رواية خلف أسوار الحماية الفصل الثامن عشر 18بقلم ملك احمد


رواية خلف أسوار الحماية الفصل الثامن عشر 18بقلم ملك احمد


تحرك تميم في اللحظة التي رأى فيها يد حمزة تمتد نحو ليان.

أمسك بيده سريعًا، وأبعدها عنها بعنف، قبل أن يوجه إليه لكمة قوية جعلته يتراجع إلى الخلف.

وضعت ليان يدها أمام فمها من شدة الصدمة، بينما اتسعت عينا هيثم وهو ينظر إلى تميم وكأنه لم يستوعب ما حدث.

أما وفاء، فاندفعت نحو ابنها سريعًا.

ـ وفاء: حمزة!

جلست بجانبه، وساعدته على النهوض، بينما كان يمسح الدماء عن فمه بنظرات غاضبة.

ـ هيثم: أنت اتجننت؟! إيه اللي عملته ده؟

لم يجب تميم.

اكتفى بنظرة جانبية باردة، ثم وقف أمام ليان، وكأنه يتأكد أولًا من أنها بخير.

ـ تميم: عشان ميتجرأش يلمس حاجة مش بتاعته مرة تانية.

رفع حمزة رأسه إليه بغضب.

ـ حمزة: أنا هعرفك إزاي تمد إيدك عليا!

وكاد أن يندفع نحوه، لكن هيثم أمسكه وأوقفه.

ـ هيثم: بس يا حمزة... قولتلك ده ظابط.

ـ حمزة: سيبني أوريه أنا مين!

رفع تميم حاجبه، ثم نظر إليه بهدوء مستفز.

ـ تميم: حمزة يحيى فؤاد... عندك سبعة وعشرين سنة. ابن المدام وفاء من زوجها السابق يحيى فؤاد. والدتك كانت عايشة في ألمانيا، وهناك قابلت الأستاذ هيثم الفارس واتجوزته...

تجمد حمزة في مكانه.

تابع تميم دون أن تتغير ملامحه.

ـ تميم: كنت خاطب من سنه ومتخرج من جامعة في ألمانيا، قسم هندسة.

ساد الصمت للحظات.

كان حمزة ينظر إليه بصدمة حقيقية.

ـ حمزة: إزاي... إزاي تعرف كل ده؟

ابتسم تميم ابتسامة خفيفة لم تحمل أي ود.

ـ تميم: مفيش حاجة معرفهاش عن أي حد واقف هنا.

ثم اقترب منه خطوة.

ـ تميم: تاريخك كله عندي.

ابتلع حمزة ريقه، بينما تدخل هيثم مرة أخرى.

ـ هيثم: خلاص يا حمزة... قولتلك خلاص.

تنفست ليان ببطء، ثم قالت وهي تنظر إلى تميم:

ـ ليان: يلا نمشي.

التفت إليها تميم.

ـ تميم: أوامر.

ثم مر بجوار حمزة، لكنه توقف أمامه للحظة.

ـ تميم: اتشرفت بمعرفتك.

ابتسم ابتسامة جانبية قصيرة، ثم خرج من المكان، وكانت ليان تسير أمامه.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

في الخارج...

صعدت ليان إلى السيارة، وجلست في مقعدها، بينما اتجه تميم إلى مقعد القيادة.

ما إن تحركت السيارة حتى تنفست ليان براحة.

ـ ليان: مش عارفة بجد هي جت ليه.

ثم اتسعت عيناها فجأة، وكأنها تذكرت شيئًا مهمًا.

ـ ليان: يلهوي!

نظر إليها تميم سريعًا.

ـ تميم: في إيه؟

ـ ليان: نسيت سارة!

ظهرت ابتسامة بسيطة على وجه تميم.

ـ تميم: متخافيش... عرفت إنها راحت عند مامتها من الصبح.

تنفست ليان براحة.

ـ ليان: الحمدلله.

ساد الصمت للحظات، قبل أن تنظر ليان إليه من المرآة.

كان يقود بهدوء، وعيناه مثبتتان على الطريق.

راقبته للحظات، ثم قالت:

ـ ليان: بس عارف...

ـ تميم: إيه؟

ابتسمت وهي تنظر أمامها.

ـ ليان: كنت حاسة إني واحدة من أبطال الروايات.

نظر إليها تميم باستغراب.

ـ تميم: روايات؟ ده كلام فارغ.

ـ ليان: بالعكس!

ثم ضحكت بخفة.

ـ ليان: تخيل كده لو قصة حياتك اتعملت رواية؟

ـ تميم: بس الروايات دي حاجة مش حقيقية... مجرد خيال.

التفتت إليه قليلًا.

ـ ليان: وماذا يا حضرة الضابط... إذا تحوّل الخيال إلى حقيقة، ألا يصبح واقعًا؟

صمت تميم للحظات.

ثم ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه.

ـ تميم: مفيش حاجة مستحيلة.

ثم أضاف وهو يعيد نظره إلى الطريق:

ـ تميم: صدقت ده لما جيت أشتغل هنا. مكنتش أتخيل في يوم إني ممكن أشتغل حارس.

ابتسمت ليان.

ـ ليان: معاك حق... ممكن تكون حاجة كانت بعيدة شوية، بس بقت قريبة.

هز تميم رأسه موافقًا.

وبعد لحظات سأل:

ـ تميم: عايزة تروحي فين؟

ـ ليان: أي مكان.

نظر إليها للحظات، ثم أوقف السيارة أمام أحد المطاعم.

نظرت ليان حولها باستغراب.

ـ ليان: إيه ده؟

ـ تميم: إنتِ مكلتيش من الصبح.

نظرت إليه ليان للحظات، ثم ابتسمت.

ـ ليان: مش عارفة بجد أقولك إيه... شكرًا.

ـ تميم: مفيش شكر على واجب.

فتحت ليان حقيبتها، ثم قالت:

ـ ليان: معاك Credit Card؟

نظر إليها باستغراب.

ـ تميم: أيوه... ليه؟

ـ ليان: هحولك الفلوس.

رفع حاجبه.

ـ تميم: مش هرد.

ـ ليان: ليه؟

ـ تميم: لأن دوري إني أحرسك...

ابتسمت ليان دون أن تجد ما تقوله.

أما تميم، فنزل من السيارة واتجه إلى الداخل ليحضر الطعام.

وظلت هي تنظر إليه من خلف الزجاج، بابتسامة لم تستطع منعها.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

عند دُرّة...

كانت سارة تقف أمام والدتها، وعيناها ممتلئتان بالرفض.

ـ سارة: إنتِ ليه مش مقتنعة إني مينفعش أعمل كده؟

نظرت إليها دُرّة بحدة.

ـ دُرّة: إنتِ اتجننتي؟

ـ سارة: ماما... أنا مستحيل أعمل كده.

اقتربت منها دُرّة.

ـ دُرّة: لو معملتيش اللي بقولك عليه... ولا إنتِ بنتي ولا أعرفك.

نظرت إليها سارة بألم.

ـ سارة: هي علاقتي بيكي مرتبطة بالمؤامرات؟

ـ دره أنا مودّياكي هناك عشان حاجة معينة... متنسيش لازمتك إيه هناك.

ثم ارتفع صوتها وهي تحاول كتم دموعها.
ـ سارة: أبيع واحدة خلتني أنام عندها، وآكل من أكلها، وأشرب من شربها؟ أخونها كده عادي وأمضيها على ورق لمجرد إنك عايزة شوية أملاك؟

ساد الصمت للحظات.

ثم...

صفعتها دُرّة.

وضعت سارة يدها على وجهها، بينما كانت الدموع تنزل من عينيها دون توقف.

نظرت إلى والدتها للحظات، وكأنها تحاول أن تستوعب أن المرأة التي أمامها هي أمها.

ـ سارة: أنا مش راجعة هنا تاني يا ماما.

ثم أخذت حقيبتها، واتجهت إلى الباب.

وقبل أن تخرج، توقفت للحظة، لكنها لم تلتفت.

ثم غادرت.

أغلقت دُرّة عينيها للحظات، وجلست على الأريكة وهي تفكر...

ماذا ستفعل الآن؟

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

عند ليان...

جلس الاثنان في أحد الأماكن الهادئة لتناول الطعام.

جلست ليان إلى جوار تميم، بينما بدأت تنظر إليه بنظرات فضولية.

ـ ليان: عندي أسئلة كتير أوي.

ـ تميم: لا.

رفعت حاجبها.

ـ ليان: غريبة... دي أول مرة آكلك فيها حاجة.

نظر إليها بهدوء.

ـ تميم: عادي... يوم واحد مش هيضر.

ابتسمت ليان، ثم قالت:

ـ ليان: بص... أنا دلوقتي صحبتك، صح؟

نظر إليها بطرف عينه.

ـ تميم: مين قال؟

ـ ليان: أنا.

نظر لها ...

ـ ليان: عايزاك تقولي شوية معلومات عن تميم... مش تميم الضابط.

صمت قليلًا.

ـ تميم: هو هو.

هزت رأسها بالنفي.

ـ ليان: لأ. تميم الضابط كل همه الشغل، والمهمات، والحاجات الصعبة.

ثم نظرت إليه باهتمام.

ـ ليان: لكن تميم الإنسان... أكيد ليه حياة تانية. حياة طبيعية، مفيهاش مهمات ولا خطر طول الوقت.

تنهد تميم، ثم وضع الملعقة جانبًا.

ـ تميم: عايزة تعرفي إيه عني؟

ابتسمت ليان.

ـ ليان: كل حاجة.

ـ تميم: ليه؟

ـ ليان: عشان إحنا صحاب.

نظر إليها للحظات، ثم قال:

ـ تميم: ماشي.

ابتسمت بانتصار.

ـ تميم: اسمي تميم.

رمقته بنظرة مستنكرة.

ـ ليان: عارفة! قول حاجة غيرها.

ـ تميم: عندي تمانية وعشرين سنة.

ـ ليان: وإيه تاني؟

ـ تميم: أنا نص روسي ونص مصري. والدتي روسية ووالدي مصري.

نظرت إليه بضجر مصطنع.

ـ ليان: تميم... الموضوع ممل. أنا عارفة كل ده، إنت قولته قبل كده، باختلاف سنك بس.

ابتسم تميم.

ـ تميم: معنديش حاجة تانية.

ثم نظر إليها.

ـ تميم: إنتِ بقى قوليلي عنك.

ـ ليان: أقولك إيه؟

ـ تميم: أي حاجة.

تنهدت ليان.

ـ ليان: أنا ليان الفارس، عندي أربعة وعشرين سنة.

ابتسم تميم.

ـ تميم: عارف... حتى زمرة دمك عارفها.

توقفت عن الكلام.

ـ تميم: قولي حاجة غيرها.

ابتلعت ليان ريقها، وشعرت بشيء من التوتر.

ثم قالت:

ـ ليان: حاسة إني قاعدة مع رجل مافيا مش ظابط.

ابتسم  تميم.

ـ تميم: متخافيش... دي حاجة طبيعية. كوني ظابط معناها إني لازم أبقى عارف أصغر تفصيلة عن كل حاجة.

ثم نظر إليها.

ـ تميم: قولي حاجة مختلفة.

ترددت ليان.

ـ ليان: زي إيه؟

ساد الصمت للحظات.

ثم قال تميم بهدوء:

ـ تميم: علاقتك بوالدك.

توقفت أنفاسها للحظة.

كانت الكلمة وحدها كفيلة بأن تمحو الابتسامة من وجهها.

شعرت وكأن الزمن توقف حولها.

خفضت عينيها إلى طبقها، وقالت بصوت خافت:

ـ ليان: مش بحب أتكلم في الموضوع.

نظر إليها تميم.

ـ تميم: بس ده غش.

رفعت عينيها إليه.

ـ ليان: ليه؟

ـ تميم: عشان أنا قولتلك كل حاجة... وإنتِ لأ.

ظلت صامتة للحظات.

ثم أخذت نفسًا عميقًا.

ـ ليان: مكنتش عايشة زمان معاه... كنت عايشة مع ماما.

انتظرها تميم دون أن يقاطعها.

ـ ليان: بعد ما اتعرف على مراته الجديدة، ماما متقبلتهاش... وهو قالها إنه هيختارها.

توقفت للحظة، وكأنها تسترجع شيئًا تتمنى لو أنها تستطيع نسيانه.

ـ ليان: وطرد ماما من البيت.

نظر إليها تميم باهتمام.

ـ ليان: وفضلت أنا وهي في الشارع لمدة شهر... لأن أهل ماما كانوا بعيد عن هنا، خصوصًا إنها أصرت إنها تتجوزه.

خفضت عينيها.

ـ ليان: وبعد مدة، جدو لقانا.

ابتسمت ابتسامة باهتة.

ـ ليان: خدنا نعيش عنده في القصر، مع إنه كان مقاطع بابا من زمان... لسبب محدش يعرفه لحد دلوقتي.

ظل تميم يستمع إليها بصمت.

ـ ليان: عشنا هناك... وماما توفت بعد سنتين.

ساد الصمت.

ثم أكملت ...

ـ ليان: وبعد فترة، والدي قرر إني أروح أعيش معاه.

رفع تميم عينيه إليها.

ـ ليان: جدو رفض، لكنه قال إن ده من حقه.

أخذت نفسًا متقطعًا.

ـ ليان: وبمجرد ما رحت هناك... شفت كل أنواع العذاب.

تغيرت ملامح تميم.

لكن ليان تابعت:

ـ ليان: كانت بتأذيني، وتخليني أنضف وأعمل حاجات طول الوقت... وده غير ابنها.

ضغطت على أصابعها فوق الطاولة.

ـ ليان: كان بيأذيني بكل طريقة ممكنة... يحط حاجات في طريقي عشان أتعثر، ويعمل حاجات تخليني أخاف كل ما أمشي في البيت. وقزاز في الأرض 

صمتت.

ثم رفعت عينيها إليه.

ـ ليان: بس... دي حكايتي.

لم يجب تميم للحظات.

كان ينظر إليها، وكأن الكلمات التي قالتها تركت داخله أثرًا أكبر مما أراد أن يظهر.

ثم قال بهدوء:

ـ تميم: آسف.

نظرت إليه باستغراب.

ـ ليان: ليه؟

خفض عينيه للحظة.
ـ تميم: آسف عشان خليتك تحكي حاجة إنتِ مكنتيش عايزة تحكيها.

ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة.

ـ ليان: لا... عادي.

ثم نظرت إليه بثبات.

ـ ليان: بس أنا دلوقتي عاملتك صديق.

توقفت للحظة، ثم أكملت:

ـ ليان: واديتك سري... مع إن عمري ما عملت كده قبل كده.

نظر إليها تميم.

كانت عيناه تحملان وعدًا واضحًا.

ـ تميم: وأنا قد السر.

ابتسمت ليان.

وللمرة الأولى منذ وقت طويل، شعرت أنها قالت ما بداخلها أمام شخص لن يستخدمه ضدها.

لكن قبل أن تقول شيئًا...

رن هاتف تميم.

نظر إلى الشاشة، ثم أجاب.

ـ تميم: ألو؟

ساد الصمت للحظات.

ثم تغيرت ملامحه فجأة.

اعتدل في جلسته، وأصبح صوته أكثر جدية.

ـ تميم: بتقول إيه؟




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة