
رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل السادس 6 بقلم اية محمود
رفع يده وصفعها...
ثم صفعة أخرى...
وأخرى...
حتى تورم وجه مريم بالكامل.
سادت الغرفة حالة من الصمت.
مريم وضعت يديها على وجهها بصدمة، وعيناها اتسعتا وكأنها تحاول استيعاب ما حدث.
لم تكن تشعر بالألم بقدر ما كانت تشعر بالذهول.
منذ دقائق فقط...
كان يخبرها أنه يحبها.
كان يمسك يدها ويعدها ببداية جديدة.
والآن...
كان يقف أمامها وكأنه شخص آخر تمامًا.
همست بصوت مرتجف:
"إنت..."
توقفت الكلمات في حلقها.
ثم قالت:
"إنت ضربتني؟"
ياسر كان يتنفس بعنف.
الغضب أعماه.
"أيوه."
نظرت إليه غير مصدقة.
"ليه؟"
صرخ:
"لأنك خاينة!"
مريم هزت رأسها بسرعة.
"أنا مش خاينة !"
"إنتِ عايزة تفهميني إن الرسالة دي كذب؟!"
أمسك هاتفه ورفعه أمام وجهها.
"اقري!"
نظرت إلى الشاشة.
مريم قرأت الرسالة أكثر من مرة.
ثم رفعت عينيها إليه.
"أنا معرفش أي حاجة عن الرسالة دي ."
صرخ:
"كفاية كذب!"
"والله ما بكذب!"
"مريم..."
اقترب منها.
"أنا اديتك فرصةوصدقتك."
"وقلت إننا هنبدأ من جديد."
ثم أشار إلى الهاتف.
"وتيجيلي الرسالة دي؟"
مريم كانت تبكي.
لكنها لم تتراجع.
"أنا مش مسؤولة عن الرسائل اللي بتجيلك."
"ولو عندك سؤال..."
"اسألني."
"لكن متضربنيش."
سكت ياسر.
للحظة...
بدا وكأنه استوعب ما فعله.
نظر إلى وجهها المتورم.
لكن كبرياءه وغضبه كانا أقوى.
قال بحدة:
"اطلعي بره."
مريم حدقت فيه.
"إيه؟"
"سمعتي."
"اطلعي من بيتي."
وضعت يدها على صدرها.
"إنت بتطردني؟"
"أيوه."
"بعد كل اللي حصل؟"
"اطلعي!"
كان صوته قد وصل إلى خارج الغرفة.
وبعد لحظات...
انفتح الباب.
ظهرت والدة ياسر.
وخلفها بعض أفراد العائلة.
الجميع كانوا ينظرون إلى مريم.
وعلى وجهها آثار الضرب.
تجمدت إحدى الخادمات في مكانها.
أما أم ياسر...
فلم تتحرك.
كانت تنظر إلى مريم بنظرة باردة.
وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ وقت طويل.
قالت مريم بصوت مكسور:
"طنط..."
لكن المرأة لم ترد.
ومن خلفها...
ظهرت إيمي.
توقفت للحظة وهي تنظر إلى مريم.
ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة.
ابتسامة لم تلاحظها مريم.
لكن ياسر لاحظها.
قالت إيمي بنبرة هادئة:
"يمكن الأفضل فعلًا إنها تمشي."
رفعت مريم عينيها إليها.
"إنتِ..."
لكن إيمي قاطعتها:
"أنا بقول اللي شايفاه."
ثم نظرت إلى ياسر.
"أنت بنفسك طلبت منها تمشي."
مريم شعرت أن الجميع ضدها.
قالت بصوت مرتجف:
"ولا واحد فيكم سألني أنا عملت إيه."
لم يجب أحد.
ثم قالت:
"كلكم حكمتوا عليا."
ضحكت إيمي بسخرية.
"يمكن لأن الموضوع واضح."
هنا...
صرخت مريم:
"واضح إيه؟!"
"إنتِ عايزة تتهميني بحاجة أنا معملتهاش؟!"
تدخل ياسر:
"كفاية!"
مريم نظرت إليه.
"إنت كمان؟"
"حتى إنت مش مصدقني؟"
لم يجب.
وهذا الصمت كان أقسى من أي كلمة.
مريم أومأت برأسها ببطء.
"تمام."
مسحت دموعها.
