رواية جحيم آل مارينتوس الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم سارة بركات


رواية جحيم آل مارينتوس الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم سارة بركات


"ديميتري وجوداء"

- إن السيد سايلِس إيفانوف دخل منزل الفتيات للتو، هل نمنعه سيدي؟

صمت ديميتري للحظات ثم تساءل بهدوء:

- هل صعد رجاله خلفه؟

- لا سيدي، منعهم من اللحاق به.

أردف ديميتري بنبرةٍ هادئه:

- حسنا، اتركوه يفعل مايُريد؛ فإنه لن يضر الفتيات.

امتثل الرجل لأمره وظلوا بعيدين عن المنزل.. بينما صعد سايلِس أدراج المنزل ليقف أمام الشقة وأخذ يدُق جرسها.. وانتظر دقيقة حتى فتحت له سيلفانا الباب بعينين باكيتين..

سأل بقلق حينما رآها بتلك الحالة:

- لماذا تبكين؟

عقدت حاجبيها وأردفت أثناء بكاءها:

- هل تمزح؟ تُخبرني أنه يهدد بقتلي ولا أبكي؟ هل من المفترض أن أطير من فرط سعادتي؟

ضحك سايلِس بخفة، بينما كانت جوداء جالسة بالداخل مُرتدية ثوب صلاتها حيث ارتدته في وقتٍ قياسي لأن سيلفانا من أعطتها إياه، كانت تستمع لما يقولون بصمتٍ تام.. أردف سايلِس وهو ينظر في عُمق عينيها:

- سيلفانا، أنا أقلق عليكِ حينما تكونين بعيدة عن عيناي، أريدكِ فقط أن تكوني أمامي، ثم إن ديميتري جادٌ في تهديده لي.

- لماذا تطرقتما في الحديث عني من الأساس؟

ذلك ماقالته سيلفانا بتأثُر.. اقترب سايلِس نحوها بخطواتٍ قليلة حتى قلت المسافة بينهما، وأصبحت أنفاسه تلفح وجهها، تحدث كأنه لم يفعل شيئًا خاطئ:

- إنه يريد تدميري بأية طريقة، لذلك يقترب من نقطة ضعفي.

كان ينظر في عُمقِ عينيها بينما كانت ترمقه سيلفانا بتأثر:

- أنا نقطة ضعفك!

رمقها سايلِس بمشاعر مُبعثرة، ثم رفع يديه الإثنتين نحو وجنتيها واقترب بوجهه أكثر من وجهها:

- أجل، بالطبع.. لا أدري متى حدث ذلك ولكن أجل أنتِ نقطة ضعفي الوحيدة!

كاد أن يطبع قُبلة رقيقة فوق شفتيها ولكن أوقفه صوت يعلمه جيدًا وذلك الصوت الصارم أتى من خلف سيلفانا:

- سيد سايلِس، من فضلِك إذا كُنت ترغب برؤية سيلفانا هُنا كُن باحترامك، لأن تلك الأشياء مُحرمةٌ هُنا في شقتي وفي أي مكانٍ أكون موجودةً به.

- اللعنة.

همس سايلِس بتلك الكلمة ورمق جوداء التي ظهرت خلف سيلفانا بنظراتٍ غاضبة.. لم تهتم جوداء لنظراته وأردفت بهدوء:

- ومن فضلك مشاكلك أنت والسيد ديميتري مارينتوس تكون بعيدةً عنا، وذلك الأمر سأخبر به السيد ديميتري أيضًا بنفسي، إن سيلفانا مثل أختي تمامًا ولا أسمح لأي شخصٍ بأذيتها، لذلك لا تقلق، لن يمسها أحدٌ بسوء، يمكنك أن تعود لمنزلك مطمئنًا.

ظل سايلِس يرمقها بغضب ولم يبتعد عن سيلفانا، بينما تابعت جوداء حديثها:

- يمكنك الآن أن تبتعد عن سيلفانا، غير مسموحٍ باللمس هُنا.

حمحمت سيلفانا لتأخذ هي الخطوة وتبتعد عن سايلِس الذي لم تتغير نظراته السوداوية نحو جوداء والتي أردفت بابتسامة:

- لا تهمني نظراتك لي فأنا لا أخافُك، ولكن هذه الشقة لها قانون، وأنا أضع قانونًا في أي مكانٍ أكون موجودة به، إذا قبلته فأنت مرحبٌ بكَ وذلك في حالة وجود علاقة رسمية بينك وبين سيلفانا، ولكن غير هذا فأنت غير مرحب بك، هل فهمتني؟

- اصمتي أيتها العقبة الغبية.

شهقت كلاً من جوداء وسيلفانا، بينما أكمل سايلِس حديثه بفحيح:

- من أنتِ لكي تمنعيني عن ما هو مُلكي؟

كاد أن يقترب منها سايلِس بغضب ولكن توقفت سيلفانا بينهما في المنتصف تمنعه:

- سايلِس ماذا تفعل؟

بينما ظلت ملامح جوداء جامدة وهي ترمقه بنظراتٍ باردةٍ.. تحدث سايلِس بغضب جحيمي:

- أقسم يا هذه، لولا سيلفانا لقُمتَ بقطع رأسك الآن دون تردد، لا ينقصني أنتِ وهذا البغيض ديميتري!

رمشت جوداء قليلا، بينما عقدت سيلفانا حاجبيها:

- سايلِس لماذا تتحدث مع صديقتي هكذا؟

التفت سايلِس بعينيه المُظلمتين نحو سيلفانا قائلاً بهدوء:

- هل تخدعين نفسِك؟ أي صديقةٍ تلك؟ هل تعلم عنكِ شيئًا؟ هل رأت صورتكِ الحقيقية سيلفانا وتقبلت ما أنتِ عليه؟ إنها أول شخص سيترككِ في بداية الطريق إذا علمت حقيقتك، لن يتقبلكِ أحدٌ غيري يا سيلفانا لأنكِ تُشبهينني.

عقدت جوداء حاجبيها بعدمٍ فهمٍ من حديثه، بينما ابتلعت سيلفانا ريقها بصعوبة ورمشت بسرعة..

- سايلِس، من فضلك عُد لمنزلك فأنت لست بخير.

أمسك بمعصمها يقربها منه قائلاً بنبرة مُظلمة:

- لن أرحل من دونكِ.

تدخلت جوداء بهدوء:

- لقد أخبرتكَ أنها لن ترحل.

- من فضلكِ جوداء، لا تتدخلي.

انهمرت عبرات سيلفانا من جديد، بينما زمجر سايلِس بغضب قابضًا بقوة على كفي يده، مُتناسيًا أنه يُمسك رُسغها بأحد كفية لتتألم الأخيرة بصمت وظهرت ملامح الألم على وجهها..

- سايلِس لن أُكررها، ارحل الآن.

عقد سايلِس حاجبيه لتمُر لمحة من الألم داخل عينيه وترك رُسغها برِفق وتوقف باستقامة، وقعت عينيه على الإحمرار الموجود على رسغها، هدأت ملامحه قليلاً.. ثم تحدث وهو ينظر في عُمقِ عينيه:

- سيلفانا، حبيبتي هيا.

مد يده لها بهدوء ولكنها هزت رأسها نافية .. انتبه في تلك اللحظة لخروج فتاتين خلفهما أحدهما كانت كفيفة والأُخرى كانت روزالين ابنة ريبيكا التي رمقته بحيرة، عاد ينظر من جديد نحو سيلفانا وأردف قائلاً:

- إذا، هل ستظلين مُصرة على اختيارك هذا؟ ستختارينهم بدلاً عني؟

ثم أشار نحو الباقين.. تحدثت سيلفانا بهدوء:

- سايلِس أنت لست في وعيك، يبدو أنك شربت الكثير من الكحول.. سنتحدث غدًا حسنًا؟

هز سايلِس رأسه بيأس ثم أردف قائلاً:

- لم يعد هناك شيئًا نتحدث به، سيلفانا.

ثم التفت للخلف وغادر دون أن ينظر لها.. كانت تنظر لأثره بشرود بعدما غادر.. ثم أغلقت الباب وعادت للداخل، شعرت جوداء بتأنيب الضمير أنها من الممكن أن تكون السبب فيما حدث بينهما، لحقت بها ولكن أوقفتها كلاً من روزالين وجلوريا بعدم فهم لتقول روزالين:

- ماذا هُناك، جوداء؟ من يكون هذا الرجل؟

بينما تحدثت جلوريا بقلق وهي تنظر للفراغ:

- هل سيلفانا بخير؟

أردف جوداء بهدوء:

- سأخبركما فيما بعد، ولكن الآن سأطمئن عليها.

ثم دلفت داخل غرفتها ووجدتها تبكي بفراشها واقتربت نحوها بقلب يتآكله الذنب:

- سيلفانا، أنا أعتذر.. ولكنني كنتُ أحميكِ منه.

هزت سيلفانا رأسها بنفي، وأردفت قائلة:

- الذنب ليس ذنبكِ.. إنه مُحِق، كان يجب أن أذهب معه منذ البداية، لن يتقبلني أحدٌ كما تقبلني هو.

عقدت جوداء حاجبيها بحيرة ثم ربتت على ظهرها قائلةً:

- ماذا هُناك يا فتاة؟ ماذا تُخفين عني؟

أردفت سيلفانا ببكاء:

- أخفيت عنكِ شيئًا بغيضًا إذا علمته ستكرهينني يا جوداء.

تجاهلت جوداء حديثها وجذبتها لكي تقوم بضمها بقوة، وأردفت بمزاح:

- يا فتاة مهما فعلتي فستظلين سيلفانا أقرب الأشخاص إلى قلبي، لا تقولي هذا.. لا تجعلي حديث هذا الشخص المُعقد يؤثر عليكِ.

انهارت سيلفانا باكية:

- هل أنا سيئةً لتلك الدرجة؟ هل هو يراني هكذا؟ أنا أحبه جوداء ولكن ليس بطريقته.. أنا أحبه بطريقتي أنا.

ربتت على ظهرها بهدوء وأردفت:

- لا بأس، مر الأمر.

ابتعدت سيلفانا عنها وأردفت قائلة:

- لا، لم يمر.. أعتقد أن علاقتنا أصبحت في منحنى خطيرٍ الآن.

ظلت جوداء ترمُقها بهدوء وبقيت صامتة قليلاً، ثم أردفت قائلة:

- هل تريدينني أن أعتذر إليه؟

عقدت سيلفانا حاجبيها وأردفت بنفيٍ قاطع:

- بالطبع لا، إن سايلِس هكذا غير مفهوم.. حبيبي السيء.

