رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل الخامس 5 بقلم نور إسماعيل


رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل الخامس 5 بقلم نور إسماعيل


ومن غير تردّدٍ ولا تفكير، وبمنتهى التهوّر، ضغط وسام على جرس باب مي.


فتحت مي الباب... فوجدته أمامها.


كانت على وشك الخروج، ترتدي طرحتها وإسدال الصلاة، وحين وقع بصرها عليه انتفض قلبها؛ لم تره يومًا بهذه الهيئة، وجهٌ شاحب، عينان غارقتان في الذهول، وارتباكٌ يكسو ملامحه كأن الأرض سُحبت من تحت قدميه.


_وسام... مالك يا حبيبي؟!


لم يُجبها مباشرة، بل قبض على يدها في لهفةٍ أربكتها، ثم هبط إلى الأرض فجأة من غير أن يشعر بنفسه، وأخذ يتكلم بصعوبة، فيما الدموع تخنق صوته وتفتك بحروفه:


_بابا... عنده... سرطان!


شهقت مي، وتجمدت ملامحها لثانيةٍ كاملة، كأن عقلها لم يستوعب الكلمة بعد، لكن قلبها سبقها؛ لم تسأله، لم تُعلّق، لم تفعل شيئًا سوى أنها انحنت إليه سريعًا، وأقامت جسده من على الأرض، ثم أدخلته إلى الداخل على الفور.


جلس وسام على الكرسي، لكن ملامحه كانت شاردةً تمامًا، كأن روحه ليست معه، وكأن قدميه لم تعرفا إلى أين تمضي به إلا إلى مي. الاحتياج وحده هو من ساقه إليها، من غير حسابٍ ولا ترتيب، وكأن قلبه في لحظة انكساره لم يجد مأمنًا يلجأ إليه إلا هي. وذلك وحده كان كافيًا ليقول كل شيء؛ أنه يحبها، وأنه لا يستطيع الاستغناء عنها، وأن المشكلة الصغيرة التي كانت بينهما تلاشت كلها أمام وجعه الحقيقي.


دخلت مي إلى الداخل سريعًا، ثم عادت بكوبٍ من العصير البارد، ناولته إياه وهي تحاول أن تهدّئه قليلًا، لعلّه يستعيد بعضًا من توازنه ويجمع شتات نفسه.


قالت وهي تنظر إليه بقلق:


_إيه بس يا وسام؟ مالك؟ أنا عمري ما شفتك كده.


رفع عينيه إليها، وفيهما انكسارٌ موجع، ثم قال بصوتٍ مهزوز:


_بابا عنده سرطان يا مي... أنا حاسس إن هيحصلي حاجة. مقدرتش أشوف أمي وهي بتسمع الخبر... ولا قدرت أستحمل. هربت! عملت نفسي نازل ألف بالعربية... وجيتلك. لاقيت نفسي برن الجرس ومش عارف عملت كده إزاي.




تألم قلب مي من أجله، فاقتربت منه، وضمت رأسه إليها وهو جالس على الكرسي، بينما ظلت هي واقفة تحتضنه بقوة، وما إن لامسته حتى انهمرت دموعها على الفور.




_ما تزعلش يا وسام... ده قضاء ربنا، هو أنا اللي هعلّمك؟ ده أنا عارفة إن لما بضعف أو بيحصلي حاجة، بسند على حاجة قوية... عارف الحاجة دي إيه؟


ثم مالت نحوه أكثر وهمست:


_إنت يا وسام.




تنهد تنهدة خرجت مثقلة بالخوف، وقال بصوتٍ خافت:


_أنا مش متصور ده أبدًا... أنا مجربتش فراق حد بحبه غير مرة، وقدرت أقف على رجلي من تاني... إنما المرة دي مش هقدر. آه، أنا عندي اتنين وتلاتين سنة... بس محتاج أبويا يكون جنبي، وأسند عليه. نفسي يفرح بيا، وأولادي يجروا عليه ويفرح بيهم... فجأة كده؟


ثم ابتلع غصته بصعوبة وأكمل:


_خلاص... نهاية حد بتحبه قربت.




انقبض قلب مي حين لمح اسم دنيا بين كلامه، لكنها ابتلعت ضيقها؛ فهذه ليست لحظة عتاب، بل لحظة احتواء. تماسكت وقالت بلهجةٍ حازمة رغم رقتها:


_إيه ده؟ إيه ده يا وسام؟! إنت اللي بتقول الكلام ده؟


يا راجل، ده إنت بتصلي الفرض في وقته، وبتقرأ قرآن... ينفع تبقى مش واثق في ربنا كده؟




رفع عينيه من حضنها ونظر إليها باهتمامٍ صامت.




ابتسمت مي ابتسامةً خفيفة، وقالت:


_مستغرب؟ أيوه، أنا اللي بقول كده... إنت اللي علمتني ده. علمتني إن ربنا لما بنحسن الظن بيه، بيدينا. مين قالك إن لازم يحصل حاجة وحشة لعمو؟ مش يمكن يتعالج ويخف ويبقى زي الحصان؟ وبعدين المرض ده مبقاش قاتل زي زمان، بقى له علاج، وناس كتير ربنا بيشفيها منه.




ظل وسام ينظر إليها وهي تتكلم بكل تلك البراءة والعفوية، فشعر أنها صارت تشبهه... أو لعله هو من ترك أثره فيها. فالذي يحبّ، يطبع محبوبه بطبعه، ويشرب كلٌّ منهما من الآخر حتى يغدو الاثنان روحًا واحدة.




وفجأة انتبه إلى إسدال الصلاة والطرحة، فقطع كلامها وسألها:


_هو أنا لما رنيت... إنتِ كنتِ بتصلي؟




ارتبكت مي، وأمسكت بطرف طرحتها في خجل:


_أنا؟ لا...




ضيق عينيه وقال:


_أومال لابسة كده ليه؟




ازدردت ريقها، ثم قالت بخجلٍ امتزج بشيءٍ من الفخر:


_أنا اتحجبت.




ساد الصمت لثوانٍ، وحدّق بها وسام في ذهولٍ كامل.




أكملت مي وهي تبتسم:


_أخدت الطرحة دي من سهر امبارح وجربتها... تعرف؟ حسيت بعدها براحة جامدة، وحسيت إني مش عايزة أقلعها. فرحت قررت خلاص... مش هقلعها. لبستها وانتهى. أنا معدتش مش محجبة تاني، وكنت لسه نازلة أشتري لبس يليق بالحجاب.




مسح وسام دموعه بطرف أصابعه وقال، وعيناه معلقتان بها:


_مقولتيليش ليه؟




قالت بصراحةٍ هادئة:


_بصراحة... أنا كنت زعلانة منك أوي، ومكنتش هاجي أصالحك ولا حاجة. وأنا لبسته عشان بعد كلامك وكلام سهر اقتنعت بيه... مش غصب عني يعني.




مد يده إليها، أمسك يدها وقبّلها برفق:


_سامحيني إني زعلتك.




أشرقت ملامح مي فورًا، وضمت يده إلى قلبها وقالت بابتسامةٍ دافئة:


_ده مبيعرفش يزعل منك خالص.




لكن وسام سرعان ما عاد ذهنه إلى مرض أبيه، فعادت غمامة الحزن تكسو وجهه من جديد.




ربتت مي على كتفه وقالت:


_سيبها على ربنا وهتتعدل... بس أهم حاجة إنك تكون أقوى من كده، لأنك طول ما إنت عامل كده هتتعبه بزيادة، فاهمني؟




أومأ لها برأسه في صمت، ثم نهض مستعدًا للرحيل.




_تصبحي على خير.


_وإنت من أهله يا بيبي.




نزل وسام إلى سيارته، وقادها بلا وجهة واضحة حتى ركنها قرب كورنيش النيل. هناك، وسط سكون الليل وانعكاس الأضواء على الماء، استسلم لدموعٍ لا أول لها ولا آخر، كأن صدره يفرغ ما عجز عن احتماله طوال اليوم. لكنه تذكر كلام مي... تذكر أنه يجب أن يكون قويًا، لأن أباه سيستمد من قوته هو بعضًا من روحه، وبعضًا من شجاعته.




ولما عاد إلى البيت، دخله في صمت. لم يكن أحدٌ بحاجةٍ إلى الكلام أصلًا، فالحزن كان كافيًا ليخنق الجميع. اتجه مباشرة إلى غرفته، دفن نفسه في سريره، واستسلم للنوم هربًا من ثقل ما يشعر به.




ــــــــــ




بعدها بيومين...




كانت ليلى قد اتفقت مع دنيا أن تلتقيا في أحد المقاهي، وبالفعل تقابلتا، لكن حال ليلى كان سيئًا للغاية بسبب تعب خالها عاصم.




قالت دنيا وهي تراقب شرودها:


_مالك يا ليلى؟ إنتِ من ساعة ما جيتي سرحانة ومتوهة.




تنهدت ليلى وقالت:


_والله يا دنيا كنت حابة ما يبانش عليا... عشان ما أخنقكيش معايا.




_في إيه يا بنتي؟ اتكلمي.




أطرقت ليلى قليلًا ثم قالت:


_خالو عاصم.




اعتدلت دنيا في جلستها:


_ماله؟




قالت ليلى بصوتٍ مختنق:


_تعب من فترة، ومكانش بياكل، وعنده مغص على طول... وسام خده يكشف. ما توقعناش أبدًا نتيجة الكشف.




شعرت دنيا بقبضةٍ تعتصر قلبها:


_إيه يا ليلى؟ قلقتيني.




تنهدت ليلى وقالت:


_الدكتور قال إنه عنده سرطان في المعدة، وفي المرحلة التانية، ولازم عملية عشان يبتدوا العلاج بسرعة.




شهقت دنيا، ووضعت يدها فوق فمها من شدة الصدمة.




أكملت ليلى:


_وسام حالته زي الزفت... وطنط الله يكون في عونها. وخالو متماسك جدًا.




قالت دنيا بسرعة، وكأنها تعرف ما تقول:


_بس لازم يعمل العملية بسرعة يا ليلى، عشان الكيماوي بياخد وقت ومتعب. لازم يستحمل عشان يعدّي مرحلة الخطر.




رفعت ليلى حاجبيها بدهشة، واستغربت كمّ المعلومات التي تعرفها دنيا عن المرض وعلاجه.




_إنتِ عرفتي منين المعلومات دي؟




ارتبكت دنيا وقالت بسرعة:


_ها؟ عادي... كنت بقرا في الحاجات دي.




وبينما كانت ليلى تنظر إليها، لاحظت أن طرحة دنيا قد تزحزحت قليلًا إلى الخلف... ولمحت ما جعل قلبها ينتفض؛ لم يكن هناك أثرٌ واضح لمنبت الشعر.




قالت بهدوءٍ حذر:


_طرحتك بتتزحلق يا دنيا.




ارتبكت دنيا، وعدلت طرحتها سريعًا. أما ليلى، فكانت ذكية بما يكفي لتفهم أن هناك شيئًا كبيرًا تخفيه دنيا، وأن هذا الشيء تحديدًا قد يكون هو السبب الحقيقي وراء انفصالها عن وسام.




صمتت لحظة، ثم قالت:


_أنا عارفة إن مش وقته السؤال ده... بس أنا عايزة أعرف منك حاجة، ممكن؟




شعرت دنيا بالسؤال قبل أن يُقال، وارتبكت:


_آه... قولي.




قالت ليلى وهي تثبت عينيها فيها:


_وسام قاللي إنك إنتِ اللي سبتيه... ومقولتيش السبب خالص. مرة واحدة قلعتي الشبكة وبعتيهاله. ممكن أفهم ليه؟




في تلك اللحظة، امتلأت عينا دنيا بالدموع، فاستدارت بوجهها إلى الجهة الأخرى محاولةً أن تخفيها، لكنها لم تستطع. انفجرت في البكاء، كأنها كانت فقط تحتاج إلى من يفتح لها الباب لتنهار، وهذا ما أخاف ليلى أكثر.




همست ليلى وهي تحدق فيها:


_أنا كده بتأكد إن اللي في دماغي صح...




مسحت دنيا دموعها بصعوبة، ثم قالت بصوتٍ متكسر:


_أنا هقولك... بس تحلفيلي إنك عمرك ما هتقولي لحد.




أجابت ليلى فورًا:


_أوعدك.




ــــــــــ




في تلك الأثناء، كان وسام عائدًا من الخارج بعد أن مرّ على الطبيب وسأله عن موعد عملية والده بالتحديد. دخل إلى غرفة أبيه وطرق الباب برفق.




_اتفضل يا ابني.




دخل وسام وقال:


_بابا... أنا عديت على الدكتور أسامة، وقاللي إنك لازم تروح المستشفى اللي هتعمل فيها العملية، عشان يظبطوا السكر والضغط قبلها، ولازم تتحجز هناك لحد المعاد عشان يجهزوك ليها.




نظر إليه والده مليًا، ثم قال:


_ومالك بتتكلم بحزن كده ليه؟




حاول وسام أن يتمالك نفسه:


_لا... أنا كويس. مفيش حاجة.




لكن الأب قال بهدوءٍ حاسم:


_أنا هروح أعمل كل اللي إنت قلت عليه... بعد كتب كتابك.




رمش وسام بدهشة:


_كتب كتابي؟! أنا مش هعمل كتب كتاب خلاص.




قطّب الأب حاجبيه:


_ليه يا ابني؟ ماتلك ميت!




اختنق صوت وسام وهو يقول:


_بابا، أرجوك ما تقولش كده.




أشار له الأب أن يقترب، ثم قال بصوتٍ دافئ:


_اسمعني يا حبيبي... أنا مخلفتش غيرك، والحمد لله ربنا كافأني بمكافأة ما أقدرش أوصفها: إنت. ذرية صالحة كنت بطلبها من ربنا. كان نفسي أفرح بيك زمان مع دنيا، بس ربنا ما أرادش النصيب يتم. صبرت واستنيتك لحد ما تقول: أنا عايز أتجوز. والحمد لله اخترت وحبيت وعايز تتجوز. مي بنت ناس وغلبانة وبتحبك... أيوه، مجنونة حبتين...




ضحك وسام رغم الدموع التي تملأ عينيه.




فابتسم الأب وقال:


_بس إنت هتعقلها، وأنا واثق في كده.




قال وسام:


_طيب نعمل العملية وبعدها كتب الكتاب.




هز الأب رأسه رافضًا:


_لا، تكتب الأول وتفرح زي ما وعدت أبوها، وفي معاده كمان. كلنا نفرح، وتفرحوني معاكم، وبعدها يحلها الحلال. وبعدين أنا مش عايز أشوفك كده.




قال وسام بصوتٍ مبحوح:


_بابا... أنا مش متخيل إنك تعبان وجواك تعب زي ده شايله لوحدك. ياريت ربنا اداهولي أنا وإنت لا.




فقطعه الأب على الفور:


_لا لا لا، ما أحبش أسمع منك كده. أنا الحمد لله درست، واشتغلت شغل ممتاز، واتجوزت ست كويسة، وخلفت أحسن راجل في الدنيا، وهجوزه كمان. رسالتي انتهت... إنت اللي جاي يا ابني.




أمسك وسام يد أبيه بقوة، وقال وعيناه دامعتان:


_ما تقولش كده يا بابا... يارب يخليك ليا.




ابتسم الأب وقال:


_أنا مش خايف من المرض... ولا من الموت. أنا دلوقت عايز أفرح بيك، وأشوفك بجد مبسوط، وما تنكدش على خطيبتك. أديك شايف أمك... قلباها مناحة من ساعة ما عرفت، والجو ده مش عاجبني بصراحة.


قال وسام بمرارة:


_عايزني أفرح وأتجوز يا بابا وإنت تعبان؟


ابتسم الأب بثقة:


_إذا كنت أنا اللي بقولك إني كويس، وإن شاء الله فترة وهتعدي... أنا عايز أرقص في فرحك!


ضحك وسام رغمًا عنه:


_ترقص؟!


قال الأب وهو يبادله الضحك:


_أيوه! هو أنا خلفت غيرك عشان لو ما فرحتش بيك أعوضها في حد تاني؟ لازم أرقص وأفرح بيك إنت يا حبيبي... وأرقص ماما معايا كمان. ها، إيه رأيك؟


ضحك وسام هذه المرة من قلبه، رغم أن الدموع ما زالت في عينيه، ثم انحنى واحتضن والده بقوة.


ربت الأب على ظهره وقال:


_عايز من بكرة الضحكة ما تفارقكش زي الأول، وتحجز القاعة عشان نكتب القايمة، خلينا نجيب البت دي بسرعة هنا ونشكمها.


انفجر وسام ضاحكًا:


_هههههه!


ثم قال الأب فجأة:


_هتسمي عاصم يا وسام؟


ابتسم وسام وقال وهو يضغط على يده:


_هتعيش يا بابا، وإنت اللي هتسميه... وإنت أول واحد هتتلقاه على إيدك.


تنهد الأب، ثم قال بصوتٍ هادئٍ ممتلئ بالرضا:


_يا عالم... محدش بياخد أكتر من نصيبه. أحسن حاجة إنك ترضى باللي مقسوم لك... هترتاح أوي يا ابني.


                  الفصل السادس من هنا 

        لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة