المرء مغتربًا على حدود الألمِ، ومنذ أن أتت "عُـلا" وهي ترى بأم عينيها شفاء "أدهـم" من حدتهِ ووحدته، وتعافيها هي من السقمِ، التقطت لهما بعض الصور وهي تبتسم بحبٍ عند مُطالعتهما كحبيبيْن معًا، حقًا الحُب هو موطن الشفاءِ، لكن حُبها هو موضع الألمِ بذاتهِ..
تحركت "ورد" من المكانِ وتركتهما سويًا مع بعضهما، فقربها "أدهـم" منه حتى تلاقت الأعين ببعضها فابتسمت له وقررت أن تغازله صراحةً بقولها حين وقعت عيناها على مظهره ببذلته السوداء:
_أنتَ مالك زي القمر كدا ليه النهاردة؟ إيه حكايتك؟.
ارتسمت بسمة غريبة فوق ملامحه كأنه يستنكر قولها فوجدها تغمز له بشقاوةٍ وتسأله بهمسٍ خافتٍ زايد من مرحها:
_قولي بس فيه حد من اللي هنا عاكسَك غيري ولا إيه؟.
توسعت بسمته أكثر حتى أمست ضحكة بشوشة ثم قرص وجنتها يمازحها ومال يُلثمها كعادةٍ أصبحت مُقربة لقلبهِ ثم ضمها بحبٍ أبلغ من كلِ الكلام.
بينما هي فكانت تتمنى أن تبقى بجوارهِ ها هُنا للأبدِ.
تتمنى أن يتوقف الزمن ولا ينتهي بغيرهِ، فَصدق من قال أن المرء حين تفوته الأحلام ييأس؛ حتى يجد أحلامًا أخرى تكون عِوضًا عن السابقة التي فاتتهُ..
____________________________________
<"لو أن الزمان به ما يستحق الحياة، من المؤكد أنتَ">
كيف يستمر المرء في العيش؟..
بدون هدف؟ بدون غاية؟ بدون حياةٍ تُعاش !!
الحقيقة هُنا متباينة؛
فالمرء يستمر في العيشِ حين يحيا الحياة التي يرغبها أو حين يجد من يُساعده في الحرب والوصول لأجل حياةٍ يبغاها..
خارج قاعة عقد القران ظلوا المُقربين فقط، وقد تولى "آدم" دعوة الجميع حيث مطعمه لاستكمال الحفل الخصوصي هُناك، كانت هديته للعروسين وللصديق الذي كان أكثر من ممتنٍ له، وقد ركب "غسـان" سيارته رفقة "نـوف" التي جاورته وسرعان ما انطلقت السيارات خلف بعضها بحفلٍ على الطريق كان بقيادة "سُليمان"..
على الطريق كان "سُليمان" يقود الموكب الخلفي للسيارات، وسط أصوات أبواق السيارات العالية والأضواء الراقصة من السيارات، وسيارة العروسين تتحرك على الطريق كأنها أسيرٌ ينطلق نحو الحُريةِ، وخلفه كانت سيارة "يحيى" الذي انطلق على الطريق مع ابنته حين وجدها تبتسم بسعادةٍ، كانت تخرج من سقف السيارة وتفرد ذراعيها، كُلما بطأ والدها السيارة تنزل تحثه ثم تخرج مرة أخرىٰ..
لأول مرةٍ منذ ما يُقارب العالم الثالث وهي تعيش هكذا..
تبتسم وتسعد وتضوي عيناها بوميض النجوم الحية في السماء الحالكة، و "رحيق" هي النجمة المتوهجة في سماءه الظلماء، هي الضوء الوحيد المسمىٰ بالأملِ في حياتهِ، وهو يضحك لأنها تضحك معه، لا ينقصه فقط غير كلمةٍ منها أو مجرد صوتٍ تُحييه به، لكنه لن ييأس، سيظل يحاول لأجلها هي..
أمام مقر مطعم "آدم" كان "سُليمان" يتحرك بسيارته بحركاتٍ جنونية لن تجد له أي منافسٍ فيها، كان يصنع الحلقات الدائرية بشكلٍ مهيبٍ للأنفس ويُمارس جنونه بكل شغفٍ وشوقٍ، يعلم أنه وحده من يجرؤ على هذا، وقفوا الجميع خارج السيارات يتابعونه بينما هو استمر حتى نزل "غسـان" وقف في المنتصفِ بلعبةٍ نارية ذي إضاءة حمراءٍ متوهجة وسيارة "سُليمان" تدور حوله وسرعان ما انطلق الصافرات العالية والصيحات الحماسية..
يومٌ حافلٌ مليءٌ بالأحداث السعيدة، الجميع في الأغلب يتناسون همومهم لأجل الفرحِ، وقد تحركت "ورد" تجاوب على مكالمة زوجها الذي بدا صوته مبتسمًا وهو يُمازحها بقوله:
_قولت أتصل طالما أنتِ مش معبراني، طمنيني أنتِ كويسة؟.
جاء الرد منها بتعنتٍ وعنادٍ وهي تقصد إثارة استفزازه:
_طبعًا كويسة جدًا، الحمدُ لله ومبسوطة كمان.
_من غيري؟ مكانش العشم فيكِ، جالك قلب؟.
سألها متصنعًا نبرة حزينة درامية فوجدها تُزيد التعنت بقولها:
_آه عادي، اشمعنا أنتَ بيجيلك قلب تزعلني يا منتصر؟.
_والله العظيم ماقدرش وأنتِ عارفة، أنا بس بخاف عليكِ أنتِ، عاوزك تاخدي بالك من نفسك وصحتك وصحة البيبي، حقك عليا أنا، جزمتك فوق راسي يا ورد والله العظيم، ولو لفيت كل الدنيا مش هلاقي ضُفرك، أنتِ أصلًا مفيش منك اتنين في الدنيا كلها.
ابتسمت هي ابتسامة بلهاء وتورد وجهها كأنه بيتٌ وساكنه الأصلي عاد له بعد غُربة وغيابٍ، تنهدت تحسم أمرها ثم نطقت بقلة حيلة كأنها مغلوبة على أمرها:
_وأنا عارفة والله كل اللي بتقوله، بقيت حافظاه من كتر ما سمعته منك، وكل مرة تضحك عليا بالكلمتين دول وخلاص، بس أنا بقى عاوزة أحس حُبك دا مش اسمعه بس، تعرف إني تقريبًا أول مرة أحضر مناسبة من غيرك من بعد فرحنا؟ وأول مرة أحس فعلًا إني محتاجة لوجودك جنبي، ساعة فرح أدهـم كنا مع بعض ومبسوطين، النهاردة أنا لوحدي من غيرك، وأنتَ هناك لوحدك من غيري، أنا دلوقتي بقيت محتاجالك أكتر من الأول.
حديثها في كل مرةٍ يكشف له ما يُغمض عنه عينيه ويغض طرفه، اليوم للمرةِ الألف تخبره بغير مباشرةٍ أنها تفقد نفسها معه، تفقد "ورد" رحيقها وشغفها وحياتها، ولأنه لا يحب أن يكون في صورة الظالم؛ آثر أن يكون في صورةِ المظلوم، لذلك أبدى ضعفه وعجزه حين قال:
_وأنا كمان والله العظيم محتاجلك كل يوم، بتمنى كل ليلة تكوني معايا هنا وينتهي اليوم بيا جنبك وتقويني على المرار دا، بس هنا لو جيتي هتتبهدلي معايا، لسه لحد ما نلاقي سكن تاني بسعر كويس، ونخلص ورق الإقامة والفلوس، ولو جيتي هيكون يادوب معايا حق السكن ومش هنلاقي ناكل ولا أعرف اصرف على أهلي، زيي زيك متكتف والله ما ببالغ.
تنهدت بقوةٍ وجلَّ ما استطاعت أن ترد به عليه كان قولها:
_ربنا يقويك يا منتصر، ويقويني أنا كمان ويجمعنا مع بعض بالخير أنا وأنتَ وابننا في بيت واحد من غير غُربة وغياب.
_ويباركلي فيكِ يا ورد، ويقدرني وأردلك حقك وجمايلك.
كان هذا الرد حتى ابتسمت هي ثم أغلقت معه، ولأنها سريعة الصفح والمسامحةِ أرسلت له صورتها في عناق "آدم" ليرى صورتها وفستانها المميز صاحب اللون الأزرق الذي يُشبه زُرقة البحرِ، كان يليق بخصرها النحيل وجسدها المرسوم بانحناءٍ مميزٍ يجعلها مطمعًا في عينِ الكثيرين، بشرتها صافية ونقية وعيناها مميزتان، "ورد" جميلة في أعين الكُلِ بلا شكٍ ولا تستحق غير أن تسكن في حقلٍ يليق بها.
في الداخل بدأ الحفل حيث رقص الشباب مع العريس، وانتشار صيحات الفرح بين الأهلِ والأصحابِ، وقد تحرك "طاهر" يمسك عصا وهو يضحك فاقترب منه ابنه يرقص مُقابله على نغمات "المزمار الصعيدي" والطبول القديمة "البلدي" ومن هنا انتشرت علامات البهجة أكثر، التفوا حولهم الشباب والابن يرقص مع والده الذي كان يضحك بسعادةٍ ثم ضم ابنه وعانقه وهو يربت فوق ظهره وهو يُبارك له ويوصيه بكل حبٍ:
_ربنا يسعدك يا حبيبي ويباركلك في حياتك وبيتك ويهنيك بعروستك، افرح يا واد وعيش الليلة ليلتك.
ابتعد عن والده بعينين لامعتين فولج "أدهـم" يرقص مع ابن خالته بالعصا، كلاهما يرقص رفقة الآخر بحرفيةٍ كما كان يرقص "توفيق" برفقة "طاهر" في زمانٍ ولىٰ، كانت "عُـلا" ترى زوجها المحبوب من الجميع ويحظى باحترامهم وتقديرهم له، له مكانة عالية وشأنٌ مرموقٌ بين الكلِ وحين قابلها بعينيه غمز لها فوقعت في غرامه للمرةِ التي تجهلها هي..
بينما "غسـان" فتحرك نحو العروس ثم أمسك يدها بجوار صديقاتها ورفقتها وظل يرقص معها بعيدًا عن الرجالِ، كانت تضحك وتبتسم بسعادةٍ ولا تدري كيف تحققت الأحلام بهذه السعادةِ، رقصت أمامه حتى دار حولها بالعصا فسحبت هي كلًا من "فريدة" و "رئيفة" التي أطلقت الزغاريد فرحًا بابنها وزوجته التي لم تقل مكانتها عنه قط..
في هذه اللحظة كان "آدم" بدأ يقوم بتنزيل الطعامِ للحاضرين، وقد كان سبق وجهز جلسة خاصة بالعروسين في ركنٍ بعيدًا عن أعين الحاضرين حتى يترك لهما خصوصية اللحظة، طاولة بيضاء مستديرة مزينة بأوراق الورد الأحمر والشموعِ، جلسة في ليلةِ أُنسٍ يحظى فيها الغائب بجمال موطنه..
العائد من الضياعِ للأمانِ في عناقِ أرضهِ.
ظل يتبع موضع تحرك عينيها وهي تهرب بخجلٍ منه، لكنه تجرأ وقبض فوق كفها حتى تيبست وهي تُطالعه بخجلٍ لكنه ابتسم وسألها بهمسٍ حين مال عليها فيصبح أقرب من السابق:
_فيه حاجة مضايقاكِ؟.
حركت رأسها نفيًا وهمست بصوتٍ مُتلجلجٍ تزامنًا مع توتر حركة بؤبؤيها وهي تنظر في وجهه وتخبره بهمسٍ خافتٍ:
_لأ، أنا بس، بس متوترة شوية وحاسة برهبة كدا، وخايفة تقل بعقلك بصراحة وتعمل حاجة كدا ولا كدا، مش ضامناك.
استمع لها حتى أنهت الحديث ثم أشار على نفسه مستنكرًا بقوله:
_أنا !! أنا يا بنتي؟ استغفر الله العظيم، أنا عمري أعمل حاجة كدا ولا كدا؟ دا أنا طول عمري خام تحطيني على الجرح يطيب.
سارت منه بملامح وجهها فتحرك يترك موضعه ثم اقترب جاثيًا على عاقبيهِ أمامها وضم كفيها بين عناقِ كفيه ثم تنهد ونطق بصدقٍ دون أن يكذب عليها في حرفٍ حتى من كلماتهِ:
_الحياة قصيرة أوي لو اللي عايشها شايف أنها حلوة وفيها أمل، لحد ما تيجي لحظة الغدر وكل حاجة تتقلب عليه، دا أنا عيشته بنفسي وشوفته، من واحد كان بطل جمهورية الناس كلها بتحلف باسمه، لعيل ممنوع من دخول النادي علشان أعمال شغب وعنف، أنا لما مشيت مض١ضضضن مصر مشيت مكسور وراسي في الأرض، مشيت ماعنديش أمل في أي حاجة، بس لما رجعت تاني وشوفتك وقابلتك حسيت إني بقى عندي أمل علشان أعيش تاني، بقيت عاوز أحاول وعاوز أعيش، بقيت عاوز حابب الحياة وأنتِ فيها يا نـوف، بقيت بحبك أنتِ كلك على بعضك.
فرغ فاهها بذهولٍ أمامه لتجده يبتسم برزانةٍ وزفر كأنه يطرد توتره خارج صدرهِ ثم استأنف حديثه متابعًا باسترسالٍ أكبر:
_والله العظيم بحبك ومش عاوز حاجة من الدنيا غير فرحتك أنتِ
شقت البسمة وجهها وهي تطالعه، وقد كانت عيناها تضويان كما نجومٍ مُتلألأةٍ في ظُلمة ليلٍ حالك السوادِ، عيناها الواسعتان تأوياه في رحابهما فيحب أن يرى انعاكسه فيهما، يُحب أن يكون هُنا مرئيًا في عينيها حتى يشعر بحلاوة الدنيا.
بغير شقاءٍ وبغير ألمٍ أو سقمٍ، لكنه يتمنى أن يكون ها هُنا معها للأبدِ.
رفع جسده ومال يُلثمها فوق جبينها ثم كلتا عينيها فنزلت عبراتها حين لامست حنوه عليها وأحست برهبةٍ في مشاعرها نحوه، حين أدركت أنه أمانها وأمنها، ولم تعلم هل تملكها اليقين في تواجده حتى تأمن في كنفهِ، أم هو مجرد حُلمٍ وفكرةٍ تطرأ في بالها لترحمها من قسوة الأيام في غياب من تُحب..
وقد كان اعترافه الأول بالحبِ أشبه بالمطرِ على أرضِ جارفة أصابتها القسوةُ بالجفافِ، والآن تعود الحياة لها، تشعر بقيمة الحياة وأصبحت تفكر في استصلاح نفسها لأجل الزراعة مرة أخرىٰ، لكن تلك المرة هي تفكر في زراعة حياة جديدة..
لم تشعر بنفسها إلا حين وجدت نفسها مضمومة في عناقهِ، ولأول مرةٍ في الحياة تتمنى البقاء بجوار رجلٍ غير أبيها دون أن تشعر بالخوف والرهبة منه، الرجل الوحيد الذي حين أحبها استخلص حُب جوهرها وقلبها، يرى التميز فيها كما يَراه المهووس بباطن الأحجار الكريمة مجهولة الهوية..
كانت في هذه اللحظة أختها بالخارج توثق اللحظات بالتقاط الصورِ وبجوارها "آلاء" صديقة "نـوف" التي لم تتركها منذ صبيحة اليوم، ومن قبلها بأيامٍ أُخر وهي تعاون معهن في أعمال البيت وإطعامِ الناس والأقارب، كانت خير الرفيق والمعين في هذه الظروف، وقد تنحت جانبًا حين صدح صوت هاتفها برقم أمها، وبمجرد الجواب وصلها همسٌ حانقٌ من أمها:
_أنتِ فين يا آلاء كل دا؟ أبوك صحي من النوم وسأل عليكِ قولتله إنك في كتب كتاب نـوف، فضل يرغي وسمعني كملتين، أعملي حسابك تيجي على هنا متباتيش عندك، يا رب ينام تاني ونخلص.
أطبقت جفونها فوق بعضها وزفرت بمللٍ ثم نطقت بجفاءٍ:
_حاضر يا ماما ربنا يسهل، سلام.
أغلقت الهاتف مع أمها ثم اقتربت من أمِ صديقتها وخاطبتها بصوتٍ خافتٍ:
_عن إذنك يا طنط أنا مضطرة أمشي، سلميلي على نـوف وقوليلها غصب عني والله إني أمشي وأسيبها دلوقتي بس ممكن بكرة آجي أشوف لو محتاجين حاجة.
_ولا يهمك يا حبيبتي كتر خيرك وعقبال ما نعمل يوم فرحك كدا، بس هتمشي إزاي دلوقتي؟ استني أشوف حد يوصلك طيب أحسن ما تتبهدلي في المواصلات دلوقتي، خدي عربية نوف وروحي بيها.
كان هذا رد السيدة عليها فيما اعترضت الأخرى ورفضت رفضًا قاطعًا ثم تحركت من المكانِ بلهفةٍ حتى لا تصطدم مع أبيها من جديد، لذلك كانت خطواتها واسعة وشبه راكضةٍ وهي تخرج من المطعمِ وتتوسل النجاة من براثن أبيها هذه الليلة وأن تمر ليلتها معه بغير صراعاتٍ..
وعند هذا المُنحنى من التفكير ابتسمت ساخرةً وهي تَلِج سيارة الأجرة التي أوقفتها، لأنها وبكل أسفٍ تعاني من اضطراب الخوفِ بسبب مصدر أمانها، فهي كارثة كُبرىٰ أن يكون مصدر أمان الإنسان هو نفسه مصدر خوفه وقلقه
وللبنتِ تكون فاجعةً حين يكون الأب هو مصدر الخوفِ..
____________________________________
<"لكل ليلٍ نهارٌ، ومن بعدِ طول ليلي كنت أنتَ شمس نهاري">
قد لا نستغرق وقتًا كي نتألم بقدر ما نحتاج وقتًا كي نتعافىٰ..
فالألم رُغم سرعته لكنه يحتل فترةً من الزمنِ حتى نُشفى من أثارهِ، ورحلة التعافي هذه بكل أسفٍ لا تنتهي بين يومٍ وليلةٍ وإنما هي تأخذ وقتًا من العُمرِ والزمانِ حتى نستطع الوصول للتعافي..
انتهت الليلة..
الجميع ذهبوا لمساكنهم
كلٌ منهم وجد ما يُعيده لدورة حياتهِ مرة اخرىٰ.
كانت "عُـلا" في شقتها وحدها بعد عودتها من عقد القران، وقد احتاج "آدم" أن يبيت الليل هناك في مطعمهِ لأنه يحتاج بعض الوقت قبل الغدِ كي يتابع عمله ويسير بنهجٍ فعالٍ، بينما "أدهـم" فقام بتوصيل زوجته برفقة عمته للبيتِ، ثم ذهب يُعيد "ورد" لبيتها احترامًا لكلمته مع زوجها حتى يضعه في خانةِ الضعف أمامهم، ثم ذهب للعمل يقضي به شيئًا بداخل المخزنِ.
كانت "عُـلا" في الشقة تتحدث مع "رحمة" التي انتهت من أعمالها الكثيرة طوال اليوم ثم ذهبت لرفيقتها بمكالمةٍ صوتية تطمئن من خلالها عليها وتعرف بها أحوالها، ثم سألتها باهتمامٍ بالغِ الأثرِ:
_المهم يا عُـلا أنتِ مبسوطة؟ دا اللي يهمني.
تنهدت مبتسمة المُحيا لأنها تذكرته هو كأن سعادته أمست مقرونةً به هو وحده، سرعان ما جال بخاطرها بنفس سرعة الصوت الذي يحمل السؤال، فجاوبت دون أن تخفي شيئًا أو تواري أية مشاعر مخبوءة بداخلها:
_مبسوطة الحمدُ لله يا رحمة، مبسوطة أوي وأنا مع آدم وأدهـم، الاتنين بيحاولوا بكل اللي يقدروا عليه علشاني أنا، علشان بس أكون كويسة معاهم وبخير، دا غير إن أدهـم فعلًا فعلًا طلع راجل بجد، راجل أي واحدة تتمناه يبقى جوزها وشريك حياتها.
نطقت بالحقيقة التي أملاها عليها قلبها فجاء الرد بتهليلٍ من الأخرى بفرحةٍ حماسية:
_ولا يا ولا، الله أكبر على الحلاوة يا ترى بقى هو عارف اللي بيتقال في حقه ولا لأ؟ أتمنى يكون عارف إن الحلوة غرقانة في بحره ودايبة قيه كمان.
خجلت "عُـلا" حين تذكرت اعترافها على الشاطيء وكيف استغل هو هذا الاعتراف أشر الاستغلال فيما بعد خلال الأيام المتتابعة، وخاصة حين يقترب منها ويقتنص حقه من حُبها، عادت بتركيزها لرفيقتها التي استأنفت الحديث ثم ظلت الأحاديث متبادلةً بينهما، حتى انتهت المكالمة أخيرًا..
كانت "عُـلا" في الغرفة وذهبت تجلس أمام المرآةِ، هوسها منذ الصغرِ وهي تراقب ملامحها يومًا بعد يومٍ، تراقب كبر عمرها الموجود فوق ملامحها وفي نظرات عينيها، تبتسم لأنها تجد أثر الحُب في وجهها، أثر الراحة التي تحياها بائنةً في المقلِ وبؤبؤي العينين، لذا حررت خصلاتها المُقيدة ثم جددت زينة وجهها وعينيها مرة أخرىٰ، ثم بدلت ثيابها بأخرىٰ أكثر رقة وأنوثة، فستانٌ مخملي حريري ناعم وتنهدت وهي تراقب نفسها ثم ابتسمت.
بعد مرور بعض الوقت شعرت بأحدهم في الخارج من خلال صوت الباب الداخلي، توترت في مكانها وخرجت ركضًا من غرفتها نحو الرواق فوجدته يخلع نعالهِ ويحمل سترته السوداء، وحينها ظهرت له كما عروس البحرِ من العُمق وصولًا للشاطيء، جذبته بمظهرها وهيئتها فتابعها بعينيه ذاهلًا، بينما هي توترت من نظراته لكنها اقتربت تهمس بتلجلجٍ:
_الحمدُ لله على سلامتك، اتأخرت ليه؟.
بماذا تُجيب يا "أدهـم" بربك؟ هل تخبرها أنه من حُسن حظك أنك تأخرت؟ أم تخبرها أنك تهرب حتى تتركها تنام فلا تضطر آسفًا أن تحنث وعدك معها وأنتَ تتمنى قربها فقط؟ لم يجد حديثًا ينصفه أمام السؤال، خاصة وهي ترتبك أمامه بهذه الطريقة وتتمنى الهرب من أمامه، تحرك بهدوءٍ يقف على مقربةٍ منها ثم حرك كتفيه ورد بهدوءٍ يرسم نمطًا طبيعيًا في جوابهِ:
_كان فيه حاجات في المخزن لازم أظبطها قبل الصبح، وخلصت حاجات مهمة وجيت، إيه اللي مصحيكِ لدلوقتي؟ وقت نومك عدى من بدري أوي.
ابتسمت له بارتباكٍ وهمست بتوترٍ تضاعف وتزايد:
_كنت مستنياك ترجع، قولت أتطمن عليكِ الأول.
حرك رأسه موافقًا وتمنى لو تختفي من أمامه، تمنى لو ولجت وأغلقت على نفسها ألف بابٍ بعيدًا عنه، فهي بالطبعِ لا تُدرك كم تفتنه هيئتها هذه وكم تبدو في غاية الجمال والسحرِ، وقف ينتظر مرورها لكنها اقتربت منه ثم وقفت على رؤوس أصابعها ولثمت وجنته تلك المرة هي.
انفرجت شفتاه عن بعضهما إثر فعلتها الجريئة وحين تلاقت الأعين ببعضها سألها بيأسٍ وقد سئم هذا العذاب منها:
_وآخرتها يا عُـلا طيب؟ عاوزة إيه؟.
لمحت نفاذ صبره وطاقته في السؤال فتنهدت وابتسمت وسألته ردًا على سؤاله بنبرةٍ دبلوماسية كأنها توليه قيادة الدرب:
_أنتَ اللي عاوز إيه يا "أدهـم".
لمح في سؤالها شيئًا غير معتادٍ، سؤالها كان بنبرةِ استسلامٍ وحُبٍ وقلة حيلة يكسوها الخجل، فجاوبها بمراده بكل صدقٍ:
_عاوزك تأمنيلي يا عُـلا.
ابتسمت هي ابتسامة صادقة واقتربت منه تُبادر بضمهِ وحين تيقنت من أنه موطن أمانها همست له بخجلٍ فطري طغى واستوطنها بالكامل:
_وأنا والله العظيم مأمنالك على نفسي وشرفي وروحي كلها.
توسعت عيناه إثر وصول كلماتها له فتنهدت هي وحركت رأسها كي تتقابل الأعين مع بعضها وأضافت بصدقٍ ترحم عذابه وشوق نظراته خاصةً حين وجدت نظراته تُناديها بالاقترابِ ويرفض الاغترابِ:
_قبل كدا سألت ماما ليه اتجوزتي بابا "توفيق" لما كان ممكن أفضل معاكِ من غير جواز ومن غير ما يعملوا اللي عملوه فينا، ساعتها قالتلي إن باباك كان فرصتها الوحيدة علشان تعيش، مافهمتش قصدها أوي وقتها، بس لما قابلتك وشوفتك وحبيتك فهمتها، فهمت إنك فرصتي الوحيدة علشان أعيش، وخايفة أضيع فرصتي من أيدي وأبقى حكمت على نفسي بالموت.
حديثها كان آخر شيءٍ يربطه بالتعقلِ لذا حين وجدها تُصرح له ولأنه فقيرٌ في الرد بالكلامِ ضمها لعناقهِ ومسح فوق رأسها وخصلاتها حتى كوب وجهها بين كفيهِ وتحدث بصوتٍ غلبت عليه عاطفته:
_ربنا يقدرني وأعيشك العيشة اللي تعوضك عن كل وحش شوفتيه وتليق بيكِ يا عُـلا.
أنهى الحديث ثم مال يحملها فوق ذراعيها حتى توهجت عيناها بخجلٍ فيما تحرك بها هو للداخل وإبان تحركه سألها بمرحٍ:
_ألا قوليلي بابا توفيق بتاعك دا لو كان عايش وشافني وأنا لافحك على أيدي كدا كان زمانه عمل إيه؟.
ازدادت خجلًا فوق خجلها، فيما ابتسم هو ونطق بلؤمٍ استشفته في طباعهِ ونظراته وتلميحه المُبطن:
_هبقى أخلي عيالي يجاوبوا هما بقى، يا بركاتك يا ياقوت.
ضحكت بملء فاهها على حديثه وناظرته بحبٍ فوجدته يماثلها النظرة، يخطو بها نحو دُنيا العشقِ كي يوهبها حياةً تليق بها وبحُبها له، هذا الذي كانت تخشى رفع عينيها في وجههِ؛ اليوم هي تأمنه هو وحده بعيدًا عن العالمِ، تقبله حبيبًا وصاحبًا ورفيقًا في ظُلمة الليالي الحالكة، وزوجًا في الدنيا وترجو رب العالمين مرافقته في الآخرة، اليوم هي توهبه نفسها بدون خوفٍ أو خجلٍ أو هواجس أفكارها التي منعتها عنه، وتعلم أن هذا هو القرار المصيب الوحيد في حياتها..
_اليوم اتحد الضائعان مع بعضهما
فأمسىٰ كلًا منهما للآخرِ دُنيا له وحدهِ،
حيثُ هي تحتمي فيه من الدنيا والعالم وغدر الأقارب
وهو ينتمي لها بعيدًا عن ضياعهِ في الدُنيا
وغُربته أمام نفسه وبين ناسها
____________________________________
<"مَن مِنا آهلٌ للحياة بكل دروسها إلا من كان يرغب التعلم">
متى تتوقف دروس الدنيا؟
متي نوقن التعليم حتى نهايته؟
يبدو أن دروس الأرض لن تتوقف أو نحن غير مؤهلين للاستمرارية في التعليم هُنا، والغريب أن مع كل درسٍ يزداد الألم أكثر وكأننا نتعلم كي نتعايش مع التألم..
في صبيحة اليوم الموالي بمدينة الغردقةِ..
كان "مُراد" بداخل غرفتهِ يرتدي ثيابه حتى يذهب للعملِ أخيرًا بعد ليالٍ قضاها بعيدًا عنه، منهم ليلتين في عناقِ معرضه، وليلة منهم عاد للخمرِ بشراهةٍ وكأنه ينتكس تدريجيًا، حتى عاد في هذه الليلة مساءً في جُنحِ الليلِ فلمحه "صُهيب" الذي أدرك أنه عاد مخمورًا مرة أخرى من جديد.
اليوم سوف يعود للعملِ بدونِ خمرٍ وبدون سُكرٍ، اليوم سوف يواجه العالم مباشرةً بوعيهِ وإفاقتهِ، قد تكون هذه كارثة في حقه وحق نفسه لكنها لم تكن بفداحة ما يفعل، صفف خصلاته القصيرة الشقراء ثم زفر بقوةٍ واستعد للتحرك من الغرفةِ، وبمجرد الخروج لمح عربة "صُهيب" الصغيرة تمر في الرواق، تنهد محسورًا ثم اقترب منه حتى أوقف السيارة فطالعه الصغير حين رفع رأسه وواجها بعضهما..
جلس حينها "مُراد" على عاقبيهِ وسأله بألمٍ بائنٍ:
_أنتَ هتفضل زعلان مني كدا؟ بطلت تيجي تقعد معايا ليه؟ مش قولتلك خليك معايا علشان ماعملش حاجة وحشة يا صُهيب؟ سيبتني ليه تاني؟.
وجاء الرد منه بنبرةٍ طفولية مكسورة وحزينة:
_علشان شوفتك بتشرب العصير الوحش دا تاني وبطلت تيجي تلعب معايا زي كل يوم، ولما جيتلك مرة قولتلي عاوز أنام وخلتني مشيت، هاجيلك ليه وأنتَ مزعلني؟.
في الأغلب طريقة "مُراد" واحدة في كل زمانٍ ومكانٍ، طريقة غضبه واحدة وطريقة ابتعاده أيضًا واحدة، لذا اغصب شفتيه على بسمةٍ غير مكتملة ونطق بصدقٍ يُقرع نفسه أمام الصغير:
_معاك حق، أنا مزعلك وماينفعش تجيلي تاني، بس والله أنا ماقدرش أزعلك، مش بحب حد يشوفني متضايق ولا زعلان علشان شكلي بيكون وحش، يرضيك يكون شكلي وحش؟.
_أنتَ علطول شكلك وحش حتى وأنتَ فرحان.
نطقها الصغير يعانده بها حتى توسعت عينا "مُراد" فضحك الصغير منتصرًا عليه بملامح طفولية خبيثة، وحينها ضحك عمه رغمًا عنه وعن أنف حموده ثم قربه منه حين قبض فوق سترته الشتوية وخاطبه بمزاحٍ:
_ماشي يا عم الوسيم، قوم يلا علشان تيجي معايا، مش عاوز أروح من غيرك، هتيجي معايا ولا لأ؟.
_لأ روح لوحدك أنتَ مش بيبي.
رفع عمه كلا حاجبيهِ ثم تنهد وأومأ برأسهِ واستعد للحركةِ وحين وقف طالعه من علياءه ثم في طرفة عينٍ قام بخطفه من داخل السيارة والآخر يُلوح بقدميهِ ويصرخ مستغيثًا بضحكاتٍ واسعة خالطت نجدته، وفي ثوانٍ خرج "يُسري" من غرفته قبل أن يرتدي سترته وجاورته زوجته هي الأخرى ضاحكةً على ابنها، فيما ظهرت "ميراف" من أعلى الدرج فلمحت ابنها يركض بحفيدها في ردهة البيت، فشقت الضحكة وجهها البؤوس..
تنهد "يُسري" بألمٍ ثم نظر في وجه زوجته وخاطبها بقولهِ:
_خليه معاه شوية وأنا هاروح وراهم ومتقلقيش، مراد مش شارب وماظنش هيشرب النهاردة، يمكن يكون ابنك سبب أنه يبطل الهباب دا ويفوق لنفسه بقى، مين عارف.
ربتت فوق كتفهِ وهي تدعمه ببسمةٍ صبوحة وبشوشة ثم نطقت بصوتٍ خافتٍ حتى لا يصل لحماتها التي بدأت تمر في الرواق:
_أنا مش قلقانة على صُهيب وهو مع مراد، ولا قلقانة حتى إنك ماتكونش معاهم، أنا بس عاوزاك تكون جنب أخوك وتقف في صفه، ابنك لوحده مش كفاية يا يُسري معاه، أنتَ الكبير هنا، ومن قبل أي حاجة كل البيت بيسمع كلامك حتى يحيى نفسه عمره ما كسرلك كلمة، خليك الكبير زي ما أنتَ وحاوط أخوك، ورجع البيت تاني زي ما كان.
تبدلت نظراته وانطفأ الوهج فيها وسألها بألمٍ نبع من طوفان آلام قلبه الذي لم يبرأ:
_تفتكري دا ممكن يحصل تاني؟ صعب أوي.
_صعب بس مش استحالة يحصل، بعدين أنا واثقة فيك إنك زي ما خليتني أرجعلك تاني وأحبك من تاني وأفضل معاك من تاني، يبقى أكيد البيت دا هيرجع زي ما كان والضحكة تملاه، ومش بعيد يحيى يرجع هنا هو وبنته والنفوس تتصافىٰ وباباك وعمك يرجعوا أحسن من الأول مع بعض، والله العظيم دي دعوتي في كل صلاة وكل سجدة، إن بيتنا يرجع تاني.
حين ردت عليه وجاوبته ازدادت عزيمته أضعافًا، ضمها ولثم جبينها ثم مسح فوق بطنها بحنوٍ كما يفعل كل يومٍ يودع صغيره الساكن في رحمها ويبثه حبه قبل المجيء، ثم ولج يُكمل ثيابه فيما تحركت هي خلف حماتها التي تركت لهما المساحة الشخصية.
توقفت سيارة "مُراد" في مرآب القرية الخاصة بهم ثم ترجل منها بابن شقيقه الذي كان يضحك على عمه ويسخر منه طوال الطريق، وقد ولجا سويًا للداخل وحمله عمه فوق كتفيه حتى يُراضيه ويُبعد الحزن عنهما، والآخر سكن فوق كتفيه بمرحٍ واستغل الفرصة لصالحهِ، وبمجرد أن ولج به "مُراد" لمح "هيثم" في انتظارهِ، توسعت عيناه وتوقف أمامه فابتسم الآخر له وقال بهدوءٍ:
_صباح الخير مستنيك من بدري، كنت محتاج أتكلم معاك.
تباينت ملامحه وبدا التوتر جليًا فوق ملامحه حيث خشى أن تكون "هاجر" أخبرته بشيءٍ عن علاقتهما السابقة، وحينها بُهتت ملامحه على الفورِ وأخذ وقتًا كبيرًا حتى رد عليه مُرحبًا ببداية الحديثِ بينهما، فبدأ الآخر الحديث بقوله مباشرةً:
_أنا كنت حابب أعمل كتب كتابي هنا بس مفاجأة لخطيبتي، هي رافضة وبتقول ممكن نعمله في مكان تاني بتكاليف أقل من هنا، بس أنا حابب يكون اليوم دا مميز في كل حاجة، أتمنى تساعدني وتعتبرني أخوك لأني بجد جاهل في الحاجات دي وشخص عملي أوي أوي، يعني أنا معتمد عليك.
وفي الحقيقة هو لم يتعلم من دروس الدنيا ما يكفي حتى يواجه موقفًا بمثل هذه القسوةِ، لم يحطهُ أحدهم علمًا بمثل هذه اللحظة حتى يستطع أن يرد بتفرسٍ ومهارةٍ، فكيف يُصبح المحارب في أرضهِ مجرد مساعدٍ أو وصيفٍ؟
كيف تُقام الحرب في أرض الفتى وهو يشاهدها مجبورًا على الرضوخِ والصمتِ؟.
____________________________________
<"حتى الطُرق التي نسير عليها لها قواعدها الخاصة بها">
فتىٰ يخوض الدربِ مجبورًا لكنه يُجاهد كي يُحبه..
ولا شك أن تلك الطُرقات التي نُجبر عليها هي بذاتها التي تُحيي فينا ما لم نظنه موجودًا في أنفسنا، لأن الطُرق تقاس بمدى صعوبة السير فيها، وليست النتيجة النهائية بعدها..
كانت في مكتبها تعمل به بعد عودتها من دار القضاء لمطالعة بعض الأوراق الخاصة بقضايا تتولى هي الدفاع فيها وشن الحرب أيضًا على أشباهِ الرجال، يا الله ما هذا المجتمع البغيض؟ قضايا النساء والأطفال في هذا المجتمع تحتاج لغزوٍ فكري جديد حتى تستطع هي الصراخ لأجلهم، لأجل المكلومين ضحايا المجتمع والذكور والحياة والفقر والجهل..
وصلها صوت دبيبِ خطواتٍ تائهة داخل مكتبها فرفعت رأسها تُطالع الزائر من خلف عويناتها الطبية فوجدت "نسمة" مرة أخرى وحينها توسعت عيناها بذهولٍ وسألتها بقلقٍ بلغ أشده:
_مالك يا نسمة؟ وشك مخطوف كدا ليه؟ حصل حاجة؟.
بكت الأخرى بضعفٍ وهزت رأسها توميء لها ثم تحدثت ببكاءٍ:
_الفلوس اللي المحكمة حكمتلي بيها تعويض عن اللي حصل كنت ناوية أبدأ بيها مشروع زي ما قولتلك وأفتح مشروع المخبوزات اللي قولتلك عليه، الفلوس دي بابا خدها وقالي أنه بسببي استلف فلوس كتير وقالي كمان إن اللي عملته قطع عليهم الرزق اللي كان الزفت "نائل" طليقي بيدفعه ليهم، والمشروع بعدما كنت خلاص ظبطته وقفوه ليا، المفروض أعمل إيه؟.
أشفقت عليها "رحمة" وبدا ذلك فوق ملمح وجهها وتعابيرها، رأت نفسها في صورةٍ أخرىٰ تشبهها كثيرًا، الكثير من العوائل يجعلون من بناتهم ضحايا للمجتمع والناسِ، فكيف نلوم على الغريب حين يستبيح حُرمة حقوقنا والأقربون فعلوا ما هو أكثر بشاعةً في حقوقنا؟..
تحركت تضمها لعناقها وتكون خير الملجأ الآمن في وقتها الراهن بينما الأخرى قالت بصوتٍ مهزومٍ وتكسوه خيبة الأمل:
_كنت فاكرة إني خلصت منه خلاص، ماعرفش أنه هيفضل ورايا طول حياتي ويكرهني في العيشة كدا، حتى هما ما بيصدقوا يرموني ليه، أنا تعبت منهم أوي، تعبت منهم أكتر من تعبي منهم هما.
كانت في الحقيقة أكثر من مُدركة وأكثر من مُتفهمة، هي عاشت وجربت ما تسرده الأخرىٰ، موقنة أن ما تمر به الأخرى هي مرت به ضبطًا وتفصيلًا، الألم يُحاصر النساء في مجتمعنا، كأنهن شموسٌ حُرِمَ عليها الإشراق..
حيثُ يُولدن النساء شموسٌ مشرقة
لا يُطفىء إشراقتها إلا غمام الوطنِ.
مسحت فوق وجهها ونطقت بعزيمةٍ تزداد أكثر عن السابق كأنها تتولى الدفاع عن كل نساء المدينة وحدها أمام الظلم والتجبر:
_أنا معاكِ وهشوفلك شغل تاني بدل اللي وقفوه دا، وأوعي يجبروكِ تاني على حاجة أنتِ رافضاها، أوعي مهما حصل، شوفي نفسك وحاربي علشانها، اشتغلي وانجحي واسعي وأوعي تسمحي لحد يطفيكِ، حتى لو أهلك نفسهم، دورك إنك تحاربي علشان نفسك قبل أي حد، لو سكتي مرة هيتداس عليكِ طول العمر، كملي وأنا في ضهرك، اعتبريني أختك.
كانت تعطيها ما كانت تحتاجه يومًا ما في حياتها، تعطيها الأمان وإن كانت هي تفتقده في حياتها، لكنها تؤمن بنفسها وتصدق فيها، تُدرك بيقينٍ أنها تستحق الأفضل فتسعىٰ جاهدةً للحصول عليهِ، ولا عزاء للضعيفات اللواتي يرضخن للضعفِ والذُلِ والامتهانِ.
ومن مدينةِ لأخرىٰ يمتد الظُلم وقسوته..
في مدينة الاسكندرية بحي "المكس" خاصةً ببيتٍ يقع على البحر مباشرةً وسط منازل الصيادين، كانت تجلس تلك المرأة البدينة فوق الأريكة البُنية المخملية وتتابع شاشة التلفاز بجم تركيزها وفي يدها طبق الخضروات تقوم بتقطيعها بسكينٍ حادٍ، بينما يجوارها جلست ابنتها تُهدهد صغيرها وكل تركيزها في ليلةِ الأمسِ..
ليلةٌ ظلماء كغيرها من الليالي مع زوجها..
حيثُ عاد مخمورًا بسبب الحشيش الذي يدمنه ورائحته كريهة نفاذة، فيما كانت تنام في عناقِ ابنها تأويه أحست به بجوارها، لمساته الكريهة بدأت ترسم خطاها، تململت واعترضت وانتفضت بابنها، بينما هو فنطق بجمودٍ قاسٍ وعيناه تنطقان بالشرِ:
_تروحي تنيميه وتيجي تاني.
وقتها خافت منه واعترضت على مطلبه لكنه تحرك وخطف الصغير منها وهرول به للغرفة الأخرى وهي تلحق به، كانت تخشى سقوط ابنها من فوق يديه بسبب سُكره وحالته لكنه كان متمالكًا لحدٍ كبيرٍ، اقترب من الفراش وسطح صغيره عليه ثم خرج مندفعًا يقبض فوق كفها وقبل أن يقترب دفعته عنها باشمئزازٍ من رائحة الخمر وصرخت بنفاذ صبرٍ:
_إيه مش كفاية قرف بقى؟ مالقيتش واحدة برة ترضى بقرفك ولا مش معاك تحاسب الليلة دي؟ يا أخي كفاية بقى قرفت منك ومن عيشتك.
كان يعلم أن القسوة هذه المرة لن تفلح معها، وهو يحتاج لها، نفذت أمواله، وكل ما كان يملكه انتهى نظير الحشيش الذي يشتريه ولا يقضي حاجة رأسه حتى، لذا اقترب منها يتودد بقوله:
_مفيش ست بتملى عيني غيرك يا دينا، أنتِ الوحيدة اللي بلاقي نفسي معاها، دول كلهم تفاريحي وخلاص، أنتِ بس اللي في القلب، أنا حتى وأنا مع أي حد غيرك مش بشوف غيرك.
أطبقت جفونها فوق بعضها بألمٍ حاد وبوخزٍ في عينيها ومثيله في قلبها كأنه ينزف، لذا نطقت بصوتٍ مبحوحٍ:
_أنا تعبت، والله العظيم تعبت منك ومن نفسي ونفسي أخلص من العيشة دي، بس بقى فيه عيل ملزوم مني، طلقني وسيبني في حالي وعيش حياتك زي ما أنتَ عاوز، سيبني أبعد عنك يا "رمزي" يمكن ألاقي نفسي اللي أنتَ ضيعتها مني، علشان خاطري سيبني بقى.
زمجر واعترض ورفض رفضًا متعنتًا وكما كل مرةٍ فعل ما يفعله، هجم عليها في أرضها يستغل ضعفها وقوتها الواهنة وأخذ ما رغب منها ونال ما ودَّ نيله منها، لم تستطع أن تدافع عن نفسها ولا حتى قوتها تقارب قوته، مع مفعول المخدرات التي يتناولها فهي أضعف من ورقةٍ في مهب الريح بداخل ساحته، وكما كل مرةٍ يبتعد عنه ويتركها باكيةً بعد الاعتداء السافر عليها..
انحدرت عبراتها وهي تتذكر كل تفاصيل الأمسِ وكل شيءٍ تمر به معه، وقد لمحتها أمها فلوت فمها بسخطٍ وهي تتهكم بقولها:
_أهو دا اللي باخده من وشك كل ما تيجي هنا، تكشير وعياط وشكوىٰ، قولتلك ١٠٠ مرة جوزك يحبك عفية وأهلك يحبوكِ غنية، وأنتِ إن جينا للحق، لا فلوس ولا صحة ولا شكل حتى جتك خيبة في شكلك.
كان حديث أمها ملحًا فوق الجرحِ، حديثها موضع ألمٍ غير مخدرٍ وأمها تضربه بقسوةٍ، لذا هدرت بصراخٍ أجفل جسد صغيرها فوق ساقيها:
_ياما أموتلك نفسي علشان ترتاحي؟ كل مرة تسمي بدني بنفس الكلمتين؟ بقولك خلاص بقيت بموت كل يوم نفس الوضع الزفت والشرب والهباب وياخد مزاجه ويرميني على الأرض زي الزبالة، مش قادرة أعيش معاه تاني، بموت بالبطيء، وطول ما مزاجه رايق ولا معبرني، مايعرفنيش بس غير لمزاجه، يامَّا شوفي حل وطلقيني منه.
_نـعم يا عين أمك؟ طلاق إيه دا يا بت؟ من إمتى وعندنا حريم بتطلق؟ لا يا حبيبتي المشروطة محطوطة من أولها، قولنالك طلاق مابنطلقش وقولنالك إحنا بنلم فضيحتكم علشان محدش يعرف اللي كان بينكم يا موكوسة، مش روحتي اتشمللتي ورقصتيله؟ جاية دلوقتي تطلبي الطلاق؟ مين هيرضىٰ بيكِ؟ واللي على رجلك دا مين هيربيه؟ اعقلي كلامك يا عين أمك وشوفي وضعنا إيه ووضعك إيه، جوزك في بيتك ترجعيه ليكِ تعملي زي ما النسوان اللي برا بتعمل وتلوحيه، تربطيه جنبك بعيل تاني، لكن طلاق تنسي خالص، دا أنا أرميكِ ليه ويحبسك ولا إنك تعمليها.
كانت على يقينٍ من الجواب هذا، كانت شبه متأكدة أن عائلتها سوف تُمانع وتعترض على أمر الطلاق، أمها وشقيقتها الكُبرىٰ وبقية أفراد العائلة منهم خالها وأولاده، والبقية، الجميع يتركونها تواجه الطوفان وحدها، وهي صغيرة لم تنضج بعد، لقد تربت بالتجربةِ والقسوة أكثر من التهذيب بالعطاءِ والحنوِ..
هي وبكل أسفٍ؛ ضحية.
ضحية جهلٍ، فقرٍ، قسوة، إهمال والدين..
والضحية إذا قست عليها الظروف
لا بُد أن تصبح هي الجاني ذات يومٍ.
*****
ولأن لكل طريقٍ وجهته الخاصة، كان هو يشق الطريق الجديد نحو الحُلم الذي يسعى له بكل طاقته وشغفه وحماسه، حيث كان يمسك هاتفه ويُتابع صفحات الفريق الذي تقابل معهما، الفريق الذي جدد له شغفه وحماسه وأشعلوا فيه نيران المُغامرة مرة أخرىٰ من جديد، كان ينتقل عبر صفحاتهم من موقعٍ لآخر، حيث موقع "فيسبوك" ثم موقع "انستجرام" ثم "تيك توك" ويتابع المحتوى المُقدم من قِبلهم..
كان بحثه بأكمله يحمل اسم "Spark X Racing Team" وهو يُمعن حواسه في المحتوى المقدم عبر هذه الصفحات، جميعها معلومات تخص شغفه وحماسه وطاقته، بأكملها تستهويه وتسحبه في دواماتها، وهو ينساق بغير حدودٍ كما يركض فوق الطريق بسيارته مغامرًا، حتى قابله مقطعًا تصويريًا لفتاةٍ من أفراد الفريق بدأت بجملةٍ جذبت أنظاره وحواسه وسرقت تركيزه حيث كانت البداية:
-"لما عربيتك تقف أوعى تكمل سواقة".
جذبته العبارة وأكمل المقطع لأنه يشبه اهتماماته في مجال السيارات، يُشبه شغفه وما يُحبه، كانت الفتاة تتحدث عن نظام التبريد داخل السيارة وتشرح معلومات في مجال السيارات تكاد تكون هذه المعلومات تُدرس في الجامعات، لذا ابتسم حين تذكر جملة مشابهة لها قالها ذات مرةٍ لشقيقه في الماضي:
_ماتخافش عليا أنا فاهم بعمل إيه، لا الطريق بتاعي ولا أقدر أعاند مع عربية وقفت مني مرة واحدة، الاتنين سُلطتهم أعلي مني.
أكمل المقطع ونال المحتوى إعجابه أكثر، لذا طلب مقابلة الشباب مرة أخرى ورؤية صانع المحتوى الذي رآه هو، وقد كان بالفعلِ في نفس اليومِ بمنطقة المعادي تمت المقابلة بين "سُليمان الإدريسي" و كلًا من "خالد زكريا" و "سَيْفُ الله" لكن تلك المرة حضرت معهما الفتاة نفسها صانعة المحتوى الذي رآه هو، جلس معهم مبتسم المُحيا وبدا الشغف أكثر وضوحًا على ملامحه ووجهه، ثم باشرهم في الحديث بقوله:
_أنا تابعت كل حاجة تخصكم على El social media وأي Platform ليكم ظهور عليه تابعته برضه والحقيقة إن المحتوىٰ عجبني جدًا والطريقة اللي بيتقدم بيها فيها رُقي وطريقة مُهندمة ومميزة، بس مش فاهم إيه علاقة المحتوى دا بالفريق؟ وهيفيد بإيه معاكم؟.
هُنا تدخل "خالد" يتولى الجواب والحديث بقولهِ مُردفًا:
_الفريق زي ما سبق وقولت لحضرتك مكون من كذا قسم وكذا حاجة، وبعد ما قطعنا شوط كبير جدًا في جزء الميكانيكا والكهربا وبدأنا نزود الخطوات للأسف واجهتنا مشكلة تانية أكبر، وهي إن الميديا مش موجودة، يعني مفيش أي صفحات ومش معروفين على الميديا ودا زود المشكلة أكبر، لأن أي Sponsors بيكونوا عاوزين صفحات معروفة ليها جمهورها وعليها ريتش كويس، علشان يقدر يحط فلوس في حاجة زي دي ويجازف ويلاقي مقابل، وطبعًا محدش هيقدر يجازف بحاجة زي دي من غير ما يكون ليه عائد.
بدأت الخيوط تتضافر أمام "سُليمان" ويزل عنها الإبهام الذي يغطي بعض الصور الحقيقية، وهُنا تولت الفتاة الحديث حين بدأ دورها بالفريق يتضح، كانت فتاة رقيقة الملامح وبشوشة البسمة والمُحيا، ملامح رقيقة نمنمة تُشبه رقة الأطفال الصغار، لكنها تتمتع بعقلٍ راجحٍ وأفكارٍ ذهبية، وقد تولت التعريف عن نفسها ببسمةٍ هادئة متوترة بعض الشيء:
_أهلًا بحضرتك يا أستاذ "سُليمان" أنا سعيدة جدًا بالمقابلة دي، أولًا أنا "فاطمة الزهراء سامي" أنا الـ Content Creator "صانعة المحتوى" الخاصة بالـ team والحقيقة إن المحتوى دا ليه كذا فايدة لينا، أول حاجة إنه بيستهدف الشخص اللي متابع المحتوى دا ومهتم بيه وشغوف بالمجال زي حضرتك كدا، لأنه أكيد هيكون فاهم الكلام اللي بيتقدم، وتاني حاجة هو نوع من التثقيف للناس اللي حابة تزود حصيلة المعلومات بشكل سريع وسهل من غير ما يدوروا تاني ويراجعوا، وعلى فكرة دا مش المحتوى بس، فيه محتويات كتيرة وكل محتوى فيه حد بيقدمه، بس حاليًا، أنا في صناعة المحتوىٰ، وفي قسم الـ pr..
من هُنا تولىٰ "سَيْفُ الله" الحديث يشرح له المحتوى بتفسيرٍ:
_زي ما قولت لحضرتك إننا محتاجين نظبط جزء الميديا والتسويق الإلكتروني ونكون قاعدة جماهيرية كبيرة علشان تساعدنا في الخطوات اللي بعد كدا، وزي ما قولت لحضرتك إننا بنسعى لدخول مسابقات عالمية زي مسابقة Shell Eco-marathon، وفورمولا ستيودنت (Formula Student، الاتنين دول هما هدفنا في الوصول، وإحنا بنحاول حاليًا نظبط جزء الميديا علشان يساعدنا نلاقي Sponsors يتحملوا تكلفة المشروع.
كان "سُليمان" مدركًا لكل ذرةٍ في حماسهم وشغفهم وطاقتهم، وحاول جهد استطاعته أن يصل لحلٍ يكون عونًا لهم، وقد تولت "فاطمة الزهراء" الحديث مرة أخرى وهي تُضيف:
_إحنا قطعنا شوط كبير أوي علشان نوصل للحظة دي ولسه بنحاول تاني، بس للأسف المعوقات كتيرة جدًا قدامنا، وقدام اللي بنقدمه كمحتوىٰ وصناعة وشغل، بس أملنا كبير لأننا مصدقين اللي بنقدمه وبنسعى بكل اللي نقدر عليه، تفتكر إحنا هنقدر نوصل؟.
ابتسم "سُليمان" بأملٍ واعتدل في جلستهِ وتولى الحديث بقوله:
_أي حد بيحاول بيوصل، ولو ماوصلش في الوقت اللي هو عاوزه على الأقل بيوصل في الوقت اللي يناسبه، المهم إنكم تكملوا وتصدقوا نفسكم، تفضلوا ورا حلمكم والهدف دا لحد ما يتحقق أو يفتح ليكم طريق تاني، وأنا لو عليا موافق جدًا أكون في الـ team معاكم، وهساعدكم تلاقوا Sponsors كمان يمولوا المشروع دا، بالنسبة للتسويق والميديا هنشتغل عليها مع بعض، لحد ما يكون ليها جمهورها وليها محبينها كمان، ها نبدأ منين؟.
كان شغفه وحماسه يدفعاه نحو الطريق دفعًا بغير رجوعٍ..
كما سيارته تمامًا حين تشق الطريق به وهو يقودها بالجنون والوله في عشق الطريق الغامض، هو يُفضل الجنون، والجنون يُصادقه، وكلاهما في النهاية ينتجان روح المغامرة التي بها تحلو حياة المرءِ..
*****
وعلى الطرف الآخر في بيتِ "نـوف" كانت تجلس مع أمها وأختها بعدما تأخرت في الاستيقاظ من نومها بسبب إرهاق ليلة أمسٍ وبسبب الأرق الذي زارها واحتل أيامها قبل عقد القران، وقد كانت تبتسم وهي تتذكر ليلة أمسٍ وكيف جعلها زوجها ليلة في غاية التميز والجمالِ..
صدح صوت هاتفها فتحركت من الشُرفةِ تجاوب على مكالمته وهي تبتسم لأنها موقنة من طريقته ومن ملاحقته لها منذ الصباح وبمجرد الجواب قال بحنقٍ:
_لسه فاكرة تردي؟ دا وأنتِ خطيبتي كنت بوصلك أسرع من كدا.
_عاوز إيه أنتَ؟ مش طمنتك من شوية؟ وصحتني من النوم؟.
ردت عليه بضحكةٍ يائسة وقبل أن يرد عليها وصلها صوت طرقات جامدة وعالية فوق باب الشقة حتى أصابها الهلع، تحركت ركضًا نحو الباب وخطفت حجابها تضعه فوق رأسها، وفتحت الباب وقد اندفعوا رجال عائلتها كما الغزو عليها وقبض عمها فوق عنقها حتى فلت صرخة من حلقها جعلت "غسـان" يناديها بصراخٍ في الهاتف لكن صوتها انقطع وما تلىٰ ذلك كان غيابٍ تامٍ بثَّ الرُعب فيه.
#يُتَبَع
#جمعية_حب
#الفصل_الثاني_وأربعون
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.