ضحكت جوداء بخفة لترمقها سيلفانا بابتسامة صغيرة، لتقول الأولى:

- أنتِ مُحقة، ألم تري كيف ينظر إليكِ؟ أشعر من نظراته تلك أنه يريد أن يأكلكِ.

عقدت سيلفانا حاجبيها بعدم فهم ولكن جوداء تابعت حديثها بتوضيح:

- لا أدري، ولكن حينما كانت يُخبرني أنكِ ملكه كما أنه وضحَ لكِ أنكِ نقطة ضعفه.. إنه...

صمتت جوداء وهي ترمُقها بهدوء لكي تُكمل سيلفانا بتأثر بدلاً عنها:

- إنه يحبني.

هزت جوداء رأسها قائلة:

- أجل مع الأسف.

عقدت سيلفانا حاجبيها قائلة:

- لماذا لا تشجعين علاقتنا جوداء؟

أردفت جوداء بجدية:

- هل تريدينني أن أتحدث بلغتي أم بلغتكِ سيلفانا؟

- بلغتي.

زفرت جوداء ببطء ثم أردفت قائلة:

- لا أريدكِ أن تتألمي، أعلم ما عِشتِه مُسبقًا فلقد أخبرتيني بذلك، لذلك لا أريد أن تتكرر تجربتكِ تلك مُجددًا، أعلم أن تلك الأمور طبيعية بالنسبة إليكم، وأنا أخاف عليكِ سيلفانا، أخاف أن يتكرر الأمر.

لمعت عينا سيلفانا ثم أردفت قائلة:

- لا أدري ماذا أقول، ولكنني أضمن لكِ أن سايلِس هو الوحيد الذي أجد نفسي معه.

ظلت جوداء ترمُقها ولكن بتأثر تلك المرة:

- إذا، ماهو قراركِ؟

زفرت سيلفانا بهدوء ثم أردفت قائلة:

- أنا أفكر في الإنتقال للعيش معه حقًا.

رمقتها جوداء بهدوء ثم أردفت:

- لأ أستطيع أن أشجعكِ على قرارٍ مثل ذلك، لأنه محرمٌ بالنسبة إلي.

أمسكت سيلفانا بيدها قائلةً:

- أجل أعلم، ولكنني لن أفعلها الآن سأمهد الأمر لنفسي قليلاً، وحينما أكون جاهزة سأفعلها.

انهمرت عبرات جوداء لتقول:

- سيلفانا من فضلك فكري جيدًا، سيؤلمكِ.

ضغطت الثانية على يدها برفق وقالت:

- ألم سايلِس لي هو ألطف بكثيرٍ من ألم الماضي.. يكفي أنه يحبني حقًا، جوداء.

ثم مسحت سيلفانا عبراتها وتابعت قائلة:

- حتى وإن غادرت سأعود إليكم، إن مكاني بينكم هنا بهذه الشقة، هل فهمتيني؟ أنا فقط أحاول فهم سايلِس.

أومأت جوداء بهدوء وضمتها سيلفانا بين ذراعيها.. كان ديميتري يقف جوار ستيفانو ولوكا مع أحد المستثمرين، لينتبه لشخصٍ يُناديه:

- سيد ديميتري.

التفت ديميتري ثم ابتسم بهدوء وأردف قائلاً:

- سيد مونتي! مرحبًا بك.

صافح ديميتري الرجل الذي يقف أمامه بابتسامة رسمية، حيث كان رجلاً في عمره الخمسين وبجانبه تقف فتاةً شابه لم يهتم لها ديميتري في البداية..

- سيد ديميتري، أخيرًا تقابلنا.

- إنه لشرف لي، سيد مونتي.

التفت مونتي للفتاة التي تقف بجانبه وأردف بابتسامة لطيفة:

- أريدك أن أعرفكَ بابنتي، فاليريا.

ابتسمت فاليريا له بهدوء وقدمت يدها:

- مرحبًا سيد ديميتري، كيف حالك؟

أومأ ديميتري وقدم يده يصافحها برسمية:

- مرحبًا بكِ آنسة فاليريا.

ظلت تنظر إليه بينما ديميتري عقد حاجبيه بسبب نظراتها تلك، لتقول فاليريا:

- ألم تتذكرني؟

تحدث ديميتري بحيرة:

- عُذرًا؟ هل تقابلنا من قبل؟

- لقد اصطدمنا ببعضنا في الصالة الرياضية منذ عدة أيام.

عقد ديميتري حاجبيه محاولاً التذكر ولكنه لا يتذكر أي شيء.. شعرت فاليريا بالإحراج حينما صمت ولم يُبدِ أي ردة فعل..

- أعتذر، يبدو أنك لا تتذكرني.

تدخل والدها السيد مونتي في الحديث:

- لا بأس عزيزتي، ستزداد لقاءاتكما كثيرًا في الفترة القادمة؛ فنحن شركاء السيد ديميتري أيضًا في هذا المشروع الضخم والذي سيدوم لسنوات.

ابتسمت فاليريا بلُطف، بينما تحدث ديميتري بهدوء:

- إنه لشرفٌ لي.

ظلت فاليريا ترمقه بهدوء ولكن ديميتري انتبه على اتصالٍ هاتفي، التقط هاتفه ليرى هوية المتصل.. قالت فاليريا بهدوء وهي ترمُقه بابتسامة لطيفة:

- الشرف لي سيد ديميتري، سنجتمع كثيرًا في الأيام القادمة.

ولكن ديميتري أشار لها أنه سيستأذن في الابتعاد، ولم ينتظر ردها حيث أجاب فورًا على الإتصال، لم ينطق بكلمة ولم يتحدث أحد في الجهة الأُخرى أيضًا ولكنه كان ينصت بهدوء لصوت أنفاسها المُضطربة.. ابتسم ديميتري بهدوء ثم أردف:

- آنسة جوداء؟

ابتلعت بصعوبة وأخذت ترمش بسرعة قبل أن تقول بتلقائية:

- كيف علمت أنها أنا؟

أجابها ديميتري بابتسامة كأنه يراها أمامه:

- شعرتُ بذلك.

وبالطبع كان لديه رقم هاتفها بل هو يحفظه أيضًا عن ظهر قلب.. حمحمت جوداء بإحراج ثم أردفت بهدوء:

- حسنًا سيد ديميتري، لقد تصرفتُ وأخذت رقم هاتفك بطريقةٍ ما.

تحدث ديميتري بهدوء ينتظر باقي الحديث:

- حسنًا....

زفرت بضيق وقالت بسرعة دون أن تترك لمشاعرها المضطربة فرصة للتراجع على الرغم من تركه لها في المرة السابقة:

- هل أنت متفرغ؟

رمق ديميتري الحفل من حوله ثم أردف بهدوء:

- أجل بالطبع.

- أريد أن ألقاكَ سيد ديميتري، هناك الكثير من الأمور التي أريد التحدث بها معك.

- الآن؟

عقدت حاجبيها وأردفت بتردد سرعان ماغلبه إصرارها:

- أجل الآن.. إن كنت متفرغًا بالطبع.

ألقى ديميتري نظرة سريعة على الحفل من حوله ثم ابتعد كثيرًا عن الضوضاء وقال بهدوء:

- أين تريدين أن نلتقي؟

سكتت جوداء للحظة وكأنها لم تتوقع أن يوافق بهذه السرعة ثم قالت:

- لا أعلم.

ابتسم ديميتري بلُطف..

- ما رأيكِ بأن آتي إليكِ؟

احمرت وجنتاها خجلاً وإحراجًا أيضًا بسبب كلماته تلك! ماذا يظنها؟ شعر ديميتري بارتباكها فأردف موضحًا:

- بما أنكِ مازلتي مريضة، بالطبع لا تستطيعين التحرك كثيرًا.

تحدثت جوداء بضيق:

- بالطبع لا، لن أستضيفك بالشقة هذا لا يجوز.

اتسعت ابتسامة ديميتري قليلا:

- إذا....

ابتلعت جوداء ريقها، وأردفت بسرعة:

- مُر عليّ سنجلس في مقهى.

- ولما لا نجلس في سيارتي؟ لنكون وحدنا أفضل.

كان يبدو أنه يشاكسها لا أكثر، بينما تحدثت جوداء بجمود:

- سيد ديميتري من فضلك! أنا......

قهقه ديميتري بخفوت مُقاطعًا إياها:

- في الحقيقة أنا أمزح آنسة جوداء، حسنًا سأمُرُّ عليكِ وسنذهب لمقهى جميل بوسط روما.

وقبل ان يغلق تحدثت جوداء بهدوء:

- من فضلك، ليقع اختيارك على مقهى مفتوحًا ليس مُغلقًا.. أي به زبائنٌ كثُر.

ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يأتيها صوته العميق هذه المرة:

- حسنًا.

أغلقا سويًا ثم التفت حوله يبحث عن ستيفانو ولوكا، ثم اقترب منهما:

- لقد طرأ لي أمرٌ عاجل، تدبرا أمر الحفل.

تحدث ستيفانو بحيرة:

- ولكن يا أخي، هذا الحفل هامٌ بالنسبة إليك.. وخاصة أنه احتفالاً بالنجاح المبدأي لمشروعك الذي سعيتَ فيه جاهدًا.

وضع ديميتري يده على كتفه قائلاً بابتسامة هادئة:

- لا بأس، دبِّرا الأمر في غيابي، ألقاكُم في المساء.

ثم أشار للوكا بأنه سيرحل، والذي تعجب من عيني ديميتري تلك.. عينين تشعان نورًا بوسط الظلام الذي يغرقهما..

- ما به ديميتري؟

التفت ستيفانو نحوه بحيرة:

- ماذا تقصد، لوكا؟

عقد لوكا حاجبيه بعدم فهم:

- لا أدري، ولكن أمره غريب.. خطيبته السابقة بالصباح كانت تنظر إليه بحنين ولكنه قابل ذلك ببرود، أما الآن أجد النظرات ذاتها في عينيه بمجرد أن آتاه إتصالٌ هاتفي؟

ابتسم ستيفانو ثم أردف قائلاً:

- عزيزي لوكا، إنك متأخرٌ كثيرًا أيها الروائي، ألم تنتبه إلى حديث ديميتري وسايلِس؟ إن ديميتري غارقًا في العشق المستحيل، يا أخي.

عقد لوكا حاجبيه بحيرة:

- ماذا؟ مستحيل! لماذا؟ كيف؟ متى؟؟

زفر ستيفانو ببطء ثم أردف قائلاً:

- سأُقصُّ عليك كل شيء.

أمر ديميتري سائقه بالتحرك.. وبعد دقائق قليلة توقف بسيارته أمام منزل جوداء والتي كانت تنتظره بالأسفل، مُرتديةً بنطالاً أزرق مصنوعٌ من الجينز واسع القدمين يعلوه بلوزة وردية واسعة يصل طولها حتى الرُكبة، يعلوهما حجابًا أبيض اللون، وما أن رأت السيارة شعرت بقلبها يخفق على نحوٍ أزعجها، لقد اتصلت به بنفسها وهي من طلبت لقاءه تحركت بضع خطوات بالقرب من السيارة وحينما رأته يترجل من السيارة واقترب من الجهة الأخرى يفتح الباب لها، شعرت أنها ارتكبت خطأً ما! أنها ماكان يجب أن تُهاتِفَهُ مُطلقًا!.. كان ديميتري يراقبها منذ اللحظة التي ظهرت فيها أمام عينيه، تأمل خطواتها البطيئة وملامحها التي حاولت أن تبدو ثابته رغم الألم حتى توقفت أمامه، لقد اشتاق لها حقًا... مد يده إليها ليساعدها على الصعود:

- تمهلي.

رفعت عينيها إليه ودون وعيٍ منها، وضعت يدها في يده بحذر كانت يده دافئة بينما ارتجفت أصابعها للحظة ما إن لامستها، ساعدها على الصعود إلى السيارة وظل ممسكًا بيدها حتى تأكد من جلوسها بأمان لكنها سحبت يدها بسرعة حينما تذكرت أنها لم يكن بنبغي لها أن تسمح له بملامسة يدها.. لاحظ ديميتري ارتباكها ذلك، ولكنه أغلق الباب بهدوء ثم اتجه الى الجهة الاخرى وصعد السيارة .. كانت جوداء محافظة على مسافةٍ واضحة بينهما، نظر إليها ديميتري بهدوء قبل أن يسأل:

- هل أنتِ بخير؟

أومأت بهدوء دون أن تنطق بكلمة.. ظل يراقبها لثوانٍ ثم ابتعد بنظره عنها..

- تحرك يا إسماييل.

نفذ السائق أمره وتحركت السيارة مبتعدة عن المنزل.. ساد الصمت داخل السيارة كانت جوداء تنظر من النافذة تحاول أن تنشغل بشوارع روما التي تمر أمام عينيها بينما كان ديميتري يجلس إلى جوارها بصمت، لم يستطع منع نفسه من النظر إليها بين الحين والآخر... التفتت جوداء إليه فجأة فوجدته ينظر إليها التقت عيناهما ولكنها ابتعدت بنظراتها عنه بسرعة وأخذت تستغفر الله كثيرًا.. حتى وصلا للمقهى المقصود، نزلت جوداء من السيارة بسرعة وهي تُمسك جانب بطنها الذي آلمها وذلك قبل ان يأتي ديميتري لها ليُساعدها، تريد أن تتجنب ملامسته لها لأنها في المرة الأولى، نسيت نفسها للحظات وهي تنظر في عينيه وسمحت ليدها أن تستقر في يده دون تفكير في الأمر ، أما الآن فلم تكن تريد أن تكرر الخطأ ذات.. زفر ديميتري ببطء بسبب فعلتها تلك وترجل من السيارة واقترب منها ليجدها واقفةً تضع يدها جهة بطنها؛ ليسأل بقلق:

- ماذا هناك؟ هل تتألمين؟ هل أنتِ بخير؟

هزت رأسها نافية:

- أنا بخير لا تقلق.

سأل ديميتري بحيرة:

- إذا ماذا هُناك؟ لماذا توقفتي؟

زفرت ببطء وهي ترمقه بهدوء وتُشير نحو مدخل المقهى:

- الرجال أولاً، تفضل.

عقد ديميتري حاجبيه ولكنه لم يُعلِّق، دخل المقهى ثم تبعته بهدوء، كان المكان أكثر ازحامًا مما توقعت لكنها لم تهتم بل في الحقيقة لم تعد تفكر في شيء سوى الرجل الذي يسير أمامها، كانت شاردة به، بطوله وجسده العريض والممشوق، وهيبته التي جعلت وجوده يلفت الأنظار، شردت عيناها في ظهره للحظات ثم ارتفعتا إلى كتفيه العريضين والقويين أيضًا، كم كان من الصعب عليها منع نفسها الضعيفة من الوقوع بغرامه، ولكن مع الأسف! تأخرَت كثيرًا...

لم تنتبه إلى أنه توقف فجأة واختفت المسافة بينهما تمامًا ليصطدم وجهها بظهره، فتراجعت خطوة إلى الخلف بسرعة ووضعت يدها على أنفها متألمة:

- آه!

التفت ديميتري للخلف فورًا:

- هل أنتِ بخير؟

رمقته جوداء بضيق بينما احمرت وجنتاها من شدة الإحراج:

- أجل، لكن نبهني عندما تتوقف، سيد ديميتري.

رمقها ديميتري بهدوء ثم تحدث باعتذار:

- أنا أعتذر آنسة جوداء، لقد كنتُ أبحث عن طاولةٍ لنا والمقهى مزدحم كما ترَين، لذلك توقفت لأرى المكان جيدًا.

أومأت بهدوء ثم أبعدت يدها عن أنفها، بينما زفر ديميتري ببطء وهو ينظر إليها، ظل صامتًا للحظات يتأملها وكأنه يتأكد بنفسه من أنها لم تتأذى ثم قال بنبرة هادئة:

- هل يؤلمك أنفكِ؟

هزت رأسها نافية:

- لا، أنا بخير.

ظل ينظر إليها للحظة أُخرى ثم أشار إلى إحدى الطاولات القريبة التي بدأت تفرغ ليقول:

- هناك مكان شاغر.

تحرك نحو الطاولة وتبعته جوداء بحذر تلك المرة محافظة على مسافة واضحةٍ بينهما، لكنها لم تستطع منع عينيها من التسلل إليه مرة أخرى كان يسير أمامها بخطواتٍ هادئة وشردت في تفاصيله من جديد ولكن سرعان ما استفاقت لنفسها وخفضت عينيها بسرعة:

- أستغفر الله.

أنَّبَت نفسها كثيرًا على ماتفعله بنفسها، وحاولت أن تذكر نفسها أنها قد أتت لغرضٍ ما ثم لن تقابله مرة أخرى.. ذكرَّت نفسها كثيرَا بغض البصر، وحاولت أن تشغل عقلها بأي شيءٍ آخر، بينما كان قلبها يؤلمها لأنها تفعل شيئًا لا يُريده، وكأنها كلما حاولت الإبتعاد عنه وجدت نفسها تنجذب إليه أكثر! وهذا أصعب لو تعلمون.

جلس ديميتري على الطاولة وجلست أمامه بهدوء وأبقت عينيها منخفضتين متجنبة النظر إليه تمامًا، كان المقهى مزدحمًا بالأحاديث والضحكات وحركة النادلين بين الطاولات، أشار ديميتري إلى أحدهم ليأتي فورًا:

- بماذا أُساعدكَ سيدي.

أجاب ديميتري بهدوء:

- عصير مانجو خاليًا من الكحول من فضلك.

أومأ النادل بهدوء:

- أي شيءٍ آخر؟

- لا شُكرًا.

تركهم النادل بينما التفت ديميتري نحوها؛ ليصلها صوته العميق بوضوح فرفعت عينيها إليه دون أن تشعر:

- ها نحن، جلسنا.. أخبريني آنسة جوداء ماذا هُناك؟

كان يُسلِّط نظراته عليها يتأملها بصمت، ينتظرها أن تتفوه بكلمة.. ابتلعت بصعوبة، ثم أردفت:

- مابينك أنت والسيد سايلِس لا تُقحمونا فيه أنا وسيلفانا، من فضلك.

ظل ديميتري ينظر إليها بهدوء دون أن تتغير ملامحه، ثم أردف:

- هذا فقط ما تقابلنا لأجله؟

أومأت بهدوء، صمت للحظة ثم اضاف وهو لا يزال يثبت عينيه عليها:

- ظننتُ أن هناك شيئًا آخر أردتِ قوله لي، جوداء.

تلك المرة قال اسمها دون ألقاب.. ارتبكت جوداء بسبب طريقته تلك وخفضت عينيها سريعًا وأخذت تعبث بأصابعها فوق الطاولة محاولةً أن تبدو أكثر هدوءًا مما تشعر به، لكن ديميتري لم يصرف نظره عنها، يتأملها بصمت يتابع ارتباكها والطريقة التي تهرب بها من عينيه كلما التقت عيناهما، رفعت جوداء عينيها إليه مرة أخرى دون قصد فالتقت نظراتهما، توقفت أنفاسها للحظة حيث كان في عينيه شيءٌ أربكها، ذلك الشيء رأته منذ قليل في عيني سايلِس حينما كان ينظر لسيلفانا، ولكن تلك أشرس قليلاً إنه لا يريد أن يأكلها فقط، إنما يريد أن ينهشها أو يكسر عظامها لم تفهم ماذا يُريد، ابتلعت ريقها بصعوبة ثم قالت محاولة كسر تلك اللحظة الصامتة:

- لا يوجد شيءٌ آخر، هذا ما أردت الحديث بشأنه.

همهم ديميتري بهدوء ثم تحدث قائلاً:

- لا أدري ماذا أقولك لكِ، ولكن يجب عليكِ أن تعلمي أن سايلِس هو من بدأ تلك الحرب أولاً، وما أفعله هو فقط رد فعل له، أما الرصاصة التي أصابتكِ.. فلم أنساها.. لأنني شعرت وقتها أنها أصابتني أنا.

زفرت جوداء ببطء وأردفت بتوضيح:

- لقد سامحتُه ونسيتُ مافعله بي.. ثم إنني قوية أستطيع أن آخذ ثأري بنفسي ولكنني تركت الأمر لله.

ظل ديميتري صامتًا للحظات وأخذ يحدق فيها بعُمق ثم قال بهدوء:

- أعلم أنكِ قوية جوداء، وإلا لكنت سبقته إلى منزلكِ عندما علِمتُ بوجوده عندكم.

توقفت أنفاسها قليلاً تحاول أن تفهم مايقول، كيف عرف أن سايلِس أتى إليهم؟ ... وكادت أن تتحدث ولكنه قاطعها بهدوء لتنسى التحدث في ذلك الأمر:

- لكن مسامحتكِ له لا تعنيني.. لأن هذا أمرٌ يخصكِ .. أنتِ تركتها لله.. أما أنا فلا أظن أنني أستطيع أن أتركه يفلت بتلك السهولة!

رفعت عينيها سريعًا والتقت نظراتهما ليقول ديميتري بتوضيح:

- أريدكِ أن تعلمي جيدًا أن الأمر بالنسبة إلى لم يكن مجرد رصاصة أصابتكِ.

زفرت جوداء ببطء وأردفت بنبرة أكثر حسمًا وهي تنظر إليه مباشرة:

- وأنا لا أحتاج أن ينتقم لي أحد سيد ديميتري، لقد أخبرتكَ أنني قد سامحته وتركتُ الأمر كله لله.. لذلك من فضلك لا تجعل ماحدث لي سببًا لكي تستمر حربكما.

ظل ديميتري صامتًا بينما تابعت جوداء بتكرار:

- ما بينك وبين السيد سايلِس شأنٌ يخصكما، أنتما أعداءٌ منذ عقود!، أما أنا وسيلفانا فلا تقحموننا في تلك العداوة مرة أخرى.

أردف ديميتري وعيناه لا تزال معلقتين بها:

- وأنا أحترم إيمانكِ جوداء، وقد أكون مختلفًاعنكِ في كل ماتؤمنين به.. لكنني متأكدٌ من شيءٍ واحدٍ فقط.

سكت وثبت عينيه عليها بتأثر:

- أنني لم أكن مستعدًا لخسارتكِ.

تجمدت جوداء في مكانها ولم تجد ردًا مناسبًا وكأنه كالعادة كلماته سلبت منها القدرة على التفكير للحظات، أرادات أن تُخفض عينيها ولكنها لم تستطع، وكانت تنظر إليه وهو ينظر إليها بتلك النظرة التي لم تعد قادرة على إقناع نفسها بأنها لا تفهم معناها..

تابع ديميتري بصوتٍ هادئ:

- وربما لهذا السبب لا أستطيع أن أنظر إلى ماحدث وكأنه مجرد جزءٍ من حربٍ بين عائلتين.

ارتجفت أنفاسها قليلا، وخرج اسمه من بين شفتيها دون أن تنتبه:

- ديميتري أنا...

وللمرة الأولى منذ جلوسهما ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيه لكنها كانت مثقة بالألم:

- قوليه مرةً أخرى.

اتسعت عيناها حينما أدركت مافعلت، لتقول بسرعة:

- أنا لم أقصد.

تحدث ديميتري وهو ينظر إليها بهدوء:

- أعلم أنكِ لم تقصدي ذلك، ولكنني قصدتُ كل كلمة قلتُها لكِ جوداء.

صمتت وشعرت أن قلبها يؤلمها أكثر مما ينبغي.. زفر ديميتري بهدوء واكتفى بأن قال:

- لا أريد أن أضعكِ في المنتصف مرةً أخرى، سأحترم رغبتكِ.

رفعت عينيها إليه وكانت مُقلتاها تلمعان بتأثر.. بينما حاولت أن تمنع دموعها من النزول، لماذا حديثه يؤلم قلبها هكذا؟ جوداء ماذا تفعلين بنفسكِ؟ استفيقي إنه فِتنَةٌ لكِ.. شعرت بوخزة مؤلمة في قلبها وللحظة تمنت لو أن الأمور كانت أبسط بكثير مما هي عليه الآن! لو لم يكن بينهما ذلك الإختلاف الديني الذي يقف حاجزًا لا يستطيع أيٌ منهما تجاهله، أتى النادل وهو يحمل العصير الذي طلبه ديميتري ليضعه على الطاولة أمامهما ورحل، قربَّ ديميتري كأس العصير نحوها..

- تفضلي، هذا العصير لكِ.

ابتلعت ريقها بصعوبة ولم تتحدث بل ظلت ترمُق الكأس بشرود، ولكنها انتبهت عندما سمعت صوته العميق مُجددًا وهو ينظر في عُمق عينيها:

- أتتذكرين عهدي لكِ بأننا لا يجب أن نجتمع سويًا مُجددًا.. لكن يبدو أنني لم أستطع فعلها يا جوداء.

انهمرت عبرةٌ من مُقلتيها دون أن تشعر، وأردفت قائلة:

- أنتِ لم تُعاهدني بشيء، أنت فقط......

صمتت لأنها لم تدرِ ماذا تقول... أعطيتني كلمة لم تأخذ رأيي فيها؟ هل هذا ماتريدين قوله حقًا جوداء؟.. استفاقت من شرودها عندما وجدت محرمة ناعمة ظهرت أمام مرأى بصرها، كان ديميتري قد وضعها أمامها دون أن يقترب منها أو يحاول لمسها:

- امسحي دموعكِ، من فضلك.

رفعت عينيها إليه فوجدته ينظر إليها بنظرة حملت الكثير من التاثُر.. تناولت المحرمة بأصابع مرتجفة ومسحت دموعها سريعًا وظلت صامتةً للحظات ثم حاولت أن تجعل صوتها ثابتًا:

- أنتّ تجعل الأمر صعبًا عليّ، ديميتري.

ظل ينظر إليها بتأثر ينتظرها أن تُكمل حديثها.. تابعت بصوتٍ متهدج وهي تنظر في عينيه بعُمق:

- وجودك حولي يجعلني أخاف من نفسي، أخاف أن أعتاد عليك.. أن أجد في وجودك شيئًا لا أستطيع التخلي عنه، ثم استيقظ يومًا لأكتشف أنني ابتعدتُ عن كل شيءٍ كنتُ أؤمن به خطوة وراء خطوة، فقط لأنني لم أستطع أن أبتعد عنك.

تحدث ديميتري بتأثُّر عندما انهمرت عبراتها بكثرة:

- جوداء.

ابتلعت غصتها وقالت:

- لا تقل شيئًا من فضلك. يا ديميتري. دعني أكون صادقة معك لمرةٍ واحدة.. أنا أريدك أن تكون في حياتي وهذه هي المشكلة..

توقفت أنفاسها للحظة ثم وضحت أكثر:

- أنا أشعر بالأمان عندما تكون قريبًا مني، رغم أنني أعرف أن قُربك هو أكثر شيء يجب أن أحذر منه.

أغمضت عينيها للحظة ثم تابعت:

- ولذلك أريدُ منك شيئًا واحدًا فقط.

فتحت عينيها لتقول:

- إذا رأيتني أضعف فلا تستغل ضعفي..

أجابها ديميتري دون تردُد:

- لن أفعل، صدقيني.

أستأنفت بهدوء:

- وإذا أردتُ منك الإبتعاد...

شد ديميتري على فكه، وكأنه مجرد نطقها بذلك الطلب كان يؤلمه ثم قال بصوتٍ حاول جاهدًا أن يخفي انكساره:

- سأبتعد.

رفعت عينيها إليه وقالت بصوتٍ خافت وثابت في نفس الوقت:

- وها أنا أطلب منك، أن تبتعد عني.. وألا تكون للشيطان عونًا على وقوعي في الفِتنة، في الآونة الأخيرة حاولتُ جاهدة أن أنساك وألا ألتقي بك مُجددًا ولكنني ضعيفة.. أخذتُ عداوتك مع السيد سايلِس حُجة لنتقابل، أنا لا أستطيع منع نفسي الضعيفة من رغبتها في رؤيتك أمامي.. لكنكَ تستطيع فعلها، ديميتري.

كاد أن يتحدث ولكنها قاطعته بجدية:

- من فضلك عِدنِي بذلك.. وعِدني أيضًا بأنك ستعيش حياتَك كأننا لم نتقابل من قبل، لأستطيع أنا أن أعيش حياتي.

توقفت أنفاسها للحظة بعد أن قالتها وكانت تتمنى من أعماق قلبها أن يعترض أن يقول لها إنه لا يستطيع لكنها تعرف أنه لو فعل ذلك، ستضيع هي وتخسر إيمانها ظل ديميتري يرمُقها بصمت وكأن عينيه كانتا تحفظان ملامحها الهادئة البسيطة والجميلة أيضًا للمرة الأخيرة ثم أومأ ببطء:

- كما تُريدين.

شعرت بوخزة حادة في قلبها، لقد فعلها لم يجادلها ولم يستغل دموعها ولا ضعفها ولا حتى ذلك الحب الواضح بينهما، احتَرَمَ رغبتها كما يفعل دائمًا منذ أول يومٍ التقيا به، وعندها أدركت جوداء أن أصعب مافي الأمر لم يَكُن أنها تحبه بل أنه يحبها كثيرًا لدرجة أنه سيحترم طلبها وهو أن يتركها، أخفضت عينيها سريعًا حتى لا يفضحها المزيدُ من الدموع ثم قالت بصوتٍ حاولت أن تجعله رسميًا:

- يمكنك أن ترحل أنت، سأطلب سيارةً تُقلني للمنزل .. تشرفتٌ بمعرفتكَ، سيد ديميتري.

ظل ديميتري يرمقها بهدوء ولم يُجبها، وكأن تلك الكلمات البسيطة كانت أكثر قسوة من الوداع نفسه، أخرج المال ووضعه على الطاولة واعتدل في جلسته لينهض دون أن يضيف كلمة واحدة، تابعته بعينيها وهو يبتعد عنها بخطواتٍ هادئة حتى اختفي من أمام مرمى بصرها، بقيت في مكانها تنظر إلى المقعد الخالي أمامها بشرود، ووقعت عينيها على مِحرمته الناعمة التي لا تزال بين يديها، ارتجفت أنفاسها وقربتها من وجهها دون وعي واستنشقت رائحته العالقة بها، انكسر آخر ما تبقى من تماسكها وانهمرت عبراتها بغزارة وضمت المحرمة إلى صدرها لتحتفظ بآخر ذكرى منه، أغمضت عينيها وانخفض رأسها وهي تهمس بصوتٍ مرتجف:

- يا الله.

خرجت الكلمة منها محملة بكل ماعجزت عن قولة.. ارتجفت شفتاها وانهمرت دمعة أخرى فوق المحرمة:

- خُذهُ من قلبي لأنني لا أعرف كيف أتركُه، وحُبَهُ قد ملأ قلبي دون أن أشعر.

........................................

آرائكم؟ توقعاتكم؟ ريفيوهاتكم؟



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة