رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم اية محمود

رواية فرحة على حافة الهاوية ج2 الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم اية محمود


مرت ثلاثة أشهر كاملة، ثلاثة أشهر كانت كفيلة بأن تجعل الشركة كلها تحفظ تفاصيل الحرب الغريبة التي دارت بين ريتال ورحيم، حرب لم يكن فيها منتصر حقيقي، لأن ريتال كانت في كل مرة تنجح في استفزازه وإغضابه، كان رحيم ينجح في المقابل في انتزاع ابتسامة منها رغمًا عنها، وكلما قررت أن تجعل أيامه صعبة كان يجد طريقة يجعل بها يومها أكثر صعوبة، حتى أصبح الموظفون يتابعون الأمر وكأنهم أمام مسلسل يومي لا يعرف أحد متى ستنتهي حلقاته




، أما ريتال فكانت متمسكة بخطتها منذ البداية، لم تكن تريد أن تنسى ما فعله بها بسهولة، ولم تكن مستعدة أن تمنحه كلمة واحدة تشعره بأنه استطاع الوصول إلى قلبها من جديد، ورغم أن رحيم خلال تلك الفترة لم يترك فرصة إلا وحاول فيها أن يعتذر، مرة يأتي إليها بكلمات صادقة، ومرة يترك لها رسالة قصيرة يطلب منها أن تسمع منه فقط، ومرة ينتظرها بعد انتهاء عملها ليقول لها إنه يعرف أن الاعتذار وحده لا يكفي، ومرة كان يكتفي بالنظر إليها من بعيد دون أن يقترب،




 وكأنه بدأ يفهم أخيرًا أن الاقتراب منها دون رضاها لن يجعله يكسبها، إلا أن ريتال كانت في كل مرة تصده، تقول له إن الوقت لم يحن، وإنها لم تنسَ، وإن الحب لا يمحو ما حدث، ثم تتركه وتمضي، لكنها في كل مرة كانت تبتعد عنه كان قلبها يخونها للحظات، وكانت تشعر بشيء صغير يتحرك داخلها، شيء كانت ترفض أن تعطيه اسمًا، وكانت كلما سألتها مريم عن الأمر تقول لها بعناد: "أنا بس مبسوطة إني بخليه يتعذب شوية زي ما عذبني"، فتضحك مريم وترد: "أيوه يا حبيبتي، عذبيه براحتك، بس متنسيش إن اللي بيحب حد بالشكل ده بيكون غالبًا مستني فرصة واحدة بس"، فترد ريتال: "مش هياخدها"، ثم تصمت بعدها، لأنها في أعماقها لم تكن متأكدة من ذلك.




وفي أحد الأيام، كانت ريتال واقفة داخل ساحة الشركة تتناقش مع أحد المهندسين في تفاصيل مشروع كبير، وكانت تمسك ملفًا بيدها وتشير إلى بعض الرسومات الهندسية بينما كان المهندس يشرح لها نقطة فنية، وكانت مريم واقفة بجوارها تستمع إلى الحديث، وفجأة جاء أحد الموظفين وقال لريتال: "بشمهندسة ريتال، مستر رحيم طلب حضرتك في ساحة الشركة." رفعت ريتال رأسها باستغراب وقالت: "في الساحة؟"، أومأ الموظف: "أيوه، وقال لازم حضرتك تيجي دلوقتي."، نظرت ريتال إلى مريم، فوجدتها تحاول إخفاء ابتسامتها، لكنها كانت تفشل بشكل واضح، فضيقت ريتال عينيها وقالت: "إنتِ بتبتسمي ليه؟"، 


ردت مريم بسرعة: "أنا؟! لا، أبدًا."، ريتال نظرت إليها بشك: "مريم..."، فضحكت مريم وقالت: "والله ما أعرف حاجة."، ريتال لم تقتنع، لكنها وضعت الملف على المكتب القريب منها وقالت: "تعالي معايا."، ردت مريم فورًا: "أنا؟ ليه؟"، "عشان شكلك عارفة حاجة ومش هسيبك هنا لوحدك."، فضحكت مريم وهي تسير خلفها وقالت: "حاضر يا محققة كونان."




خرجتا إلى ساحة الشركة، وما إن وصلت ريتال إلى المكان حتى توقفت فجأة، تجمدت خطواتها، واتسعت عيناها وهي تنظر أمامها، لم تكن الساحة كما اعتادتها، المكان كله كان مزينًا بطريقة لم ترها من قبل، ورود بيضاء موزعة في كل جانب، أضواء صغيرة معلقة حول الأشجار، وطاولات مرتبة بعناية، وفي منتصف الساحة كان هناك طريق من الورود يمتد إلى مكان يجلس فيه رحيم على الأرض، وكان يرتدي بدلة أنيقة، لكنه لم يكن واقفًا خلف مكتبه هذه المرة، ولم يكن المدير الذي اعتادت أن تراه في اجتماعات الشركة، كان جالسًا على ركبته، وفي يده علبة صغيرة، وحين رآها وقف ببطء، ثم فتح العلبة وأظهر الخاتم.


توقفت ريتال عن التنفس للحظة.


التفتت إلى مريم التي كانت تبتسم بسعادة واضحة، فقالت ريتال بصوت منخفض: "إنتِ كنتي عارفة؟"


مريم ضحكت وقالت: "يمكن."


