
رواية جحيم آل مارينتوس الفصل السادس والعشرون 26 بقلم سارة بركات
اللهم إنا نسألك راحةً تسكن بها قلوبنا، ورزقًا لا ينقطع، وعافيةً تدوم، وأيامًا تحمل لنا من الخير أكثر مما نتمنى.
اللهم اغفر لنا ما مضى، وبارك لنا فيما هو آتٍ، واكتب لنا من أقدارك أجملها، ومن أمانيك أطيبها، ومن رحمتك أوسعها.
اللهم اجبر خواطرنا جبرًا يليق بكرمك، وحقق لنا ما نتمنى إن كان فيه خير، واصرف عنا ما يؤذينا وإن تعلقت به قلوبنا.
اللهم اجعلنا ممن إذا أنعمْت عليهم شكروا، وإذا ابتليتهم صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا.
متنسوش اللايك وتعليقات كتير وترشحوا الرواية لأصحابكم..
الفصل السادس والعشرون
صعد ديميتري سيارته بملامح غريبة وأغلق الباب خلفه دون أن يقول شيئًا، بقي ساكنًا في مقعده وعيناه مُعلقتان على المقهى في الجهة الأخرى، يفكر كثيرًا.. لماذا لم يصرخ بوجهها؟ لماذا لم يضمها بين ذراعيه ليخبرها أن لا تقلق، وأن كل شيءٍ سيكون على ما يُرام، هل مافعله كان صحيحًا حقًا؟ هل تَركها هكذا هو الصواب؟ لماذا قَبِلَ بما قالته بهذه السهولة؟ عقد حاجبيه ومد يده نحو مقبض الباب وحركه قليلاً ولكنه لم يفتحه، كأنه يخوض صراعًا مع نفسه حيث كان مُتأهبًا للعودة إليها، رفع عينه من جديد نحو المقهى ليرآها أمامه في الجهة الأُخرى تبكي، عزم أمره وفتح باب السيارة وقبل أن يعبر الطريق، توقفت سيارة أُجرة أمام جوداء التي لم تنتبه لوجوده في الجهة الأخرى من الطريق، صعدت إلى السيارة بحرص وهي تضع يدها على الموضع المجاور لبطنها، تحركت السيارة لتبتعد جوداء من أمام ناظريه، ظل ديميتري واقفًا بمكانه كان هناك غصة مؤلمة تستقر في صدره، كأن أحدهم انتزع قلبه من مكانه وتركه ينزف بداخله، عاد من جديد داخل اللسيارة وتحدث بصوتٍ هادئ:
- تحرك إسماييل.
تحرك سائقه، والتفت ديميتري برأسه نحو زجاج النافذة وشرد بشوارع روما.. وصلت جوداء أمام المنزل وترجلت من السيارة واقترب من المنزل بعينين باكيتين وفي تلك اللحظة سمعت صوت الرعد في السماء ثم هطلت الأمطار الغزيرة فجأة، ليُغطي وجهها ويُبلل حجابها وأيضًا باقي ثيابها، كانت كالجسد بدون روح، أجل اليوم اختارت أهم شيء في هذه الحياة مُقابل روحها، صعد فوق أدراج المنزل حتى وصلت أمام شقتها وفتحت الباب بالمفتاح، ثم تقابلت عينيها مع سيلفانا التي ترمُقها بعدم فهم بسبب حالتها تلك، تركت الأخيرة ما بيدها واقتربت من جوداء..
- ما خطبكِ؟ هل أنتِ بخير؟ هل هي تُمطر بالخارج؟
أومأت جوداء بهدوء دون أن تتحدث .. تمتمت سيلفانا بحيرة:
- يا إلهى، لقد حلَّ الشتاء باكرًا.
ولكن جوداء لم تُجبها ولم تتحدث معها إذ اقتربت من غرفتها وهي تسير بحرص .. لحقت بها سيلفانا وأمسكت بيدها ..
- جوداء ماذا هُناك؟ ماذا حدث بينكِ وبين ديميتري؟ هل صرف نظر عن ما يُريد فعله بي؟
التفتت جوداء برأسها ورمقتها بهدوء لثوانٍ ولكن فضحتها عبراتها الصامتة والتي نزلت من جديد، قلقت سيلفانا كثيرًا وكادت أن تتحدث ولكن جوداء تحدثت بصعوبة:
- أنا فقط أريد البقاء وحدي تلك الأيام من فضلِك سيلفانا.
ثم تركتها ودخلت غرفتها لتجد جوداء روزالين أمامها بالغرفة تتجهز للرحيل.. قلقت روزالين بسبب ملامحها تلك ثم اقتربت منها:
- جوداء! من أبكاكِ؟؟
ابتلعت جوداء بصمت ولكنها لم تُجبها فقد ما قالته بأنفاسٍ مُرتجفة:
- هل أنتِ ذاهبة؟
أومأت روزالين بهدوء وهي ترمُق عبراتها تلك:
- أجل سأذهب قبل أن ينتهي الحفل الذي توجد به أمي، حفل عمي ديميتري.
انهمرت عبرات جوداء الصامتة بغزارة أكثر لمجرد ذكر اسمه أمامها، ورمقت ملامح روزالين الواقفة أمامها ولماذا في تلك اللحظة بالذات شعرت أن ديميتري هو من يقف أمامها، جمعت شتات نفسها ثم أردفت بغصة:
- وداعًا روزالين.
ثم ابتعدت جوداء من أمامها، كادت روزالين أن تقترب نحوها ولكنها توقفت خوفًا من كونها تتدخل في مساحتها الشخصية.. حملت حقيبتها وهاتفها واقتربت نحو باب الغرفة والتفتت إليها قائلة:
- سأهاتفكِ، حسنًا؟
لم تُجبها جوداء إذ كانت تقف أمام مرآتها تخلع حجابها عن رأسها بهدوء.. زفرت روزالين بحيرة من أمرها تريد أن تعرف ما بها! ولكن هزت رأسها وطردت تلك الفكرة من رأسها خوفًا من أن تتشاجر معها جوداء، خرجت من الغرفة ووجدت سيلفانا أمامها ثم أغلقت الباب خلفها..
- ما بها جوداء؟
ذلك ماقالته روزالين بقلق، زفرت سيلفانا ببطء:
- لا أدري، لقد كانت بالخارج تُقابل ديميتري و......
قاطعتها روزالين بدهشة:
- عمي ديميتري؟ كيف؟ إن لديه حفلٌ هام اليوم بالطبع مستحيل أن يتركه ويتقابل مع جوداء، هل ذهب هُناك حقًا؟ هل هي تبكي لأنه لم يأتِ؟
عقدت سيلفانا حاجييها بحيرةٍ من حديثها ثم أردفت:
- لقد تقابلا بالفعل روزالين.
رمشت روزالين بسرعة تحاول استيعاب أن عمها ترك كل هذا خلفه وقابلها ثم أردفت:
- إذًا ماذا حدث؟ لماذا تبكي؟ هل أحزنها؟
أخذت سيلفانا تفكر قليلاً ثم أردفت بحيرة:
- لا أدري.
نظرت روزالين إلى ساعة يدها ثم أردفت قائلة:
- سأرحل الآن، وسآتي لاحقًا.
أومأت سيلفانا بهدوء وخرجت روزالين من الشقة، زفرت سيلفانا وهي ترمُق باب غرفة جوداء ثم اقتربت من المطبخ وفتحت الثلاجة تبحث عن الطعام الذي تركته لهم السيدة مارتينا إذ لم تأتي اليوم بسبب أن أحد أبناءها قد أصابته وعكة صحية ستغيب عنهم أيامًا قليلة، أخرجت الطعام من الثلاجة وأخذت تقوم بتسخينه لكي يأكلوا جميعًا.. انتبهت على خروج جلوريا من غرفتها تنظر للفراغ أمامها، بينما تلمس كل شيءٍ حولها حتى تصل إلى ما تُريد وهو الأريكة الموجودة بالصالة، تركت سيلفانا ما بيدها واقتربت نحوها لتُساندها ..
- على رِسلكِ يا فتاة.
زفرت جلوريا بارتياح كأنها قد وجدت المنقذ لها، أمسكت سيلفانا بيدها وساعدتها في الجلوس على الأريكة..
- شكرًا سيلفانا.
ابتسمت سيلفانا لها بهدوء ثم أردفت:
- على الرحب والسعة، جلوريا.
صمتت جلوريا قليلاً ثم أردفت بحزن:
- ماذا حدث اليوم؟ أو الأمس.. لا أدري.. أشعر أنه يفوتني الكثير بسبب إعاقتي تلك.
عقدت سيلفانا حاجبيها بضيق:
- لا تقولي مثل تلك التُرهات! إعاقة ماذا؟ ألا ترين أنكِ مُميزة جلوريا؟
انهمرت عبرة من مُقلتا جلوريا ثم أردفت:
- لا أدري سيلفانا، ولكنني خائفة.. خائفة من كل شيء.. على الرغم من تعايُشِي مع إعاقتي إلا أنني في الآونة الأخيرة أصبحتُ خائفة بسببها.. أنتم ستملون مني حتى ستيفانو من الممكن أن يتركني و.........
قاطعتها سيلفانا قائلة بضيق:
- لن نترككِ! لا تقولي ذلك جلوريا.. أنتِ واحدةٌ منا.. ثم إن كان ستيفانو يحبك فلن يترككِ ويفعل كل هذا لكِ.
تحدث جلوريا بتأنيب ضمير:
- أشعر أنني أكلفه الكثير من الأموال سيلفانا وهو أنتِ تعلمين.. رجلٌ بسيط يعمل بمتجر لديه راتب ثابت سيمل يومًا ما لأنه لن يستطيع حتى تحمل تكاليف أدويتي.
ابتلعت سيلفانا ريقها بهدوء لا تدري هل تخبرها أن ستيفانو اسمه عائلته الحقيقي ستيفانو مارينتوس وأنه ثريٌ للغاية لدرجة أنه يستطيع أن يشتري بها روما بالكامل!! لماذا يتركها هكذا تعتقد أنها عبءٌ ثقيلٌ عليه؟ لماذا لم يُساعد في علاجها؟ حقًا ستيفانو! أنت أحمق، زفرت سيلفانا بهدوء وذكرت نفسها أن هذا الأمر يخصهما وحدهما ولا يجب أن تتدخل في أشياءٍ كتلك.. انتبهت عندما سمعت صوت الآلة التي تقوم بتسخين الطعام بها تُعلِن انتهاء الوقت المُحدد..
- اترُكي الحُزن جانبًا يا فتاة، فلنأكل لأنني جائعة للغاية.. ثم إنها دقائق وستعود كارلا من العمل.
ابتسمت جلوريا بهدوء وربتت سيلفانا على يدها واعتدلت تقوم بتجهيز الصحون..
في المساء:
بقصر آل مارينتوس، كان ديميتري جالسًا في غرفة مكتبه الغارقة الظلام الداكن، لا يضيء المكان سوى مصباح المكتب الموضوع أمامه كان يحتسي الكحول باستمرار.. ذلك الشيء الذي يكرهه أكثر من أي شيء، لكنه يلجأ إليه كلما شعر أنه مهزومٌ في معركة قوية، وقفت فيرونيكا خلفه ووضعت يدها فوق كتفه بينما ظل وجهها غارقًا في ظلام الغرفة ولم تظهر سوى يدها تحت ضوء المصباح، حيث قالت بهدوء:
- أخي، لا تفعل بنفسك هكذا.
ولكن ديميتري تجاهلها ورفع كأسه إلى شفتيه، واحتسى منه جرعة أخرى، ثم وضعه على الطاولة بقوة خافتة، زفر بصعوبة وأسند ظهره إلى المقعد وقال بصوتٍ مُنهك:
- لم أستطع أن أوقفها يا فيرونيكا، كنتُ ضعيفًا أمامها.. لا أعلم ماذا يحدث لي عندما أكون معها.. أكون كالطفل الصغير الذي ينتظر كلمةً منها وينفذها دون تفكير.
صمت قليلاً ونظر إلى الكأس بشرود وتابع حديثه:
- لم أصرخ بوجهها أنها لي.. لم أمنعها عن قرارها هذا، ببساطة تركتها وخرجت من المقهى..
أكمل بصوتٍ هادئ وهو ينظر إلى الظلام أمامه:
- خِفتَ كثيرًا أن أكون السبب في أن تخسر كل شيء، لذلك احترمت قرارها على الرغم من أن قلبي كان يعتصر حُزنًا.
ظلت فيرونيكا ترمُق كتفيه المتهدلين، إن ديميتري في أشد أوقات ضعفه الآن! لم تره هكذا قبلاً..
- أخيرًا يا ديميتري، تذوقت طعم الحُب المستحيل.
قالت تلك الكلمات بمرارة وهي تتذكر كلماته الصعبة لها منذ عامٍ تقريبًا.. بينما كان ديميتري ينظر أمامه بشرود، تابعت فيرونيكا بغصة:
- تتذكر حينما كنت تُنكر حبي أنا وديابلو؟
هز ديميتري رأسه نافيًا، ثم أردف قائلاً وهو شاردًا في الفراغ:
- إن الفرق بيني وبينكِ فيرونيكا.. أنكِ أحببتِ شخصًا مُخادعًا، استغلكِ حينما تقابلتُما في لندن عندما علمَ أنكِ من آل مارينتوس قرر أن يُرضِي سايلِس بسبب عداوته معنا منذ عقود، ثم أكمل لعبته معكِ بعدما مل منكِ لأن سايلِس أرادَ منه ذلك فقط ليس إلا، أما أنا فالوضعُ مُختلف حقًا.. أحببتُ فتاةً لا يجب أن تكون في عالمي من الأساسي.. نقية جدا.. بريئة أيضًا.. كما أنها تُبادلني المشاعر ذاتها.. ولكنها اختارت إيمانها على أن تكون معي، هذه تضحية صعبة... أن تختار إعتقادك على قلبك قرار صعب، ولكن أتدرين شيئًا؟
صمت قليلاً بينما ظلت فيرونيكا تنظر إليه بحزن، ثم تابع بعدما ارتشف القليل من كأسه:
- إنه قرارٌ صائب جدًا، إن جوداء مُحقة.. ربما لم يكن يجب أن نلتقي.. ولكننا تقابلنا.
- هل تريدني أن أتدخل أخي؟ لا أستطيع رؤيتك هكذا.
تحدث ديميتري بلهجة صارمة:
- لا، فيرونيكا.. لا أريد أن يتلاعب أحد بعقل جوداء، إنها الآن تحاول نسياني.. وأتمنى أن تفعل ذلك حقًا.
زفرت فيرونيكا بهدوء:
- حسنًا اخي، أعتذر على تدخلي.
لم يُجبها ديميتري بل ظل شاردًا، تحركت فيرونيكا صوب باب المكتب في الظلام لتخرج ولكن أوقفها صوته العميق حيث تحدث ديميتري وهو ينظر لفيرونيكا التي تُعطيه ظهرها:
- مازلتِ صغيرة فيرونيكا، لم تُجربي مرارة الحُب الحقيقي بعد لأن الشيء العَفِن الذي كان بينكِ وبين ديابلو لم يَكُن حُبًا، لقد خدعكِ بمظهره الجميل، وثروة آل إيفانوف والتي يتحكم بها سايلِس.. وقتها ظننتِ أن الأمر سيكون سهلاً بعد ذلك.. أننا كعائلتين سنتوافق سويًا.. كيف تفعلين ذلك بِنا؟ فأنتِ تعلمين جيدًا مافعلوه.. كيف فيرونيكا؟..
صمت ديميتري للحظات ثم تابع:
- ولكن ما حدث لكِ كان صفعة قوية لكي تعلمي حقيقة من أنتِ معه، كان يجب أن أقتلكِ وقتها لأنكِ خذَلتيني.. ولكنني لم أستطع يا صغيرتي.. بعد ما حدث لكِ تركتُ ثأري وثأر أبناء عمومتنا وقررتُ أن أثأر لكِ لأنكِ ابنتي يا فيرونيكا.. كنتِ كل شيءٍ لي، عِشتُ عُمري كله أقوم برعايتكِ ولم أضع في الاعتبار يومًا أنك ابنة عمي الأصغر، لا.. كنتِ ابنتي حقًا، ابنتي التي تمنيت أن أحظى بها يومًا ما.. ولكنني لا أريد أن أندم على هذا من جدبد، لذلك خذي حذركِ جيدًا، فيرونيكا.
ابتلعت فيرونيكا غصتها في الظلام تحاول أن لا تُظهر أنها تبكي، ثم خرجت من الغرفة دون أن تتحدث بكلمة واحدة.. بينما أراح ديميتري ظهره إلى الخلف على كُرسيه، وأسند رأسه إليه... ظل صامتًا يفكر في أشياءٍ كثيرة، وظلت عيناه معلقتين بالسقف للحظات، قبل أن يغمضهما ببطء، تذكر نظراتها إليه.. بكاءها وأيضًا صوتها الذي طلب منه أن يبتعد فتح عينيه مُجددًا ومد يده إلى الكأس ولكنه توقف قبل أن يرفعه إلى فمه.. ثم أنزل يده ببطء وزفر بعُمق وهو ينظر أمامه بشرود...
في صباح اليوم التالي:
مازالت جوداء حبيسة غرفتها، لم تتناول طعامها منذ الأمس، فقط مُستلقية بجسدها فوق الفراش تنظر أمامها بشرود.. توقفت سيلفانا أمام غرفتها وهي مُرتدية زي عملها ولكن الثياب كانت سميكة تلك المرة لأن الهواء أصبح باردًا قليلاً بالخارج، طرقت طرقاتٍ بسيطة ثم أردفت:
- جوداء.
وصل صوت سيلفانا إلى جوداء ولكن لم تُجِبها الثانية..
- من فضلك، أجيبيني لا أستطيع ترككِ هكذا.. على الأقل اجعليني أطمئن عليكِ يا فتاة.
مرت كارلا من أمام الغرفة، بينما تحدثت بحيرة:
- هل مازالت في غرفتها حتى الآن؟ لم تخرج أبدًاَ!
زفرت سيلفانا بضيق:
- أجل.
زفرت كارلا بحيرة ثم أردفت:
- أتمنى أن نطمئن عليها، لأنني قلقة.
أومأت سيلفانا بهدوء ولكن عينيها وقعت على ياقة كارلا الغير مهندمة قليلاً، عقدت الأولى حاجبيها وأردفت بضيق:
- أنتِ يا فتاة، اقتربي.
رفعت كارلا حاجبيها ولكن سيلفانا ظلت واقفة ترمُقها بضيق، ابتلعت كارلا ريقها ثم اقتربت منها بتردد حتى أصبحت تقف قبالتها.. قربت سيلفانا يدها نحو ياقتها قائلةً بضيق:
- يا فتاة، كيف تتركين ياقتكِ هكذا؟ قلت لكِ سابقًا أنه يجب أن تهتمي بمظهركِ..
كانت كارلا ترمُقها بنظرة غريبة، تلك النظرة كانت عبارة عن الإمتنان والحُب الأخوي، وقعت عينا سيلفانا عليها أثناء انشغالها لتقول بتعجُب:
- لماذا تنظرين إلي هكذا؟
أردفت كارلا بامتنان:
- أنتِ تذكرينني بأمي، على الرغم من أنكِ تصغرينني عمرًا سيلفانا.
ابتسمت سيلفانا قائلة بفخر:
- أعلم ذلك، الجميع كانوا يقولون لي هذا.
ثم تابعت حديثها بنبرة مهزوزة لم تنتبه لها كارلا:
- يقولون أنني أذكرهم بأمهاتهم جميعًا.
قهقهت كارلا وعينيها متأثرتان بما تفعله لها سيلفانا التي تحدثت بارتياح:
- ها قد ضبطتها لكِ.
ثم قامت بضبط شعرها بابتسامة حنونة:
- وأيضًا شعرك الجميل المُرتَب أضاف لمسة رقيقة لمظهركِ الجذاب.
لم تتحدث كارلا بشيء ولكن مافعلته هو أنها قد دخلت بين ذراعي سيلفانا التي تجمدت في مكانها لوهلة ولكنها ابتسمت وربتت على ظهر كارلا قائلة بهدوء:
- يكفي ماتفعلينه بي يا فتاة، لا تجعلينني أتأثر.
- شكرًا لكِ سيلفانا على ملابسكِ الثمينة التي أعطيتها لي.
اتسعت ابتسامة سيلفانا قائلة بلُطف:
- على الرُحبِ والسعة عزيزتي، ثم لا تقلقي.. إن حبيبي الشرير قد أتى لي بالكثير من الملابس ولا أمانع أن تأخذي منها مايعجبكِ.
غمزت لها سيلفانا بمرح، بينما لمعت عينا كارلا ثم أردفت قائلة:
- أشكركِ كثيرًا ولكن ما أعطيته لي يكفيني.
انتبهت سيلفانا عندما رن هاتفها وظهر اسم المتصل أمامها، زفرت ببطء:
- هيا بنا، سنتأخر.
عقدت كارلا حاجبيها بعدم فهم.. لتقول سيلفانا بحيرة:
- ماذا؟
- ماذا تقصدين بسنتأخر؟
قالت الثانية بلامبالاة:
- إن السائق في الخارج ينتظرني، وستصعدين معي للسيارة.
ارتبكت كارلا قائلة:
- ولكن السيارة تلك لكِ لأجل وظيفتكِ.
عقدت سيلفانا حاجبيها بضيق:
- أنتِ تقولين التُرهات، هيا اتبعيني.
ابتلعت كارلا ريقها وقبل أن ترحل سيلفانا من أمام غرفة جوداء تحدثت مرة أخيرة:
- جوداء من فضلك لا تنعزلي كثيرًا فإن جلوريا وحدها هُنا.
ثم أشارت لكارلا أن يتحركا.. زفرت جوداء ببطء ثم اعتدلت بفراشها بصعوبة وأمسكت هاتفها تتصفحه قليلاً، ودخلت على وسائل التواصل الإجتماعي، لا تتذكر متى آخر مرة تابعت مايحدث عبر العالم، ولكنها شعرت أنه قد مر الكثير من الوقت حقًا، تفاجأت بالعديد من الرسائل قد آتتها على أحد التطبيقات، ومن بينها كانت رسائل من عائشة زوجة مالِك وأيضًا من أليكساندر ميخاييل... فتحت رسالة عائشة لتقرأها بهدوء:
"من فضلكِ جوداء، قومي بالرد لأنني قلقتُ من رحيلكِ المُفاجئ من الهند، وتفاجأت أيضًا عندما أتى ذلك الرجل قريب السيد ديميتري ليأخذ أمتعتك"
زفرت جوداء ببطء، كل شيءٍ حولها الآن يذكرها بديميتري!، ظنت أن المشكلة بوجوده أمامها لكن حتى في غيابه الجميع يذكرها به!.. قامت بالرد على رسالتها كتابيًا..
" أنا بخير عائشة، اشتقتُ إليكِ كثيرًا.. مباركٌ لكما الزواج، سأنتظركِ في روما هنا حينما ينتهي مالك من إجراءات إقامتكِ بروما"
أرسلت رسالتها ثم أغلقت المحادثة لتدخل محادثة أليكساندر ميخائيل والتي كانت عبارة عن كلماتٍ بسيطة..
"أين أنتِ آنسة جود؟ هل أنتِ بخير؟ من فضلكِ حينما تري رسالتي قومي بالرد لأطمئن عليكِ .. أعتذر على الإزعاج"
ارتسمت على وجهها ابتسامةً لطيفة ثم أخذت تكتب له:
- أنا بخير سيد أليكساندر، أعتذر على عدم متابعتي لك في الآونة الأخيرة ولكنني أمُرُّ بوعكةٍ صحية وقريبًا سأعود لكل شيء، شغفي في القراءة وأيضًا لعملي.. شكرًا لاهتمامك.
ثم أرسلت ردها وكادت أن تُغلق هاتفها وجدت والدها السيد عبدالعظيم يُهاتفها على تطبيقٍ آخر.. أجابت بهدوء ليصلها صوت والدها في الجهة الأخرى:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إزيك يا بابا؟
- بخير يابنتي، إيه بقا؟ مالك؟ بقالك فترة مش ظاهرة كده قولت أطمن ربنا يعينك أكيد الشغل واخدك مننا.
زفرت جوداء ببطء ثم أردفت قائلة:
- مظبوط يا بابا، كل حاجة هنا واخداني منكم، حاسة إني نسيت نفسي، مباقتش لاقية نفسي أصلا.
عقد عبدالعظيم حاجبيه بحيرة ثم تحدث:
- مع الأسف دي حياة المُغتربين يا جوداء، وبعدين ماله صوتك غريب كده ليه؟، إنتِ كنتِ بتبكي يا جوداء؟
ودون إرادة منها انهمرت عبراتها من جديد، وسمع والدها شهقاتها، قال عبدالعظيم بقلق:
- مالك يا جوداء؟
أردفت بصوتٍ متهدج:
- أنا بس مخنوقة، الدنيا هنا وحشة أوي.. بقيت أتصرف تصرفات غريبة عشان بس أحاول أدافع عن ديني ومبادئي، وخايفة أصحى في يوم من الأيام ألاقي إن كل اللي بيحصل حواليا ده بقا بالنسبالي عادي.. حاسة إن كل حاجة باقت ضغطاني في الفترة الأخيرة.
تحدث والدها بعتاب:
- وبعدين ياجوداء؟ هتفضلي عندك كده لحد إمتى؟ قولنالك مليون مرة خلاص هنجهز باقي حاجة أختك من الجمعيات، وانتِ اقعدي في البيت وارتاحي، انتِ محتاجة تريحي دماغك.
زفرت جوداء ببطء:
- إنت عارف ردي...
زفر عبدالعظيم بحيرة:
- طبعا عارف، وهو إن شغلك تريند في إيطاليا واستحالة تسيبيه وكمان بتقبضي مرتب الكل بيحلم بيه، وبعدين؟ ونفسيتك؟ وراحتك؟ فكرتي في دول؟
صمتت جوداء قليلاً ثم أردفت:
- انت عندك حق يابابا، عامةً فكرة إني أرجع بقلبها في دماغي، لو لقيت نفسي بقع وبضيع مش هيكون قدامي أي حل تاني غير إني أرجع مصر.
زفر عبدالعظيم بارتياح ثم أردف قائلاً:
- وأنا بدعي ربنا دايما في كل لحظة إنه يوقف في طريقك ولاد الحلال، تعرفي.. مهما اتعرضتِ لمواقف في الحياة فانتِ كسبانة طول مانتِ بتعافري إنك تحافظي على دينك ومبادئك يا جوداء، وأنا واثق فيكِ إنك عُمرك ماهتخذلي نفسك قبلنا يا حبيبتي.
صمت الإثنان قليلاً ثم تحدث عبدالعظيم قائلاً:
- جوداء.
- نعم يابابا؟
- أنا عارف إنك واخدة قرار وانتِ لما بتاخدي أي قرار مبترجعيش فيه، بس عادل كلمني تاني.. بيحاول إنكم ترجعوا، شكله شاريكِ يابنتي.
التمعت عينا جوداء بالدموع من جديد وفي تلك اللحظة أتى ديميتري على بالها في كل لحظة كانا بها سويًا، زفرت بهدوء:
- بابا، إنت عارف قراري واستحالة أرجع فيه.
- مانا عشان كده بقولك الموضوع ده، فكري كويس.. يمكن انتِ محتاجة ترجعي مصر تأسسي حياتك من تاني، وتتجوزي بني آدم كويس زي عادل وتعملي أسرة خاصة بيكِ، وقتها هترتاحي.
ابتلعت جوداء غصتها:
- وحتى لو.. أنا خلاص مش بفكر في الجواز.
أتاها صوته مستفهمًا:
- إزاي يعني؟
- حاليًا يابابا، أخلص من الدوشة دي وبعد كده هبقى أفكر في الموضوع ده.
زفر والدها باستسلام:
- برحتك يابنتي، اللي تشوفيه.
أغلقا سويًا ثم عادت بتفكيرها من جديد نحو ديميتري، ثم وقعت عينيها على المِحرمة التي أعطاها إياها بالأمس حيث كانت على الكومود بجانبها.. التقطتها وأخذت تستنشق رائحته العالقة بها... ثم أردفت بشرود:
- لازم أنساك، وده الصح.
اعتدلت من فراشها بصعوبة وخرجت من الغرفة واقتربت من سلة المُهملات وألقت المحرمة بها ثم أغلقت السلة، والتفتت للخلف حينما خرجت جلوريا من غرفتها.. اقتربت نحوها جوداء ببطء..
- صباح الخير جلوريا.
ابتسمت جلوريا بهدوء حينما سمعت صوتها:
- صباح الخير، جوداء.. كيف حالكِ الآن؟
زفرت جوداء بارتياح قائلة:
- أنا بخير، أعطني يدك لأدلكِ نحو الأريكة.
أمسكت يدها وساعدتها وأجلستها فوق الأريكة وجلست جوداء بجانبها.. صمتت جلوريا لثوانٍ ثم تحدثت وهي تنظر إلى الفراغ:
- ماذا حدث؟ إذا أردتِ أن تتحدثي فقط أخبريني بالأمر.
رمقتها جوداء بهدوء وشعرت جلوريا بأن الهواء أصبح ثقيل بسبب صمتُ جوداء، أردفت بسرعة:
- أعتذر جوداء، لن أتدخل في الأمر مُجددًا.
زفرت جوداء بهدوء:
- لا توجد مشكلة، إن الأمر ومافيه أنني اخترت نفسي وديني عن الحب.
ظلت جلوريا صامتً لا تدري ماذا تُجيب.. ضحكت جوداء بخفة بسبب صمتها:
- لا أدري هل فهمتي من الأساس أم لا جلوريا، ولكن لن يفهمني أحد لأنكم مختلفون عني، عالمكم جميعًا غير عالمي.
صمتت جوداء قليلاً ثم أردفت بشرود:
- حاولت كثير أن أتعامل مع عالمكم ولكن صعبٌ أن يتحمله أحد، هذا العالم ملوثٌ بالدماء وكل شيءٍ يُمكِنُ ان يتخيله أحد، ولا أقول أنني ملاك، لأنني لست معصومة من الخطأ أيضًا وأحاول أن لا أعصى الله وحينما أعصاه أطلب منه المغفرة.. ولكن هُنا مافيا تعلمين؛ فالأمرُ مختلف بالطبع..
صمتت جوداء قليلا ثم زفرت بارتياح:
- الحمدلله، أتمنى أن يُبعدني الله عنهم جميعًا لأنني أريدُ الجنة وها أنا أُقاتل لأفوز بها.
أخذت جلوريا تتحسس الأريكة حتى وصلت عند يد جوداء وربتت عليها قائلةً بابتسامة لطيفة:
- أفهمكِ جوداء، أعني أن هذا العالم مُظلِم بالطبع.. والمرء يُقاتل في حياته لأجل أن يفوز بالنهاية السعيدة.. أفهمكِ حقًا.
همهمت جوداء وهي شادرة.. ثم قالت:
- أنا حزينةٌ كثيرًا جلوريا، وأشعر أنني أريد أن أخرجَ صدقة.. ما رأيكِ بأن تُرافقينني؟
تحدثت جلوريا بحيرة:
- ماذا؟ ماهي هذه الصدقة؟
ابتسمت جوداء ببطء ثم أردفت بتوضيح:
- إنه خير يفعله المرء حينما يكون حزينًا أو مريضًا أو أي حالٍ هو به.. بنية التقرب إلى الله عز وجل والشفاء أيضًا مما عليه المرء، والصدقة تكون سري ولكنني أخبرتكِ بها لأنني أريدكِ أيضًا أن تُخرجي صدقةً لكِ، لأنكِ تحتاجين لهذا أيضًا.
تحدثت جلوريا بحيرة:
- حسنًا، ساذهب معكِ وساٌخرِجُها.. ولكن إلى أين؟
ابتسمت جوداء بهدوء:
- هناك الكثير من الاماكن والأشخاص أيضًا يحتاجونها، سأتجهز الآن ثم سأساعدكِ أيضًا.
أومأت جلوريا ببطء، للتتركها جوداء لدقائق قليلة ثم عادت بعد ذلك وساعدتها في ارتداء ثيابها.
كانت سيلفانا جالسة بالسيارة بالخلف وبجانبها كارلا تنظر حولها بابتسامة وهي ترى ضخامة تلك السيارة.. ثم التفتت نحو سيلفانا التي كانت ترمُق هاتفها بهدوء ثم زفرت بضيق بعد ذلك لتتقابل عينيها مع خاصتي كارلا لتقول بحيرة:
- ماذا هُناك؟
أجابتها سيلفانا بضيق:
- لم يُهاتفني سايلِس، كما أنه قد أخبرني سابقًا أنه سوف يَمُرُ علي يوميًا لنذهب للعمل سويًا ولكنه لم يأتِ ولم يُهاتفني حتى!
تحدثت كارلا بحيرة:
- من الممكن أن يكون مشغولاً سيلفانا.
رمقتها سيلفانا بهدوء ثم عادت تنظر أمامها من جديد:
- لا إن الأمر مختلف تلك المرة.
ثم ابتهجت ملامحها فجأة مما جعل كارلا تتعجب من تغيراتها السريعة تلك، حيث أردفت سيلفانا قائلة:
- لا بأس، سنحُل خلافاتنا سويًا اليوم.
وبعد مرور دقائق قليلة ودعت سيلفانا كارلا في المصعد حيث ترجلت منه الثانية في الطابق الذي تعمل به بينما ظلت سيلفانا بداخله تنتظر الوصول لطابقها، وحينما وصلت للطابق ترجلت من المصعد بخطوات متعجلةٍ قليلة لكي تصل مكتبها والذي يكون أيضًا مكتب سايلِس، دلفت داخل المكتب بهدوء لتجده جالسًا خلف مكتبه، بينما كانت سترته السوداء معلقة بانتظام على ظهر الكُرسي.. لم ينتبه إلى دخولها إذ كان تركيزه منصبًا على بعض الأعمال التي يُنهيها وبدا واضحًا لها أنه حضر إلى الشركة قبل الجميع.
حمحمت سيلفانا، ثم أردفت بصوتٍ مسموع:
- صباح الخير.
رفع سايلِس رأسه بهدوءٍ نحوها، كانت ملامحه جادة ورسمية إلى حدٍ جعلها تتوقف للحظة، كان ذلك سايلِس العملي وليس حبيبها الشرير الذي بدأت ترى وجهه الحقيقي منذ الآونة الأخيرة، من يجلس أمامها الآن يكون رئيسها بالعمل وليس حبيبها، انتبهت إلى يده حين رفعها ليتفقد ساعته ثم قال ببرود:
- متأخرة دقيقة، آنسة سيلفانا.
رمقها بنظرة هادئة، ثم أضاف:
- خصم نصف يومٍ من راتبكِ.
شهقت سيلفانا بذهول:
- ماذا!!!!
رفع سايلِس عينيه إليها، ورمقها بنظرة سوداوية لثوانٍ ثم أردف بهدوء:
- كما سمعتي، أنا لا أُكرر حديثي مرتين.
ثم أشار نحو مكتبها..
- اجلسي بمكتبكِ يا آنسة؛ فلدينا الكثير من العمل.
ظلت تحدق به لثوانٍ وكأنها تحاول استيعاب مايحدث، ثم اقتربت منه بحيرة وقالت:
- سايلِس حبيبي، أنا سيلفانا.
رفع حاجبًا واحدًا وظل ينظر إليها ببرود..
- أنتِ لستِ سوى مساعدتي الشخصية، آنسة سيلفانا احفظي حدودكِ جيدًا.
اتسعت عيناها بدهشة:
- ماذا؟
عاد ينظر إلى حاسوبه من جديد وتجاهلها، اقتربت منه أكثر وقد بدأ الضيق يظهر على ملامحها:
- سايلِس، أعلم أنكَ غاضبٌ مني، ولكن...........
قاطعها سايلِس ببرودٍ دون أن ينظر إليها:
- ليس لدي وقتٌ للتحدث في أمور شخصية أثناء العمل.
ابتلعت سيلفانا ريقها وأردفت:
- سايلِس....
- آنسة سيلفانا.
ذلك ماقاله سايلِس بصرامة جعلتها تبتلع باقي كلماتها، ثم رفع عيينه إليها وكانت نظرته باردة:
- اذهبي إلى مكتبكِ.
تحركت من أمامه ثم عاد ينظر من جديد نحو حاسوبه، بينما جلست سيلفانا بمكتبها بتأفف ورمقته بضيق، رفع سايلِس سماعة هاتفه وتحدث للطرف الآخر..
- سيد رومان، خصم نصف يومٍ للآنسة سيلفانا على تأخيرها دقيقة.
ثم أغلق الهاتف وأكمل عمله بينما كانت ترمقه سيلفانا بدهشة بسبب فعلته تلك! لقد نفذ الأمر حقًا لم يكُن مجرد تهديد عابِر! وذلك الأبلَه رومان سينفذ أمره دون تردد، بل سينتهز أي فرصةٍ لإذلالها.
اعتدلت سيلفانا من مقعدها بضيق، ثم التقطت حقيبتها واقتربت من باب المكتب، ثم صرخت بغيظ:
- اللعنة عليك، فلتجعلها يومًا كاملاً أيها الأحمق!
ثم مدت يدها نحو مقبض الباب لتُغادر، إلا أنها ما إن فتحته وهمَّت بالخروج حتى وجدت الباب يُغلق أمامها من جديد، تجمدت في مكانها، واستدارت ببطء لتجد سايلسِ واقفًا خلفها مباشرة.. حيث كانت هي الحائل بينه وبين الباب، كان قريبًا منها وليس ذلك أيضًا بل كان يرمقها بنظرة باردة سوداوية تحمل شيئًا من السادية، جعلت قلبها ينبض بعنفٍ داخل صدرها.
تحدثت بنبرة مهزوزة:
- سايلِس.
لم يُجِبها بل ظل يحدق في عينيها للحظات ثم أمسك بخصرها وجذبها نحوه...
- ماذا تريدين سيلفانا؟ لقد انتهينا في اللحظة التي اخترتهم بها، ولم يعُد هناك شيءٌ بيننا؛ لذلك من فضلك ساعديني في أن أتعامل معكِ كأنكِ مجرد موظفة تعمل لدي بدلاً من أن أطردكِ من هُنا، واللعنة!
صرخ بتلك الكلمات بغضب، بينما ارتجفت سيلفانا بين ذراعيه..
- سايلِس هذا مُجرد خلاف عادي، لا تُضخم الأمور.
انهمرت عبرة من مقلتيها وهي ترمقه بتأثر، بينما وضع سايلِس اصبعه فوق شفتيها يُخرس كلماتها:
- لا.
ظل اصبعه فوق شفتيها للحظات وعيناه لا تفارق عينيها ثم أردف:
- لا تسميه خلافًا عاديًا.
ارتعشت أنفاسها بينما تابع حديثه بنبرة منخفضة أكثر:
- لأنني لم أطلب منكِ أن تنتقلي إلى قصري عبثًا، ولكنكِ يا سيلفانا بتلك الطريقة أنتِ تقفين مع أعدائي ضدي.
وسعت عينا سيلفانا بدهشة، فتابع سايلِس بنظرة أكثر قتامة:
- لقد اخترتِ طرف آل مارينتوس يا سيلفانا، لذلك تحملي ماجنيته على نفسِك.
الفصل السابع والعشرون من هنا