"أنا همشي."
دخلت غرفتها.
جمعت حقيبتها بيدين مرتعشتين.
لم تأخذ الكثير.
مجرد بعض الملابس وأغراضها الشخصية.
وقفت للحظة أمام المرآة.
نظرت إلى وجهها المتورم.
لم تتعرف على نفسها.
ثم همست:
"أنا كنت فاكرة إني أخيرًا لقيت الأمان."
سكتت.
"طلعت غلطانة."
أخذت حقيبتها ونزلت.
عندما وصلت إلى الصالة...
كان الجميع موجودين.
توقفت أمام الباب.
نظرت إلى ياسر للمرة الأخيرة.
كانت عيناها مليئتين بالدموع.
قالت:
"أنا مش هنسى إنك صدقت إني ممكن أعمل حاجة زي دي."
ثم نظرت إلى وجهه.
"ومش هنسى إنك ضربتني."
ياسر لم يرد.
مريم فتحت الباب.
لكن قبل أن تخرج...
سمعت صوتًا ساخرًا من الخلف.
"أخيرًا."
كانت إيمي.
مريم أغمضت عينيها لحظة.
ثم خرجت.
أُغلق الباب خلفها.
نظرت إلى السماء وأحست بدوار شديد وسقطت على الارض وانتهى كل شيئ
فتحت مريم عينيها فجأة.
شهقت بقوة، ورفعت جسدها من على السرير.
كانت أنفاسها متقطعة.
نظرت حولها بسرعة.
الغرفة...
السرير...
الستائر...
كل شيء كان في مكانه.
رفعت يدها إلى وجهها.
لا يوجد ألم.
لا يوجد تورم.
لا يوجد دموع على خدها سوى تلك التي نزلت أثناء النوم.
همست وهي تحاول استيعاب ما حدث:
"كان حلم..."
وضعت يدها على صدرها.
قلبها كان يخفق بجنون.
"يا رب..."
ثم نظرت بجوارها.
المكان فارغ.
"ياسر؟"
لم يجبها أحد.
نهضت بسرعة من السرير، وخرجت من الغرفة.
كانت تمشي في الممر وهي تنظر حولها بتوتر.
"ياسر؟"
سمعت صوتًا من أسفل.
نزلت الدرج بسرعة.
وعندما وصلت إلى الصالون...
توقفت.
كان ياسر واقفًا بجوار المطبخ، يمسك كوب ماء ويشرب بهدوء.
بمجرد أن رأته...
لم تفكر.
لم تتردد.
ركضت نحوه.
احتضنته بقوة.
ياسر اتفاجئ.
"مريم؟!"
لف ذراعيه حولها.
"في إيه؟"
مريم لم تجبه.
كانت فقط متمسكة به وكأنها تخشى أن يختفي.
قال بهدوء:
"مالك؟"
هزت رأسها.
"مفيش."
"أمال إنتِ حضناني كده ليه؟"
ضحكت وسط دموعها.
"مش عارفة."
ابتعد عنها قليلًا ونظر إلى وجهها.
"إنتِ كنتِ بتعيطي؟"
مسحت عينيها بسرعة.
"لا."
رفع حاجبه.
"مريم."
"قلتلك مفيش."
ابتسم.
"حاضر."
ثم وضع يده على رأسها.
"واضح إنك حلمتي بكابوس."
تجمدت للحظة.
نظرت إليه.
"إزاي عرفت؟"
ضحك.
"عشان إنتِ جاية تجري عليا الساعة دي وتخضيني."
ثم قال بمزاح:
"ولا أنا بقيت بطل أفلام الرعب من غير ما أعرف؟"
ضحكت رغماً عنها.
لكن ياسر لاحظ أن ملامحها ما زالت متوترة.
قال:
"تعالي اقعدي."
جلست معه.
ظل ينظر إليها للحظات.
"تحبي تحكيلي حلمتي بإيه؟"
مريم هزت رأسها بسرعة.
"لا."
"ليه؟"
"مش عايزة."
"كان وحش للدرجة دي؟"
سكتت.
ثم قالت:
"مش مهم."
ياسر لم يضغط عليها.
اكتفى بأن أمسك يدها.
"خلاص."
"مش لازم تحكي."
"بس مهما كان اللي شفتيه..."
"ده حلم."
ثم ابتسم.
"وأنا هنا."
نظرت إليه.
فقال:
"ومش هسيبك لوحدك."
ابتسمت مريم.
"وعد؟"
"وعد."
ساد الصمت للحظات.
ثم قال ياسر:
"بس عندي حاجة ممكن تغير مودك."
نظرت له باستغراب.
"إيه؟"
ابتسم ابتسامة غامضة.
"مفاجأة."
"ياسر..."
"مفيش أسئلة."
ضحكت.
"طب قولي."
أخرج هاتفه من جيبه.
فتح شيئًا عليه.
ثم مد الهاتف أمامها.
مريم نظرت إلى الشاشة.
تجمدت.
"إيه ده؟"
قال بكل هدوء:
"تذاكر."
"تذاكر إيه؟"
ابتسم.
"شهر العسل."
فتحت عينيها بدهشة.
"إنت بتهزر؟!"
"لأ."
"فين؟"
اقترب منها وقال:
"المالديف."
ظلت تنظر إليه غير مصدقة.
"المالديف؟!"
"أيوه."
"إنت حجزت بجد؟"
"حجزت."
وضعت يدها على فمها.
ثم بدأت تضحك.
"إنت مجنون!"
"ممكن."
"وإمتى؟"
قال:
"بعد كام يوم."
مريم نظرت إليه بسعادة.
ثم قالت:
"بس أنا لسه كنت خايفة من الكابوس."
أمسك يدها.
"خلاص."
"نرمي الكابوس ورا ضهرنا."
"ونبدأ حاجة حلوة."
ابتسمت.
ثم مالت برأسها على كتفه.
"أنا بحبك."
ابتسم ياسر.
"وأنا بحبك أكتر."
بعد عدة أيام...
كانت الطائرة تحلق فوق السحاب.
مريم كانت جالسة بجوار النافذة، وعيناها متعلقتان بالمنظر من الخارج.
قالت بانبهار:
"ياسر..."
"نعم؟"
"إحنا بجد رايحين المالديف؟"
ابتسم وهو ينظر إليها.
"أيوه."
"أنا لسه مش مصدقة."
"طب أقرصك؟"
بصت له بسرعة.
"إياك."
ضحك.
"خلاص، صدقي."
ثم عاد ينظر أمامه.
بعد ساعات...
وصلوا.
وبمجرد أن خرجت مريم من المطار، وقفت مكانها وهي تنظر حولها.
"واااو..."
ياسر ضحك.
"لسه ماشفتيش حاجة."
وصلوا إلى المنتجع، وعندما فتحت مريم باب الغرفة...
اتسعت عيناها.
الغرفة كانت تطل مباشرة على البحر.
المياه الزرقاء أمامهما، والشرفة مفتوحة على منظر يخطف الأنفاس.
مريم دخلت بسرعة.
"ياسر!"
"نعم؟"
"دي غرفتنا؟"
"أيوه."
"إحنا هنعيش هنا؟"
"كام يوم."
نظرت إليه بحماس.
"أنا مش هرجع."
ضحك.
"هنضطر نرجع."
"مش أنا."
ثم ركضت إلى الشرفة.
وقفت أمام البحر وفتحت ذراعيها.
"يااااه!"
ياسر وقف خلفها يضحك.
"مريم!"
"إيه؟"
"متقعيش."
لفت له.
"أنا بعرف أعوم."
"أنا عارف."
"أمال خايف ليه؟"
"عشان أنا عارفك."
ضحكت.
وفي اليوم الأول...
لم يفعلا شيئًا سوى التجول والاستمتاع بالمكان.
مريم كانت تريد تصوير كل شيء.
كل شجرة.
كل موجة.
حتى طبق الطعام صورته.
ياسر نظر إليها باستغراب.
"إنتِ بتصوري الأكل ليه؟"
"عشان لما نرجع أوريه لنور."
"نور هتقولك أنا عندي أكل أحسن."
"لا، نور هتغير مني."
"ممكن."
ثم أضاف:
"بس أنا بدأت أقلق."
"من إيه؟"
"من كمية الصور."
ضحكت.
وفي المساء...
جلسا على الشاطئ.
السماء كانت مليئة بالنجوم.
والبحر أمامهما هادئ.
مريم كانت تنظر إلى الأفق.
"عمري ما تخيلت إني هعيش لحظة زي دي."
ياسر نظر إليها.
"وأنا كمان."
"عارف أكتر حاجة بحبها هنا إيه؟"
"البحر؟"
هزت رأسها.
"لأ."
"إيه؟"
نظرت إليه.
"إن مفيش حد هنا يعرف أي حاجة عن اللي حصل."
"مفيش مشاكل."
"مفيش ناس بتتكلم."
"مفيش خوف."
ياسر أمسك يدها.
"إحنا نستحق نعيش كده."
ابتسمت.
"أيوه."
ثم قالت:
"بس متوعدنيش بحاجة كبيرة."
"ليه؟"
"عشان أنا بخاف من الوعود."
نظر إليها للحظات.
ثم قال:
"خلاص."
"مش هديكي وعد كبير."
"هديكي حاجة أبسط."
"إيه؟"
"كل يوم هثبتلك إني موجود."
ابتسمت.
"ده أحلى من أي وعد."
وفي اليوم التالي...
قرر ياسر أن يأخذها في جولة بالقارب.
كانت مريم سعيدة جدًا.
لكن بعد دقائق...
بدأ القارب يتحرك.
مريم نظرت إلى البحر.
ثم إلى ياسر.
"ياسر."
"نعم؟"
"هو القارب ده آمن؟"
"طبعًا."
"متأكد؟"
"متأكد."
بعد لحظات...
تحرك القارب بسرعة أكبر.
مريم أمسكت بذراع ياسر.
"أنا خايفة."
ضحك.
"من إيه؟"
"من البحر!"
"إنتِ اللي طلبتي نركب."
"أنا كنت فاكرة هنمشي بالراحة!"
ضحك ياسر.
"اهدي."
"لو وقعت..."
"مش هتقعي."
"ولو وقعت؟"
"هنزل وراكي."
نظرت إليه.
"بجد؟"
ابتسم.
"بجد."
سكتت لحظة.
ثم قالت:
"خلاص."
"بس لو نزلت ورايا..."
"أنت السبب."
ضحك.
مرت الأيام بسرعة.
ضحكوا.
وتخانقوا على أشياء تافهة.
وتصالحوا.
مريم كانت تسرق منه نظارته الشمسية.
وهو كان يخفي هاتفها كلما انشغلت بالتصوير.
وفي إحدى الليالي...
كانت مريم جالسة في الشرفة.
وياسر جاء وجلس بجوارها.
قال:
"مريم."
"هممم؟"
"مبسوطة؟"
نظرت إليه.
ابتسمت.
"أوي."
"قد إيه؟"
فكرت قليلًا.
ثم قالت:
"لدرجة إني نسيت كل اللي حصل قبل كده ."
ياسر ابتسم.
"الحمد لله."
💦💦💦💦💦
💦💦💦💦💦💦💦
في آخر يوم في شهر.
كان آخر يوم لهم في المالديف...
والوقت مرّ أسرع مما تمنّت مريم.
منذ الصباح، كانت تتحرك في الغرفة وهي تجمع أشياءها، ثم تتوقف كل دقيقة تقريبًا لتنظر إلى البحر من الشرفة.
قال ياسر وهو يراقبها:
"إنتِ لسه هتفضلي واقفة كده؟"
ردت وهي تنظر للخارج:
"مش عايزة أمشي."
ضحك.
"بس الطيارة مش هتستناك."
التفتت إليه.
"خليها تستنى."
"مريم..."
"إيه؟"
"إحنا لازم نرجع."
تنهدت.
"عارفة."
ثم ابتسمت.
"بس عندي فكرة."
رفع حاجبه.
"إيه؟"
"آخر يوم لازم يكون أحلى يوم."
ابتسم.
"اتفقنا."
خرج الاثنان من المنتجع واتجها إلى السوق.
كانت مريم تتحرك بين المحلات بحماس طفولي، تمسك شيئًا ثم تتركه، وتنتقل إلى محل آخر.
ياسر كان خلفها يحمل الأكياس.
نظر إلى يديه.
ثم إليها.
"مريم."
"نعم؟"
"إحنا جايين نتسوق ولا نفتح محل؟"
ضحكت.
"لسه بدري."
"بدري؟!"
"أيوه."
ثم أمسكت بيده وجرته معها.
"تعالى."
"رايحين فين؟"
"مش عارفة."
"طب ليه بتجريني؟"
ضحكت.
"عشان مش عايزة أقعد لوحدي."
نظر إليها مبتسمًا.
"حاضر."
دخلوا أحد المتاجر.
مريم وقفت أمام رف مليء بالهدايا.
" دي لريتال. "
"دي لطنط أميرة ."
أخذت شيئًا.
"ودي لملك أخت شغف "
ثم شيئًا آخر.
"ودي.... ."
ثم توقفت.
نظرت إلى ياسر.
"إنت عايز تجيب إيه لأهلك؟"
قال:
"أنا عايز أرجع من غير حاجة."
حدقت فيه.
"إنت؟!"
ضحك.
"بهزر."
ثم بدأ يختار الهدايا بنفسه.
وبعد وقت طويل...
خرج الاثنان بأكياس كثيرة.
مريم نظرت إلى الأكياس.
ثم قالت:
"إحنا كده جبنا هدايا لكل البيت."
ياسر رد:
"أيوه."
"بس نسينا حاجة."
"إيه؟"
ابتسمت.
"حاجة لينا."
نظر إليها باستغراب.
"هنجيب إيه؟"
مريم أشارت إلى متجر صغير بجوارهم.
"تعالى."
دخلت.
وبعد دقائق خرجت وهي تحمل إطارًا خشبيًا صغيرًا.
ياسر نظر إليه.
كان عليه مكان لصورة واحدة.
قال:
"إيه ده؟"
"هنحط فيه صورة من الرحلة."
"عشان لما نرجع..."
"كل ما نبص عليها نفتكر الأيام دي."
ابتسم ياسر.
"فكرة حلوة."
ثم قال:
"طب نتصور."
ذهبا إلى مكان قريب من الشاطئ .
وقفا بجوار بعضهما.
مريم كانت تضحك.
"استنى، نقابي ."
حاولت ترتب نقابها .
ياسر ضحك.
"سيبيه."
"لا، الصورة."
"مريم، إحنا مش في جلسة تصوير."
"اسكت."
ثم وقفت بجواره.
التقط أحد العاملين في المكان الصورة.
مرة.
ثم مرة ثانية.
وفي الثالثة...
ضحك الاثنان في نفس اللحظة.
وكانت تلك الصورة هي التي اختاراها.
صورة لم تكن مثالية...
لكنها كانت حقيقية.
مع غروب الشمس...
جلسا على الشاطئ.
أمامهما الأكياس.
وخلفهما البحر.
قالت مريم:
"أنا مش عايزة أنسى اليوم ده."
ياسر نظر إليها.
"مش هتنسينه."
"وإنت؟"
"أنا مستحيل أنساه."
ابتسمت.
ثم أخرجت هاتفها.
"يلا."
"إيه؟"
"عايزة صورة أخيرة."
"إحنا اتصورنا عشرين مرة."
"دي الأخيرة."
"وعد؟"
"وعد."
وقف بجوارها.
رفعت الهاتف.
وفي اللحظة التي التقطت فيها الصورة...
ضحكت مريم.
وقال ياسر:
"إيه؟"
"ولا حاجة."
"بتضحكي ليه؟"
"عشان بفكر إننا بعد كام ساعة هنكون في البيت."
"أيوه."
"وهترجع الخناقات."
ضحك.
"والأهل."
"والشغل."
"والدوشة."
قالت:
"بس عادي."
ثم أمسكت يده.
"المهم نفضل إحنا."
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
"هنفضل."
سكتا.
كانت الشمس تختفي تدريجيًا خلف البحر.
والسماء تتلون بألوان الغروب.
مريم أسندت رأسها على كتفه.
وقالت:
"شكرًا."
"على إيه؟"
"على الرحلة."
"وعلى الأيام دي."
"وعلى إنك خليتني أضحك بعد كل اللي حصل."
ياسر قبل رأسها برفق.
"أنا اللي بشكرك."
"ليه؟"
"عشان رجعتيلي إحساس إني ممكن أبقى سعيد."
ابتسمت.
وبقيا هكذا...
حتى اختفت الشمس تمامًا.
ثم قالت مريم:
"يلا."
"فين؟"
"نرجع."
"ليه؟"
"عشان لازم نحزم الشنط."
ضحك.
"أخيرًا افتكرتي."
وقفت.
ثم مدت يدها له.
"تعالى."
أمسك يدها.
ومشيا معًا بعيدًا عن الشاطئ.
وخلفهما...
بقيت آثار أقدامهما على الرمال.
خطوتان بجوار بعضهما...
تختفيان تدريجيًا مع اقتراب موجة البحر.
وكأن المكان نفسه...
كان يحتفظ بآخر أثر لأجمل أيامهما.
دون أن يعرف الاثنان...
أن العودة إلى البيت لن تكون مجرد عودة من رحلة.
بل بداية فصل جديد...
سيختبر كل شيء بنياه معًا.
🔥🔥🔥🔥🔥
عند ريتال...
بعد عودة ريتال من المستشفى...
لم يكن البيت كما كان قبل دخولها المستشفى.
منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها من الباب، تعامل الجميع معها وكأنها شيء ثمين يخافون أن ينكسر مرة أخرى.
أمينة لم تترك لها فرصة حتى لتقول إنها بخير.
"اقعدي."
ريتال ابتسمت.
"أنا كويسة يا ماما."
"اقعدي."
"بس أنا..."
"ريتال."
"حاضر."
جلست.
وبعد دقائق...
ظهرت أمامها صينية مليئة بالطعام.
نظرت ريتال إليها بدهشة.
"إيه ده كله؟"
قالت أمينة:
"أكلك."
"أنا مش هقدر آكل كل ده."
"مش مطلوب تاكليه كله."
"أمال؟"
"تاكلي اللي تقدري عليه."
ومن الناحية الأخرى، جاء الحاج مصطفى ومعه كوب عصير.
"والعصير."
ريتال ضحكت.
"بابا أنا مش في المستشفى."
قال بجدية:
"عارف."
ثم وضع العصير أمامها.
"بس إحنا لسه مش مطمنين."
ابتسمت ريتال.
"أنا كويسة والله."
أمينة نظرت إلى مصطفى.
"شايف؟"
"شايف."
ثم نظر لريتال.
"بس برضه هتسمعي الكلام."
ضحكت.
"حاضر."
ولم يكن الطعام وحده هو المشكلة.
كانت هناك مواعيد الدواء.
كل يوم في نفس الوقت...
كانت أمينة تدخل عليها.
"ريتال."
"نعم؟"
"الدواء."
"لسه بدري."
"الساعة جات."
"ماما..."
"الدواء."
كانت ريتال تنظر إلى الحبة وكأنها عدو شخصي.
"أنا بكره الدوا."
أمينة ابتسمت.
"وأنا بكره أشوفك تعبانة."
فتتنهد ريتال وتأخذ الدواء.
ثم تقول:
"خلاص؟"
"خلاص."
"أقدر أنام؟"
"آه."
"أخيرًا."
أما نور وسهيلة...
فكانتا لهما مهمة مختلفة تمامًا.
كانتا تحاولان إخراج ريتال من الحالة النفسية التي دخلت فيها بعد الحادث.
في الصباح...
كانتا تذهبان إلى الجامعة.
لكن قبل أن تخرجا، تدخلان غرفتها.
نور:
"هنمشي."
سهيلة:
"ومتعمليش أي حاجة وإحنا مش موجودين."
ريتال:
"زي إيه؟"
نور:
"متنزليش."
سهيلة:
"متتعبيش نفسك."
نور:
"ومتفتحيش التلاجة."
ريتال ضحكت.
"هو أنا هسرق منها؟"
نور قالت:
"إحنا عارفينك."
"هتلاقيكي آخر اليوم عاملة حفلة في المطبخ."
ضحكت ريتال.
"يلا روحوا جامعتكم."
نور اقتربت وقبلت رأسها.
"هرجعلك بالليل."
سهيلة قالت:
"وأنا كمان."
ثم خرجتا.
ومع حلول الليل...
كان البيت يتحول إلى مكان آخر.
كانت نور وسهيلة تجلسان بجوار ريتال.
مرة يشاهدن فيلمًا.
ومرة يتحدثن عن الجامعة.
ومرة يحكين لها مواقف مضحكة حدثت معهما.
وفي إحدى الليالي...
قالت نور:
"تعرفي الدكتور اللي عندنا؟"
ريتال:
"مين؟"
"اللي كل ما حد يسأله سؤال يقول: السؤال ده اتجاوب في المحاضرة."
سهيلة انفجرت ضاحكة.
"وهو أصلًا ماشرحش المحاضرة!"
ريتال بدأت تضحك.
"لااا!"
ثم قالت:
"أنا عايزة أرجع الجامعة."
نور نظرت إليها.
"هترجعي."
سهيلة أمسكت يدها.
"بس لما تبقي كويسة تمامًا."
ريتال ابتسمت.
"وعد؟"
"وعد."
وفي الوقت نفسه...
كانت الحديقة ليلًا مكانًا خاصًا بالشباب.
كان سليم يجلس مع أحد أفراد العائلة.
ومحمد بجواره.
وأحمد في الناحية الأخرى.
والأحاديث بينهم كانت تبدو عادية...
لكن الحقيقة؟
لم يكن أحد يسمع الآخر تقريبًا.
كل واحد منهم كان شاردًا في شخص مختلف.
سليم كان ينظر إلى هاتفه كل دقيقتين.
فتح صورة لشخص ما.
ابتسم.
ثم أغلق الهاتف.
محمد قال:
"إنت بتبتسم ليه؟"
انتبه سليم.
"ها؟"
"بقولك بتبتسم ليه؟"
"ولا حاجة."
"آه طبعًا."
ضحك.
"قول بس إنك واقع."
سليم ضربه في كتفه.
"اسكت."
وفي الجهة الأخرى...
كان أحمد مستلقيًا على الكرسي، ينظر إلى السماء.
سأله سليم:
"إنت سرحان في إيه؟"
رد بلا تفكير:
"فيها."
"مين؟"
انتبه لنفسه.
"ولا حد."
ضحك الجميع.
"ولا حد؟"
"آه."
"طب ليه وشك أحمر؟"
"الجو حر."
نظروا إلى بعضهم.
ثم انفجروا ضاحكين.
قال سليم:
"يا جماعة إحنا كلنا بقينا مرضى."
رد أحمد :
"الحب مرض؟"
قال:
"أيوه."
ثم ابتسم وهو ينظر إلى هاتفه.
"بس أنا مش عايز أتعالج."
ضحكوا.
وكانت الليالي تمر هكذا...
الفتيات في الداخل يحاولن أن ينسين تعب الأيام الماضية بالضحك والسهر.
والشباب في الخارج...
كل واحد منهم يحمل في قلبه قصة لا يعرفها الآخرون.
أما ريتال...
فكانت تشعر أنها محاطة بعائلة كاملة تحبها.
لكن وسط هذا الدفء كله...
كان هناك شيء واحد لم يختفِ.
ذلك الشعور الغريب الذي يأتيها أحيانًا...
وكأن هناك سرًا كبيرًا لم تعرفه بعد.
سرًا يتعلق بها...
وبماضيها...
وبذلك الشخص الذي لا يزال يرفض حتى الآن أن يعتبرها أخته.
آدم.
💦💦💦💦💦
بعد شهر كامل، كانت ريتال قد استعادت عافيتها تمامًا، وبدأت أخيرًا تستعد للعودة إلى الجامعة.
كانت في كلية الهندسة، وفي عامها الأخير، وكانت متحمسة للعودة، حتى لو كانت أمينة لا تزال تتعامل معها وكأنها ستنهار لو مشت عشر خطوات وحدها.
في صباح ذلك اليوم...
كانت ريتال وسهيلة داخل الغرفة، وكل واحدة منهما تستعد للخروج.
قالت سهيلة وهي تحاول ترتيب شعرها:
"أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إنك هترجعي الجامعة."
ابتسمت ريتال وهي تنظر إلى نفسها في المرآة.
"وأنا كمان."
"حاسّة إنك متوترة؟"
"شوية."
سهيلة اقتربت منها.
"متقلقيش."
"أول ما تدخلي الكلية كل حاجة هترجع زي زمان."
ريتال ابتسمت.
"يا رب."
ثم نظرت إليها.
"بس عندي مشكلة."
"إيه؟"
"إحنا هنصحى بدري."
سهيلة ضحكت.
"أهو ده اللي مخوفك؟"
"أنا كنت عايشة مرتاحة."
"دلوقتي هترجعي للمحاضرات والدكاترة والمشاريع."
ريتال تنهدت.
"خصوصًا المشاريع."
"إنتِ آخر سنة، استحملي."
"آخر سنة يعني المفروض أرتاح."
"مين قالك؟"
ضحكت الاثنتان.
وفي تلك اللحظة...
كانت نور قد خرجت من غرفتها، تحمل حقيبتها، وتتجه نحو الدرج.
لكنها ما إن وصلت إلى الممر...
حتى ظهر أمامها محمد.
وقف في منتصف الطريق تمامًا.
نور توقفت.
نظرت إليه.
ثم نظرت إلى الطريق خلفه.
ثم عادت تنظر إليه.
"وسع."
محمد ابتسم.
"صباح الخير الأول."
"صباح النور."
"أخبارك إيه؟"
"كويسة."
"نمتي كويس؟"
"آه."
"حلمتي بيا؟"
نور رفعت حاجبًا.
"إيه؟"
محمد ابتسم بثقة.
"بسأل."
"ليه؟"
"عشان لو حلمتي بيا، اليوم هيبقى جميل."
نور أخذت نفسًا طويلًا.
"محمد..."
"نعم؟"
"إنت واقف في طريقي."
نظر خلفه وكأنه اكتشف الأمر لأول مرة.
"آه."
ثم لم يتحرك.
نور قالت ببرود مصطنع:
"ممكن تتحرك؟"
"ممكن."
"طب اتحرك."
"حاضر."
ظل واقفًا.
نور حدقت فيه.
"إنت بتعمل إيه؟"
قال بكل براءة:
"مستنيك تقوليلي لوحدك."
"أقولك إيه؟"
"لو سمحت يا محمد، ممكن تعديني؟"
نور ابتسمت ابتسامة باردة.
"لو سمحت يا محمد..."
فرح.
"أيوه؟"
"...ابعد قبل ما أرمي الشنطة في دماغك."
اختفت ابتسامته.
"لا لا، كده ضيعتي الرومانسية."
"أي رومانسية؟"
"أنا كنت بحاول أبدأ يومك بحاجة لطيفة."
"وأنا كنت بحاول أبدأ يومي من غير صداع."
ضحك محمد.
"واضح إنك لسه زي ما إنتِ."
"وأنت لسه رخم."
"بس بتحبيني."
نور فتحت عينيها.
"مين قالك؟"
وضع يده على صدره.
"قلبي."
"قلبك محتاج دكتور."
ضحك.
"ممكن تبقي إنتِ الدكتورة."
"أنا مش دكتورة."
"لسه."
"ومش هبقى."
"خلاص، مهندسة."
"برضه لأ."
"طب حبيبتي؟"
توقفت نور.
سكتت لثانية.
ثم قالت بصرامة مصطنعة:
"إنت عايز تروح الشغل ولا عايز ترجع أوضتك؟"
رفع محمد يديه باستسلام.
"حاضر يا باشمهندسة."
ثم ابتعد أخيرًا.
وقبل أن تمر من أمامه...
قال:
"بس على فكرة..."
التفتت إليه.
"إيه؟"
ابتسم.
"الصرامة المصطنعة دي مش مخوفاني."
ضيقت عينيها.
"محمد..."
ركض على الدرج وهو يضحك.
"أشوفك في المساء يا نور!"
وقفت نور مكانها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها.
ثم تمتمت:
"مستفز..."
لكنها كانت تبتسم رغمًا عنها.
وفي تلك اللحظة خرجت سهيلة من الغرفة.
"كنتِ بتكلمي مين؟"
اختفت ابتسامة نور فورًا.
"ولا حد."
سهيلة نظرت ناحية الدرج، ثم إليها.
"محمد؟"
"أيوه."
"وكان بيقولك إيه؟"
"ولا حاجة."
سهيلة ابتسمت.
"وشك بيقول حاجة."
نور حملت حقيبتها بسرعة.
"يلا يا سهيلة."
"حاضر يا عاشقة."
"سهيلة!"
وانفجرت الاثنتان بالضحك، بينما كانت ريتال تخرج من الغرفة خلفهما وهي تقول:
"أنا حاسة إن يوم الجامعة ده هيكون طويل أوي."
ولم تكن تعرف...
أن عودتها للجامعة لن تكون مجرد عودة للدراسة.
فقد كان هناك شخص آخر...
ينتظر ظهورها منذ فترة طويلة..