"مريم!"


"خلاص خلاص، عارفة."


"إنتِ مجنونة؟!"


"استني بس."


رفعت ريتال عينيها من جديد نحو رحيم، فوجدته يقترب منها خطوات قليلة ثم يتوقف أمامها، ولم يكن هناك أي أثر لذلك الرجل المستفز الذي كانت تتشاجر معه كل يوم، كان أمامها رجل مختلف، عيناه تحملان خوفًا حقيقيًا من ردها، لكنه رغم ذلك لم يتراجع، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بصوت سمعه الجميع: "ريتال، أنا عارف إن تلات شهور مش كفاية عشان




 أنسى كل اللي عملته فيكي، وعارف إن أربع سنين من السجن مش معناها إن كل حاجة اتصلحت، وعارف إن كلمة آسف مهما كررتها مش هترجعلك الأيام اللي اتألمتي فيها بسببي، وعارف إنك كل مرة كنتي بتصديني كان من حقك، لأن أنا آخر واحد في الدنيا له حق يطلب منك فرصة، لكن أنا النهارده مش جاي أطلب منك تنسي، ولا جاي أطلب منك تسامحيني على الماضي في لحظة، أنا جاي أطلب منك حاجة واحدة بس... فرصة أبدأ من جديد، فرصة أخليكي تعرفي إن الإنسان اللي قدامك دلوقتي مش هو الإنسان اللي أذاكي زمان."




سكت لحظة، ثم نزل على ركبته أمامها، وفتح علبة الخاتم أكثر، وقال: "أنا حبيتك وأنا غلطان، وحبيتك وأنا بعيد عنك، وحبيتك وأنا في السجن، لكني فهمت هناك إن الحب مش امتلاك، وإن اللي يحب لازم يكون أول واحد يحمي الشخص اللي بيحبه من نفسه قبل أي حد تاني، وأنا عارف إنك مش مطالبة تصدقي كلامي، عشان كده أنا مش هطلب منك تصدقيني... أنا هطلب منك تديني فرصة أثبتلك."


كانت ريتال واقفة في مكانها لا تعرف ماذا تفعل، عيناها امتلأتا بالدموع دون أن تسمح لها بالسقوط، لم تكن تتوقع هذا، لم تكن تتوقع أن يقف رحيم أمام الجميع بهذا الشكل، وأن يضع كبرياءه جانبًا ويعترف بكل شيء، وكانت أكثر صدمة بالنسبة لها أن قلبها لم يكن غاضبًا كما توقعت، بل كان يرتجف، وكانت مريم تراقبها من جانبها، ثم اقتربت منها وهمست: "قولي اللي جواكي يا ريتال."


قالت ريتال بصوت منخفض: "مش عارفة."


ابتسمت مريم وقالت: "إنتِ عارفة."


نظرت إليها ريتال، فتابعت مريم: "إنتِ بتحبيه."


أغمضت ريتال عينيها للحظة، ثم أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت إلى رحيم الذي كان لا يزال منتظرًا ردها، ثم قالت بصوت واضح: "رحيم..."


رفع عينيه إليها.


قالت: "إنت عايز فرصة؟"


"أيوه."


"وعايزني ألبس الخاتم؟"


"لو وافقتي."


نظرت إلى الخاتم، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا، وقالت: "طيب..."


ظهر الأمل في عينيه.


لكنها أكملت: "لو عايزني بجد..."


سكتت لحظة.


ثم قالت وهي ترفع رأسها بثقة: "ادخل البيت من بابه مش من شباكه ."


تجمد رحيم.


"إيه؟"


قالت ريتال وهي تحاول إخفاء ابتسامتها: "اللي عايز ريتال يطلبها من أبوها، مش يطلبها في الشركة."


ثم استدارت ومشت، تاركة رحيم جالسًا في مكانه وهو لا يستوعب ما سمعه، بينما بدأت الابتسامة تظهر على وجه مريم، ونظرت إليه وقالت: "مبروك."


رفع رحيم عينيه إليها وقال بذهول: "مبروك على إيه؟"


ضحكت مريم: "يا غبي! هي وافقت."


نظر رحيم إلى الاتجاه الذي ذهبت فيه ريتال، ثم قال: "وافقت؟"


"أيوه."


"يعني..."


ضحكت مريم: "يعني بدل ما كنت بتطلب منها فرصة، روح اطلبها رسمي من الحاج مصطفى."


وقف رحيم بسرعة، وكأن الكهرباء سرت في جسده، ونظر إلى الخاتم الموجود في يده، ثم ضحك ضحكة لم يستطع منعها، وقال: "يعني هي كانت مستنياني أعمل كده؟!"


مريم هزت رأسها وقالت: "من زمان."


وضع رحيم يده على وجهه وقال: "أنا كنت غبي."


ضحكت مريم: "دي مش جديدة."


ثم نظر رحيم نحو الباب الذي خرجت منه ريتال، وكانت ابتسامته هذه المرة مختلفة تمامًا، ابتسامة رجل شعر للمرة الأولى منذ سنوات أن هناك بابًا لم يُغلق في وجهه، بل إن ريتال بنفسها أعطته مفتاحه.


قال رحيم بصوت مليء بالفرحة: "الحاج مصطفى..."


ثم ضحك.


"أخيرًا."


وفي الجهة الأخرى، كانت ريتال تمشي بجوار مريم وهي تحاول بكل قوتها ألا تبتسم، لكنها لم تستطع، فضحكت مريم وقالت: "ها؟"


قالت ريتال: "إيه؟"


"فرحانة؟"


"لا."


"خاتم؟"


"مش مهم."


"رحيم هيطلبك رسمي."


"براحتـه."


ضحكت مريم: "طب ليه وشك أحمر؟"


قالت ريتال وهي تحاول الحفاظ على غرورها: "من الشمس."


نظرت مريم إلى السماء، ثم إليها وقالت: "الشمس؟ الساعة خمسة العصر؟"


ريتال ضحكت وقالت: "اسكتي يا مريم."


فضحكتا معًا، بينما في الجهة الأخرى كان رحيم للمرة الأولى منذ أربع سنوات يشعر أن قلبه خفيف، لأنه أخيرًا فهم الرسالة التي كانت ريتال تحاول أن توصلهاله طوال الوقت...


هي لم تكن ترفضه لأنها لا تريده.


كانت تنتظر منه فقط أن يعرف الطريق الصحيح إليها.


طريق واحد...


من باب بيتها.


في مساء نفس اليوم، كانت ريتال جالسة في بيت الحاج مصطفى، تحاول أن تتصرف بشكل طبيعي، لكن الابتسامة التي كانت تظهر على وجهها كلما تذكرت ما حدث في الشركة كانت تفضحها، كانت مريم قد غادرت منذ قليل، وقبل أن تغادر ظلت تردد عليها: "أنا مستنية أشوف وشك لما رحيم يكلم عمو مصطفى."، وكانت ريتال ترد عليها كل مرة: "روحي يا مريم بدل ما أندم إني حكيتلك."، لكنها ما إن جلست وحدها حتى وجدت هاتف الحاج مصطفى يرن، نظر إلى الشاشة، 




ثم رفع عينيه إليها، وقال: "ده رحيم."، تجمدت ريتال للحظة، ثم شعرت بقلبها يخفق، لكنها حاولت إخفاء ارتباكها وقالت: "رد عليه يا بابا."، ابتسم الحاج مصطفى وقال: "أنا كنت مستنيه."


فتح المكالمة وقال: "السلام عليكم يا رحيم."، جاء صوت رحيم متوترًا بشكل واضح: "وعليكم السلام يا حاج مصطفى... أنا كنت عايز أطلب من حضرتك طلب."، ابتسم الحاج مصطفى وقال: "قول يا ابني."، رحيم أخذ نفسًا عميقًا وقال: "عايز آجي لحضرتك وأطلب ريتال رسمي."، نظر الحاج مصطفى إلى ريتال التي كانت تحاول ألا تبتسم، ثم قال: "تنور يا رحيم، تحب تيجي إمتى؟"، رد رحيم بسرعة وكأنه كان حافظ الإجابة: "الجمعة لو حضرتك مناسب."، قال الحاج مصطفى: "الجمعة على بركة الله."، ثم أضاف: "بس يا رحيم، قبل ما تيجي لازم تعرف إن ريتال حكتلي كل حاجة."، صمت رحيم للحظات، 


ثم قال بصوت منخفض: "عارف يا حاج... وأنا مش جاي أطلب منها تنسى، أنا جاي أصلح اللي أقدر أصلحه."، ابتسم الحاج مصطفى وقال: "يبقى تعالى يا ابني، وربنا يكتبلكم الخير."


وبمجرد أن أغلق الهاتف، نظرت إليه ريتال، فقال لها: "خلصنا."، رفعت حاجبها: "خلصنا إيه؟"، "رحيم جاي الجمعة."، حاولت ريتال أن تبدو هادئة وقالت: "طيب."، ضحك الحاج مصطفى وقال: "طيب إيه بس؟ ده إنتِ من شوية كنتِ مبتسمة من ودانك لودانك."، احمر وجهها وقالت: "أنا؟! لا طبعًا."، فضحك وقال: "ربنا يسعدك يا بنتي."




وبدأ الحاج مصطفى يتصل بأفراد العائلة واحدًا تلو الآخر، يخبرهم أن رحيم سيأتي يوم الجمعة لطلب ريتال رسميًا، ولم تمر ساعات حتى تحولت الدعوة الصغيرة إلى مناسبة عائلية كبيرة، وكأن الجميع كانوا ينتظرون تلك اللحظة منذ سنوات، وفي صباح الجمعة بدأ بيت الحاج مصطفى يستقبل أفراد العائلة واحدًا تلو الآخر، حضرت أمينة ومعها أمل، وجاءت نور وسهيلة، ووصلت ريما التي كانت تحمل معها فرحة واضحة من أجل ريتال، ثم جاء الجد والجدة، وأيوب، وآدم وسليم،




 وبعدهم أحمد ومحمد، أبناء أيوب، حتى امتلأ البيت بالضحكات والأصوات والحركة، وكأن البيت نفسه عاد إليه شيء من الحياة التي افتقدها طويلًا، وكانت ريتال تقف في وسط كل ذلك وهي تشعر أن قلبها ممتلئ بمشاعر كثيرة لا تعرف كيف تصفها، فهذه العائلة التي شهدت معها أصعب أيام حياتها كانت اليوم تجتمع من أجل فرحتها.




ولم تكد ريتال تستوعب المشهد حتى وصل صوت من الخارج، فقالت نور: "مريم وصلت!"، دخلت مريم وهي تحمل ابنة هناء الصغيرة، مريم، وكانت هناء خلفها وسعد بجوارها، وبمجرد أن رأت ريتال احتضنتها بقوة وقالت: "أهو اليوم اللي كنت مستنياه!"، ضحكت ريتال وقالت: "إنتِ جاية تفرحي ولا تفضحيني؟"، ردت مريم: "الاتنين."، ثم رفعت الطفلة الصغيرة أمام ريتال وقالت: "بصي، مريم الصغيرة جاية تشوف عمتها وهي بتتخطب."، ضحكت ريتال وحملت الطفلة بين ذراعيها، بينما كانت هناء تبتسم وسعد يقول للحاج مصطفى: "والله يا حاج أنا مبسوط إنك دعوتني."، فرد الحاج مصطفى: "إنت من أهل البيت يا سعد."


مرت الدقائق والجميع ينتظرون وصول رحيم، حتى بدأ القلق يظهر على وجه ريتال، وكانت تحاول إخفاءه وهي تجلس بجوار مريم، فقالت مريم هامسة: "متوترة؟"، ردت ريتال بسرعة: "لا."، "أكيد؟"، "أكيد."، "طب ليه بتلعبي في الخاتم اللي في إيدك من خمس دقايق؟"، نظرت ريتال إلى يدها، ثم سحبتها بسرعة وقالت: "عادي."، فضحكت مريم وقالت: "أيوه، عادي جدًا."


وبعد دقائق، توقفت سيارة أمام البيت، ونزل منها رحيم، وكان معه عمه وزوجة عمه، وهما من الأشخاص الطيبين الذين ظلوا بجواره في أصعب سنوات حياته، وكان رحيم يحاول أن يبدو ثابتًا، لكنه كان متوترًا بشكل واضح، حتى إن عمه




 ضربه على كتفه وقال: "اهدى يا ابني، إنت داخل تخطب مش داخل امتحان."، رد رحيم: "أنا حاسس إن ده أصعب من أي امتحان."، فضحكت زوجة عمه وقالت: "طبيعي، العروسة مش أي حد."، نظر رحيم إلى باب البيت وقال: "عارف."


دخل رحيم مع عمه وزوجة عمه، وما إن رأته ريتال حتى شعرت بأن قلبها توقف للحظة، كان يرتدي بدلة أنيقة، وملامحه تحمل توترًا واضحًا، لكنه عندما رأى ريتال ابتسم، تلك الابتسامة التي أصبحت تعرفها جيدًا، ابتسامة تقول لها إنه وصل أخيرًا إلى المكان الذي ظل يحلم بالوصول إليه.




جلس الجميع، وبدأت الأحاديث الرسمية، ثم قال عم رحيم للحاج مصطفى: "إحنا جايين النهارده نطلب إيد بنت حضرتك ريتال لابن أخويا رحيم، وإحنا عارفين إن حضرتك مش محتاج تسأل عنه لأنك عارفه وعارف كل حاجة، وإحنا جايين نطلبها بالحلال ومن باب البيت زي ما المفروض يحصل."


ابتسم الحاج مصطفى، ونظر إلى ريتال، ثم إلى رحيم وقال: "وأنا موافق من ناحيتي، بس القرار في الآخر قرار ريتال."


نظر الجميع إلى ريتال، فابتسمت بخجل وقالت: "موافقة."


تعالت الزغاريد والضحكات، وشعر رحيم أن قلبه سيخرج من صدره من شدة الفرح، لكن قبل أن يستوعب اللحظة، جاء صوت الجد من مكانه وهو يضحك: "بس عندي شرط."


نظر رحيم إليه بحذر.


قال الجد: "الخطوبة أربع سنين."


تجمد وجه رحيم.


"أربع سنين؟!"


انفجر الجميع بالضحك، فقال الجد: "أيوه، عشان تتعلم الصبر."


رحيم نظر إلى ريتال وكأنه يستنجد بها، لكنها كانت تضحك مع الجميع.


قال الحاج مصطفى: "لا يا حاج، خليهم سنتين بس."


رحيم اتسعت عيناه وقال: "سنتين؟!"


قال الجد: "إيه؟ مش عاجبك؟"


رحيم وضع يده على صدره وقال: "يا جماعة هي أصلًا مراتي!"


ساد الصمت لثانية واحدة.


ثم انفجر الجميع بالضحك.


قال آدم وهو يضحك: "مراتك؟! إنت لسه فاكر؟"


قال رحيم: "أيوه فاكر، وبعدين أنا جاي النهارده أخطبها وهي في الاساس مراتي ."


ضحك الحاج مصطفى وقال: "طيب بما إنها مراتك زي ما بتقول، يبقى استنى بقى لحد ما نكتب الكتاب تاني."


قال رحيم: "يا حاج!"


ضحك الجد وقال: "إيه يا ابني؟"


رحيم نظر حوله، ثم قال: "أنا لو فضلتوا تهزروا كده، والله أخطفها وأمشي."


صرخت ريتال من مكانها: "إياك!"


ضحك الجميع أكثر، فقالت مريم: "خلاص يا رحيم، خدها بس بعد ما تدفع المهر!"


قال رحيم: "أدفع حياتي كلها."


رد أحمد فورًا: "كده ريتال غالية عليك."


قال رحيم: "دي أغلى من حياتي ."


نظرت ريتال إليه للحظة، ثم خفضت عينيها وهي تبتسم رغمًا عنها، بينما كانت مريم تراقبها وتبتسم بسعادة.


وبعد الكثير من الضحك والكلام، بدأ الجميع يتحدثون عن موعد الزفاف، فقال الحاج مصطفى: "أنا شايف إننا مانطولش عليهم."


قال أيوب: "أتفق."


قال الجد: "طب إمتى؟"


رد الحاج مصطفى: "بعد شهرين."


رحيم رفع رأسه بسرعة: "شهرين؟!"


ضحك الجد وقال: "أهو إنت اللي كنت مستعجل."


قال رحيم: "أنا موافق."


ضحكت ريتال وقالت: "بالسرعة دي؟"


نظر إليها رحيم وقال: "إنتِ اللي قولتي ادخل من الباب، وأنا دخلت."


ضحكت.


فقال الحاج مصطفى: "ويبقى فرح ريتال ورحيم بعد شهرين مع فرح نور ومحمد، وفرح سهيلة وأحمد."


تعالت أصوات الفرح في البيت من جديد، وبدأ الجميع يتحدث عن التحضيرات، بينما جلست ريتال بجوار مريم، ومريم تمسك يدها وتقول: "شايفة؟"


قالت ريتال وهي تنظر إلى رحيم من بعيد: "شايفة إيه؟"


"إن اللي كان من تلات شهور واقف قدامك في الشركة بيطلب فرصة... النهارده قاعد قدام أبوكي وبيطلب إيدك رسمي."


ابتسمت ريتال بهدوء وقالت: "هو اللي اختار الطريق."


ثم نظرت إلى رحيم، فوجدته ينظر إليها في نفس اللحظة.


ابتسم لها.


فابتسمت هي الأخرى.


ولأول مرة لم تكن هناك حرب بينهما، ولا عناد، ولا قصف جبهات...


كان هناك فقط وعد جديد.


هذه المرة...


من باب البيت.


حين اجتمعت القلوب


مرت الأيام التالية وسط حالة من الانشغال الجميل داخل العائلة، فبعد أن اتفق الجميع على الموعد، بدأت التجهيزات تتوالى واحدة تلو الأخرى، وكل يوم كان يحمل شيئًا جديدًا، مرة الحديث عن القاعة، ومرة عن الفستان، ومرة عن الدعوات، ومرة عن تفاصيل الأفراح التي قرروا أن يجعلوها فرحًا واحدًا يجمع أكثر من قلب بعد سنوات طويلة من الألم والخلافات، وكأن الجميع أرادوا أن يعوضوا أنفسهم عن كل الأيام التي مرت عليهم وهم لا يعرفون هل سيأتي يوم




 يجتمعون فيه بهذا الشكل أم لا، وحتى ريتال نفسها كانت في كل مرة تسمع فيها اسمها بجوار اسم رحيم تشعر بشيء غريب في قلبها، خليطًا من الخجل والفرحة والقلق، لكنها هذه المرة لم تكن خائفة، فقد اختارت طريقها بنفسها، ورحيم دخل من الباب كما طلبت، وأصبح كل شيء واضحًا أمام الجميع.




وفي إحدى الأمسيات اجتمعت العائلة مرة أخرى في بيت الحاج مصطفى، وكان الجو أكثر هدوءًا من يوم الخطوبة، لكن الفرحة كانت واضحة على الوجوه، وبعد أن انتهوا من الاتفاق على معظم التفاصيل، جلس الحاج مصطفى بجوار ريتال، بينما كان رحيم يجلس في الجهة المقابلة، وقد أحضر معه علبة صغيرة، وظل يمسكها في يده طوال الوقت، حتى




 لاحظت ريتال الأمر فقالت وهي تبتسم: "إيه اللي في إيدك ده؟"، رفع رحيم حاجبه وقال: "ولا حاجة."، ضحكت وقالت: "من ساعة ما دخلت وإنت ماسكها، أكيد فيها مصيبة."، فرد رحيم: "مصيبة جميلة المرة دي."، فتدخلت مريم قائلة: "افتح يا رحيم بدل ما ريتال تفضل تموت في نفسها من الفضول."، فضحك الجميع، ثم فتح رحيم العلبة وأخرج منها خاتمًا بسيطًا وأنيقًا، لم يكن خاتم الشبكة الرسمي، وإنما خاتم مؤقت أراد أن يضعه في يدها حتى يحين موعد شراء الشبكة،




 فنظر إلى ريتال وقال: "أنا عارف إن الشبكة لسه هنجيبها، بس أنا كنت عايز ألبسك حاجة دلوقتي... حاجة تفكرني إنك اخترتيني بإرادتك، وإن المرة دي كل حاجة بينا بدأت صح."، سكتت ريتال للحظات وهي تنظر إلى الخاتم، ثم مدت يدها إليه، فأمسك رحيم يدها برفق وأدخل الخاتم في إصبعها، وسط ابتسامات العائلة وزغاريد بسيطة من نور وسهيلة ومريم،




 ثم رفع رحيم عينيه إليها وقال بهدوء: "لحد ما أجيب الشبكة."، ابتسمت ريتال وقالت: "أنا موافقة... بس متفتكرش إن الخاتم ده هيمنعني أقصف جبهتك لو استفزتني."، ضحك رحيم وقال: "أنا عارف، وأنا أصلًا داخل على الجواز وأنا عارف إن حياتي هتبقى حرب."، فردت: "حرب؟"، "أيوه."، "خلاص استعد."، فضحك الجميع، بينما كانت عينا ريتال تلمعان بسعادة لم تكن تخفيها هذه المرة.




لكن وسط تلك الضحكات، كان هناك شخص يجلس بعيدًا قليلًا، ينظر إلى ريتال منذ فترة وكأنه يحمل كلامًا يريد إخراجه منذ سنوات، وكان ذلك الشخص آدم، ظل صامتًا حتى هدأت الأصوات، ثم نهض من مكانه واتجه إليها، وما إن وقف أمامها حتى شعرت ريتال أن شيئًا مختلفًا يحدث، لم تكن تلك نظرة آدم القديمة، ولا نبرة صوته المعتادة، 




بل كان هناك ضعف واضح لم تعهده فيه من قبل، فقال: "ريتال... ممكن أكلمك؟"، نظرت إليه للحظات، ثم قالت: "اتكلم."، أخذ آدم نفسًا عميقًا وقال: "أنا عارف إن الوقت ده المفروض يكون وقت فرحتك، ومش عايز أفسدها، بس يمكن دي آخر فرصة ليا أقولك الكلام اللي فضل سنين جوايا... أنا غلطت في حقك، وغلطت في حقك أكتر مما كنت متخيل، وفي كل مرة كنت أقول لنفسي إني عندي سبب، وإن اللي عملته كان له مبرر، لكن الحقيقة إن مفيش مبرر يخلي أخ يعاقب أخته على حاجة حصلت وهي طفلة، ومفيش مبرر يخليه يصدق عليها كلام يجرحها، ولا مبرر يخليه يبعد عنها وقت ما كانت محتاجة حد يقف جنبها."، بدأت عينا ريتال تمتلئان بالدموع، لكنه أكمل: "أنا مش جاي أطلب منك تنسي، ولا أطلب منك تمسحي السنين اللي فاتت، أنا بس بطلب منك تسامحيني... لو تقدري."




ساد الصمت داخل المكان، حتى رحيم نفسه لم يتدخل، لأنه كان يعرف أن هذه اللحظة تخص ريتال وحدها، نظرت إليه ريتال طويلًا، ثم قالت بصوت متأثر: "عارف يا آدم... أكتر حاجة وجعتني منك إنك كنت الشخص اللي كنت مستنية منه الحماية، ولما احتجتك حسيت إنك أول واحد تخلى عني."، انخفض رأس آدم وقال: "عارف."، "ووجعتني جدًا."، "عارف."، "بس أنا تعبت من الزعل يا آدم... تعبت من إن كل ما أبص ورايا ألاقي وجع جديد."، رفع عينيه إليها، فوجدها تبكي،




 وقالت: "أنا سامحتك."، تجمد آدم للحظة وكأنه لم يصدق ما سمعه، ثم اقترب منها، وما إن فتحت ذراعيها حتى احتضنها بقوة، وانفجر الاثنان في البكاء، بكاء سنوات كاملة خرجت في لحظة واحدة، وبكاء آدم كان مختلفًا عن أي مرة رأته فيها ريتال، كان بكاء رجل أدرك أخيرًا حجم ما فعله، بينما كانت ريتال تبكي وهي تقول: "خلاص يا آدم... خلاص،




 خلينا نبدأ من جديد."، رد وهو يحتضنها: "أوعدك... عمري ما هخذلك تاني."، ومن حولهما كانت أمينة تبكي، ومريم تمسح دموعها، وحتى رحيم ظل صامتًا للحظات قبل أن يبتسم، لأنه كان يعرف أن هذه اللحظة أهم من أي شيء آخر.


وبعد أن ابتعد آدم عن ريتال، مسح دموعه، ثم نظر إلى الجميع وقال: "أنا مش الوحيد اللي محتاج أعتذر."، التفت إلى سعد وهناء، وقال: "سعد... هناء... أنا عارف إن اللي حصل لكم كان بسببه، وعارف إن رحيم تسبب في مصايب كتير، وأنا عارف إنكم اتأذيتوا بسببه، لكن النهارده أنا نفسي أقفل كل باب قديم."




رفع رحيم رأسه، وفهم فورًا ما يقصده آدم، فنهض من مكانه واتجه إلى سعد وهناء، وقال: "قبل أي حد... أنا عايز أقولكم أنا آسف."، نظر سعد إليه، بينما أمسكت هناء يد زوجها، فأكمل رحيم: "أنا عملت فيكم حاجة محدش يستحقها، ظلمتكم، وكنت سبب في إنكم تدخلوا السجن وتعيشوا أيام صعبة بسبب حاجة أنتم معملتوشها، وأنا عارف إن كلمة آسف مش هترجع الوقت اللي ضاع منكم، ومش هتمسح الخوف والوجع اللي عشتوه، بس أنا مش ههرب من اللي عملته، وعايز أطلب منكم السماح."




ساد الصمت للحظات، ثم نظر سعد إلى هناء، وبعدها عاد ببصره إلى رحيم وقال: "أنا لو فضلت شايل اللي حصل جوايا، مش هعيش، وأنا اتعلمت إن الإنسان ساعات بيكون محتاج يسامح مش عشان اللي قدامه يستحق، لكن عشان هو نفسه يرتاح."، ثم مد يده إليه وقال: "أنا مسامحك."، اتسعت عينا رحيم، وصافحه بقوة، ثم التفتت هناء وقالت: "وأنا كمان مسامحاك، وربنا يسامحنا كلنا."، انخفض رأس رحيم للحظة وهو يحاول السيطرة على دموعه، ثم قال: "ربنا يجازيكم خير."


وبعدها اتجه رحيم إلى مريم، وكانت جالسة في مكانها تراقب كل شيء بصمت، وقف أمامها وقال: "وأنتِ... أنا عارف إن اعتذاري ليكي يمكن أصعب اعتذار في حياتي، وعارف إن اللي حصل لك كان أكبر من أي كلام، وأنا مش هطلب منك تنسي، ولا هقولك إن السنين كفيلة تمسح اللي حصل، لكن هقولك حاجة واحدة... أنا ندمان."، ظلت مريم تنظر إليه طويلًا، ثم قالت: "أنا مش هنكر إنك أذيتني، وإنت عارف ده كويس، بس أنا كمان مش عايزة أفضل طول عمري عايشة وأنا شايلة كره جوايا، أنا مسامحاك يا رحيم... مش معنى كده إن اللي حصل بقى عادي، ولا معنى كده إني نسيت، بس أنا مسامحاك عشان أبدأ حياتي من غير ما أفضل أسيرة للماضي."، أغمض رحيم عينيه للحظة، وقال: "شكرًا يا مريم."، فردت: "خلاص يا رحيم... ربنا يصلح حالك."، وهنا تنفس رحيم بعمق، وكأن حجرًا كان فوق صدره منذ سنوات قد سقط أخيرًا.


نظرت ريتال حولها، فوجدت الوجوه التي كانت تحمل يومًا غضبًا وخوفًا وألمًا تجلس اليوم معًا، لا أحد يصرخ، لا أحد يلوم الآخر، ولا أحد يحمل سلاحًا من الماضي، فقالت بابتسامة وسط دموعها: "يعني كده خلاص؟"، ضحك محمد وقال: "خلاص إيه؟"، قالت: "كل واحد مسامح التاني؟"، فقالت نور: "أيوه."، سهيلة أضافت: "الحمد لله."، فقالت ريتال: "يبقى أخيرًا نقدر نفرح بجد."


لكن قبل أن تجلس، وقف آدم مرة أخرى، ونظر إلى مريم تحديدًا، فشعرت ريتال أن هناك شيئًا آخر سيحدث، وقال آدم: "في حاجة تانية... أنا عايز أتكلم فيها قدام الكل."، نظرت إليه مريم باستغراب، بينما قال سعد: "خير يا ابني؟"، ابتسم آدم بتوتر وقال: "أنا عايز أطلب إيد مريم."


ساد الصمت للحظات، ثم اتسعت عينا مريم، ونظرت إلى ريتال وكأنها تطلب النجدة، بينما سعد وقف مكانه غير مصدق، وقال: "إيه؟"، ابتسم آدم وقال: "أنا بحبها، وعارف إن يمكن الوقت اللي فات ماكانش سهل عليها، وعارف إنها رفضتني قبل كده، وأنا مش جاي أضغط عليها، ولا جاي أطلب من حد يقرر مكانها."، ثم نظر إلى سعد وقال: "أنا بس بطلب منها فرصة، لو هي موافقة."


سعد ابتسم، ثم قال: "المرة دي الرأي رأي مريم، أنا مش هقرر مكانها، ومش هكرر نفس الغلط مرة تانية."، كانت الجملة الأخيرة موجهة للجميع بقدر ما كانت موجهة لنفسه، فأومأت مريم برأسها، ثم نظرت إلى آدم، وقالت: "أنا مش هكدب عليك... أنا لسه خايفة، ولسه عندي حاجات كتير محتاجة وقت، بس أنت أثبتلي إنك فعلًا اتغيرت، وأنا... موافقة أديك فرصة."


لم يستطع آدم إخفاء فرحته، بينما ريتال صفقت وهي تضحك وقالت: "أهو ده الكلام!"، اقتربت من مريم واحتضنتها وقالت: "أنا كنت مستنية اليوم ده."، همست مريم لها: "إنتِ اللي ورا الموضوع ده؟"، ضحكت ريتال وقالت: "أنا بس شجعتك، القرار قرارك."، فضحكت مريم وقالت: "مجنونة."، فردت ريتال: "بس بحبك."




وبعدها قرأ الجميع الفاتحة لمريم وآدم وسط الزغاريد، وأصبح البيت في لحظات وكأنه تحول إلى قاعة أفراح صغيرة، ولم يكد الجميع يهدأ حتى اقتربت ريتال من سليم، وهمست له: "سليم."، نظر إليها: "نعم؟"، قالت وهي تشير بعينيها نحو ريما: "مش شايف إن فيه حد واقف مستني منك خطوة؟"، فهم سليم فورًا، واتسعت عيناه، وقال: "ريتال..."، ضحكت: "دي فرصتك."، "فرصة إيه؟"، "روح كلمها بدل ما تفضل تبص لها من بعيد زي العيل الصغير."، احمر وجه سليم وقال: "هي هتوافق؟"، ابتسمت ريتال وقالت: "روح وإنت تعرف."




خرج سليم خلف ريما، التي كانت قد ابتعدت قليلًا إلى الشارع أمام البيت، وما إن سمعته يناديها حتى التفتت إليه وقالت: "في حاجة؟"، وقف أمامها للحظات، وكأنه لأول مرة لا يعرف ماذا يقول، ثم قال: "ريما... أنا عايز أقولك حاجة، ومش عايز أرجع فيها بعد كده."، نظرت إليه باستغراب، فأكمل: "أنا بحبك، ومن زمان، ومش عارف إنتِ عندك مشكلة ترتبطي بيا ولا لأ، ومش عارف أصلًا إذا كنتِ شايفاني بالطريقة دي ولا لأ، بس أنا مش عايز أفضل ساكت."




خفضت ريما عينيها بخجل، ثم قالت: "أنا مفيش حد في حياتي يا سليم."، شعر قلبه يقفز من الفرحة، لكنها رفعت عينيها وأضافت: "بس ده مش معناه إني بحبك."، ابتسم سليم وقال بسرعة: "موافقة تديني فرصة؟"، سكتت للحظة، ثم قالت: "ممكن."، كاد يطير من الفرحة، وقال: "بس ممكن دي معناها إيه؟"، ضحكت بخجل: "معناها إنك تقدر تحاول."، ابتسم سليم وقال: "أنا هحاول، وهخليكي أسعد إنسانة، وهخليكي تحبيني واحدة واحدة، من غير ضغط ولا استعجال، ولو أخدت عمري كله عشان أكسب قلبك، هعملها."




ضحكت ريما وقالت: "إنت واثق أوي."، قال: "واثق في حاجة واحدة... إني مش هخليكي تندمي إنك اديتيني فرصة."، مدت يدها له بخجل، فأمسكها، ثم قال: "ندخل؟"، هزت رأسها وهي تبتسم: "ندخل."


دخلا إلى البيت وسط نظرات الجميع، وما إن رأتهما ريتال حتى ابتسمت، وقالت: "ها؟"، سليم نظر إلى أيوب مباشرة وقال: "عمو أيوب... أنا جاي أطلب إيد ريما."، نظر أيوب إلى ابنته، ثم إليها، فرأى ابتسامتها الخجولة، فقال: "لو ريما موافقة... أنا موافق."، قالت ريما بصوت منخفض: "موافقة."، فتعالت الزغاريد من جديد، وضحك سليم من شدة فرحته، بينما قال أيوب: "ربنا يتمم لكم بخير."




وبعدها نظر الحاج مصطفى إلى الجميع وقال ضاحكًا: "كده إحنا ناقصنا نجيب قاعة بحجم البلد كلها."، فضحك الجميع، فقال رحيم: "ليه؟ ما نعملهم كلهم فرح واحد ونخلص."، قال محمد: "أنا موافق."، أحمد قال: "وأنا كمان."، نور نظرت إلى محمد وقالت: "إحنا أصلًا موافقين."، سهيلة ابتسمت لأحمد، ومريم نظرت إلى آدم، بينما ريما نظرت إلى سليم، وأخيرًا التفت الجميع إلى ريتال ورحيم.




قالت ريتال: "أنا موافقة."


قال الحاج مصطفى: "يبقى خلاص... فرح واحد يجمع الكل."


تعالت الضحكات والزغاريد، وبدأ الجميع يتحدث في وقت واحد، كل واحد يتخيل يوم الفرح، بينما وقف رحيم بجوار ريتال ونظر إلى الخاتم المؤقت في يدها، ثم قال بصوت منخفض: "فاكرة أول مرة لبستهولك؟"


ابتسمت ريتال وقالت: "من شوية."


"لا... أنا أقصد أول مرة حسيت إنك فعلًا بقيتي ليا."


نظرت إليه وقالت: "أنا مش ملك حد يا رحيم."


ابتسم فورًا وقال: "عارف... وده أكتر شيء بحبه فيكي."


ثم نظر إلى العائلة من حولهما، وقال: "المرة دي فعلًا كل حاجة اتعملت صح."


نظرت ريتال إلى الجميع، إلى مريم وآدم، وسليم وريما، ونور ومحمد، وسهيلة وأحمد، ثم إلى رحيم، وشعرت أن السنوات الطويلة التي عاشتها وهي تظن أن حياتها لن تعرف غير الألم قد انتهت أخيرًا.


لم تعد هناك أسرار تُخفيها القلوب.


ولا خصومات تنتظر ثأرًا.


ولا أشخاص يهربون من بعضهم.


كل واحد منهم أخذ حقه من الاعتذار، وكل واحد اختار أن يغلق بابًا قديمًا.


والأجمل...


أنهم لم يغلقوا الأبواب ليجلسوا خلفها.


بل أغلقوها...


ليفتحوا بابًا جديدًا للحياة.


وفي تلك الليلة، لم تكن هناك خطوبة واحدة فقط.


كانت هناك أكثر من حكاية بدأت من جديد...


وبيت واحد جمع الجميع تحت سقفه.


وقرار واحد اتفق عليه الكل:


أن يكون الفرح القادم... فرحهم جميعًا.


وهذه المرة لن نقول فرحة على حافة الهاوية 


بل  فرحة مكتملة ...


            الفصل التاسع والعشرون من هنا

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة